رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل التاسع والعشرون
عاد «بارق» إلى عمله بعد أن أنهى لقاءه مع «مرزوق»، ودلف إلى مكتبه ثم جلس على مقعده بإرهاق. لم تمضِ سوى دقائق قليلة حتى استمع إلى طرقات على الباب، فردد:
- ادخل.
دلفت «فاطمة» إلى الداخل وجلست على المقعد المقابل له، فقطب جبينه قائلًا:
- مالك يا فاطمة؟ فيه حاجة ولا إيه؟
أومأت برأسها إيجابًا وهتفت:
- أيوة، فيه حاجة. تقريبًا أنا عرفت الخاين اللي بينا.
دب الرعب والقلق في قلبه، فهتف باعتراض:
- برضه خاين؟! ما اللواء أيمن قال إن مفيش خاين بينا وإنه واثق فينا كلنا.
ابتسمت ووجهت إليه نظرات مليئة بالتحدي وقالت:
- هو فعلًا قال كده، بس لأنه عمره ما يتخيل إن جوز بنته هو ديل مرزوق اللي بينا.
نهض من مكانه وانفعل عليها قائلًا:
- أنتِ إيه اللي بتقوليه ده يا فاطمة؟! أنتِ اتجننتِ؟! إزاي تتهميني اتهام زي ده في حين إن لما رماح شك فيكي كنت أول واحد دافع عنك؟
نهضت هي الأخرى ورفعت صوتها قائلة:
- اللي بقوله يا بارق هو الحقيقة. كنت بتعمل إيه مع مرزوق من شوية؟ كنت بتتطمن عليه ولا وحشك فروحت تشوفه؟
في تلك اللحظة أدرك أنها كانت تراقبه، وأنها أصبحت تعرف كل شيء، فعاد ليجلس من جديد قبل أن يوجه بصره إليها قائلًا:
- بتراقبيني يا فاطمة؟!
حركت رأسها بأسف قبل أن تقول:
- كانت صدفة. وشك وقت الاجتماع جاب مليون لون لما اللواء أيمن قال خطته، وكأن اللي حصل ده صدمة ليك قبل ما يكون صدمة لمرزوق. توقعت إنك تروح تبلغه بالمعلومات لكن مش بالسرعة دي. ليه يا بارق؟ ليه تعمل كده؟ ناقصك إيه علشان تخون فريقك وعيلتك؟! طب ما فكرتش في تنة؟ المسكينة اللي للمرة التانية جوزها يطلع خاين. أنت كنت العوض ليها عن اللي شافته في حياتها، وتقوم تكمل عليها بالشكل ده؟!
ضم رأسه بين كفيه، بينما تابعت هي بنبرة تحمل اللوم والعتاب:
- تخون اللواء أيمن اللي دخلك بيته وجوزك بنته واعتبرك فرد من العيلة؟! ولا طيف اللي بيعتبرك أخوه، مش مجرد جوز أخته؟! وثقوا فيك ثقة عمياء وأنت تيجي بكل بساطة وتطعنهم في ضهرهم؟!
هتف بنبرة منكسرة تحمل الألم:
- غصب عني يا فاطمة. من قبل ما يحصل كل ده كان مرزوق معرفة، وكان بينا كلام وصداقة خفيفة، لغاية ما عرض عليا فلوس عمري ما كنت أحلم بيها. في الأول رفضت لكن مع الوقت الفلوس زغللت عيني. فلوس لو اشتغلت طول عمري ما كنتش هجمع ربعها. فكرت في تنة وبنتي حبيبتي، وقررت أبني لهم حياة أفضل وأعيشهم في مستوى أعلى.
هتفت معترضة:
- مين قالك إنهم محتاجين يعيشوا في مستوى أعلى؟! هم عايشين أفضل عيشة بالحلال وفي المستوى اللي حابينه وعاشوا فيه طول عمرهم.
نهض من مكانه من جديد وتحرك خطوة نحوها وهو يقول:
- فاطمة أنتِ مش هتقولي ليهم صح؟
نظرت إليه بأسف قبل أن تقول:
- ما كنتش عايزة أقول، علشان صدمتهم فيك هتكون كبيرة أوي. لكن ده شر لا بد منه يا بارق، لأن وجودك بينا بقى خطر خصوصًا بعد ما قلت لمرزوق كل حاجة.
زفر بقوة قبل أن ينظر إليها بجدية ويقول:
- عايزة كام وتسكتي؟! مليون؟! اتنين؟! ولا أقولك خمسة مليون؟ ها ايه رأيك؟ عرض مش هيتكرر تاني.
رمقته بصدمة وهتفت بضيق واضح:
- أنا مش مصدقة عيني. لا يا بارق أنا مش رخيصة علشان أبيع نفسي زيك بالفلوس.
تركت المكتب ورحلت، بينما أسرع هو بجمع أشيائه استعدادًا للهروب قبل أن ينكشف أمره أمام الجميع.
التقى «نائل» بزوجته «ياسمين» في مكتب اللواء «أيمن» بعد أن طلبهما على هامش التحقيقات.
وجه بصره إليها وقال بعتاب واضح:
- ياما قلتلك إني مش متطمن لشراكة مرزوق يا ياسمين، وكنتِ بتقولي إن إحساسي غلط وإني ظالمه وبفتري عليه. شوفتي دلوقتي إحنا بقينا فين؟ بقينا مسجونين زي المجرمين والمجرم الحقيقي برا معاه حريته بعد ما سرقها مننا.
ضمت وجهها بين كفيها بعد أن انهمرت دمعة من عينيها، وهتفت بنبرة يملؤها الندم:
- مكانش في دماغي إن كل ده ممكن يحصل يا نائل. مرزوق من أشهر وأغنى رجال الأعمال في مصر، ومشاركتنا ليه كانت هتغير مسار حياتنا كلها. ما جاش في بالي إن شغله كله قذر بالشكل ده. أنا لغاية دلوقتي مش مصدقة والصدمة مش بتفارقني. سامحني يا نائل علشان أنا اللي دخلتك في كل الحوارات دي وخليتك تخش مكان عمرك ما كنت هتدخله. للمرة التانية باخد درس عمري ما هنساه.
***
انتهى اليوم، وانطلق «زاخر» إلى سيارته التي قادها نحو منزله. لكنه أثناء سيره توقفت سيارة بعرض الطريق، فضغط على الفرامل بقوة. وقبل أن يتمكن من الرجوع بالسيارة إلى الخلف جاءت سيارة أخرى من العدم وأغلقت الطريق خلفه.
عندها أدرك أن أمره قد انتهى، فأخرج سلاحه وقرر المواجهة، حتى لو كان الثمن حياته.
ترجل من السيارة وأطلق الرصاص نحو السيارة التي كانت أمامه، ثم سرعان ما حول فوهة مسدسه نحو السيارة الأخرى. لكنه تلقى سهمًا مخدرًا في رقبته أُطلق من مسدس مخصص للتخدير، فسقط على الفور بعد أن فقد وعيه.
***
فتح عينيه بعد أن استعاد وعيه من جديد، ليقع بصره على «مرزوق» الذي قال بابتسامة واسعة:
- صباح الخير، ولا خليها مساء الخير إحنا بقينا بعد نص الليل.
اعتدل «زاخر» في جلسته، موجهًا بصره نحو «مرزوق» الذي تابع:
- تعرف؟ شكلك كيوت أوي وأنت نايم. اللي يشوفك ما يتوقعش خالص إن يطلع منك كل اللي طلع ده.
هنا جاء دور «زاخر» فقال معترضًا:
- ايه اللي طلع مني؟! مش نفذت كل اللي طلبته مني؟ ولا أنت بتهرب علشان ما تدفعش الفلوس؟
ضحك «مرزوق» بصوت مرتفع وقال:
- بتعرف تمثل برضه ودي موهبة على فكرة. كان نفسي تنميها بس للأسف الموهبة هتتدفن معاك. اللي يخون مرزوق الشيمي ما ينفعش يعيش.
أخرج «مرزوق» مسدسه وتابع:
- اديتك فرصة علشان تبقى بني آدم، وأنت ضيعتها. كان لازم أتوقع خيانتك. روحت بخيت بكل حاجة لأيمن علشان تكسبه لصفك ويرضى يجوزك بنته بس للأسف ما حسبتهاش صح. أديك لا كسبت فلوس ولا كسبت حبيبة القلب.
وجه فوهة سلاحه إلى رأسه وأردف:
- ما تقلقش، هبعتلك أيمن قريب علشان يونسك.
في تلك اللحظة ارتسمت ابتسامة على وجه «زاخر» وهتف:
- مبروك يا مرزوق يا شيمي، أنت وقعت في الفخ اللي اتعملك وشكلك كده هتسافر على اللوبي قبلي. دول مجهزينلك حبل مشنقة إنما ايه.. شياكة، هياكل حتة من رقبتك إن شاء الله.
في تلك اللحظة اقتحمت القوات المكان بقيادة اللواء «أيمن» بصحبة بعض أفراد الفريق. التفت رجال «مرزوق» لمواجهتهم، لكن القوات كانت الأسرع؛ فانطلقت الطلقات ليسقط عدد منهم، بينما ألقى الباقون أسلحتهم وأعلنوا استسلامهم.
اشتعل الغضب داخل «مرزوق»، فصرخ وهو يوجه سلاحه نحو «زاخر»، لكن «أيمن» أسرع وأطلق رصاصة أصابت كتفه مباشرة، فسقط السلاح من يده وانهار على ركبتيه.
تقدم «أيمن» نحوه وعلى وجهه ابتسامة تعكس انتصاره، وهتف:
- شكرًا ليك يا مرزوق على حسن تعاونك.
وضع «مرزوق» يده على موضع الإصابة وقال:
- وصلتوا لهنا إزاي؟
أجابه «أيمن» بعدما اقترب منه:
- اديت لزاخر جهاز تتبع فأنت خطفته وجبته للمخزن اللي مخبي فيه المخدرات بتاعتك فوصلنا ليك بسهولة. وكمان سجلنا اعتراف رسمي من خلال الجهاز اللي كان مع زاخر. ومش بس كده ده إحنا قفشناك متلبس جوه المخزن بالمخدرات.
تألم «مرزوق» وقال بصعوبة:
- مين قالك إن المخدرات دي بتاعتي؟ الكراتين دي عليها لوجو شركة نائل وياسمين، وأنتوا بنفسكم مسكتوا عربية من العربيات وعارفين الكلام ده. المخدرات مش بتاعتي.
ضحك «أيمن»، ثم انخفض حتى أصبح في مستواه وقال:
- المخزن بتاعك وفيه أوراق تثبت ده. وحتى لو المخدرات مش بتاعتك، ايه اللي جابها في مخزنك؟ طب أقولك على القاضية؟ أنا قعدت مع نائل وياسمين قبل ما الشحنة توصل للمخازن أصلًا...
"قــــبـــــل أيـــــــام"
جلس «نائل» على مقعده بجوار زوجته داخل مكتب بأحد البنايات السكنية، بعد أن أبلغهما «طيف» برغبة اللواء «أيمن» في لقائهما بشكل سري دون علم أحد.
دلف «أيمن» وصافحهما بابتسامة، ثم أشار إليهما بالجلوس قائلًا:
- اتفضلوا.
استجابا لطلبه، ثم تحدث «أيمن» قائلًا:
- طبعًا أنتوا مستغربين أنا جايبكم هنا ليه بالسرية دي.
أومأ «نائل» برأسه وقال:
- الصراحة أيوة، أنا من ساعة ما عرفت وأنا قلقان.
ابتسم «أيمن» وقال على الفور:
- ما تقلقش يا نائل، أنا هنا علشان أساعدكم وألحقكم قبل ما تقع الكارثة.
ثم بدأ يكشف لهما حقيقة «مرزوق» وسط صدمتهما الكبيرة مما يسمعان. نظر «نائل» إلى «ياسمين» نظرة حملت الكثير من اللوم والعتاب قبل أن يقول:
- طيب والحل يا سيادة اللواء؟
تحدث «أيمن» بهدوء وشرح خطته:
- الحل أبسط مما تتخيل. هنعمل خطة نوقع بيها مرزوق والخطة دي لازم تكون من غير ولا غلطة. أول حاجة أنت هتتنازل عن حقك في الشراكة لمرزوق، يعني لازم يكون هو المالك الوحيد للشركات اللي بينكم. وطبعًا هتعمل ده من غير ما يعرف أي حد نهائي، أنت وياسمين بس اللي هتكونوا عارفين. ومش بس كده أنت كمان هتتنازل له عن مخزن الشركات بحيث يبقى هو المالك الرسمي ليه.
أنت قلتلي إن فيه شحنة كبيرة من مستحضرات التجميل جاية تتخزن وبعدها تتوزع بعد الشراكة بينكم، وبنسبة كبيرة الشحنة دي هتكون مخدرات. علشان كده هتتعاملوا بشكل طبيعي جدًا وكأنكم ما تعرفوش حاجة. عربيات الشركة هتنقل المخدرات على أساس إنها رايحة للوكلاء بتوعكم في مصر لكن في الحقيقة هتروح لمخزن مرزوق اللي إحنا ما نعرفش عنه حاجة. هنمسك عربية من العربيات، وبعدها هيتم القبض عليكم بتهمة الاتجار في المخدرات. وطبعًا مرزوق هيبلع الطعم وبقية الشحنة هيخزنها في المخزن بتاعه. أما الوصول للمخدرات داخل مخزنه فدي لعبتي أنا وفي الأول والآخر كل اللي هيتمسك هيكون تابع ليه، بعد ما اتنازلتم له عن كل حاجة.
صمت للحظات ثم تابع:
- أنا مش عايز مخلوق يعرف بالخطة اللي بينا حتى زين أخوكي يا ياسمين، أنا نفسي هعمل نفسي مش عارف حاجة خالص وقت ما يحصل حاجة علشان أنا ماشي بمبدأ طالما إحنا مش شاكين يبقى هم مش هيشكوا، كل حاجة لازم تتم طبيعي جدا
"الـــوقـــت الــحـــــالـــــي"
انتهى «أيمن» من سرد خطته، ثم قال:
- يعني حتى لو ما كنتش وصلت للمخزن ده، كانت المخدرات اللي اتمسكت هتكون بتاعتك برضه لأن المخزن بعربياته بقى ملكك، وكمان الشركات اللي شاركتهم فيها بقت باسمك. يعني نائل اتغدى بيك قبل ما أنت تتعشى بيه.
ظل «مرزوق» يستمع إلى حديثه بصدمة كبيرة، وما إن انتهى «أيمن» حتى قال:
- أنت تعلب يا أيمن. غلطتي إني استهونت بيك من البداية. بس عندي سؤال محيرني، أنت عرفت إني عرفت إن زاخر خاين وإني هخطفه علشان أنتقم منه إزاي؟
وقف «أيمن» من جديد وقال بسخرية:
- هو أنا ما قلتلكش؟
وفي تلك اللحظة دلف «بارق» إلى المخزن وهو يقول بصوت مرتفع:
- سامو عليكووو... فيه عندكم مخدرات؟ أصل أنا مدمن أوي
ضربت الصدمة «مرزوق» الذي تمتم بصوت يكاد لا يُسمع:
- بارق؟!
