رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم نورهان ال عشري


 رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني  ( هل من سبيل للغفران) الفصل التاسع والعشرون 

بسم الله الرحمن الرحيم 
هل أخبرتكَ يومًا عن حالي قبل أن ألقاك؟

كانت جميع فصول عمري عبارةً عن خريفٍ تخلى عنه الشتاء، فلم يأتِ ربيعه أبدًا، وأبى الدفء أن يقترب مني خوفًا من أن تبدده رياحي الجافة.

قبل أن ألقاك لم أكن شخصًا يعرف كيف يبتسم أو كيف يحيا.. كانت الحياة من حولي شيئًا مألوفًا للجميع، غريبةً عني، وكأنني أعيش طوال عمري في مدينةٍ لا أفهم لغة شعبها؛ أبحث في وجوه سكانها عن ملامح تشبهني فلا أجد، فأمضي وحيدةً يائسة.

فكل الأشياء من حولي قبلك كانت باهتة، منزوعة البهجة، موحشةً كبيتٍ مهجور تسكنه أشباح الذكريات، ولم تعد تطأه الأقدام.

واليوم.. قابلتك، لتخلع الحياة عنها ثوب المرأة القبيحة، وترتدي البرزخ الذي رأيته بين يديك. أعترف بأنني لم أشعر بأن قلبي ينبض إلا حين التقيتك، ولكنك يا حبيبي مُخيفٌ بقدر ما أنت مُذهِل. رجلٌ يعرف كيف يخوض معاركه وينتصر بها دون أن يهتز له جفنٌ من الخوف، رجلٌ شُيِد من صلابة الجبال وشموخها. أرى في عينيك هيبة الفارس وقسوة المحارب الذي لم ينجُ من بطش سيفه عدوّ، تبتسم للعواصف وكأنهم أصدقاؤك القدامى، وتعبُر بقاربك الفولاذي بين الأمواج العاتية دون أن تنجرف تحت وطأة عنفوانها. بينما أنا.. برعمٌ رهيفٌ نبت على حافة الجحيم ليرى بك سبيله الوحيد للنجاة، ويتمنى لو ينمو آمنًا بين كفيك، ويُبصر النور في كنفك، ولكنه يرتجف رهبةً أمام كبريائك الطاغي، ويرتعب من أن تدهسه خطواتك الواثقة، أو أن ينال نصيبه من قسوتك التي لم تتعلم لغة الضعف يومًا.. فبالله عليك أخبرني: كيف لقلبٍ أرهقه الخريف لأعوامٍ أن يصمد في مواجهة إعصار حضورك؟"

نورهان العشري ✍🏻 

🍁🍁🍁🍁

كان يجلس خلف مقعده بملامح مُكفهرة، وعينين تماوجت بها المشاعر والتي كان على رأسها الألم، ليستمع إلى طرق على باب مكتبه، فأعطى الإذن بالدخول دون أن يرفع رأسه من الأوراق أمامه، فإذا به يستمع لصوت خطوات هادئة عرفها على الفور ليرفع رأسه ناظرًا إلى أشجان التي كانت تقدم خطوة و تؤخر الثانية لتشتبك عينيه البنية مع خاصتها الزمردية في حديث صامت مليء بالعتب قطعه صوتها الخافت حين قالت:

ـ ممكن أخد من وقتك دقايق؟

استفهامًا لا يحتمل الرفض بالنسبة إليه فبالرغم من كل هذا الألم بداخله، فهو حتماً لن يردها مكسورة الخاطر أبدًا:

ـ أكيد. اقعدي.

اطاعته بصمت، وقد حاولت جاهدة السيطرة على جموح عبراتها التي تهدد بالهطول مما جعل نبرتها مُتحشرجة حين قالت:

ـ خالد.

طافت عينيه فوق ملامحها بقلق ارتسم بوضوح في عينيه ولكنه حاول طمسه من لهجته حين قال:

ـ سامعك.

كانت شفتاها ترتجف و عينيها تفصحان بقوة عن ألمها الذي تناثر فوق خديها وهي تقول بنبرة جريحة:

ـ أنت لسه زعلان مني!

كان ألمها إضافة قوية إلى وجعه الكبير منها، لذا قام بمد محرمة ورقية لها لتمحو عبراتها التي تهبط كالصخور فوق قلبه فتناولتها منه بأيدٍ مرتجفة ليتضاعف الألم بداخله مما جعله ينصب عوده متوجهاً إلى المقعد المقابل لها وهو يناظرها بعتب تجلى في نبرته حين قال:

ـ افتكر انك مش جاية تسأليني عن سؤال أنتِ عارفة إجابته كويس.

أومأت برأسها بالموافقة وهي تبكي بقهر تجلى في نبرتها حين قالت:

ـ صح. أنا مش جاية عشان كدا.

لم يكن باستطاعتها النظر في داخل عينيه التي كانت تعاتبانها بقسوة لتحاول التحلي بالشجاعة حين قامت بمحو عبراتها قبل أن ترفع رأسها إليه وهي تقول بنبرة هامسة:

ـ أنا حامل يا خالد.

جملة واحدة كفيلة بجعل تروس عقله تدور بلا هوادة، فقد كانت نظراته شاخصة بشكل مُريب، ملامحه جامدة، و كأن بارود الصدمة أفقدها قدرتها على التعبير، لتمر ثوان قبل أن يقول بنبرة مبحوحة:

ـ أيه؟

كانت دقات قلبها تقرع كالطبول وهي تراقب معالمه، وردة فعله على هذا الخبر الذي منذ أن عرفته هذا الصباح، وهي تشعر بأنها في فلكٍ مغاير لكوكب الأرض، كأنما خُلقت من جديد،  ولكن هناك خوفٌ غامض ينهش سكينة روحها أهي مستعدة حقًا لتكون ملاذًا لهذا المخلوق الصغير وخاصةً في هذه الظروف؟ زلزلها الخبر وجعلها تقف على الحد الفاصل بين الذهول الكامل و الفرحة العارمة التي تكاد تفيض من عينيها. ولكن صدرها كان مرتعًا لجميع التناقضات الخوف من المجهول، و الرهبة لهذا الحدث، و الفرح الذي غسل مرارة الأيام في ثوانٍ معدودة.

​تسمّرت نظراتها فوق ملامحه، ترصد أدق تحولات وجهه، تفتش في عينيه عن جواب، وتحبس أنفاسها ترقبًا لردة فعله. كانت اللحظات تمر دهرًا، وعيناها المتوسلتان تقرآن تقاطيعه كمن ينتظر صك الغفران أو تأشيرة العبور إلى جنة عشقه التي حُرِمت منها

ـ بقولك أنا حامل يا خالد…

​أعادت جملتها لتؤكد أن ما سمعه حقيقي، فتوقفت عيناه على معدتها المُسطحة حيث تتوارى ثمرة عشقه الكبير بين أحشائها. لطالما كان يتمنى حدوث هذا الأمر وبشدة، ولكن معها هي فاق التمني كل الحدود.

 بالرغم من أن خبر الحمل يبدو في ظاهره اعتيادياً، حدث تمر به البشرية كل ثانية لكن الأمر بين يديها تحوّل إلى معجزة وفرحة طاغية لا تسعها اللغات ولا ترويها السطور.

​هو الرجل الصلب، المهيب، الذي لم تكن تهتز له شعرة في أعتى الأزمات، والذي كان يظن أن قلبه قد صُب من حديد، وجد نفسه يقف مذهولاً، تتداعى حصونه المنيعة حصناً تلو الآخر أمام همسها. لقد أنجب من قبل، أو ربما تمنى الإنجاب كأي رجل، لكن أن يكون طفله القادم ممتزجاً بدمائها هي، أن يحمل ملامحها ويعيش في كنف رحمها، فهذا كرمٌ إلهي لم يستوعب عقله كيف هبط عليه دفعة واحدة. شعر بوهنٍ عذب يجتاح ركبتيه، واختنقت حنجرته بغصة فرح غير مسبوقة بالنسبة إليه، لم يذق مثلها طوال سنوات عمره الجافة

ـ أشجان. احنا بقالنا يعني. أنتِ فاهمة قصدي…

هكذا تحدث بأنفاس محرورة و عينين تحيط بها بنظرة شمولية و كأنها تطمئن على كل أنش بها، لتُجيبه هي بنبرة متلهفة:

ـ فاهمة. أنا أصلًا مخدتش من الحبوب دي. جبتها لكن مقدرتش أخدهها. مش هكلمك في دوافعي لأن الخوف مش هيفهمه غير اللي جربه يا خالد. لكن أنا فعلًا مقدرتش اعمل دا لا فيك ولا فيا…

في هذه اللحظة كان يود إخبارها بأنه أكثرمن تذوق طعم الخوف، ولكنه التعبير عنه كان رفاهية حُرِم منها منذ أن كان طفلًا، فقد فُرُض عليه أن يُصبِح الجبل الذي لا ينحني و السيف الذي لا تُرد ضربته، و القائد الذي لا يعرف سوى الانتصار بجميع معاركه. استعاد أنفاسه الهاربة و عينيه لازالت ترتوي من ملامحها، فقد اشتاقها بشكل عجزت الحروف عن وصفه لكنه كما اعتادته جامدًا حتى الحروف بين شفتيه لم تلين حين قال:

ـ قولتي لرنا؟ 

كانت تعلم بأن الحارس سيخبره، ولكن ليس بهذه السرعة، فاكتشفت بالأجابة المختصرة حين قالت:

ـ لا. 

لم يعتد منها الإختصار بالحديث أو أنه الشوق الذي يعج به صدره هو ما يجعله لا يكتفي بمجرد كلمات عابرة ليحثها على الحديث قائلًا:

ـ ليه؟ 

أشجان بنبرة خافتة:

ـ واحدة واحدة. الأول اوصل بعلاقتي بيها لبر الأمان، و بعدين هقولها أكيد..

ابتهج قلبه لحديثها، فهي لم تتخلى عنه و عن ابنته، فقد كان هذا الأمر مؤلمًا بشكل كبير بالنسبة له، و لازال الألم الناجم عن رحيلها ينخر بعظامه، فلم تسعه الفرحة حين علِم من الحارس أنها ذهبت إليها، و قد شعرت هي بذلك مما جعلها تقول بنبرة هادئة:

ـ مش معنى ان في أي مشكلة بيننا. أني هتخلى عن بنتي. أو عن مسئولياتي تجاهها. لازم تفهم دا كويس… 

كان يرى بعينيه ارتباكها، و خجلها الفطري الذي لا يتخلى عنها، و لا ينفك يؤثر به كثيرًا، فبالرغم من كل شيء هو يعشق كل ما يُحيط بها حتى ذلك الخوف الذي يسكن عينيها و الارتباك الذي يغزو جسدها أمامه يشعلان بداخله شغفًا لم يخلق لسواها. 

ـ رنا بتحبك، و أنا واثق انك هتقدري تحتوي الموقف اللي بينكوا..

كانت الأمور تبدو هادئة من الخارج؛ هو لا يزال يستوعب ذلك الخبر الذي يدوي في أذنيه كالطنين، وهي لازالت معلقة على حافة الانتظار، تراقب ردة فعله بعينين متوسلتين ولكن داخليًا.. كان هناك شيء صاخب يحترق بصدر كليهما، بركان من الصمت المشحون لا يطفئه سوى ثورة عناق غاشم  يلتهم تلك المسافة الضئيلة بينهما ليمتزج فيه زفيره بلهفتها.

ـ متشيلش هم الموضوع دا. عمومًا أنا مكنش ينفع اني اعرف خبر زي دا و مجيش أقولك، مش هعطلك اكتر من كدا.. عن اذنك…

هكذا تحدثت، وهي تنوي المغادرة حتى تستطيع البكاء قدر ما تشاء بعيدًا عن عينيه، فلم تكن تحتمل أن تقف أمامه أكثر و لا ترتمي بين ذراعيه، فقد اشتاقت لذلك الأمان الذي يغمرها بين يديه، و لتلك الراحة التي تسكنها حين تتوسد صدره، والأدهى من ذلك أنها تمتلك خجل لعين يمنعها من الاقتراب لذا هبت من مكانها لتلتفت مغادرة، ولكن هل يفعلها؟ هل يجرؤ قلبه على تركها في هذه اللحظة؟ ما أن استدارت حتى أوقفته قبضته القوية التي جذبتها بلمح البصر لتستقر في المكان التي اشتهت أن تسكنه منذ ثوان.

ـ رايحة فين بس؟ 

هكذا تحدث بنبرة خشنة أذابت أوصالها وهو يعانقها بكل ما يحمل قلبه من شوقٍ ضاري لها وحدها، و اشتدت يديه حولها بكل ما أوتي من عشقٍ فاض به الفؤاد و طغى، فهذه المرأة بقدر هشاشتها ورقتها إلا أنها تملك سلطة على قلبه لم يملكها مخلوقٍ قبلها. 

احتوته بين يديها بقوة و كأنه أمٌ عاد طفلها بعد طول غياب، فصارت تقربه منها وهي تقرن شوقها بالعبرات التي لامست جلد رقبته ليُشدد من إحتوائها أكثر مما جعلها تهمس بخفوت:

ـ خالد…

همسها لم يكُن سوى وقودٍ صُبّ على نيرانٍ حارقة تنهش خلاياه من الداخل ليبتعد قليلًا وعيناه تأخذان نصيبهما من الارتواء من ملامحها الجميلة، وكأنه يعيد اكتشاف تفاصيل وجهها التي حفظها عن ظهر قلب. ارتفعت كفوفه القوية التي دكت حصوناً من قبل، لتدب فيها رجفة عشقٍ نادرة وهي تحتوي وجهها بين راحتيه كمن يقبض على أثمن لآلئ الوجود، لي​جذبها بلهفةٍ عاتية، ويسطو بقوة على ضفتي التوت خاصتها في قبلةٍ لم تكن مجرد لقاء بل كانت إعلاناً عن استسلامه الكامل لسطوة فتنتها.

فأخذ يعمق اقترابهم بنهم ظامئٍ وجد عين ماءٍ في صحراء قاحلة، وبجنون عاشقٍ تملكه الخوف من أن تكون معجزته مجرد سراب لا أكثر ليذوب في تفاصيلها معبراً بشفتيه عن ذاك العشق الذي تغلغل في عروقه حتى النخاع، وعن ذاك الشوق الذي كاد يفتك بصلابته. في تلك اللحظة لم يكن الرجل القوي المخيف سوى أسيرٍ مكبل بأغلال سحرها لا يبغي سوى الفناء بين ذراعيها وهو يبثها عبر ثنايا اللقاء كل ذرة من وجده، وولهِه، وضياعه في فلكها.

دقيقة اثنان ثلاثة مرت وهو غارق بين تفاصيلها و قربها المُثير يُسكِر عقله حتى غيبه تمامًا عن الواقع، ولكن وهنها بين يديه كان كناقوس الخطر الذي جعله يفصل اقترابهم رغمًا عن إرادته ليتراجع عنها بينما عينيه لازالت معلقة بملامحها التي غمرها الخجل، فضاعف من فتنتها و هلاكه في آنٍ واحد، مما جعل نبرته تخرج متهدجة و كأن حروفه  مغزولة بوهج العشق حين قال:

ـ مبروك…

رفرفت برموشها وهي تحاول استرداد أنفاسها التي سرقها منها وقد كانت دقات قلبها تتخبط بعُنف و كأنها تعبر عن فرحتها و تأثرها بما حدث منذ ثوان، لترفع رأسها أخيرًا ناظره إليه قبل أن تقول بخفوت:

ـ فرحان ؟

في هذه اللحظة كان يود أن يحملها ويدور بها من فرط سعادته، ولكن القدر لم يمهله الفرصة للتعبير عن عظم فرحته، فسمع طرقٍ على باب الغرفة جعله يرفع رأسه وهو يستعيد ثباته و هيبته التي تبعثرت أمام عشقها ليقول بنبرة جافة:

ـ ادخل..

انفتح الباب و كأنه كان يطل على جهنم التي أخرجت شيطاينها في وجههم هكذا كان حال أشجان ما أن وقعت عينيها على نبيلة التي هتفت باندهاش:

ـ أيه دا؟ أشجان! مش معقول. أنتِ هنا؟ 

ارتجف جسدها الذي لا يزال أسفل حصاره، و قد شعر بذلك ليتحمحم بخشونة قبل أن يقول بجفاء:

ـ خير في ايه؟ 

نبيلة بنعومة:

ـ أبدًا كنت جاية اشوفك. بلاش…

خالد بجمود:

ـ لا مفيش سبب مهم يبقى بلاش. ما احنا في البيت مع بعض..

نبيلة بمرح زائف:

ـ تقصد تقول أن المدام بس هي اللي ليها الصلاحية أنها تجيلك في أي وقت أي حد تاني لا…

ربت بخفة على كتف أشجان التي كانت في وادٍ آخر وهي ترى الإنسانة التي تهدد أمن حياتها، و بداخلها الف صرخة تتنازع حتى تمنعه من اخبارها عن أمر حملها لتسمعه يقول بخشونة:

ـ المدام ليها كل الصلاحيات. دا شيء مفروغ منه. تعالي اقعدي…

جذبها المنومة مغناطيسيًا ليحتل الأريكة الجلدية، و هي بجانبه و عينيها تناظره و بها ألف حديث و حديث، ليقطع تواصلهم البصري صوت نبيلة الذي يمتليء بالخُبث:

ـ يا بخت المدام بيك يا خالد. مبقاش في رجالة زيك كدا النهاردة. مفروض تحطك في عينيها…

ـ كنتِ جاية عايزة أيه؟ 

هكذا تحدث خالد قاطعاً كل الطرق عليها لأفساد أجوائهم الجميلة لتتجاهل جفاءه و تقول بنبرة ناعمة:

ـ كنت عايزة اتكلم معاك في موضوع كمال. يرضيك الموقف الغريب اللي واخده مننا؟ و كل دا عشان حوارات تافهه…

تزاحمت الأنفاس بداخل صدر أشجان حين سمعت جملتها الأخيرة و التي تعلم علم اليقين أنها تقصد بها شقيقتها لتسمع صوت خالد الساخر حين قال:

ـ لا هو الغريب فعلًا انك شايفة أن أسبابه تافهة..

نبيلة بنبرة خبيثة:

ـ مهما كانت الأسباب. مفيش بعد الأخوات يا خالد. كل حاجة تتعوض و كل العلاقات ممكن يكونلها بديل إلا علاقة الأخوات ببعضهم…

رمقتها أشجان بنبرة ساخرة تعج بالإحتقار، وقد كانت تطحن ضروسها بغل أمام وقاحة تلك المرأة التي لا تخجل من الكذب ولا الخداع أبدًا 

ـ صح. عندك حق. مفيش حاجة تعوض علاقة الإخوات ببعضهم. بس كنت اتمنى الكلام دا يتقال لميرهان مثلًا، يمكن وقتها مكنتش هتعمل اللي عملته، وبالتالي مكنش كمال هيضطر ياخد الموقف دا منكوا…

دائمًا ما يستخدم الاعيبها ضدها باحترافية، و ينجح في حشرها في زاوية الإدانة ولكنها حاولت الفرار من تلك المنطقة مين قالت:

ـ ميرهان متربي أحسن تربية، واللي حصل دا طيش شباب، و غيرة بنات الموقف كله مكنش مقصود و خلاص سوء تفاهم و راح لحاله، و بعدين يعني ماهو سامح مراته و رجعها لعصمته بالرغم من عملتها دي. مش قادر يسامح ميرهان على خطأ بسيط زي دا! 

اربكتها وقاحة تلك المرأة للحد الذي جعلها لا تستطيع منع نفسها من الحديث قائلة بنبرة يشوبها بعض الحدة:

ـ معلش بقى هو أنا ليه حسيت انك بتتكلمي و كأن آسيا عملت جريمة! 

نبيلة بنبرة ناعمة كجلد الأفعى:

ـ وهي الواحدة لما تروح لواحد كانت بتحبه قبل ما تتجوز دي مش جريمة!

ـ نبيلة…

هكذا تحدث خالد بقوة اجفلت المرأتين، ولكن أشجان التي كانت تغلي من شدة الغضب هبت من مكانها بانفعال تجلى في نبرتها حين قال:

ـ عندك لو سمحتِ. الكلام اللي بتقوليه دا مش مظبوط، ولا مسموح لك تتكلمي عن اختي و كأنها واحدة مش كويسة. اللي بتتكلمي عنه ده يبقى ابن عمها، و راحت مكتبه اللي بالمناسبة أختك عملت المستحيل عشان تشاركه فيه. 

ـ أشجان…

كان هذا صوت خالد القارس الذي ألجم اندفاع الكلمات من بين شفتيها، فلم يفوتها ومضة السخرية التي مرت في عيني نبيلة التي قالت بنبرة زائفة العتب: 

ـ ينفع كلامك دا عن أخت جوزك و خصوصًا قدامه. هو الكلام دا يصح يا خالد؟ 

قالت جملتها الأخيرة والتقت عيناها بعيني خالد. الذي كان الغضب المريع يتركز في نظراته كشررٍ متطاير، بينما اتخذت ملامحه جموداً صخرياً مرعباً. لم يتحرك فيه إنشٌ واحد، بل حافظ على ثباته بقوة لا يمكن ترويضها فبدا كمن يقبض بيدين عاريتين على وحشٍ ثائر بداخل صدره ليمنعه من الفتك بها ولكن نبرته فعلت حين قال وهو يمد يده ليجذب يد أشجان حتى تعود إلى مكانها بجانبه مرة آخرى:

ـ لو هنتكلم عن اللي يصح واللي ميصحش، فخلينا نبدأ بالكبيرة العاقلة اللي عكت في الكلام من الأول…

تتمنى لو أنها تنتصر عليه ولو مرة واحدة في حياتها، فبكل مرة تقف في مواجهته ينجح في الزج بها في خانة الحمقاء مما جعل غضبًا حقيقيًا يرتسم فوق ملامحها، و لكنه لم يُمهلها الفرصة للتعبير عنه ليقول بنبرة جافة:

ـ نرجع لموضوعنا. كمال مش الشخصية اللي سهل تسامح و أنتِ عارفة كدا كويس. عايزة تحاولي معاه أنتِ حرة. لكن لو مستنية مني أتدخل تبقي غلطانه…

نبيلة بنبرة مُحتقنة بالغضب:

ـ يعني لما يبقى الكبير بتاعنا مش عايز يصلح ما بين أخواته مفروض ألجأ لمين؟ 

خالد بنفاذ صبر:

ـ أي شخص شيفاه هيقدر يساعدك في مشكلتك تقدري تلجأيله أنا معنديش مشكلة..

كظمت غيظها بصعوبة خاصةً وهي ترى ملامح أشجان التي استكانت، بعد أن منحها نصرًا مزخرفًا بالقوة و العزة ضدها مما جعلها تقول بنبرة خبيثة:

ـ لو كان عليه هو براحته. أنا بس مش قادرة أتخيل أنه يخلف ولحد دلوقتي مشوفناش ابنه..

هوى قلب أشجان بين ضلوعها حين سمعت حديثها عن الطفل، تلك القاتلة حتمًا لن ترأف بطفلٍ صغير مثله، و لن تتوانى عن التخلص منه، فوجوده سيعرقل مصالحها الدنيئة، وقد جعل هذا الهاجس جسدها يرتعب، ليشعر هو بأنها ليست على ما يُرام، مما جعله يقول باختصار:

ـ هشوف الموضوع دا…

نصبت نبيلة عودها وهي تقول بنبرة ناعمة:

ـ ربنا يخليك لينا يا خالد. أنا عارفة أننا مش هنهون عليك. لانا ولا ميرهان. احنا ملناش غيرك وأنت عارف كدا…

هدأت ثورة نبرته حين أجابها قائلًا:

ـ  خير ان شاء الله…

اقتربت تحتضن أشجان وهي تقول بتخابث:

ـ هتوحشيني يا أشجان والله. ياريت تريحي أعصابك بسرعة و ترجعي. البيت من غيرك مالوش طعم…

شعرت بأن جسدها يقشعر أسفل وطأة ذلك العناق الذي تبغضه كثيرًا، فلما لا وهي تعرف أنها تحتضن الشيطان بذاته، و كم كان وجودها ثقيلًا على صدرها حتى أن رائحة عطرها افتعلت ثورة عارمة في معدتها لتحاول التحكم في نفسها حتى لا تُثير شكوكها نحو أمر حملها، فما أن اقتربت خطوات نبيلة من الوصول إلى باب الغرفة اندفعت أشجان إلى باب المرحاض لتُفرغ ما بجوفها، و لحقها خالد الذي انتابه القلق حين رآها تهرول بهذه الطريقة ليجدها تفرغ ما في جوفها، فاقترب يحتضن خصرها من الخلف ويداه تربت بلطف فوق ظهرها إلى أن انتهت ثورة جسدها لترفع رأسها إلى الاعلى، ليقوم بملء كفه بالمياة و غسل وجهها بحنو ثم جذب المنشفة و قام بتجفيف وجهها بيد و بالآخرى شدد من احتواء خصرها، وهو يقول بنبرة حانية:

ـ حاسة بأيه دلوقتي؟ 

أشجان بنبرة متعبة:

ـ الحمد لله… 

خالد بقلق:

ـ احنا لازم نروح للدكتور عشان اطمن عليكِ…

أشجان بنبرة خافتة:

ـ دي أعراض طبيعية في الشهور الاولى من الحمل..

أخفض بصره إلى بطنها المسطحة و قام بفرد كفه الخشن ليضعه فوقها وهو يتخيل أن قطعه منه تنمو بداخلها. تلك الأمنية التي تعلق قلبه بها ذات يوم لتنتهي بفجيعة كبيرة هاهي تتحقق الآن على يديها. اشتبكت عينيه مع خاصتها في حديث صامت باحت فيه العيون بأسرار لم يستطيع اللسان نطقها أو الإفصاح عنها، و فجأة اخترق صمتهم صوت طرق على باب الغرفة، أجفل الاثنين ليقول خالد بنبرة خشنة:

ـ اعملي حسابك هخلص شغل و هاجي اخدك للدكتور…

اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ❤️

★★★

ـ يعني ايه يا يزيد؟ يعني هتروحوا تعيشوا في القصر و تسيبوني؟

هكذا تحدثت هيام بصدمة ليتحدث يزيد ساخرًا:

ـ اخلعي الحاج عبد الغفور البرعي وتعالي معانا..

ـ بطل هزار يا يزيد. دانا ما صدقت اتصالحنا أنا وياسر وقولت خلاص هترجعوا تعيشوا في حضني تاني…

هكذا تحدثت هيام بخيبة أمل ليضع يزيد كوب الشاي من يده وهو يقول بتعقل:

ـ اسمعيني يا هيام كويس اوي. عشان الكلام اللي هقوله دا انا مش هتحمل حد يقولهولك غيري..

تنبهت هيام لحديثه وهي تقول بنبرة قلقة:

ـ كلام يا يزيد؟ قول أنا سمعاك..

يزيد بجدية:

ـ أنا عارف أنتِ بتحبينا قد أيه، و تعبتي و شقيقتي عشان قد أيه ومحدش فينا يقدر ينكر دا. بس احنا مينفعش نعيش معاكِ تاني. حتى لو اتصالحتي مع ياسر. 

ـ ليه كدا؟

قرر يزيد أن يتحدث بكل صراحة عله يرشدها إلى الطريق الصحيح:

ـ غيرتك على ياسر من غنى واضحة أوي يا هيام. أنا كنت بقول الأول دي مشاعر طبيعية، و هتقدري تتعاملي معاها. لكن للأسف الموضوع اتطور و كنتِ سبب مشكلة كبيرة بينهم. 

سقطت الكلمات فوق رأسها كالمطارق، فقد تحدث يزيد معها بصراحة لم تتوقعها. مما جعلها تحاول نفض هذه الإهانة عنها قائلة بانفعال:

ـ كلام ايه دا يا يزيد؟ غيرة ايه وكلام فاضي ايه؟ أنا هغير من العيلة دي؟ أنت باين عليك خيبت يا دكتور، وبعدين مشكلة ايه اللي كنت سبب فيها؟ دي واحدة عايزة تفوق، و تتعلم الصح من الغلط. اخوك مضروب بالنار ودي عماله تبستف و تقطم فيه ؟

يزيد بنبرة حاسمة:

ـ هو حر هو و مراته. 

هيام بانفعال:

ـ يعني أيه حر؟ مش في أصول! و بعدين هو أنا لما أوجهه ولا أوجهها للصح ابقى بعمل مشكلة بينهم! 

يزيد بنفاذ صبر:

ـ تدخلك أصلًا مالوش أساس. هو و هي مش صغيرين الكلمتين بتوعك هما اللي شعللوا الدنيا يا هيام..

صاحت هيام بانفعال:

ـ ايوا ايوا. قول كدا بقى. بتتلككولي عشان تطلعوني غلطانه، عشان تبرروا لنفسكوا أن هيام مبقتش ليها عازة بالنسبالكوا..

يزيد بغضب ساخر:

ـ اقعدي يا هيام يا حبيبتي جو قلب الترابيزة دا لعبتي و صايع على صايع يعلموا قفلة.. 

هيام بغضب، فهي أن كانت تستطيع التأثير على ياسر، فشقيقها الأصغر أكثر من يفهمها لذا صاحت بحدة:

ـ أنت اللي لازم تعملك قفلة، و اياك تقول الكلام دا قدام ياسر. فاهم ولا لا؟ 

يزيد بتهكم:

ـ الحقيقة أنا مش محتاج اقوله. لأن هو عارفه….

ـ هو ايه بالظبط اللي هو عارفه يا يزيد؟ 

هكذا تحدثت هيام ليُجيبها يزيد بصراحة:

ـ ياسر زعلان منك عشان عرف اللي عملتيه مع غنى لما اتحبس..

هيام بصدمة:

ـ بتقول ايه؟ 

ـ اللي سمعتيه يا هيام…

تحدث يزيد بعتب لتشعر هيام بصدرها يضيق من حديث شقيقها و من ثم اندفعت كالبركان وهي تصيح:

ـ طبعًا الهانم قالتله عشان توقع بيني وبينه.. هو فين ؟ أنا عايزة اشوفه…

ـ ياسر أنت جايبني هنا ليه؟ 

هكذا تحدثت غنى وهي تنظر إلى ياسر الذي صف السيارة أمام أحد الشواطيء المُطلة على النهر ليلتفت إليها وهو يقول بغموض:

ـ تعالي معايا وأنتِ هتعرفي كل حاجة…

اطاعته و توجهت معه يدًا بيد إلى أحد الأرصفة لتجد نفسها أمام أحد اليخوت الضخمة الفارهة الثراء لتبرق عينيها من شدة الأعجاب، وفجأة وجدت نفسها محمولة من خصرها بيد ياسر لتصرخ بفزع:

ـ ياسر بتعمل ايه؟ خلي بالك عشان جرحك مينزفش..

ياسر بنبرة عابثة:

ـ لا مانا جاي هنا النهاردة عشان نطيب الجروح كلها..

غمرها الخجل من كلماته لتخفض رأسها وهي تتوجه بجانبه إلى داخل اليخت الكبير وإذا بها تتفاجيء بصورها التي تملأ المكان و كل تلك الورود الحمراء و البالونات التي كانت تزين المكان بطريقة خاطفة للأنفاس لتشهق بصدمة من هول المفاجأة، ليقترب ياسر مُعانقًا خصرها من الخلف وهو يقول بنبرة عاشقة:

ـ كل سنة و الغُريبة بتاعتي مالية عليا حياتي.. 

لا إله إلا أنت أستغفرك ربي و اتوب اليك ❤️ 

★★★

كانت تجلس حول مكتبها تنظر إلى الأوراق أمامها بتمعن قطعه صوت طرق على باب الغرفة، فأمرت الطارق بالدخول دون أن ترفع رأسها ليُفتح الباب، وما هي إلا ثوان حتى غزت أنفها رائحة تعرفها جيدًا رائحة تجعل كل ما بها يتحفز، و تثير زوبعة من الفوضى داخل دقات قلبها الذي أخبرها عن هوية الطارق.

رفعت رأسها ببطء لتجد أن حدسها كان صحيحًا، فهاهو يقف أمامها يطالعها بعينيه التي كانت تغازلها بصمتٍ. بدا وكأنه يختزل الضوء كله في الغرفة لصالحه بوسامته التي لم تكن مجرد ملامح متناسقة، بل كانت حالة من الهيمنة غير المرئية التي تفرض نفسها على المكان وعلى أنفاسها.

​تجمدت الدماء في عروقها لثوانٍ وهي تطالعه، وشعرت برغبة عارمة في الركود والهرب في آن واحد. خاصةً حين تجسدت أمامها كل الذكريات والمشاعر دفعة واحدة، فاحتمت بقناع من البرود المصطنع. راسمة على وجهها هدوءًا مصطنعًا و قد ارتدت قناع المرأة العملية لتواري خلفه خفقات قلبها المتسارعة التي صمت آذانها، متمسكةً بآخر خيوط الكبرياء حتى لا يلمح بريق عينيها المهزوم أمام وطأه حضوره

ـ دكتور عمر…

ابتسامة جميلة ارتسمت على ثغره قبل أن يقول بتلك النبرة الجذابة التي تأثر حواسها:

ـ حضرة المدير التنفيذي لمجموعة الجيار تسمحيلي أخد من وقتك شوية؟

حاولت قمع ابتسامتها على طريقته الظريفة. قبل أن تقول بنبرة عملية:

ـ اتفضل اقعد…

ـ أشكرك..

هكذا تحدث وهو يجلس في المقعد المقابل لها، وعيناه الجريئتان لا تنفكان عن محاصرتها بنظرات تفيض بعبثٍ خفيّ وتحدي صامت، وكأنها تقرأ تفاصيلها وتخترق حصونها بسهولة، في تناقض صارخ مع نبرة صوته التي جاءت جامدة، رسمية، وخالية من أي تعبير. هذا الانفصام بين ما تقوله عيناه وما ينطق به لسانه ألقى بها في موجة عاتية من الارتباك؛ فكيف لها أن تجاري جموده المصطنع وعيناه تشنان على هدوئها حرباً شرسة؟

ـ خير في حاجة؟ 

عمر بنبرة جذابة مُغازلة:

ـ قبل ما أقولك جاي ليه. عايز اقولك أن شخصية سيدة الأعمال دي لايقة عليكِ أوي.. 

كان كلماته تبدو كمجاملة رقيقة، ولكن ليست وهي مقرونة بتلك النظرات العابثة التي تخترق جميع دفاعاتها التي حاولت إبقاءها في مهامها بصعوبة لتقول بنبرة هادئة:

ـ ميرسي عالمجاملة اللطيفة دي…

عمر بتهكم:

ـ أنتِ اكتر واحدة عارفة اني مبعرفش أجامل..

شروق بسخرية:

ـ اه طبعًا… خلينا ندخل في الموضوع على طول..

جمدت ملامحه و اجتاجت الجدية نبرته حين قال:

ـ ندخل في الموضوع. جدتك. الفترة دي حاسس ان صحتها مش أحسن حاجة، و من بعد ما مشيتوا من القصر وهي عايشة في الملحق أكيد أنتِ عرفتي دا. هي زعلانه مني و منك، و من كل حاجة حواليها، و دا بينعكس على صحتها بشكل سلبي..

شعرت بالحزن لأجل جدتها التي وإن لم تتفق معها و مع أساليبها، فهي لازالت تحبها و تتذكر تلك المرات التي لجأت لها أثناء حياتها في ذلك القصر

ـ طيب ايه الحل في رأيك؟

عمر مُقترحًا:

ـ أنا شايف انك لازم تقربي منها. على الأقل أديها فرصة تحس أنها صلحت غلطها في حق عمتي الله يرحمها، حتى لو أنتِ مش مسمحاها. أو في قلبك حاجة من ناحيتها. بس دي ست كبيرة، و أنتِ حنينة و قلبك طيب…

قال جملته الأخيرة بلكنة مختلفة، و نظرات داكنة أثارت حفيظتها، ولكن مثلما كان بارعًا في الغزل و سلب الأنفاس كانت هي بارعة في التجاهل و صد هجماته المباغتة

ـ عندك حق..أنا لازم أقابلها واتكلم معاها، و مش انا بس. أنا كمان هقول لجميلة تتصل عليها..

ـ مينفعش اتصال. لازم تشوفكوا..

هكذا تحدث عمر لتجيبه شروق بجمود:

ـ تمام أنا هكلمها و هتفق على معاد عشان نتقابل أنا وهي فيه. 

عمر بتخابث:

ـ حلو اوي دا. بس للأسف تيتا مينفعش تخرج لوحدها..

شروق بتوضيح:

ـ مانا هكون معاها…

عمر بأسف زائف:

ـ أيوا مانا فاهم. بس زي ما أنتِ عارفة أنها حالتها الصحية مش ولابد، ولازم الدكتور المعالج ليها يكون معاها.

فطنت إلى مقصده و لذلك هتفت حانقة:

ـ طيب ممكن تسيبلي رقمه وانا هتواصل معاه..

عمر بعبث:

ـ وانا عشان عارف ان قلبك طيب وهتوافقي جبته لحد عندك يقولك شُبيك لُبيك عمر الوتيدي بين ايديكِ.

كان يتقن اللعب فوق ثباتها الذي تحاول جاهدة الحفاظ عليه مما جعلها تدير رأسها إلى الجهة الأخرى لتتفاجئ به حين وجدته يتوجه إلى حيث تجلس و يقوم بإدارة المقعد لتصبح في مواجهة مباشرة معه، فاقتربت واضعًا كلتا يديه على الجانبين ليكتمل حصاره الذي أربك سائر كيانها كما فعلت كلماته حين قال بصوتٍ أجش:

ـ مش هتخلصي مني يا شروق. طول مانا شايف النظرة دي في عنيكي هفضل وراكي العمر كله. 

بللت حلقها الجاف وحاولت تهدئة ضربات قلبها قبل أن تقول بنبرة لاهثة:

ـ نظرة ايه؟ انت بتوهم نفسك..

لازالت عيناه تأسرانها بطريقة مُخيفة، وهي تتسلط عليها كشعاع الشمس الذي يُسلط على غرفة مظلمة فيكشف جميع خباياها، و ايضًا كانت نظرته الحادة تجردها قسرًا من ثباتها وتذيب مقاومتها، مُعريةً مشاعرها بطريقة مرعبة جعلتها تشعر بالضآلة أمام سطوته، و كأن كل نبضة بداخلها تهرب منها إليه، وكل رجفة حاولت كتمانها، باتت الآن واضحة أمام عينيه العابثة، ونبرته التي تشبهها حين قال:

  ـ أنا اكتر حد حافظك في الدنيا دي كلها. متنسيش أننا كنا في يوم من الأيام متجوزين، أنا الشخص الوحيد اللي في الدنيا دي اللي عريتي روحك قدامه.

قست نبرتها و احتلها الألم حين قالت:

ـ و ندمت.

عمر بنبرة صادقة تجيش بها المشاعر:

ـ وانا هنا عشان أمحي كل ذرة ندم جواكي، و ارجع كل حاجة حلوة كانت بيننا..

لن تسقط في فخ عينيه مرة ثانية مما جعلها تقول بجفاء

ـ عمر اذا سمحت..

تجاهل حديثها وتراجع إلى الخلف ليستند على حافة المكتب، وهو يقول مقترحًا:

ـ هنعمل لتيتا مفاجأة، و هاقولها أننا رايحين نعمل شوية تحاليل، و بعدين هجيبها و نيجي نتعشى كلنا سوى. أنا واثق أن الحركة دي هتفرحها أوي.

اغضبها كونه يتحكم في تغيير دفة الحديث متى أراد لتهتف بسخرية:

ـ هو أنا ممكن أسأل انت امتى بقيت مُراعي أوي كدا، وبتخاف على مشاعر الناس؟

عمر بنبرة عابثة ارفقها بغمزة من طرف عينيه اليُمنى:

ـ لا دانا اطورت أوي . أنتِ بس شاوري و هتلاقيني فارشلك الأرض ورد تحت رجليكي..

شروق بتهكم جاف:

ـ لا معلش أنا اصلا مابحبش الورد.

دكنت نظراته و بُحت نبرته و هو يقول بصدق:

ـ وانا مابحبش غيرك….

استقرت الجملة كالرصاصة في منتصف قلبها، ولكنها لم تكن رصاصة بغرض القتل إنما كانت بغرض الإرباك لتحاول تفادي آثارها بصعوبة حين قالت بجمود هش:

ـ عمر بلاش الكلام دا.

شعر بأن وصل إلى أقصى درجات التمادي ليقرر التراجع بالحديث إلى موضعٍ آخر أكثر أمنًا ليقول بمزاح:

ـ يعني معشراني كل دا و لسه معرفتيش أن مفيش كنترول على لساني. 

شروق بتقريع:

ـ لا معلش هتعبك شوية ياريت لو هنضطر نتقابل عشان تيتا طبعًا، فياريت تحاول تعمله كنترول. 

مازحها قائلًا بقلة حيلة مفتعلة:

ـ يا شوشو مش بايدي..

شروق باستهجان:

ـ لا والله..

ـ وحياة ربنا. يُقال إن في حتة زايدة في لساني أنتِ ايه رأيك؟ 

هكذا تحدث بخُبث لتهتف بلهفة:

ـ وانا اي عرفني؟ 

أجابها بوقاحة:

ـ معقول مخدتيش بالك! أنا شكل أدائي مكنش بيرفيكت ولا ايه ؟ 

فطنت إلى مقصده الوقح لتضرب بيدها فوق المكتب وهي تهتف بحنق:

ـ عمر بطل وقاحة و قلة أدب و اتفضل شوف أنت رايح فين

قهقه بقوة، وهو يتراجع إلى الخلف قائلاً بمرح:

ـ هكلمك اتفق معاكي هنتقابل فين، و زي ما قولتلك مش هجيبلها سيرة. عايزها تعرف أن دا طلبك أنتِ. 

 

رغمًا عنها، فقد إرتج قلبها تأثرًا بضحكاته التي ضاعفت من وسامته، فمر وميض الإعجاب خاطفًا في عينيها ولكنها قالت بنبرة جامدة:

ـ اتفقنا…

هدأت ضحكاته و لانت ملامحه و خيم العشق على عينيه و نبرته حين قال:

ـ خلي بالك من نفسك، واعرفي اني موجود دايمًا..

لم يكد ينهي جملته حتى تفاجئ من باب الغرفة يُفتح و يظهر منه راجي الذي ما أن رآه حتى هتف بانفعال:

ـ أنت بتعمل ايه هنا؟ 

كانت فرصته لكي يُثبت لها أنه تغير بالفعل، فحاول ابتلاع غضبه الذي كان يحرق احشائه من الداخل و التفت ناظرًا إلى شروق التي هبت من مكانها وهي تتوجه لتقف بين الرجلين قائلة بنبرة جامدة:

ـ عمر كان جاي يتكلم معايا في موضوع مهم يا راجي..

راجي بانفعال:

ـ موضوع ايه اللي بينك وبينه؟ مش خلاص كل حاجة اتفضت…

افزعتها انفاس عمر المحرورة من خلفها لتلتفت ناظرة إليه بفزع، ولكنه صدمها حين قال برباطة جأش:

ـ انا هسكتله عشان خاطرك، و بالنسبة للموضوع اللي اتكلمنا فيه، فهنبقى نكمل كلام فيه في التليفون…

لم تتوقع منه هذا التصرف، فقد ارتعبت من غضبه و ظنت بأن غرفة مكتبها قد تتحول الى ساحة قتال بين هذين الوحشين، ولكن تصرفه بتلك الطريقة صدمها، و جعلها تشعر بالإمتنان في نفس الوقت لتتحدث معه بنبرة لينة:

ـ تمام يا عمر. 

اومأ برأسه قبل أن يتوجه إلى باب الغرفة، ولكنه لم يفلح في قمع تلك النظرة المتوعدة إلى راجي الذي كان يشعر بغليان النار في أوردته، فما أن غادر عمر حتى هتف ساخطًا:

ـ ايه بقى الموضوع اللي بينكوا و عايزين تتكلموا فيه في التليفون ؟ 

شروق بجفاء:

ـ موضوع ميخصكش…

اجفلته إجابتها و رغمًا عنه شعر بالألم القوي يجتاح صدره رغمًا عنه مما جعله يتراجع إلى الخلف وهو يقول بجفاء:

ـ هنسافر البلد اخر الأسبوع اعملي حسابك….

في الخارج و تحديدًا في سيارة عمر الذي كان يقود بسرعة قوية وكأنه يحاول الانتحار، فالغضب ينهشه من الداخل كوحشٍ ضاري لا يستطِع أحد ترويضه، ليقوم بجـذب هاتفه و الاتصال بيزيد الذي ما أن أجاب حتى صرخ عمر:

ـ أنت فين ؟

يزيد بملل:

ـ على حسب السؤال الاخبر دا وراه أي؟ لو بتتخانق و عايزني أنا في داهية و مش هرجع منها قبل يوم الأربع. 

عمر بحنق:

ـ بطل قلة أصل بقى. الدنيا خربانه معايا و هطق من جنابي. عايز اضرب حد.

يزيد بفزع:

ـ و متصل على أهلي ليه؟ 

عمر بحدة:

ـ مش انت المفروض صاحبي يا زفت أنت…

يزيد بحنق:

ـ لا صاحبك ولا اعرفك. روح دور على حد تضربه وبعدين نبقى نشوف موضوع الصحوبية دا بعدين… 

عمر بتخابث:

ـ طيب انت حر. أنا كنت مكلمك أصلًا عشان كنت عايز اعزمك تتعشى معايا أنا وجدتي و شروق و جميلة هاه جميلة…

ما أن سمع اسمها حتى هب من مقعده وهو يهتف بلهفة:

دا كلام يا راجل تبقى عايز تضرب حد و متقوليش؟ أنا اساسا وشي خف كدا و حسيته محتاج يتشلفط. قولي أنتِ فين يا حبيب اخوك وانا اجيلك على عيني..

عمر بتقريع:

ـ أيوا كدا اعدل. تعلالي عشان في خطة في دماغي و عايزين ننفذها بالحرف الواحد..

اللهم أخرجني من حِلَق الضيق إلى أوسع الطريق، وبك أدفع ما لا أطيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ❤️

★★★

كانت منكبة على العمل و اختيار الديكورات النهائية لذلك الحفل الخيري حين رن هاتفها، فوجدتها تلك المرأة سحر، فأجابت بلهفة:

ـ اهلًا يا مدام سحر. عاملة ايه؟ 

سحر بعتب:

ـ أنا كويسة طول ما أنتِ كويسة ولو انك مبتسأليش..

آسيا بلطف:

ـ حقك عليا والله. ضغط الشغل. أنا كنت هكلمك النهاردة عشان اقولك اني ظبطت كل التعديلات اللي اتفقنا عليها، و فاضل بس نبدأ.

سحر باستفهام:

ـ التحضيرات هتاخد قد ايه؟

آسيا بعملية:

ـ هناخد الأقل اربع أيام قبل الحفلة. عشان اتأكد أن كل حاجة طلعت زي ما احنا عايزني..

سحر وهي تنظر إلى رماح الذي يجلس على الجهة الآخرى بمكر:

ـ طيب مش هتيجي تشوفي المكان قبل ما نبتدي في التحضيرات؟ 

آسيا بلهفة:

ـ أكيد هاجي أتمم على كل الحاجات اللي طلبناها أنها كاملة. مش عايزين حاجة تعطلنا…

سحر بتخابث:

ـ وانا مستنياكي، عشان عايزة أعرفك على حد..

آسيا باستفهام:

ـ حد مين اللي عايزه تعرفيني عليه؟

سحر بمكر:

ـ هتعرفي يومها..

لم تطيل آسيا في الأمر لتغلق الهاتف مع سحر التي قالت بقلق:

ـ مش خايف لا تتعرف عليك؟ 

رماح بتهكم:

ـ متخافيش. مش هتعرفني. 

سحر بتوتر:

ـ هو اشمعنى آسيا اللي عايزها تشوفك؟ 

رماح بشر:

ـ آسيا الأولى، ومش هتكون الأخيرة. أني هلم حريم الوتايدة كلاتهم في الوكر، و هياخدوا الختم بتاع رماح الهلالي كمان…

أنهى جملته وهو يقهقه بشر قبل أن يمسك أحد الهواتف الملقاة أمامه على الطاولة و يهاتف أمين الذي قال بمرح:

ـ ابن حلال مصفي لسه كنت في سيرتك بالخير..

رماح ساخرًا:

ـ أني والخير عمرنا ما أتچمعنا واصل

قهقه أمين قبل أن يقول بتهكم:

ـ في دي عندك حق

رماح بنبرة آمرة:

ـ الراچل بتاعنا هيبعتلك الداتا بتاعت المناجصة. مش عايزك تكسبها. بس عايز خالد الوتيدي ياخدها بالغلا والكوا. عشان لما نحرجهاله يتحسر عليها صوح. فاهمني أياك؟

أمين بشر:

ـ طبعًا فاهمك. متقلقش. أنا عارف أنه مش هيقبل أني أخد المناقصة منه، و ليك عليا هرفعله السعر للسما..

رماح باستمتاع:

ـ عفارم عليك. ابن حرام بصحيح..

★★

أنهت أمر تحضيرات حفل الملجأ و اخذت تبحث في البريد الإلكتروني الخاص بها عن التحديثات التي من المفترض أن تصلها عن المجمع الطبي، ولكنها لم تكن وافية بالنسبة إليها لتقرر أن تذهب رأسًا إلى هناك، و قد جن كمال ما أن أخبره الحارس بأنها في طريقها إلى هذا المكان المليء بالرجال و العمال و كعادته حين يتعلق الأمر بها يترك كل شيء خلفه، فقد كانت تحتل تفكيره منذ صباح ذلك اليوم، و لازالت كلماتها ترن بعقله المتمرد و تدوي بقلبه العاشق، ولا يعرف إلى من فيهم ينصاع؟ و لا اي الطرق التي يجب عليه أن يسلكها معها؟

انفتحت أبواب الجحيم في صدر كمال ما إن وقعت عيناه على ذلك المشهد. فترجل من سيارته بخطوات واسعة، مشحونة بغضب عارم، جعل الدماء تغلي في عروقه، يدفعه ذاك الشيطان الذي ينخر في أعماقه ويأمره بنزع كل تلك العيون الفضولية التي تجرأت وتحدقت بها.

​ولكن، لشدة وجعه وعشقه، أعطاهم العذر لوهلة فمن ذا الذي يرى كل هذا الجمال والحيوية ولا يتعلق به؟ كانت تبدو في وسطهم كشمس دافئة هبطت خطأً في موقع عمل جاف، ضحكتها العفوية وحماسها وهي تدون الملاحظات، وحركتها المليئة بالحياة والأنوثة الطاغية، جعلت منها لوحة آسرة تفقد أي رجل ثباته. كان جمالها في تلك اللحظة نقيًا، مشعًا، وفاتنًا إلى الحد الذي أوجع قلبه غيرة، وجعله يتمنى لو يخبئها داخل حدقتيه ويغلق عليها الأهداب، بعيدًا عن أنظار الكون بأسره.

ـ اهلًا كمال بيه…

هكذا تحدث أحد العمال مُرحبًا لترتسم ابتسامة خبيثة فوق ملامحها، فقد راهنت نفسها بأنه سيأتي، وقد فعل أسرع مما تظن ليقترب من موقعها و يقوم بتحية العمال، ولكنها لم تُعير حضوره أي التفاته بل انخرطت في تدوين ملاحظاتها، وسط نظراته الحادة المرصعة بللآلئ الغيرة القاتلة التي تجتاح صدره، فقد كان يتحدث مع الرجال بنصف عين، ونصف عقل، ونصف تركيز، فوحدها استأثرت بـالكل، استأثرت بقلبه كاملاً وكأنها مغناطيس جبار يسحب روحه من جسده. فكانت كلماته للعمال تخرج آلية، جافة، بينما كان عقله الحقيقي يطوف حولها، يغزل من حركاتها خيوطًا من الهوس والغيرة. لقد سلبت منه فؤاده، فبات يرى العالم من حولها باهتًا، بلا ألوان، وكأن الكون كله قد اختزل في جسدها النحيل، لتصبح هي المركز، ويصبح كل من حولها مجرد هوامش لا قيمة لها

ـ هو أنا مش قولت متجيش هنا تاني؟

هكذا تحدث كمال بجفاء ما أن اقترب منها ليتركهم باقي العمال و ينخرطوا في عملهم، فلم تُكلف نفسها عناء النظر إليه وهي تجيبه باختصار:

ـ تقريبًا قولت..

حذرها كمال بنبرة مُخيفة:

ـ متستعبطيش و بصيلي وانا بكلمك…

رفعت رأسها وياليتها لم تفعل! فلم يكن يتخيل أن هاتين القطعتين من الزبرجد الأخضر تملكان تلك السطوة المخيفة لانتزاع أنفاسه من صدره. حالما وقعت عيناه عليها، هوى قلبه في عمق سحيق من الفتنة؛ كان الأخضر يتدفق منهما و كأنه سر خفي من أسرار الحياة، مشعًا ببريق أطاح بآخر ذرات تعقل يمتلكها و في تلك اللحظة الخاطفة نسي الغضب، ونسي العمال، ونسي كبرياءه المتأهب، وبات رجلًا واهنًا أمام حضرة عينيها، يتوسل جرعة عناق واحدة يعيد بها الحياة إلى صدره المختنق بعشقها

ـ نعم…

هكذا تحدثت بنبرة يتخللها التحدي ليحاول الثبات أمام هجوم عينيها الفاتنة، و هو يقول بنبرة مُتحشرجة:

ـ جيتي هنا لوحدك ليه؟ 

آسيا ببساطة:

ـ مين قالك اني لوحدي ما انت موجود أهو…

تجاهل تلك النغزات التي تحتل صدره وهو يقول بجفاء:

ـ أنا جيت بعد ما حضرتك جيتي.

ابتسامة انتصار زينت ثغرها الشهي قبل أن تقول بدلال:

ـ مانا كنت متأكدة انك هتيجي بمجرد ما تعرف اني هنا…

انتصار ساحق سجلته الآن عليه، و الحقيقة أنه يستحق تلك الهزيمة أمامها، خاصةً بعد أن انضم ضميره إلى جانبها في تلك الحرب بعد أن تأكد من أنه كذب ذلك الحقير، و أن كان في السابق ما يحركه هو غضبه و غيرته، ولكنه شعر بالراحة حالما تأكد من أنه لا زال مالكًا لقلبها:

ـ الموضوع دا ميتكررش تاني..

هكذا تحدث بنبرة خشنة لتقابلها بآخرى لا مُبالية وهي تلتقط صورًا فوتوغرافيه لبعض الأماكن:

ـ موضوع ايه؟

كمال بغضب من تجاهلها له:

ـ أنا مش فاضي لحضرتك.. عشان اسيب شغلي واجي اجري وراكي كل شوية.

بدا مرتبكًا و أن كان يتقن إخفاء ذلك الأمر ولكن ليس عليها لتستغل هذا الأمر لصالحها حين قالت ساخرة: 

ـ طب والله ما أنت تاعب نفسك. تقدر ترجع لشغلك عادي جدا وانا والله اتفطمت من زمان.

اغتاظ منها وهتف حانقًا:

ـ يا شيخة! 

آسيا بجدية زائفة:

ـ أه والله. دا حتى الدولة نفسها ادتني بطاقة شخصية. يعني عادي مش محتاجة لمرافق. ولا بودي جارد…

امتدت يده تقبض على ذراعها بقوة وهو يهسهس بخشونة اخافتها:

ـ بطلي طولة لسان ..

حاولت نزع يدها من يده وهي تقول مُحذرة:

ـ وانت بطل تطول ايدك..

كمال بجفاء:

ـ أنا حر.

آسيا بتحدي:

ـ حر بعيد عني..

تجاهل حديثها وقال بنبرة خشنة:

ـ ايه اللي جابك النهاردة ؟ 

كانت غاضبة من يده التي كانت قابضة على ذراعها بقوة، لتقول بعناد:

ـ أجي ولا أروح ميخصكش..

كمال بقوة أجفلتها:

ـ يخصني. 

باغتتها الكلمة لتخترق حصونها ببراعة، لتأتي البقية كسيل من الرصاص أودى بثباتها إلى الهاوية:

ـ كل حاجة تخصك تخصني.

كان الهرب هو الطريقة الوحيدة أمامها الآن مما جعلها تدير رأسها إلى الجهة الآخرى وهي تقول: 

ـ سيبني عشان اشوف شغلي..

تركها على مضض وهو يُعيد استفهامه قائلًا:

ـ ايه اللي جابك هنا النهاردة ؟ في مشكلة حصلت؟

آسيا بغضب حاولت كظمه بشتى الطرق:

ـ حضرتك انا مش مديرة شركة عشان اقعد استنى التقارير تجيلي لحد عندي. أنا بحب اشوف شغلي بنفسي، واحكم عليه بعيني عشان لما احط مقترحاتي تكون مبنية على رؤية سليمة و مضمونة مية في المية.

لا يعلم لما أراد مشاكستها في تلك اللحظة حين قال:

ـ أنتِ مرات المدير، فعادي لو استغليتي صلاحياتك..

رمقته شذرًا قبل أن تقول بتهكم:

ـ لا والله أنا متنازلة عن الصلاحيات وفوقيهم اللقب..

لم يغضب إنما انتابته رغبة قوية في الضحك، وقد بدأت مشاعره تتناحر بداخله جزء يشعر بالذنب تجاهها و آخر يذكره بخطأها، وآخر يلعنهم و يتمنى لو يغلق عليها بين ذراعيه حتى تهدأ تلك الحرب بداخله ولو قليلًا. 

ـ تمام. يالا نشوف الشغل خلينا نخلص…

مضت قرابة الساعتين وهم يتجولون في المكان، وكما اعتاد معها، فهي تثير إعجابه بتفانيها في العمل و قوة ملاحظتها لكل شيء حتى أنه دون أن يلحظ وجد نفسه يشاركها آرائها و يقترح عليها الحلول و يتناقش معها في التعديلات التي دونتها ليمر الوقت سريعًا و كأنه هدنة اقتُطِعت بين أنصال السيوف ليجد أن العمل معها ممتع ككل شيء.

ـ احنا تقريبًا حطينا ايدينا على كل الثغرات و عرفنا متطلبات الشغل الفترة الجاية..

هتفت آسيا دون احتراز:

ـ اه فعلًا احنا النهاردة تمام اوي. 

غامت عينيه برغبة لا يعرف كيف انتفضت و تأججت بتلك الطريقة داخل صدره ليتحدث بنبرة خشنة مُتهدجة:

ـ  قصدك تمام التمام..

و كأن النيران انتقلت عبر الحروف من اعماق صدره إلى تلك المنطقة منزوعة السلاح داخل صدرها لترفع رأسها و ترى بعينيه شوقٌ مُخيف و عتاب قاس، وهي لم تكن مستعدة لكليهما مما جعلها تبلل حلقها قبل أن تشيح بنظراتها عنه وهي تقول بارتباك طفيف:

ـ أنا همشي عشان لسه ورايا شغل كتير في المكتب…

ـ تعالي معايا هوصلك..

لم يدع لها الفرصة للمقاومة، فقد قادتها يداه إلى السيارة رغمًا عن رفضها الجلي في عينيها…

اللهم صبّ عليّ راحة وتوفيقاً ينزع ما في قلبي من شتات ❤️

★★★

ـ تعرِفي رماح يا نچاة؟

هكذا تحدثت صافية بنبرة جامدة لتُجيبها نجاة بعينين لم تهتز من ثقل الاستفهام:

ـ سمعت عنيه منيكوا يا عمة..

اعجبت صافية بإجابتها مما جعلها تقرر الحديث بصراحة حين هتفت بنبرة جامدة:

ـ توبجي معرفتيش حاچة عنِه. لكن اني هجولك كل حاچة.
ـ و أشمعنى أنتِ اللي هتجوليلي؟
 استفهت نجاة لتُجيبها صافية بسلاسة تتنافى مع تلك القنبلة التي فجرتها بوجهها:
ـ عشان أنا مرّت أبوكي. إيوا يا نچاة رماح يوبجى چوزي.. جوليلي بقى رماح جالك ايه بالظبط واني اجولك إذا كان صوح ولا بيكذب عليكِ.؟ 

تعليقات