رواية الملاك الاسود الفصل الثاني بقلم مريم مهدي
_"إنت! "
كل اللي في القاعة بصلها بعدم فهم لإنها اتكلمت عربي، بحيث إن اللي وجهتله كلامها فهمها، وفهمها جدًا كمان.
_"عائش، حبيبة قلبي، عاملة إيه؟ "
حست بالاشمئزاز منه وبصت ليه بعصبية.
_"إنت إيه اللي جابك هنا. "
_"مش عيب يا قلبي لما تكلمي الدكتور بتاعك كدا؟ "
_"دكتور في عينك، وبطل قرف أنا مش قلب حد، وخليلك المحاضرة الزفت دي. "
_"وبعدين بقا؟ أكيد مش عايزة تسقطي صح؟ هترفضيني دلوقتي زي ما رفضتيني زمان؟ "
ربعت إيدها وبصت ليه بقرف.
_"وهفضل أرفضك طول ما إنت على القرف اللي إنت فيه، صدقني إنت لا تصلح أبدًا تكون الزوج الصالح اللي بتمناه يا أستاذ هشام. "
وأخدت بعضها وطلعت برة القاعة خالص وهي متعصبة، مكانتش متوقعة أبدًا تقابل هشام، هشام اللي كان السبب في تعاستها وموت أبوها.
عند الذكرى دي عيونها دمعت، راحت أخدت جنب وفضلت تعيط جامد، لقت حد بيمد ليها منديل، بصت لقيتها بنوتة قمر لابسة حجاب.
_"خذي هذا المنديل يا حلوة، لا تزعجي نفسك أبدًا. "
لقد رأت ما حدث في القاعة ورغم أنها لم تفهم الكلام، لكنها استنتجت أنه كان قاسٍ على تلك الفتاة.
خدت عائش المنديل منها ومسحت دموعها من تحت النقاب وشكرتها.
_"ما رأيك أن نكون أصدقاء؟ أنا المسلمة الوحيدة في كليتنا تقريبًا. "
_"لا بأس، أنا أدعى عائشة. "
_"وأنا أميمة. "
تحدثتا لوقت طويل، كان كل ذلك تحت نظرات ذلك الشخص الواقف بعيدًا عنهما بمسافة يستمع لحديثهما، ثم غادر بعد أن تنهد براحة.
بدأت المحاضرة التانية وعائشة راحت المدرج وهناك قابلت أميمة، وعرفت إنها من نفس دفعتها، بس هما هياخدوا في المدرج سوا لتشابه المادة في القسمين، بعد شوية دخل الدكتور وعائش مهتمتش تبص ليه لحد ما سمعت صوته ورفعت عينها لقيته هو!
_"كيف حالكم، أنا سأدرس لكم هذا العام، أنا دكتور جون، أعلم أن مادتي صعبة، لكن مع الاجتهاد وقدراتكم ستكون سهلة. "
مشى بنظراته على كل اللي في المدرج لحد ما وقفت عليها، ابتسم ليها ابتسامة صغيرة وهي حست إن قلبها هيقف فنزلت عينها في الأذض بسرعة، بعدين بص لأميمة وبص ليها بامتنان فهي هزتله وبصت لعائشة.
شرح المحاضرة وبعدين خرجوا كلهم، خلصت باقي المحاضرات كلها وسلمت على أميمة وأخدت رقمها، وراحت تشوف تاكسي، وكالعادة مفيش مواصلات، وقفت عربية قدامها واتصدمت لما لقت هشام بيبصلها ببسمة سمجة.
_"القمر مش عايز يروح؟ يلا يا روحي أوصلك. "
بصت له بشرار ومردتش عليه وسابته وراحت بعيد، نزل ومشى وراها لحد ما وقف قدامها.
_"ليه بس كدا؟ دا أنا هشام حبيبك، نسيتي ولا تحبي أفكرك. "
_"عند الذكرى دي جسمها ارتعش أوي وقالت:
_"ملكش دعوة وابعد عن طريقي أحسن ليك، ومتفكرش إني لوحدي في البلد. "
_"لا القطة بقت بتخربش خلاص. "
مردتش عليه ولما جت تعديه وتمشي مسك ايدها وشد عليها جامد وهي اتألمت.
_"إيه بس يا قلبي؟ زعلانة؟ ينفع تسيبيني وتمشي؟ كدا مش هلحق بقا زي المرة اللي فاتت ولا إيه؟ "
نهى كلامه بغمزة وهي ارتعشت خالص ورجليها مقدرتش تشيلها ودموعها نزلت على آخرها.
_"هي مش قالت ليك تبعد عن طريقها؟ "
بصت لمكان الصوت واتصدمت بوجود جون، دموعها لسة بتنزل.
_"وإنت مالك يا نجم، هي المزة تبعك ولا إيه، أصل دا مش غريب عليها. "
نهى كلامه بابتسامة فيها سخرية، جون اتعصب جامد من كلامه عليها، وقام ضربه جامد بإيده في وشه وقعه على الأرض لدرجة إن مناخيره جابت دم، عروق جون برزت، ونزل فيه ضرب، والضرب بيزيد أكتر كل ما يفتكر كلامه الوحش عنها.
_"جون بس كفاية بالله عليك هتموته في إيدك. "
لكن لا حياة لمن تنادي.
عائشة كانت حاسة برجليها مش شيلاها بسبب الموقف والذكريات اللي ضربت دماغها فجأة، وقعت على الأرض وبتحاول تسند نفسها بس رجلها مش مساعداها خالص، جون خد باله منها فضرب هشام الضربة الأخيرة وقاله:
_"حذاري، سامع؟ حذاري ألاقيك مقرب منها سواء بفعل أو بكلمة. "
سابه وجرى عليها، حاول يسندها لكنها منعته.
_"لا مينفعش تلمسني. "
_"هو دا وقته، إنتِ مش شايفة نفسك؟ "
_" *عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَأَنْ يُطْعَنَ فِي رَأْسِ أَحَدِكُمْ بِمِخْيَطٍ مِنْ حَدِيدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لَا تَحِلُّ لَهُ"* رواه الطبراني، يعني راسك تطعن بمخيط مصنوع من حديد أرحم ليك من إنك تمس واحدة مش حلال ليك."
إعجابه بيها زاد، وكل الكلام اللي قالته عن دينها حسسه إن إزاي الإسلام بيحفظ المرأة، مش دين إرهاب زي ما هما فهموه، حس إنه عايز يعرف أكتر، بس مش وهي كدا.
_"طب هاتي رقم أخوكِ طيب نرن عليه ييجي ياخدك. "
_"لا مختار تعبان مش هينفع، أنا هحاول أروح بنف... "
_"لا طبعًا مش هتعرفي، هاتي الرقم من غير كلام كتير بقا يلا. "
كان معاه حق، افتكرت إن وقفتهم وكلامهم كدا مينفعش، فعطته الرقم عشان أخوها ياخدها بسرعة.
_"أهلًا يا أستاذ مختار، أنا جون حضرتك أكيد فاكرني؟ أيوة بس أخت حضرتك.... لا لا أختك كويسة بس هي تعبانة في الشارع وبرن على حضرتك عشان تروحها يعني... متقلقش هي كويسة أهي... تمام هبعتلك اللوكيشن... تمام مع السلامة. "
خلص مكالمة وراح ليها.
_"أخوكِ كان هيموت من الرعب، ممكن بقا تسندي نفسك بس وتدخلي العربية عقبال ما ييجي؟ "
بصت ليه بقلق.
_"أنا هفضل مستنيه برة متقلقيش. "
حركت راسها بهدوء وسندت نفسها لحد ما دخلت عربيته وقعدت فيها وغمضت عينها بهدوء والذكريات كلها بتيجي في دماغها ورا بعض؛ البيت المهجور، هشام، صراخها، المستشفى، باباها.
عينيها دمعت محستش غير بحد بيحضنها، عرفت على طول إنه مختار اللي كان عارف كويس إيه سبب حالتها دي، بس اللي مستغربه إيه اللي دخلها فيها؟
_"بس اهدي يا قلبي، أنا أهو، كل حاجة كويسة، كله هيبقى تمام والله، اهدي. "
فضل يهدي فيها، وهي عمالة تعيط في حضنه لحد ما نامت.
عدلها على الكرسي كويس، مسح دمعة نزلت من عينه وراح على جون.
_"شكرًا، أنا بجد مش عارف أشكرك إزاي. "
_"على إيه بس؟ عائشة زي أختي، وإنت كمان زي أخويا. "
_"دي حاجة تشرفني يا جون، بس ممكن أعرف إيه اللي حصل. "
حكاله جون على كل حاجة حصلت بالتفصيل مخباش عنه أي حاجة، مختار طبعًا واللي كان عارف دا مين اتعصب جامد وكان نفسه يموته.
_"طب ممكن يا جون توصلنا، أديك شايف حالتي معرفتش آجي بالعربية حتى. "
_"دا عيوني طبعًا. "
_"يسلمولي يا حبيبي. "
ركب مختار وأخد أخته معاه ورا، وجون ساق لحد ما وصلوا، شال أخته ومشى بيها للشقة بعد ما شكر جون، دخلها الأوضة ونيمها على السرير، قلعها النقاب وباس على راسها، قفل عليها الباب وراح قعد في الصالة.
_"يااه يا عائش لو ماما عرفت اللي حصلنا هنا، مش بعيد تجيلنا على أول طيارة. "
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دخل جون شقته وشاف مامته واقعة على الأرض، جرى عليها بسرعة حاول يفوقها لكن لكن مش بتفوق، شالها بسرعة وجرى بيها على المستشفى، فضل مستني الدكتور يطلع يطمنه عليها.
الدكتور طلع وجرى عليه.
_"كيف حال أمي أيها الطبيب؟ هل هي بخير؟ "
_"آسف لكن والدتك تحتضر وطلبت رؤيتك. "
اتصدم، وشه لونه اتخطف، بص على أوضة مامته، دخل ليها وهو مش عارف يصلب طوله، أول ما شاف حالتها جرى عليها، حضنها وفضل يعيط.
_"أمي، أرجوكِ لا تتركيني، أرجوكِ، عليكِ التماسك. "
طبطبت على راسه بالراحة وقالت:
_"اسمع وصيتي يا بنيّ. "
_"أمي.. "
_"اسمعني. "
حاول التماسك وأمسك بيدها يحثها على التكلم.
_"لقد كنت أشعر دائمًا أننا على خطأ بنيّ، تعلم؟ والدك كان مسلمًا، لكنه لم يكن هنا أبدًا ليعلمك دينك الأصلي وهو الإسلام؛ فكبرت على الدين المسيحي، لكن أنا نادمة، بحثت كثيرًا حتى عرفت أننا على خطأ، لقد وجدت الراحة في الإسلام، أسلمت. "
اتصدم من اللي سمعه من أمه، أسلمت؟ إمتى؟ وازاي دا حصل؟ من غير ما تقوله كما؟
_"أنا أعلم أن الأمر صعب عليك، لكن لن أجبرك على دخوله، بنيّ، وصيتي أن تبحث عن الحقيقة بنفسك، ادفنّي في مقابر المسلمين، ابحث عن الحقيقة.. ابحث عن الحقيقة. "
لتغلق عينيها، وتذهب إلى خالقها مسلمة موحدة به.
اتصدم جامد، صدمته زادت لما حس بسكونها، حاول يفوقها لكن مش بتفوق فضل يصرخ باسمها ويعيط، دخل الدكتور وطلعه، حاول ينقذها، لكن للأسف، اتوفت.
عدى اليوم صعب على جون وجه الصبح، عائشة وهي نازلة الكلية لقت تجمع في شقة جون استغربت، بس لما لقت الناس لابسين أسود، قلبها وقع، متعرفش السبب، بس خافت يكون جون هو الميت، دخلت لمختار بسرعة نادت عليه وقالتله اللي شاقته ويدخل يطمن.
راح مختار ودخل سلم على الناس ولم شاف جون حس بالحزن عليه، شافه وهو بيحاول يتماسك، افتكر نفسه يوم عزا باباه، راح عنده وأخده بالحضن، جون ما صدق ومسك فيه جامد وفضل يعيط، مختار أخده بعيد عن الناس.
_"اهدى يا جون هي في مكان أحسن دلوقتي. "
_"هعيش ازاي من غيرها.. تعرف.. دي ماتت مسلمة.. وصتني أدور عن الحقيقة."
مختار فرح أوي من جواه بس مابينش.
_"وإنت لازم تنفذ وصيتها يا جون.. دي أمنية مامتك الأخيرة. "
_"وهعملها. "
مختار ابتسم ليه لكن ابتسامته اختفت أول لما سمع صوت صويت أخته.
