رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الثاني 2 بقلم ليلي طاهر


 رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الثاني 

*لينا.. بين الألم والضياع* 

خرجت من خلف تلك البوابة الحديدية الباردة، لتجد نفسها في مواجهة شارع موحش لا تعرف له أولاً ولا آخراً.

كان عقلها قد توقف عن العمل، عاجزاً عن استيعاب ما جرى. 

أهذا كابوس مفزع ستستيقظ منه بعد قليل؟ 

أم واقع مرير يفرض نفسه عليها بقسوة؟ 

رفضت روحها مجرد التصديق بأن هذه هي حقيقتها الجديدة.

ظلت تسير بلا هدى، تخطو خطوات ثقيلة والظلام يبتلعها.. 

ساعة كاملة من السير المتواصل لم يكن يتردد فيها على مسامعها سوى كلمة واحدة.. 

كلمة واحدة كانت ترنّ في أذنها كالجرس العنيف وتطعن قلبها مع كل دقة: 

*"أنتِ طالق... أنتِ طالق..."*

لم تكن تذكر من ثورته ولا صراخه سواها، كانت تلك الكلمة كفيلة بشلّ تفكيرها وعزلها عن العالم المحيط بها.

حتى خارت قواها؛ ولم تعد قادرة على حمل روحها المنكسرة بعد تلك الساعة المريرة، وفجأة، انهارت على الأرض الباردة.

في تلك اللحظة، بدأ وعيها يعود إليها تدريجياً لتدرك أين قادتها قدماها؛ كانت وحيدة في عتمة مكان لا تألفه.

انفجرت باكية بمرارة، وظلت تُحدث نفسها بصوت مخنوق بالدموع:

"ليه؟" 

"أنا عملت إيه عشان تعمل فيا كدا؟" 

"إيه اللي قلبك عليا فجأة؟" 

"دا أنا كنت محضرة لك مفاجأة كنت فاكرة إنها هتفرحك.." 

"أنا مش فاهمة حاجة خالص!" 

"طب كنت فهمني.. ريحني من العذاب والحيرة اللي أنا فيها دي."

ومع تدفق ذكريات الخناقة، بدأت تتردد في عقلها بقية كلماته القاسية كشظايا زجاج تجرح روحها؛ 

تذكرت نبرته المليئة بالكسرة وهو يصيح في وجهها: 

*"أنا المغفل اللي حبك لدرجة العمى!"* 

ثم مرت في أذنها صرخته الأخيرة العنيفة وهو يطردها قائلًا: 

*"اخرجي بره حياتي.. مش عايز أشوف وشك تاني!"*

تداخلت الأصوات في رأسها لتزيد من ضياعها بعد أن أفاقت من صدمة الكلمة الأولى.

انقبض قلبها بشدة، ومسحت دموعها بكفين مرتعشتين وتابعت بهمس مرير: 

"أنا حاسة إني وجعتك أوي.." 

"بس مش عارفة ليه ولا إزاي!" 

"بدل ما ترميني في الشارع كدا، كنت سيبني على الأقل أدافع عن نفسي..."

ولم تتحمل هذا الوجع أكثر، فصرخت بأعلى صوتها في جوف الليل: 

"آآآه!" 

"بعت الكل عشانك!" 

"آآآه!" 

"بعت حضن جدي وحب أهلي كلهم عشانك أنت!" 

"طب أرجع لهم إزاي دلوقتي؟" 

"إزاي هبص في عيونهم بعد ما أنا اللي اخترت بإيدي أسيبهم عشانك؟"

وفجأة، قطع بكاءها ضحكة ساخرة يملؤها القهر والندم: 

"وأنت.. يا ريتك صنت!" 

"يا خسارة حبي ليك.." 

"معقولة هنت عليك بالبساطة دي؟"

عادت لتجهش بالبكاء بحرقة أكبر، وهي تتخيل سيناريوهات العودة: 

"لو رجعت قصر جدي.. إزاي هستحمل نظرة الشفقة والعتاب اللي هشوفها في عيونهم؟" 

"دا غير إن جدي لو شافني بالحالة دي.. قلبه هيقف وممكن يروح فيها!"

ومع عجزها عن إيجاد مخرج، لم يتبقَّ لها سوى الصراخ.. 

فظلت تصرخ وتصرخ في فضاء الشارع الخالي، وكأنها تحاول طرد الوجع من أعماق روحها.

وفجأة، وأطراف صراخها تمزق سكون الليل، 

شق عتمة الشارع ضوء كشافات قوية، 

واهتزت الأرض تحتها على صوت فرملة حادة لسيارة نقل بضائع ضخمة توقفت على بُعد بضعة سنتيمترات منها.

انفتح باب الشاحنة المرتفعة، ونزل منها رجل خمسيني، حاد الملامح وقوي البنية، يرتدي جلباباً يشي بوقار وهيبة.

وقعت عيناه عليها وهي منهارة وسط الطريق؛ وراعه مشهدها الذي كان يلخص نكبتها.

كانت مثل زهرة نادرة عصف بها الإعصار فجأة؛ 

ورغم حالتها المزرية، كانت فائقة الجمال، وبشرتها البيضاء الصافية زادها الحزن شحوباً.

ترتدي فستاناً أسود فاخراً يفوح بالثراء والترف، لكنه الآن ملطخ بطين الشارع وممزق الأطراف، 

بينما كانت تلمع في عنقها ومعصمها مجوهرات ماسية فاخرة، 

وبرق في أصابع يدها المرتعشة خاتم ماسي نادر ونفيس، 

وتلألأ قرطها الماسي الطويل بين خصلات شعرها الأحمر الناري الثائر حول وجهها؛ 

طقم كامل يبرق بأخّاذ تحت ضوء كشافات السيارة ليؤكد أن هذه الفتاة تنتمي لعالم آخر من الرفاهية والجاه والملوكية.

غمرت الدموع عينيها الزرقاوين الساحرتين، 

وسال الكحل ليرسم خطوطاً من الوجع والخذلان على ملامحها الفاتنة.

اقترب منها الرجل الخمسيني بجلبابه الصارم، وانحنى يمد يده بوقار ليساعدها على النهوض وهو يتفحص حالتها بقلق وجواهرها وخواتمها الماسية تبرق تحت الضوء، وقال بنبرة حانية يحاول طمأنتها بها:

"قومي يا بنتي.. وحدي الله وقومي معايا، أنتِ كويسة؟ 

حصلك حاجة؟ 

طب بيتك فين وأنا أوصلك لحد باب بيتك؟"

نظرت إليه لينا بعينيها الزرقاوين الغارقتين بالدموع والكحل السائل، 

شفتيها كانت ترتجف وتحاول النطق، 

تريد أن تقول له "ليس لي بيت.. لقد طردني زوجي واتهمني بالخيانة"، 

وتريد أن تقول له "أخاف أن أعود لقصر جدي".. 

لكن صوتها لم يخرج.

كانت أنفاسها تتلاحق بتعب شديد، وجسدها يرتعش تحت فستانها الأسود الملطخ بالطين.

حاولت الاستناد على يده لتنهض، لكن قواها خارت تماماً، وثقلت الدنيا في عينيها.

وقبل أن تجيب على سؤاله، دارت الأرض بها، 

واستسلم جسدها المنهك لتسقط غائبة عن الوعي بين يديه في ليل الشارع الموحش، 

تاركةً خلفها حكاية حب تحولت في ليلة عيد ميلاده إلى رماد..


تعليقات