رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الثالث
*عاصم.. رماد الثقة وخنجر الظنون*
داخل جدران الفيلا الفاخرة..
بمجرد أن خرجت لينا، زاد غضب عاصم، فدفع كل ما على الطاولة أرضاً؛
فانكسرت كؤوس الكريستال، وتناثرت الهدايا الثمينة التي غصّت بها الحفلة بمناسبة عيد ميلاده.
لم يكن شيئاً منها بأهمية الشظايا التي تتطاير من روحه.
تراجع خطوتين، ووضع كفه على رأسه يضغط عليه وكأنه يحاول منع عقله من الانفجار، ثم صرخ بصوتٍ حاد شقّ صمت المكان:
*_"ليه؟! ليه يا لينا تعملي فيا كدا؟!
ليه تبيعيني عشان تنتقمي؟!
لو كنتِ طلبتِ ثروتي كلها... لو كنتِ طلبتِ روحي، كنت هقدمها لكِ وأنا مبسوط عشان أنتِ مبسوطة!
ليه تدبحيني بالطريقة دي؟!"__
ساد الذهول وجوه الحاضرين، وتسمر الصحفيون في أماكنهم لثوانٍ قبل أن تنطلق ومضات كاميراتهم الخاطفة تلتهم المشهد.
أسرعت نجاة هانم نحو ابنها الأصغر مراد، وأمسكت بذراعه تهمس بنبرة حازمة تخفي وراءها رعباً حقيقياً:
__"مراد، اتصرف ومَشّي الناس دي والصحفيين فوراً، كفاية فضايح لحد كدا!
وأنا هاخد عاصم أحاول أهديه جوه قبل ما ينفضح أكتر من كدا."__
تحرك مراد بآلية ولباقة، معتذراً من الضيوف وموجهاً رجال الأمن لإخلاء الحديقة.
في تلك الأثناء، اقتربت الأم من عاصم، وربت على ظهره بحنان محاولة قيادته للداخل:
*"يلا يا ابني... تعالى ارتاح جوه، مفيش حاجة تستاهل."*
تحرك معها كجسد بلا روح، يسير بخطوات ثقيلة ومترنحة تخدش هدوء المكان.
وبمجرد دخوله بهو الفيلا،
خلع جاكيت بدلته ورماه بإهمال على الأرض،
ثم جذب ربطة عنقه بعنف ومزق أول زرين من قميصه ليتنفس الهواء الذي شعر أنه يشح في رئتيه،
وألقى بجسده على أول مقعد قابله، مستنداً بمرفقيه على ركبتيه وهو يلهث كوحش جريح.
انحنت الأم أمامه، تحاول مسح حبات العرق عن جبينه وهي تقول بنبرة حانية مشوبة بالتحريض:
__"متعملش في نفسك كدا يا حبي..
أنا رغم إني مش عارفة أنت طلقتها ليه، بس أحسن برضه!
أنا أصلاً مبحبهاش من الأول وما كنتش عاوزاها..
ما تزعلش يا حبيبي، بكرة تجوز بنت أصول تصونك وتعرف قيمتك وتنسيك أيامها كلها."__
لم يحتمل عاصم كلماتها التي كانت كالملح فوق جرحه،
فرفع رأسه وفجأة صرخ في وجهها بعيون حمراء كالدم وعروق ناتئة في رقبته:
*"كفاية يا أمي...! أرجوكِ كفاية!"*
تراجعت الأم خطوة إلى الوراء، مذهولة ومصدومة من نبرته؛
فعاصم الذي لم يرفع صوته عليها يوماً، والذي يقدس رضاها، يصرخ في وجهها الآن بهذه الطريقة!
في هذه اللحظة دلف مراد إلى الداخل بعد أن أنهى إخلاء الحديقة،
واستمع إلى صرخة عاصم الأخيرة في وجه والدته.
تقدم بخطوات هادئة وموزونة، ثم التفت إلى والدته وقال بنبرة هادئة ورجاء:
*"من فضلك يا ماما، سيبينا لوحدنا شوية."*
نظرت نجاة هانم إلى عاصم بتعب، ثم أومأت برأسها وقادت خطواتها للخارج وقالت لمراد:
*"حاضر يا بني، أنا طالعة."*
وتركتهم وصعدت إلى غرفتها.
التفت مراد وقرب من أخيه عاصم، وقعد على المقعد المقابل له، وبص له بعيون مليانة قلق وخوف حقي على أخوه الكبير، وهبط بصوته وقال بنبرة حنينة وفيها دعم:
__"عاصم.. أنا عارف إنك تعبان ومضغوط من يوم ما الملف اختفى من الشركة، وعارف الخسارة الكبيرة اللي حصلت لنا ومأثرة عليك..
بس ممكن أفهم بقى في إيه؟
إيه الحاجة الكبيرة اللي تخليك تعمل كدا وتطلقها وتطردها بالمنظر ده؟"__
عاصم بص في الأرض ومردش.. فضل ساكت والوجع والكسرة باينين على ملامحه.
مراد قرب منه أكتر، وصوته بقى حاد وفي نفس الوقت كله حيرة وضغط:
__"هي عملت إيه يا عاصم؟
قولي عملت إيه عشان توصل لكدا وتطردها بالمنظر ده؟"__
هنا، فَقَدَ عاصم آخر ذرة من ثباته، ورفع عينيه المليانة حسرة وغل وهو بيبص لأخوه، وصاح بصوت مخنوق ومكسور:
__"أنا النهاردة بس اتأكدت يا مراد...
أنا كنت شاكك فيها من يوم سرقة الملف، بس النهاردة اتأكدت."__
مراد هز راسه برفض واستغراب:
*"شاكك؟! شاكك فيها إزاي؟"*
عاصم قام وقف ولف في الأوضة وهو بيتكلم بصوت مبحوح:
__"يوم ما الملف اتسرق لينا كانت فى الشركة وطلبت من السكرتيرة متبلغنيش إنها جت...
وأنا كمان سمعتها بالليل بتكلم حد في التليفون..
وعمري ما هنسى الليلة دي من أسبوعين، لما جيت أدخل الأوضة وسمعتها بوداني وهي بتقول بمنتهى السعادة والحماس..."__
✦ ✦
_تراجع عاصم بعقله لتلك الليلة، ليتجسد أمام عينيه صوتها العذب والفرح المليء بالحب والبهجة وهي تمسك بهاتفها وتقول بنبرة متحمسة جداً ومبسوطة:_
*"خلاص كدا كله تمام.."*
*"أنا بعت الهدية تتلف فى مكان هدايا شيك عشان تبقى مميزة وعمره ما ينساها.."*
*"وطلبت من المحل يكتب لي كارت مكتوب عليه: 'كل سنة وأنت طيب يا حبيبى.. مستعد للمفاجأة اللي في الظرف؟ وكمان يكتب الرسالة إياها اللي اتفقنا عليها'"*
*"وطلبت منه يكتبهم بخط مزخرف عشان تبقى المفاجأة شيك أوي!"*
*"متصوريش أنا فرحانة ومتحمسة قد إيه عشان هشوف الصدمة والذهول على وش عاصم أول ما يفتح الظرف ويقرأ الكلام!"*
*"أكيد هيتجنن لما يعرف السر ده، ودي هتبقى المفاجأة الكبيرة اللي هتقلب حياتنا كلها رأساً على عقب.."*
*"واختارت يوم عيد ميلاده بالذات عشان الكل يشهد!"*
✦ ✦
_ويفتكر شكلها أول ما فتح الباب ودخل؛ لما انتفضت وتلعثمت في الكلام من خضتها، وحاولت تداري فرحتها وقفلت الخط بسرعة. نظر إليها بشك وسأل بصوت جامد: "بتكلم مين يا لينا في وقت زي ده؟"، فابتلعت ريقها بتوتر وقالت بابتسامة مرتبكة عشان تخبي المفاجأة: "دي.. دي سارة صاحبتي.. كانت بتفضفض معايا شوية عن مشكلة بينها وبين خطيبها وخلاص، مفيش حاجة!"_
نفض عاصم رأسه بعنف وكأنه يطرد طيفها من أمامه، وعاد ليركز نظره على مراد وضحك ضحكة ساخرة يملؤها القهر وكمل بحسرة وهو بيبص لأخوه وعينه مليانة غل:
__"كانت بتخطط وترتب للمفاجأة اللي هتقلب حياتنا!
واختارت أحلى يوم في حياتي، اللي هو يوم عيد ميلادي، عشان تطعني فيه بخنجر خيانتها وخداعها!
الملف اللي اختفى من الشركة من شهرين يا مراد..
الخسارة والكارثة اللي إحنا فيها دي كلها.. لينا هي السبب فيها!
لينا هي اللي سرقت الملف ده من ورايا وباعتنا!"__
ثم قبض على يده بعنف وصرخ بكسرة:
__"دي كانت فرحانة أوي وهي بتخدعني كدا!
كانت بتموت من الحماس والبهجة في التليفون وهي بترتب لتدميري وطعني في ظهري!
أنت عارفني كويس يا مراد، وعارف إن مش الملف ولا الخسارة الكبيرة دي هي اللي تكسر عاصم..
الفلوس بتروح وتيجي وبتتعوض، إنما ثقتي فيها وحبي ليها.. هو ده اللي مش ممكن يتعوض!
طلعت متجوزاني وعايشة معايا كل ده عشان انتقم لأبوها..
عشان أبونا كان السبب في خسارته وموته بحسرته زمان!"__
وقع الكلام كالصاعقة، وساد الصمت الرهيب بين الأخين؛
عاصم يلهث من ألم الخيانة التي دمرت روحه في ليلة عيد ميلاده،
بينما تجمد مراد في مكانه، وعيناه مثبتتان على أخيه بنظرة غامضة امتزج فيها الذهول بالوجع
