رواية علي راحتي الفصل الثاني بقلم اية شاكر
- ليه يا ماما؟ ليه يا حبيبتي كده؟ ما إحنا عندنا صنيه ألمونيا مش بتتكـ.ـسر وأطباق ألمونيا. لزمتها ايه نطلع حاجات النيش! أهي اتكسـ.ـ.رت.
وفي ظل الجو المُربك ده وكله بيبصلي بعد ما وقعت على الأرض بأطباق الفاكهة...
قمت من على الأرض ابتسمت وبصيت لوالد عمار وقلت:
- ازيك يا عمو سامي؟ حضرتك منورنا والله.
قربت منه ومديت إيدي سلمت عليه بحراره وأنا بقول:
- مع إني مش بسلم على رجاله بس حضرتك مش منهم طبعًا.
انتبهت للي قولته وبدأت أوضح قصدي وأنا بقول بضحك على الموقف وعلى العك اللي بقوله:
- وطبعًا مش قصدي إنك مش راجل... أكيد حضرتك فاهم قصدي.
وضحكوا كلهم من تحت ضرسهم.. خاصة أمي..
قال والدي بابتسامة مرتبكه وهو بيشاور عليا:
- دي سهيله بنتي.
- أيوه انا سهيله بنته.
قولتها وأنا بهز راسي لتحت وشفايفي بتترعش بابتسامة مرتبكة...
بصيت ناحية عمار فتلاقت نظراتنا لجزء من الثانية.. المره دي نظرته كانت متغيره مش غضـ.ـب ولا حده.
ومش عارفه ليه حسيت ناحيته بشعور مختلف أربكني... هو يمكن أشفقت عليه!
وهنا كان لازم أهرب...
- عن إذنكم...
قولتها وخرجت من الأوضة بخطوات سريعة.. فصوباع رجلي الصغير خبط في العتبه...
وكملت مشي وكأن محصلش حاجه رغم الألم.
ومجرد ما دخلت أوضتي مسكت صوباعي وأنا بتأوه وأتألم.
وبعدين ضحكت جامد على اللي حصل.. لكن لما استعاد عقلي نظرة «عمار» الأخيرة اختفت ضحكتي فضلت أفرك واتحرك يمين وشمال في الأوضه وانا بكلم نفسي:
- يا ترى هو شافني ازاي؟! اكيد اتضايق مني بعد اللي عملته معاه!
زفرت بضيق:
- بتفكري في ايه يا سهيله؟ لا... متفكريش فيه. دا مستفز.. ما يتضايق هو إحنا هنناسبه.
قعدت قدام المراية أمسح بقايا المكياج عن وشي وانا سرحانه.. وابتسمت مره تانيه لما افتكرت اللي حصل، والإبتسامة اتحولت لضحكه وبعدين لضحكات كتيره وأنا بتخيل شكل عمار وهو بيوقع العصير على نفسه.
- ســـهـــيـــــلـــه.. إنتي يا بنت... تعالي هنا.
ناداني والدي بصوت عالي، فاختفت ضحكتي وبرقت عيني بصدمة وانتفضت واقفه وانا بقول:
- يا صلاة العيد!
ولما كرر والدي ندائه خرجت أرد عليه..
لما شافني قال:
- ممكن تفهميني إيه العك اللي عملتيه ده؟
حركت ايدي بارتباك:
- من غير ما تنفعل.. هحكيلك اللي حصل وهتعذرني.
وبدأت أحكيله كل حاجه حصلت من بداية لقائي بـ عمار.. لأني متعوده مخبيش اي حاجه عن والدي ووالدتي..
نسيت أقولكم إن أمي ست هاديه جدًا والدليل إني كـ..ـسرتلها إطباق النيش ومزعقتليش...
- براحه يا ماما... شعري هيطلع في إيدك.
مش قولتلكم أمي ست هاديه!
زعقت أمي:
- مش هسيبك يا سهيله... إنتي وقـ حه يا بت. مالك ومال الراجل بتتحٰانقي معاه ليه؟ وكمان تكسريلي أطباق النيش!
- مكنش قصدي والله... قول حاجه يا بابا.
قولتها وأنا بستغيث بـ والدي المبتسم وكأنه بيتفرج على مشهد كوميدي..
تجاهل استغاثتي وهز رأسه وهو بيقول:
- آه عشان كدا عمك سامي كان بيقول إنك شجاعه وبيشكر فيكي.
وهنا عرفت إني ظلمته لأن شكله سرحان في اللي حكيتهوله عن لقائي الأول لعمار ووالده وحٰنـ.ـاقتي مع عمار...
سابتني أمي، ووقفت مكشره وشها، فبصيت لبابا وقلت:
- بس ابنه مستفز جدًا يا بابا.. بجد أنا مش طيقاه.
رد والدي وهو بيشوح بإيده:
- اسكتي إنتي متعرفيش حاجه، دا شاب سكر، راجل محترم.. عمار ده خريج كلية دار العلوم وشغال في القاهره في مركز تعليم اللغة العربيه لغير الناطقين بيها وعنده أكادميه إلكترونية وبيحَفظ الناس الغير ناطقين بالعربي قرآن، ومتدين جدًا..
وقالت أمي:
- تلاقيه بس اتخض من وقاحـ..ـتك وطول لسانك...
- لأ أنا مش وقـ.ـحه وبعدين دا ملتحي يا ماما يعني من الدقينه وأي حد ملتحي معروف إنه مش محترم.
مسح والدي شعر لحيته الطويله وقبل ما أصحح كلامي وأقول ما عدا بابا، انتفضت لما مسكتني أمي من قفايا، وقالت:
- سهيله يا بنتي أنا حاسه إني مكنتش فاضيه أربيكِ..
- حاسه مش متأكد؟
بقلم:
ايـــــــه شـــــاكـــر
ـــــــــــــــــ
- معقوله دي بنت عمك أيمن، أما بنت شُجاعه فعلًا!
- شُجاعه إيه يا بابا؟! دي متـ هوره والظاهر كمان تعباىٰه في دماغها..
زفرت بعمق وندمت على اللي قولته لما حسيت إني دي ممكن تكون غيبه... فمسكت لساني... استغفرت وبدأت أدعي لها ربنا يهديها.
قال والدي:
- مش اي حد يرمي نفسه كده عشان ينقذ غيره... مش شايف رمت نفسها ازاي قدام العربية وشدت الطفله.
معلقتش واكتفيت بنظره سريعة لبابا ورجعت أتابع الطريق. خوفت كلامي مع والدي يفضح اضطراب قلبي...
لازالت صورة سهيله محفوره في مخيلتي.. نبرة صوتها وهي بتتخانق معايا ونظرتها كانت حادة زي الصقر واللي اتحولت لبطه بلدي مبلوله لما دخلت الأوضه وشافتني...
ابتسمت لما افتكرت الموقف الغريب اللي اتحطيت فيه النهارده... أنا عمري ما حصلي كده قبل كده!
- بقول اي يا عمار... إيه رأيك في عائشه بنت خالتك؟ بنت ملتزمه وزيك... أمك طلبت مني أكلمك و...
قاطعته لكن بهدوء:
- هو إنتوا مش بتزهقوا من الموضوع ده يا بابا! .. عائشة مش ملتزمة، هي عشان منتقبة تبقى ملتزمة؟سيبوني أنا هختار بنت تناسبني.
انفعل والدي عليا:
- واللي تناسبك دي لازم تكون مسيحيه يا عمار؟! أنا نفسي أعرف دماغك دي فيها إيه! مفيش واحده مسيحيه هتوافق تتجوز واحد مسلم وكمان ملتحي يا عمار... فوق لنفسك، عديت ٢٨ سنه وكل اختياراتك شبه المراهقين وزي الزفت وكل ما نجيبلك عروسه ترفضها...
- خلاص يا بابا لو سمحت، دا مكنتش مره اللي اتقدمت فيها لواحده مسيحية ومن تلت سنين!
- أيوه وبعدها عشر عرايس مش لابسين الحجاب ومنهم واحده شكلها رقاصه!
وشوح والدي بايده بزهق وسكت..
بص من شباك العربية وهو متضايق مني...
فشغلت الراديو على إذاعة القرآن عشان أخفف حدة الجو... وعشان أهرب من الأفكار اللي بدأت تتوافد لمخيلتي؛ سهيله وصوتها ورعشة شفايفها بابتسامة مرتبكه... والموقف البايخ اللي اتعرضتله.
سحبني من أفكاري صوت والدي:
- أسمع يا عمار يابني اللي نعرفه أحسن من اللي منعرفهوش. أنا هاخد معاد من جوز خالتك وتتقدم لعائشة... البنت حلوه و...
- لأ، وغيّر الموضوع دا يا بابا بعد إذنك، دا لو عايزنا نوصل البيت من غير ما نعمل حـ.…ادثه مره تانيه.
تمتم والدي بكلام كله ضيق فبصيتله بنظره سريعه وابتسمت وقلت:
- متقلقيش المره دي هتنبهر من العروسه اللي هختارها... بس اديني وقتي...
- طيب أنا مليش دعوه بالموضوع ده تاني، وابقى اتصرف مع أمك.
ولما وصلت البيت لقيت عائشه بنت خالتي، قاعده مع هاجر أختي في الصاله وشكلها هتبات عندنا..
خالعه نقابها قدامي كالعاده ودي حاجه بتزعجني جدًا..
كلهم بيحاولوا يقنعوني بيها وبإني لازم أتجوزها مُعللين إن اسمها لايق على اسمي عشان أوله حرف العين...
وأنا مش قادر أتقبلها كزوجه... مع إنها جميله جدًا وتشبه هاجر أختي إلى حد كبير في الشكل فقط طبعًا... أكبر من أختي بسنه وفي كلية أداب لغة فرنسيه...
ألقيت السلام ودخلت أوضتي من غير ما أبص ناحيتها فجريت ورايا هاجر:
- إيه رأيك في المفاجأه؟ عروستك هتبات هنا... ينفع كده متسلمش عليها؟
انفعلت على أختي وصوتي اترفع غصب عني:
- برده عروستي!! اطلعي بره يا هاجر... ومسمعكيش بتقولي كده تاني... وابقي قوليلها تلبس النقاب قدامي عشان كدا ميصحش.
- حاضر، وآسفه... عن إذنك.
حسيت من نبرة صوتها إنها زعلت أو يمكن اتخذلت.
وكنت متأكد إنها لو خرجت بالشكل ده هتعيط فجريت بسرعه قبل ما تطلع من الباب وسحبتها لحضني وأنا بقول:
- آسف والله.. متزعليش مني... طلعت زهقي فيكي.. بيضغطوا عليا وأنا مش هينفع أتجوزها يا هاجر.
خرجت من حضني وبصت في عيني وقالت:
- ليه مش هينفع؟ تعرف إن فيه عريس اتقدملها وهي جت تقول لماما عشان أهلها موافقين وهي...
قاطعتها:
- هي ربنا يسعدها مع اللي يستاهلها بس الموضوع ده منتهي عندي يا هاجر... خليها توافق على العريس.
- طيب إوعدني تعيد تفكير لأخر مره...
- الموضوع مُنتهي يا هاجر.
وانتهى الحوار بينا على كده...
قعدت على سريري أمسح وشي بضيق...
اترسم في مخيلتي صورة سهيله؛ ابتسامتها المرتبكه، ونظرتها، وكلامها وبصيت لهدومي اللي العصير أتكب عليها... وبدأت أغيرها.. وبعدين استلقيت على السرير وحطيت ذراعي تحت راسي وسرحت في تفاصيل اليوم وتحديدًا في سهيله...
وفوقت لنفسي وأنا ابتسامتي بتوسع أكتر وأكتر، فاتنفضت وقعدت وأنا بقول بتوتر من مشاعري:
- لا لا لا، مش ممكن كده! دي بنت لسانها طويل و... ومتنفعش، لا لا متنفعش.
بصيت ناحية الشباك.
كانت ليلة هاديه لكن قلبي الي مش هادي... قلبي خوفني منه..
فتحت دفتري وكتبت:
"تمر بنا وجوه لا نعرفها، فتفتح في القلب بابًا لا يجب أن يُفتح... وهناك مواقف كبحرٍ عُلق على شاطئه لافتة «احذر الخطر!» ولكن عليك أن تمر منه دون أن تغرق فيه."
قررت أنسى سهيله والموقف اللي حصل ده، لازم أنساها! وإن شاء الله مش هشوفها تاني ومفكرش فيها تاني نهاااائي.
بس غريبه ومع إنها من قرية قريبه من قريتنا إلا إني أول مره في حياتي أشوفها..
- يوووه... بفكر فيها تاني ليه؟!
قلتها بزهق وسيبت قلمي وقفلت دفتري بعنـ.ـف وقمت أصلي.
وأهي كلها كم يوم وأرجع لحياتي الروتينيه في القاهره... بس لحد امته هفضل لوحدي؟ ما أنا لازم أتجوز.
كنت متضايق جدًا من البنت اللي اسمها سهيله عشان كل شويه عقلي يعيد ويزيد في الموقف اللي حصلي معاها وأتخيل إني قولت كلام متقالش... ورديت عليها رد تاني مردتهوش...
البنت استفزت مشاعري بطريقة مريبه... آه لو أشوفها تاني، دا أنا كنت آخد حقي منها وزياده...
بس برده اسمها مميز جدًا... هو أنا ليه حاسس إن لقائنا منتهاش على كده وإن هيكون لينا قصة طويله مع بعض...
لا لا بيتهيألي..
نفسي أطردها من تفكيري بقا...
الظاهر كده إني لازم أتجوز لأني بقيت أتصرف تصرفات لا تليق بشخص مثلي... لازم أشوف عروسه مناسبه وأتجوز، أزف الوقت...
مش عارف ليه حاسس إني محتاج أعيد تفكير في موضوع عائشه ولو لأخر مره...
ولأول مره قررت أصلي استخاره بخصوص الموضوع ده...
ومر يوم والتاني وأخدت قراري النهائي..
ــــــــــــــ
- خلصي يا بسنت عشان نلحق صلاة الظهر جماعه...
- لحظه واحده يا أوخت سهيله.
قالتها بسنت بسخرية...
وقفت بمضغ اللبانه بضيق من صاحبتي بسنت اللي واقفه تتكلم مع شاب من الدفعه وبيضحكوا بصوت عالي.
وكنت كل ما عيني تيجي في عين الشاب أبصله بقرف وكأنه عامل فيا حاجه...
فقال بمرح:
- ايه يا سهيله عامله ايه؟
- إنت مالك أصلًا عامله إيه ولا مش عامله ايه! أنا ماشيه يا بسنت ابقي خلصي وتعالي على المسجد.
وسمعت الشاب بيقول:
- مالها دي!
قالت بسنت بسخرية:
- سيبك منها أصلها رايحه تصلي فواخده وضع الشيخه.
سخر الشاب بضحك:
- ربنا يقوي إيمانها كمان وكمان.
ودخلت مسجد الجامعه زي كل يوم...
وحوار بسنت والشاب لسه بيدور في عقلي ومتضايقه إني مردتش عليهم.
وهناك شوفت البنت اللي من دفعتي وبشوفها كل يوم بتصلي هنا...
ومع إننا مختلفين عن بعض تمامًا إلا إن نشأ بينا علاقة سطحيه ولكن مريحه جدًا.
اسمها «هاجر» كانت بتلقي عليا السلام وأرده تبتسملي فابتسملها...
بنوته حبوبه، جميله، منتقبه، ولطفيه جدًا بس بسنت مش بتحبها مع إنهم من نفس البلد...
اتوضيت وبسرعه لبست إسدال صلاة من المسجد لأن مينفعش أصلي بالبنطالون وصليت الظهر...
ولما خلصنا صلاة قعدت أحط مكياج مره تانيه، فقالت هاجر:
- والله إنتي زي القمر مش محتاجه مكياج... وبعدين البتاع ده بيبوظ البشره...
مردتش عليها وكنت مركزه وبسحب الأيلاينر..
فقالت:
- إيه التناقض ده؟ يعني تصلي وإنتي طالعه من المسجد تعصي ربنا وتضيعي صلاتك!
- أعمل إيه! اتعودت عليه... ومش بعرف أمشي من غيره... ادعيلي ربنا يهديني.
- بتاخدي ذنوب وإنتِ ماشيه! ربنا يهديكِ إنتِ وبنات المسلمين.
مزودتش كلام معايا ولما خرجنا من المسجد وقفنا نتكلم ونهزر والناحية التانيه بسنت كانت لسه قاعده مع الشاب...
وفضلت جملة هاجر ترن في وداني"بتاخدي ذنوب وإنتِ ماشيه!" بترن في وداني.
قاطعنا موبايلها لما رن، قالت:
- دا عمار! ثواني يا سهيله هرد عليه.
الاسم أصاب قلبي برجفه وأنا بفتكر عمار ابن عمي سامي! فرميت وداني معاهم أسمع حوارها:
- صوتك ماله؟... هتيجي تاخدني من الكليه! طيب... ماشي... اهدى بس... هتعزمني ونتكلم بره.. ماشي عادي.
وقفلت هاجر موبايلها وقالت لي:
- دا أخويا واقف قدام الكليه... مضطره أمشي.
سلمت عليا وكانت هتمشي وهضطر أرجع لبسنت...
بلعت ريقي بارتباك...
كنت بحاول أفهم شعوري ده! وليه مجرد ذكر اسمه أثر فيا كده!!
شاورتلي بسنت لكن رميتها بنظرة حادة استغربتها بسنت... وتجاهلتها.
قلت لهاجر:
- طيب خديني معاكي يا هاجر لحد بره بقا أنا كمان همشي.
خرجت مع هاجر من الجامعه عشان أأكد لنفسي إنه مش أخوها وتشابه أسماء.
ومع كل خطوة دقات قلبي كانت بتزيد، وجوايا صوت بيقول: " أكيد مش هو.."
ما هو مش معقول يكون هو! مش للدرجة دي!
ومجرد ما خرجت من البوابه ودعتني هاجر وفضلت متابعاها بعيني لحد ما ركبت هاجر، نفس العربية، بنفس اللون والرقم!
- يا نهار بلون عربيتك.
