رواية حرب سقطت راءها الفصل الثلاثون 30 بقلم نور زيزو

 


 رواية حرب سقطت راءها الفصل الثلاثون بقلم نور زيزو




[[ أحيانًا لا تكون المعجزات صاخبة...
لا تأتي على هيئة انتصارات عظيمة أو أحداث تهز العالم.
أحيانًا تكون المعجزة مجرد خطوة...
خطوة صغيرة جدًا يراها الجميع عادية، بينما يراها قلبٌ مكسور بداية طريق العودة من الهاوية
فبعد الليالي الطويلة من الخوف...
وبعد أن يصبح مجرد النهوض من الفراش معركة...
تصبح أبسط المحاولات بطولة لا يراها إلا من ذاق السقوط ]] 

____________________________

فتح "يزيد" باب غرفته وهو يتثاءب بتكاسل شديد شعره مبعثر وعينيه نصف مغلقتين من أثر النوم المتقطع الذى لم يفارقه منذ أيام خرج بخطوات بطيئة يفرك مؤخرة عنقه بكفه وهو يتمتم بضيق:-
_ أصبحنا وأصبح الملك لله 

لكن خطواته توقفت فجأة، توقفت لدرجة جعلت بقية الجملة تموت داخل فمه، أتسعت عيناه تدريجيًا ثم أكثر حتى اختفى أثر النعاس تمامًا من وجهه كان هناك ورقة صغيرة معلقة على باب غرفته ورقة بيضاء مثبتة بشريط لاصق بعناية تجمد مكانه للحظات ينظر إليها ثم حول نظره ناحية غرفة "ليل" المغلقة وعاد للورقة مرة أخرى اقترب منها ببطء وكأنه يخشى أن تكون سرابًا مد يده ونزعها من مكانها يقࢪأها وفور أن وقعت عيناه على أول سطر شعر بشيء دافئ يمر داخل صدره، خط يدها كانت تلك أول مرة تكتب له فيها تبادر نحوه بأي شيء، أول مرة تمد يدها خطوة واحدة خارجة من حصنها المغلق
ابتلع ريقه بصعوبة وبدأ القراءة 
(شكرًا على الكتب...
أنا قرأت أول كتاب منهم..... 
توقفت عيناه على الجملة وأعاد قراءتها مرة وثانية فتمتم بدهة من تقدمها للأمام بخطوة:-
_ قرأته

تبسم ببأريحية وهو يتابع تمتمته:- 
_يعنى فتحت الكتب وبدأ تستجيب وقبلت هديتي مركنتهاش 

أغمض عينيه للحظة قصيرة وكأن قلبه تلقى هدية لم يكن يتوقعها
ثم أكمل قراءته
( لو مش هيكون فيه تعب عليك...
ممكن تجيبلي الملازم بتاعة الكلية؟
وكمان أوراق المحاضرات الأخيرة...
أنا عايزة ألحق الامتحانات النهائية) 

سقطت عيناه على آخر سطر وبقى يحدق فيه طويلًا حتى شعر بوخزة غريبة خلف عيني لم تكن دموعًا لكنه كان راحة واسترخاء تجاهها، رفع رأسه ببطء نحو باب غرفتها وكأن الباب الخشبي البسيط تحول فجأة إلى أجمل منظر رآه فى حياته فهى لم تطلب دواء، الهروب، أن تختفى؛ بل طلبت أن تعود... أن تعود للدراسة، للحياة، وأن تعود لتكون "ليل" الفتاة المرحة بخفة الفراشة، طلبت أن ينتشلها من القاع المُعتم بطريقة غير مباشرة 
جلس على الأريكة ببطء شديد والورقة بين أصابعه وينظر إليها كما لو كانت كنزًا ثم ضحك فجأة ضحكة صغيرة خرجت رغماً عنه، ضحكة رجل ظل أيامًا يحاول سحب شخص من الظلام ثم لمح أخيرًا شعاع الضوء الأول فرفع الورقة إلى شفتيه وقبلها بخفة دون وعى منه ثم قال بصوت مبحوح من شدة فرحته:-
_ والله لو عايزة أجيبلك الكلية كلها هجيبها...

نهض من مكانه بسرعة متحمسًا لهذه البداية لكن توقف فكر لثوانٍ
واتجه إلى باب غرفتها رفع يده ليطرق الباب وكان متحمسًا لرؤيتها الآن لكنه تراجع وابتسم بخفة ثم أنزل يده احترامًا لها واحترامًا لتلك الخطوة الصغيرة التى أخذت منها شجاعة أكثر مما يتخيل فتحدث من خلف الباب بهدوء:-
_ صباح الخير يا ليل

ساد الصمت لثوانٍ لكن هذه المرة لم يكن الصمت مخيفًا بل يحمل نار الأنتظار فألتفت واثقًا بأن لن تُجيب كعادتها وتحرك خطوة ليغادر لكن جاءه صوتها، خافت، ضعيف لكن واضح لأول مرة منذ تلك الليلة وبعد أن أصبحت زوجته تتحدث مع أحد او معه بالأحري:-
_ صباح النور

تجمد "يزيد" مكانه واتسعت ابتسامته دون إرادة بينما فى الداخل كانت "ليل" جالسة على طرف السرير تضم الكتاب إلى صدرها وقلبها ينبض بخوف لكن للمرة الأولى لم يكن الخوف وحده ظل "يزيد" واقفًا أمام الباب لثوانٍ طويلة ثوانٍ فقط، لكنها كانت كافية ليشعر أن شيئًا كبيرًا قد تغير، لم تكن الكلمات التى سمعها مميزة فى ظاهرها
مجرد "صباح النور"
لكن بالنسبة له كانت أشبه بعودة شخص غاب طويلًا فأغمض عينيه لحظة وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول بلطف:-
_ متقلقيش... قبل آخر النهار هتكون الملازم والأوراق عندك

صمت قليلًا ثم أضاف بابتسامة واضحة فى صوته:-
_ ولو ناقصك أى حاجة تانية ابعتلى على الواتس

لم يأته رد فلم يضغط عليها أكثر اكتفى بأن قال بهدوء:-
_ هستناك تفطري الأول... وبعدين أروح أجيبهم

ثم ابتعد عن الباب وغادر وظلت خطواته تُسمع تدريجيًا حتى اختفت تمامًا، داخل الغرفة كانت "ليل" جالسة فوق السرير الكتاب ما زال بين يديها ظلت تحدق نحو الباب المغلق لثوانٍ طويلة بعد رحيله
ولأول مرة منذ أيام ارتفعت زاوية شفتيها قليلًا بابتسامة صغيرة جدًا وخفيفة جدًا لكنها حقيقية شعرت بها بنفسها وشعرت بغرابتها أيضًا
رفعت يدها ولمست شفتيها كأنها تتأكد أن الابتسامة موجودة فعلًا ثم انزلت يدها ببطء إلى الكتاب المستقر فوق ساقيها، كانت كلمات "قُدس" ما زالت عالقة فى رأسها وصوت ابنة عمتها وهى تجلس بجوارها دون أسئلة، فضول، دون نظرات شفقة فقط تمسك يدها وتخبرها أن الحياة لم تنتهِ أنها ما زالت "ليل" وأن ما حدث لا يملك الحق فى سرقة عمرها كله حتى وهى لا تعرف ماهية ما حدث 
ثم جاء "يزيد" بصبر غريب، لم يسأل، لم يضغط، لم يقتحم خوفها
كان يترك لها المسافة التى تحتاجها وفى نفس الوقت لا يتركها تسقط وحدها كأن الاثنين أمسكوا بيدها من طرفين وسحبوها برفق شديد من القاع الذى غرقت فيه، بلا أوامر وإجبار فقط بالكثير من الرفق وأنزلت نظرها إلى الكتاب مررت أصابعها على غلافه ببطء ثم فتحته من الصفحة التى توقفت عندها وفى هذه المرة لم تكن تقرأ هربًا من أفكارها؛ بل تقرأ لأنها تريد أن تعرف ماذا سيحدث فى الصفحة التالية تمامًا كما بدأت تريد أن تعرف ماذا سيحدث فى حياتها القادمة...... 

______________________  

كان "الجارحي" جالسًا خلف مكتبه العريض، مرفقاه مستندان فوق سطح الخشب اللامع، بينما أمامه جلس المحامي العائلي يقلب بعض الأوراق القديمة الخاصة بممتلكات العائلة
أشعة العصر الذهبية كانت تتسلل من النافذة خلفه، لكن ملامح "الجارحي" بدت أكثر جدية من أن يلتفت إلى جمال النهار رفع المحامي نظارته قليلًا وقال:-
_ يعنى حضرتك مصمم على القرار؟

هز "الجارحي" رأسه بهدوء:-
_ أيوة

نظر المحامي للأوراق مرة أخرى ثم قال:-
_ بس أنا لازم أوضحلك الوضع القانوني الأول

أشار "الجارحي" بيده وهو يعرفه تمامًا:-
_ اتفضل

تنحنح المحامي وقال بهدوء:-
_ وصية المرحوم كانت واضحة جدًا كل الأملاك والأسهم والأراضي انتقلت ليك بشكل قانوني كامل، ومحدش يقدر يعترض عليها

أجاب "الجارحي" ببرود:-
_ أنا مش بسألك عن الوصية..أنا عارفها

نظر إليه المحامي للحظة ثم قال:-
_ الشرع حاجة مختلفة

سحب ورقة أخرى من الملف وأكمل:-
_ لو هنتكلم شرعًا، فالأحفاد أصلًا لا يرثوا مع وجود الأبناء الأحياء

عقد "الجارحي" حاجبيه قليلًا فأوضح المحامي:-
_ يعنى حضرتك حفيد المرحوم وعندك والدك فؤاد وعمك هادى وعمتك هدير وآسيا والزوجتين الحاجة وصيفة والحاجة مديحة لسه عايشين، فبالتالى أنت لا تعتبر وارث أصلًا فى وجودهم
ساد الصمت للحظات، صمت ثقيل حتى المحامي نفسه شعر بالحرج من وقع الكلمات، لكن المفاجأة أنه وجد "الجارحي" يبتسم ابتسامة هادئة جدًا وكأن شيئًا كان ينتظر سماعه منذ فترة طويلة فقال المحامي باستغراب:-
_ أنت مبتضايقش؟

ضحك "الجارحي" بخفة وأرجع ظهره للمقعد بثقة ثم قال:-
_ أضايق ليه؟

_ لأنك حرفيًا هتتنازل عن كل حاجة مش نسبة بس من التركة  

نظر "الجارحي" نحو النافذة بشرود قصير وتذكر صراخ "مديحة" اليومي وخصومات العائلة ونظرات الشك التى أصبحت بين الجميع وتذكر كيف تحولت البيوت التى كانت يومًا سندًا لبعضها إلى جزر متفرقة يأكل بعضها بعضًا ثم عاد ببصره للمحامي وقال بهدوء:-
_ الفلوس عمرها ما كانت مشكلتي

_ لكن دى ثروة ضخمة

_ والثروة دى عملت إيه غير أنها فرقت الناس؟، جدي كان فاكر إنه بيحمي العائلة وتعبه وشقى العمر عشان مش كل واحد يروح يبيع نصيبه فكتب كل حاجة باسمي... لكن اللى حصل أن العيلة كلها بقت واقفة قصاد بعض

خفض عينيه إلى الأوراق أمامه ثم قال:-
_ كل يوم خناقة و زعل و حد حاسس أنه اتظلم وأنا تعبت وعايز ارميلهم المال اللى عامل زى النار بتحرق فيا، عايز احمي ابنى اللى جاى من غدرهم 

رفع رأسه من جديد وأكمل:-
_ طول عمرنا كنا سند لبعض ودلوقت بقينا بنتخانق على أراضي وبيوت وفلوس وأنا مش عايز كدة

أغلق المحامي الملف ببطء وقال:-
_ يعنى أبدأ إجراءات القسمة الشرعية؟

أجاب فورًا دون تردد:-
_ أبدأ كل واحد ياخد حقه اللى ربنا كتبهوله قسمة العدل 

تنهد المحامي وقال:-
_ بس هل الكل هيوافق بسهولة

ابتسم "الجارحي" ابتسامة هادئة هذه المرة، ابتسامة رجل اتخذ قراره وانتهى الأمر ثم قال:-
_ المهم أبقى أنا راضي قدام ربنا أما الناس فربنا يهديهم لبعض

أغلق الملف أمامه وفى تلك اللحظة تحديدًا شعر لأول مرة منذ وفاة جده أن الحمل الثقيل فوق كتفيه بدأ يخف قليلًا ربما لأن المال كان يمنحه السلطة لكن العائلة كانت تمنحه السند وهو أخيرًا اختار السند.

ساد الهدوء داخل المكتب والمحامي يكتب العقود ويجهز الملفات وبدء تجهيز الأوراق اللازمة للقسمة الشرعية كان "الجارحي" مستندًا إلى ظهر مقعده وقد شعر لأول مرة منذ شهور أن صدره أخف قليلًا
كأنه وضع حجرًا ثقيلًا كان يحمله فوق كتفيه لكن الراحة لم تدم طويلًا فُتح باب المكتب بعنف دون طرق
ودلف "يزيد" بوجهه شاحب وعيناه ممتلئتان بصدمة لم يرهما "الجارحي" بها من قبل رفع حاجبه باستغراب:-
_ خير؟

لكن "يزيد" لم يجب مباشرة ظل واقفًا للحظات يحاول استيعاب ما عرفه للتو ثم قال بصوت خشن:-
_ أقفل الباب

اعتدل "الجارحي" فى جلسته فورًا فهذه النبرة لا تحمل خيرًا
أغلق "يزيد" الباب بنفسه ثم التفت إليه وقال:-
_ عندى خبر مش حلو خالص يعتبر مصيبة يا معلم 

تقلص فك "الجارحي" تلقائيًا وأحساس ثقيل بدأ يهبط داخل صدره فقال بحزم شديد:-
_ أنطق يا يزيد

ابتلع "يزيد" ريقه بصعوبة
ثم قال:-
_ ست مديحة راحت بنفسها قابلت جلال في شركته 

ساد الصمت، ثانيتان وثلاث حتى عقد "الجارحي" حاجبيه بعدم فهم او يحاول عدم استيعاب ما يسمعه:-
_ جلال مين؟

نظر إليه "يزيد" مباشرة وقال بوضوح:-
_ جلال الصياد

اختفت الراحة من وجه "الجارحي" بالكامل واستقام جالسًا.
_ راحتله ليه؟

هنا فقط شعر "يزيد" بأن الجملة القادمة أثقل مما ينبغى لكنه قالها:-
_ دفعتله فلوس مقابل 

_ فلوس مقابل أى؟ ديحة ليها مصلحة اى مع مجرم زى دا 

صمت "يزيد" ثانية ثم قال:-
_ مقابل قتلك

وكأن قنبلة انفجرت داخل الغرفة، لم يتحرك "الجارحي" او يتفوه بكلمة حتى أن رمشة عين لم تتحرك فقط نظر إلى "يزيد" نظرة جامدة بشكل مخيف، بينما أكمل "يزيد" بصوت غاضب:-
_ المجوهرتي بتاع العائلة بعت مبلغ من الفلوس على الوكالة هنا ولما كلمته قال أن الحاجة مديحة باعتله ذهب كتير جدا واخذته منه 2 مليون وربع وكان باقي ربع مليون لعدم السيولة معه بعتهم ولما دورت على المبلغ وسألت السواق بتاعها قال أنه وصلها من أسبوع فى نفس الميعاد تقريبا اللى قال عليه المجوهرتي لشركة حراسات اسمها الصياد وسمعها بتتكلم فى التليفون عن أنها هتدفع لحد يجيبلها حقها منك وبعد موتك الورث هيرجع 

ارتفع صوت أنفاس "الجارحي" تدريجيًا وتحول الصمت إلى غضب بارد، الغضب الذى يعرفه الجميع جيدًا، الذى يسبق العاصفة ونظر إلى الأوراق الموضوعة فوق مكتبه، أوراق التنازل عن الملك نظر إليها 
طويلًا جدًا فى يد المحامي ثم ضحك ضحكة قصيرة، باردة، خالية تمامًا من المرح أثارت قشعريرة فى جسد "يزيد" وتمتم بضيق:-
_ كنت لسه من خمس دقايق بقول للمحامى أن العيلة أهم من الفلوس

قالها بصوت منخفض ثم أمسك أول ملف أمامه وألقاه بعنف على الأرض تبعته بقية الملفات ووقف فجأة من مقعده
حتى اهتز المكتب أمامه وقال بانفعال لأول مرة:-
_ وأنا طالع أتنازل عن حقى وأرجع لكل واحد نصيبه، هى رايحة تدفع فلوس عشان تقتلنى؟! 
ارتفعت عروقه فى عنقه بوضوح وعيناه اشتعلتا غضبًا صارخًا من الغيظ والغدر الذي يتعرض له منهم دائمًا:-
_ دا أنا كنت فاكرها طمعانة فى الفلوس، طلع الموضوع أكبر من كدة بكتير

ثم التفت ناحية المحامي الذى كان ما يزال واقفًا وقد تجمد مكانه من هول ما يسمع وأشار إلى الملفات المبعثرة على الأرض
وقال بحدة:-
_ القسمة اتلغت أنا مش هوزع ملك

سقط الصمت على الغرفة من جديد لكن هذه المرة كان صمتًا مخيفًا
ثم أخذ "الجارحي" سترته من فوق المقعد وارتداها بعنف حتى كادت أزرارها تتمزق بين أصابعه فسأله "يزيد" بحذر:-
_ رايح فين؟

رفع "الجارحي" عينيه إليه وكان الشرر يتطاير منهما ثم قال بصوت غليظ أخاف حتى "يزيد":-
_ رايح أسأل ستي مديحة بنفسى هى عايزة تورث ولا عايزة تدفن حفيدها الأول

ثم اندفع خارج المكتب بخطوات غاضبة بينما تبعه "يزيد" سريعًا وقد أدرك أن البيت كله بعد دقائق لن يبقى كما كان أبدًا

____________________________

فى الجهة الأخرى من المنزل
كانت الأجواء أكثر هدوءًا، هدوء دافئ يشبه دفء البيوت القديمة التى ما زالت تحتفظ برائحة الأمان بين جدرانها، جلست "وصيفة" على الأريكة العريضة بجوار النافذة المفتوحة، بينما كانت "قُدس" مستلقية برأسها فوق فخذ جدتها وقد أغمضت عينيها بإرهاق واضح بدأت أعراض الحمل تظهر عليها شيئًا فشيئًا، لم يعد الأمر مجرد خبر جميل تتناقله العائلة؛ بل أصبح واقعًا يسكن جسدها... إرهاق مفاجئ، دوخة تأتى دون إنذار، حساسية غريبة تجاه الروائح وغثيان يهاجمها فى أكثر الأوقات غرابة
وضعت "وصيفة" كفها المجعدة فوق شعرها تربت عليه بحنان أمٍ عجوز مرت بكل مراحل الحياة وعرفت وجع النساء وفرحتهن فقالت بحب:-
_ عاملة أى دلوقت يا قلب صفصف؟

فتحت "قُدس" عينًا واحدة فقط وقالت بتذمر طفولى:-
_ تعبانة

ضحكت "وصيفة" بخفة وهى تداعب خصلات شعر صغيرتها:-
_ دى إجابة عامة أوى

_ لا بجد تعبانة كل ما أشم ريحة أكل أحس أنى هموت وكل ما اجوع وأجى آكل أبقى هموت من الترجيع وكل شوية أنام وكل شوية أصحى، أنا مش فاهمة جسمى ماله

ربتت "وصيفة" على رأسها بحنان أكبر:-
_ جسمك بيخلق روح يا حبيبتى، أكيد هيتعب

ابتسمت "قُدس" بخفوت لكنها سرعان ما أغمضت عينيها مرة أخرى
كانت تشعر بثقل غريب فى أطرافها، كأن جسدها يستهلك طاقته كلها فى مهمة لا تراها حتى ظهرها الصغير بدأ يؤلمها من أقل مجهود
ومعدتها أصبحت لا تطيعها أبدًا، مدت يدها نحو كوب الليمون الموضوع أمامها فأسرعت "وصيفة" تمسكه قبل أن يقع منها وقالت بصرامة محببة:-

_ على مهلك، تحبي أشربك أنا

ضحكت "قُدس" رغماً عنها وجلست أمامها:-
_ يا ستى أنا مش مريضة

_ أيوة حامل والحامل عندى أهم من المريضة
قالتها بحينة ثم قربت الكوب من شفتيها، لتشرب "قُدس" عدة رشفات صغيرة وشعرت بعدها براحة بسيطة فسندت رأسها من جديد على فخذ جدتها وأغمضت عينيها، ظلت "وصيفة" تمسد على شعرها الأسود الطويل بحنان، تتأمل وجهها الصغير وابتسامتها الهادئة وتلك البراءة التى ما زالت تسكن ملامحها رغم كل ما مرت به وقالت فجأة:-
_ تعرفى يا بت، أنا كنت خايفة عليكِ أوى

فتحت "قُدس" عينيها باستغراب وقالت:-
_ من إيه؟

تبسمت "وصيفة" بحب وهتفت:-
_ من جارحي

ضحكت "قُدس" فورًا بينما أكملت الجدة:-
_ كنت أقول الواد دا قلبه حجر وعصبي وصوته عالى وقلت فى عقل بالى هيخوف البت الغلبانة دى، لكن طلع قلبه بيطاطى ليكى أكتر من أحد 

احمر وجه "قُدس" بخجل واضح فقالت وهى تحاول إخفاء ابتسامتها:-
_ صفصف

_ نعم يا عين صفصف

ازداد احمرار وجه "قُدس" ففهمت الجدة خجلها ووضعت يدها فوق بطنها الصغيرة برفق شديد وقالت بحنان:-

_ ربنا يتمملك على خير ويجى بالسلامة ويرزقكم أيام أحسن من اللى فات

أخفضت "قُدس" بصرها نحو بطنها ولأول مرة منذ الصباح وضعت كفها فوقها هى الأخرى لم تكن تشعر بحركة بعد ولا تسمع صوتًا
لكن مجرد فكرة وجود جزء صغير من "الجارحي" ينمو داخلها جعلت قلبها يخفق بدفء غريب دفء يشبه الوطن ويشبه الأمان ويشبه الحب حين يتحول إلى حياة جديدة

كانت "قُدس" ما تزال مستندة برأسها فوق فخذ "وصيفة"، بينما يدها الصغيرة مستقرة فوق بطنها فى حركة تلقائية بدأت ترافقها مؤخرًا كلما شردت فى طفلها القادم
أما "وصيفة" فكانت تمسد على شعرها بحنان وتتمتم ببعض الأدعية لحظة هادئة ودافئة تشبه السلام
لكن السلام فى بيت "الجارحي" لم يكن يدوم طويلًا فجأة اهتز باب الشقة بقوة ثم انفتح بعنف حتى ارتجف المقبض فى مكانه فانتفضت "قُدس" من مكانها فزعًا بينما التفتت "وصيفة" ناحية الباب ليدخل "الجارحي" كالعاصفة وجهه محتقن عيناه تقدحان شررًا وصدره يرتفع ويهبط بعنف واضح حتى أن هيئته وحدها كانت كافية لبث القلق فى النفوس، وقف فى منتصف الصالة وهو يرمق المكان بعينين غاضبتين ثم قال بصوت هادر:-
_ أبويا فين؟

ارتبكت "وصيفة" من هيئته وقالت:-
_ فى الجامع غالبًا

نظر حوله مرة أخرى وتابع بشرارة تهب منه:-
_ وعمى هادى؟

_ خرج من شوية

ضيق عينيه ثم استدار فورًا نحو الخارج فأسرعت "قُدس" تقف رغم ثقل جسدها وهى تناديه بقلق:-
_ جارحي!

لكنه لم يتوقف؛ بل خرج من الشقة بخطوات غاضبة جعلت الأرض تهتز تحت قدميه نظرت "وصيفة" إلى "قُدس" ونظرت "قُدس" إليها وكلاهما أدرك أن مصيبة جديدة فى الطريق
فى الجهة المقابلة كان باب شقة "مديحة" مغلقًا لكن "الجارحي" لم يطرقه؛ بل فتحه بعنف ودلف للداخل فانتفضت "مديحة" من فوق الأريكة ونظرت إليه بصدمة صارخة بغضب من تصرفه:-
_ فى أى يا واد أنت؟!

لكنها لم تحصل على جواب وقف أمامها مباشرة عيناه مشتعلة وعروقه بارزة فى عنقه وقال بصوت أرعبها لأول مرة فى حياتها:-
_ بعتي ذهبك ليه يا ستى؟

تجمدت ملامحها للحظة قصيرة فقط لكنها كانت كافية ليلتقطها
كافية ليعرف فابتسم ابتسامة باردة جدً وقال:-
_ ذهبك، ذهب المرحوم اللى جابهولك رميتي وبعتيه ليه؟ 

وقفت من مكانها بعصبية مُتحدثة بضيق:-
_ أنت بتتكلم عن أى؟

اقترب خطوة
_ بتكلم عن جلال

سقط الاسم كالحجر على مسمعها وتجمد وجهها تمامًا بينما أكمل هو:-
_ بتكلم عن الفلوس اللى دفعتيها، العقد اللى عملتيه، عن الراجل اللى استأجرتيه يقتلنى

خرج صوتها مرتجفًا هذه المرة:-
_ كدب

ضحك ضحكة قصيرة مخيفة ثم صرخ فجأة:-
_ متكدبيش!

اهتزت الجدران حولهم من شدة صوته وفى نفس اللحظة بدأت أبواب الشقق تفتح ودخل أفراد العائلة على أثر الضجة "فؤاد" و"هادى"وهكذا "وصيفة" بصحبة"قُدس" وخرجت "آسيا" من الغرفة
والدهشة تعلو وجوههم، أما "الجارحي" فكان يقف فى منتصف الصالة كبركان انفجر أخيرًا وأشار نحو "مديحة" بإصبعه وقال مُحدث الجميع بانهيار عصبي:-
_ كنتوا عايزين تعرفوا أنا ليه أخدت الورث؟ كنتوا فاكرينى طماع وحرامى وظالم، تمام أنا كدة، أنا النهاردة كنت قاعد مع المحامى
وبحضر أوراق التنازل وهقسم التركة اللى نصيبي وحلال لأنى مجبرتش جدي يكتبها بأسمي، بس قولت لا العائلة وحقوقهم مع أنه بعد ما اتكتب برغبته وهو بكامل قواى العقلية باسمي مبقاش لأى حد فيكم حق فيه، بجهز كل حاجة عشان كل واحد يرجعله نصيبه اللى عايزه

ساد الصمت، صدمة كاملة احتلت الوجوه، حتى "فؤاد" اتسعت عيناه بقوة أمام أنهيار ابنه العصبي وانفعاله الزائد وقد خرج عن شعوره وسيطرته أما "هادى" فنظر إليه غير مصدق،بينما أكمل "الجارحي" بغضب:-
_ كنت هوزع كل حاجة، كل متر أرض، كل جنيه وكل بيت كنت هسلمهم بإيدى ومسبتش لنفسي قرش واحد

توقف عن الحديث يبتلع كلماته فى حلقه ثم التفت فجأة ناحية "مديحة" وأكمل بصوت أكثر قسوة:-
_ وفى نفس الوقت كنتى دفعتي فلوس عشان تقتلينى

شهقت "وصيفة" بينما وضعت "قُدس" يدها فوق فمها بصدمة أما "فؤاد" فشحب وجهه تمامًا وتراجع خطوة للخلف نظر إلى والدته بعدم استيعاب وهى تحاول قتل ابنه، ألم يكفيها حسرته على ابنه "عماد الدين" 

_ أمى؟

لكن "مديحة" لم تتكلم لم تجد ما تقوله أصلًا، فصرخ "الجارحي" من جديد:-
_ كنتى مستعجلة للدرجة دى؟ بس كنتي مستعجلة تاخدى الورث قبل ما أرجعه؟ ولا كنتى مستعجلة تشوفينى فى قبرى الأول؟!

ثم أمسك أول ملف كان لا يزال بيده ومزقه نصفين أمام الجميع وألقى الأوراق أرضًا وأكمل بغضب بركاني:-
_ اسمعوا كلكم من النهاردة، المال دا مالى والورث دا حقي وباسمي ومحدش هيأخد منه جنيه واللى عايز يورث أو يملك كلكم عارفين عنوان قبر جدي روح خدوا حقوقكم منه 

نظر للجميع بعينين يملؤهما الغضب والخذلان ثم قال ببطء شديد:-

_ كنت هفتح باب الجنة بينا لكن واضح أن بعض الناس اختارت الجحيم فخلاص هتشوفوا الجحيم وأقسم بالله محدش فيكم هياخد منى جنيه واحد بعد النهاردة

ساد الصمت صمت ثقيل وخانق
بينما كانت نظرات الصدمة تنتقل بين أفراد العائلة أما "قُدس"
فشعرت لأول مرة أن الجرح الذى ظل ينزف داخل هذه العائلة منذ وفاة جدها قد انفجر بالكامل ولم يعد أحد قادرًا على إيقاف النزيف.....  

_____________________ 

فى مكانٍ آخر
بعيدًا عن صراخ العائلة وحروب الميراث كانت حربٌ أخرى تبدأ، حرب لا تُحسم بالمال، ولا بالنفوذ، ولا بالسلاح؛ بل حرب يخسر فيها أقوى الرجال أمام كلمة واحدة ينطقها طبيب
وقف "جلال" أمام غرفة الطبيب داخل المستشفى ظهره مستقيم كعادته وهيبته التى كانت تُرعب الرجال ما زالت كما هى لكن وجهه لم يعد كما كان كانت عيناه مثبتتين على الطبيب الذى يجلس أمامه يحمل الأشعة والتقارير الطبية
أما عقله فكان عالقًا عند الجملة التى سمعها للتو كأنها ترفض المغادرة و التصديق، قال الطبيب بحذر شديد:-
_ للأسف التحاليل الأخيرة أكدت الشكوك اللى كانت عندنا

لم يرد "جلال" ولم يرمش حتى فأكمل الطبيب:-
_ الورم رجع من جديد

تشنج فك "جلال" بقوة حتى برزت عضلات وجهه بوضوح بينما تابع الطبيب حديثه:-
_ المرض كان فى حالة هدوء لشهور الأخيرة، لكن واضح أن الضغط النفسي والإجهاد الشديد أثروا بشكل كبير

ظل الصمت سيد الموقف، صمت ثقيل، مخيف حتى الطبيب نفسه بدأ يشعر بالتوتر من نظرات الرجل الجالس أمامه
خرج صوت "جلال"خافتًا على غير عادته يقول بتلعثم:-
_ نسبة الخطورة؟

خفض الطبيب بصره نحو الملف ثم قال بصراحة:-
_ محتاجين نبدأ العلاج فورًا وأى تأخير هيكون خطر

أغلق "جلال" عينيه للحظة لحظة واحدة فقط، لكنه شعر خلالها أن الأرض سُحبت من أسفل قدميه وعاد المرض، عاد إليها مرة أخرى
إلى "ليان"، المرأة التى حارب العالم كلهلأجلها،ا المرأة التى تعلم بسببها لأول مرة معنى الخوف ومعنى الفقد، معنى أن يصبح قلب الرجل رهينة شخص واحد، رفع رأسه ببطء نحو الطبيب وسأله بصوت أجش:-
_ وهى تعرف؟

هز الطبيب رأسه بالنفى
_ لا، أنا استدعيت حضرتك الأول وأعتقد أن قرار إخبارها لازم يكون مدروس لأن حالتها النفسية مهمة جدًا الفترة دى 

عاد الصمت من جديد لكن هذه المرة لم يكن صمت صدمة؛ بل صمت رجل يحاول أن يمنع نفسه من الانهيار فنظر "جلال" إلى الأشعة الموضوعة أمامه كانت مجرد صور رمادية، لكنها بالنسبة له كانت حكمًا بالإعدام على كل أحلامه، تذكر ضحكتها وعنادها، تكبرها المستفز، خناقاتها اليومية معه، نظراتها الغاضبة، حتى صوتها وهى تناديه باسمه كل تلك التفاصيل التى كان يتذمر منها أحيانًا، بدت الآن كنعمٍ يخشى فقدانها خرج من غرفة الطبيب بخطوات بطيئة
على غير عادته حتى الحراس الواقفون بالخارج نظروا إليه باستغراب فـ"جلال الصياد" لم يكن يومًا رجلًا يهتز أو تبدو عليه الهزيمة
لكن اليوم كانت الهزيمة تقف فوق كتفيه فأتكأ بذراعه على الحائط وشعر بثقل قدميه وقد نفدت طاقتهما ولم يعدا يقوى على حمله أكثر....... 


تعليقات