رواية حرب سقطت راءها الفصل الواحد والثلاثون 31 بقلم نور زيزو

 

 


 رواية حرب سقطت راءها الفصل الواحد والثلاثون بقلم نور زيزو




زحفت قدميه فى الرواق حتى وصل إلى باب الغرفة التى ترقد بها "ليان" وتوقف يده استقرت فوق المقبض لكنه لم يفتحه، لم يستطع لأول مرة منذ سنوات طويلة شعر هذا الأسد بالخوف
خاف من النظر إلى وجهها ، من أن يبتسم لها وهو يحمل فى صدره هذا الخبر، من أن يرى الحياة فى عينيها بينما يعرف أن الموت بدأ يطرق الباب من جديد أسند جبهته على باب الغرفة وأغمض عينيه بقوة ثم همس بصوت مكسور لا يسمعه أحد:-

_ لا، يا رب أى حاجة إلا هى، أى حاجة إلا ليان.

أما داخل الغرفة فكانت "ليان" جالسة فوق السرير بملل وتتذكر حديث والدها وتخليه عنها للأبد، تفكر كيف ستعيش مع هذا الصراع الداخلي، ولا تعلم أن خلف هذا الباب يقف رجل هزم مدنًا كاملة ويرتجف الآن خوفًا عليها يحمل خبر موتها القريب

_______________________

بعد خروج "الجارحي" كالإعصار من الشقة خيم صمت ثقيل على المكان صمت يشبه ما يحدث بعد الكوارث حين يرحل الغضب وتبقى الصدمة، كانت "مديحة" جالسة فوق الأريكة وعيناها تتحركان نحو الجميع وتحديدًا على "فؤاد" أما "فؤاد" فكان واقفًا أمامها مباشرة
وجهه شاحب ويده ترتجف من شدة الصدمة لأول مرة فى حياته يشعر بالخجل من أمه، الخجل نفسه وليس الغضب فقط فقال بصوت مخنوق:-
_ صحيح يا أمى؟

لم تجبه فاختنق صوته أكثر والحسرة تمزق قلبه وتلتهم عقله:-
_ أنا بسألك... صحيح؟

رفعت رأسها بكبرياء رغم المأزق الذى وجدت نفسها فيه وقالت ببرود:-
_ ولو صحيح؟

شهقت "آسيا" بصدمة أما "هادى" فحدق بها غير مصدق بينما شعر "فؤاد" وكأن أحدهم صفعه ولم توقع الغدر من أقرب ما له، والدته فقال بتلعثم وصوت مرتجف:-
_ يعنى صحيح!

_ أيوة صحيح
قالتها بحدة دون ذرة ندم، بل ورفعت ذقنها أكثر وأضافت:-
_ وأنا مش ندمانة ولا خايفة منكم 

ساد الصمت للحظة ثم انفجر "هادى" لأول مرة:-
_ مش ندمانة؟! تقتلي يا مرات ابويا!، كنتِ رايحة تدفعى فلوس عشان يتقتل! ومين؟ 

ضرب بيده على الطاولة حتى اهتزت
_ دا ابننا! ابن أخويا! وجوز بنتي وابو حفيدي وحفيدك، الراجل اللى شيل البيت كله على كتفه من ساعة ما شنبه خط فى وشه!

لكنها لم تهتز؛ بل قالت بعناد أشعل النار أكثر:-
_ وسرق حقى

جمدت الكلمات الجميع ثم أكملت:-

_ أخد ورثي، وأخد تعب عمرى اللى استحمل قرف أبوكم عشانه واستحملت أنه اتجوز عليا وجابلى ضرة تقعد على قلبي وقصاد عيني يدلع وهينن فيها، استحملت كسرت قلبي وشبابي اللى راح وأنا مرمية فى الشقة دى احتياطي لأبوك لما يحب يمن عليا ويطل عليا يتفضل،  خد مالى وورثي من أبويا وقال هكبره ونكبر سوا يا ديحة وديحة زى الهبلة اديتله كل حاجة وفى الآخر بعد ذل السنين مش يحرمني من نص حقي حتى ولا حتى يقرر يرجعلى اللى خده مني وكبر بيه، لا يأخد كل حاجة ويحرمنى من كل حاجة ويكتب عليا أعيش الباقي من عمري مذلولة لحفيده بعده...  ايه جايين تلوموا فيا ليه، ما تلوم الحرامي اللى ضحك علينا وأخد اللى المفروض يبقى لينا كلنا وكلكم عارفين أن الجارحي مش من الوراث ومالهوش جنيه 

نظرت إلى "فؤاد" بعينين مليئتين باللوم وتابعت بانفعال شديد:-
_ وأنت واقف تتفرج وأخوك واقف يتفرج وكلكم سايبينه ياكل حقنا

ضحك "هادى" بمرارة ضحكة موجوعة أكثر منها ساخرة ثم قال:-
_ حقك؟ حقك يخليكى تقتلى حفيدك؟ حقك يخليكى تبيعيه لقاتل مأجور؟

ردت بعصبية تحاول تصلح الأمر بكذبة خديعة:-
_ وأنا شرط أنه هيطلع حى؟!أنا كنت عايزة أخوفه بس وأرجعله عقله وأخليه يعرف أن اللى عمله مش هيعدى

هنا فقد "فؤاد" آخر خيط من صبره تقدم نحوها خطوة وعيناه امتلأتا بالقهر وقال:-
_ لا، متكذبيش بسلو كان مات كنتِ هتنامى عادى صح؟ لو كانوا جابوه جثة كنتِ هتقعدى تعدى الفلوس اللى هتورثيها صح؟، طب يا أمي كنت تعرفي أنك حتى لو قتلتيه مش هتورثي وقدس مراته هى واللى فى بطنها اللى هتورث كل حق بالشرع ولا كنتي هتقتلها هى كمان

ارتجفت شفتاها للحظة لكنها تماسكت أما "فؤاد" فتابع بصوت مكسور:-
_ أنا عمرى ما تخيلت أن أمى توصل للدرجة دى أبدًا، كنتي هتحسريني على ابني الثاني مكفكيش حسرتي وقهرتي على ابني اللى راح فى عز شبابه، مكفكيش وجعي وظهري المكسور فى موت عمادالدين، كمان عايزة تأخدي منى التاني، طب مين اللى هيدفني ويشيلنى فى خشبتي لما أموت 

أخفض رأسه للحظة ثم قال بندم:-
_ كنتى دايمًا قاسية وطماعة ولسانك مؤذى لكن عمرى ما تخيلت أنك ممكن تبقى قاتلة، كنت بقول دى أمي ومقدرش ارفع صوتي فيها 

تجمدت "مديحة" مكانها ولأول مرة ظهر شرخ صغير فى عنادها لكنها سرعان ما أخفته وقالت بعنف:-
_ أنا مش قاتلة، أنا صاحبة حق

فصرخت "آسيا" بها:-
_ أى حق؟! أى حق يا أمى؟ إحنا دفنا ابن أخويا من أيام! وابويا قبله 
والبيت كله مولع!، وأنتِ كل اللى شاغلك كام مصنع وكام جنيه؟!

بدأ صوت "آسيا" يرتجف وعيناها امتلأتا بالدموع
_ الفلوس دى عملت فيكى إيه؟ حولتك لإيه؟

نظرت "مديحة" بعيدًا لكن كلمات ابنتها أصابتها هذه المرة أما "هادى" فاقترب وقال بقسوة:-
_ تعرفى المصيبة الحقيقية إيه؟ أن الجارحي كان جاى يرجعلنا كل حاجة، كل حاجة.. ولو كنتِ استنيتى ساعات بس كان زمان الورث كله راجع، لكن طمعك حرقه

نزلت الكلمات عليها كالحجارة ورغم ذلك لم تعتذر ولم تنكسر؛ بل جلست فى مكانها بعناد عجوز أضاعته سنوات الجشع وقالت بصوت منخفض:-
_ برضو كان حقى

أغمض "فؤاد" عينيه بألمثم هز رأسه ببطء وقال:-
_ لا حول ولا قوة إلا بالله

ثم استدار ناحية الباب فتبعته "آسيا" ذاهبة إلى شقة "وصيفة" ثم "هادى" لكن قبل أن يغادرواالتفت "فؤاد" إليها للمرة الأخيرة، نظرة حزينة وموجوعة كنظرة ابن فقد أمه وهى ما زالت حية وقال:-
_ النهاردة عرفت ليه أبوى كان دايمًا بيخاف على البيت منك 

ثم خرج وأُغلق الباب خلفهم وتبقى "مديحة" وحدها داخل الشقة وحدها تمامًا لكن لأول مرة منذ سنوات طويلة لم تشعر أنها انتصرت؛  بل شعرت أن البيت كله ابتعد عنها خطوة كبيرة خطوة ربما لا تستطيع إصلاحها أبدًا

________________________

في مكان بعيدًا 
خلف النافذة الزجاجية الممتدة من الأرض إلى السقف، وقفت "هدير" تحدق في أضواء المدينة الإنجليزية الباردة كانت الأمطار الخفيفة تنساب على الزجاج كأنها دموع صامتة، بينما عقارب الساعة تجاوزت الحادية عشرة ليلًا، ضمت ذراعيها إلى صدرها محاولة طرد ذلك الشعور الثقيل الذي يسكن قلبها منذ أسابيع، شهران فقط
شهران على زواجها من "مصطفى"، ومع ذلك تشعر وكأن أعوامًا طويلة مرت فوق روحها، أين ذلك الرجل الذي كان يقضي الساعات يحدثها عن مستقبلهما؟ أين رسائله الطويلة؟ أين لهفته لسماع صوتها؟ أين كل ذلك الحب الذي جعلها تترك أهلها وبلدها وتسافر خلفه إلى أقصى الأرض؟، تنهدت ببطء وهي تنظر إلى الطريق أسفل البناية، لا تعرف متى بدأت تشعر بالوحدة ربما منذ أول مرة عاد فيها متأخرًا دون أن يعتذر أو منذ أول مرة أجابها بكلمة مقتضبة بدل حديثه المعتاد، أو ربما منذ أدركت أن الغربة أصعب كثيرًا مما تخيلت، انتفض قلبها حين رأت سيارته تتوقف أخيرًا أمام المبنى فدلفت تنتظر صعوده 
دلف" مصطفى" إلى الشقة بعد دقائق، ملامحه مرهقة وعيناه غارقتان في التعب التفت إليها سريعًا وقال بإقتضاب:-
ــ لسه صاحية؟

ابتسمت ابتسامة باهتة وأجابت:-
ــ مستنياك

خلع سترته وألقاها فوق المقعد القريب دون أن يعلق، انتظرت... كلمة لطيفة، سؤالًا، أي شيء لكن الصمت كان سيد الموقف فشعرت بالاختناق يزيد داخلها وكادت تنفجر فقالت:-
ــ مصطفى... إحنا لازم نتكلم

زفر بضيق وهو يفك أزرار قميصه وقال:-
ــ دلوقتي؟ أنا راجع مهدود من الشغل

ــ وإمتى نتكلم؟ كل يوم بتقول تعبان وكل يوم مهدود من الشغل، ترجع تأكل وتنام وأحيانا مبتأكلش واصحي الصبح ألاقيك خرجت وعلى هذا الحال يبقي هنتكلم أمتى؟ 

رفع عينيه إليها أخيرًا وقال بجدية يطغي عليها البرود:-
ــ لأنى فعلًا تعبان يا هدير

اهتز صوتها رغم محاولتها التماسك وقالت:-
ــ أنت اتغيرت

تجمدت ملامحه للحظة ونظر إليها بدهشة وقال:-
ــ يعني إيه؟

ــ يعني مبقتش الشخص اللي اتجوزته 

ضحك ضحكة قصيرة خالية من المرح ومسك يدها بلطف كأنه يقضى واجب لديه:-
ــ لا يا هدير... أنا نفس الشخص، بس الحياة بعد الجواز مش كلها كلام حب 

شعرت وكأن كلماته صفعة باردة ويده تجمدها ليس تطمئنها فقالت:-
ــ وأنا مطلبتش كلام حب طول الوقت، بس على الأقل حسسني إني مهمة 

مرر يده على وجهه بإرهاق وقال بزفر:-
ــ لو سمحتي مش ناقص خناق النهاردة

ثم استدار متجهًا إلى غرفة النوم بعد أن ترك قبلة على جبينها وقال:-
ــ تصبحي على خير

نظرت إليه غير مصدقة وهكذا فقط؟ انتهى الحديث؟
أغلق باب الغرفة خلفه بهدوء، وبقيت هي وحدها وسط الشقة الواسعة فجلست على الأريكة، وشعرت بعينيها تمتلئان بالدموع رغم مقاومتها مدت يدها إلى هاتفها فتحت قائمة الأسماء توقفت عند اسم واحد "هادي" ارتجفت أصابعها فوق الشاشة كم اشتاقت لصوته  اشتاقت لذلك الشعور بالأمان الذي كان يمنحه لها بمجرد أن يقول:- "مالك يا ديدي؟"

ضغطت على الاسم ثانية،ثانيتا ثم أغلقت الهاتف فجأة، ابتلعت غصتها بصعوبة وأعادت الهاتف إلى حجرها بينما كانت تحدق في الشاشة السوداء، شعرت لأول مرة منذ وصولها إلى إنجلترا أن الغربة ليست بلدًا بعيدًا، بل شعورًا قاسيًا بأن تكون وحيدة، رغم وجود شخص يفترض أنه أقرب الناس إليك.

________________________

كانت "وصيفة" جالسة على الأريكة وبجوارها "قُدس" التى تستند برأسها إلى ظهر المقعد بإرهاق واضح، بينما كانت "آسيا" صامتة على غير عادتها وعيناها شاردتان فى الفراغ دخلت "خديجة" الشقة تحمل بعض الأكياس بيدها بعد عودتها من الخارج توقفت عند الباب مباشرة وعقدت حاجبيها بدهشة ثم قالت:-
_ خير؟!

رفعت "وصيفة" رأسها إليها أما "خديجة" فتابعت باستغراب:-
_ آسيا عندك هنا من إمتى؟

نقلت بصرها بين الجالسات وقالت:-
_ وسايبة شقة أمها؟

نظرت "آسيا" إلى الأرض بصمت بينما شعرت "قُدس" بالغضب يعود إليها من جديد فقالت بضيق:-
_ ما هى لو كانت قاعدة عند ديحة كانت هتقتلها هى كمان

التفتت "خديجة" إليها فورًا وقالت:-
_ نعم؟!

وضعت الأكياس من يدها بذهول والفضول يقتلها لما حدث فى غيابها ونزعت طرحتها السوداء وهى تجلس بجوارهما تقول:-
_ تقصدى إيه؟

كانت "قُدس" لا تزال غاضبة مما حدث ولا تزال صورة "الجارحي" وهو يخرج من الشقة ثائرًا لا تغادر رأسها فقالت بحدة:-
_ ديحة راحت لواحد ودفعتله فلوس عشان يقتل جارحي

سقط الصمت على المكان كأن أحدهم ألقى قنبلة وسط الصالة أما "خديجة" فتجمدت تمامًا واتسعت عيناها ببطء لا تستوعب ما سمعت عن قتل ابنها وقالت بعدم استيعاب:-
_ مين؟

_ جارحي

همست بها "قُدس" شعرت "خديجة" أن الدم صعد إلى رأسها دفعة واحدة، اختفى اللون من وجهها واختفت معه آخر بقايا هدوئها وضعت يدها على صدرها ثم قالت بصوت مرتجف:-
_ بتقولى إيه، إنتِ بتقولي اي إنتِ، دا أنا مقلعتش الأسود على ابني الأولاني

أومأت "قُدس" برأسها فأخبرتها "وصيفة" ببقية التفاصيل كل شيء من أول لقاء "مديحة" بـ"جلال" حتى غضب "الجارحي" وإلغاء قرار توزيع الميراث كانت "خديجة" تستمع وكل كلمة كانت تشعل نارًا جديدة داخل صدرها حتى انتهى الحديث فألقت ما كان بيدها على أقرب طاولة واستدارت نحو الباب

_ رايحة فين؟

قالتها "وصيفة" بسرعة لكن "خديجة" كانت قد فتحت الباب بالفعل
وقالت من بين أسنانها:-
_ عندها

كانت تقف أمام باب شقة "مديحة" تتنفس بعنف وصدرها يعلو ويهبط ثم ضغطت الجرس بعصبية مرة واثنتين وثلاثة حتى فُتح الباب وظهرت "مديحة" أمامها وعلى وجهها علامات الضيق لكنها لم تكد تنطق بحرف حتى اندفعت "خديجة" إلى الداخل لأول مرة منذ سنوات طويلة ولأول مرة فى حياتها تقريبًا ترفع صوتها على حماتها
_ ارتحتى؟! 

دهشت "مديحة" فى مكانها ونظرت إليها أما "خديجة" فتابعت وصوتها يهتز من شدة القهر:-
_ ارتحتى لما خربتى البيت كله؟!

_ خديجة اتكلمى عدل
قالتها "مديحة" بحدة لكن "خديجة" لم تتراجع، بل اقتربت أكثر
وعيناها تمتلئان بالدموع وقالت:-
_ لا... النهاردة مش هسكت، مش هسكت زى كل مرة، مش هسكت زى عمرى كله

اتسعت عينا "مديحة" أما "خديجة" فتابعت:-
_ عماد الدين مات، مات يا أم فؤاد وإنتِ أول واحدة شجعتيه أول واحدة زينتله الطريق أول واحدة خلتِه يمشى ورا الفاسد اللى ضيعه،  بس الغلطمش عندك الغلط عندى، أنا اللى كنت طيبة وهبلة وسيبتلك ابنى تربيه وتدلعيه معرفتيش تطلعيه راجل، أنا السبب مش إنتِ

شهقت "مديحة" بغضب وقالت:-
_ أنا مليش دعوة بموته،  أنا أكتر واحدة حبت عماد الدين فى العيلة دى 

فصاحت "خديجة" بعصبية شديدة:-
_ لا ليكى! ليكى دعوة وكلنا لينا دعوة بس إنتِ أكتر واحدة كنتِ كل يوم تحرضيه تحسسيه إنه مظلوم فى العائلة ومكروه وإن الفلوس أهم من أهله وإن الطمع حق لحد ما ضاع مننا

ارتعشت شفتاها وخرج صوتها مكسورًا:-

_ ابنى مات ابنى اللى حملته فى بطنى لا وبكل بجاحة وجبروت منك جاية عايزة تقتل ليا التاني، يا شيخة حرام عليكي 

ساد الصمت لكن "خديجة" لم تنتهِ بعد، كانت سنوات طويلة من الكتمان تخرج دفعة واحدة، سنوات من الصمت والتحمل والانكسار

ثم قالت وهى تشير بإصبعها نحوها:-
_ أنا مصدومة ومقهورة عايزة تقتلى الجارحي، ابنى، فلذة كبدى، الواد اللى شايل البيت كله فوق كتفه، الواد اللى بيجرى على الكبير قبل الصغير، الواد اللى عمره ما أذى حد

انهمرت دموعها رغمًا عنها، لم تجد "مديحة" ردًا فقط حدقت بها أما "خديجة" فكانت تبكى الآن لكنها لم تبدُ ضعيفة؛  بل بدت كأم جريحة تدافع عن آخر ما تبقى لها وقالت بصوت مخنوق:-
_  أنا الموت أخد نص قلبى يوم عمادالدين،و النهاردة حاولتى تدفنى النص التانى بإيدك

ثم هزت رأسها بيأس ونظرت إليها نظرة طويلة موجوعة ومحطمة وقالت:-

_ إنتِ الله يعينك على حالك وعلى السواد اللى شايلاه فى قلبك دا، الكل بعد عنك وكرهك وحتى ولادك بعدوا عندك، أنتِ هتعيشي وهتموتي هنا لوحدك محدش هيسأل فيكي من عمايلك ومن الكره اللى بتزرعيه فى قلوبهم

استدارت نحو الباب ثم توقفت لحظة وقالت دون أن تنظر إليها:-
_ الفلوس اللى ضيعتى عيلتك عشانها لما تموتى مش هتنزل معاكى القبر، الله يسامحك 

وغادرت الشقة وتركت خلفها "مديحة" واقفة وحدها فى منتصف الصالة لأول مرة دون أن تجد كلمة واحدة تدافع بها عن نفسها وشعرت بالوحدة فعلًا من هجر الجميع وعتاب الكل لها، شعرت بعجز وإقتضاب 

________________________

ورغم أن العمارة كلها كانت تغلي كقدرٍ على النار صراخ هنا وعتاب هناك وغضب يتنقل بين الشقق كالدخان
إلا أن الطابق الذى تسكنه "ليل" كان هادئًا بصورة غريبةهدوء يشبه التعب أو يشبه الأرواح التى استنزفت كل ما لديها من قوة فلم يعد فيها طاقة حتى للبكاء
صعد "يزيد" الدرج بخطوات ثابتة يحمل بين ذراعيه كيسًا كبيرًا امتلأ بالملازم والأوراق والكتب التى طلبتها وحين وصل أمام الشقة
توقف كالعادة رفع يده وطرق الباب أولًا مرتين ثم قال بصوتٍ مسموع حتى تطمئن:-
_ أنا يزيد

انتظر قليلًا ثم أخرج المفتاح وفتح الباب بهدوء دلف إلى الداخل وهو يحمل الأكياس لكن ما رآه جعله يتوقف مكانه تمامًا لأول مرة منذ زواجهما يراها، حقًا يراها كانت "ليل" تقف أمام النافذة ظهرها إليه شعاع العصر الذهبى يتسلل من الزجاج ويرسم حولها هالة دافئة
خصلات شعرها السوداء الطويلة كانت منسدلة على ظهرها وجسدها النحيل بدا أضعف مما يتذكر كأن الأيام الماضية سحبت منها جزءًا من روحها حتى وقفتها نفسها لم تعد تشبه الفتاة التى كانت تجرى بين الجميع بخفة فراشة، كانت ساكنة وهادئة كأنها تخشى الحركة أو تخشى الحياة نفسها شعر بشىء ينقبض داخل صدره، شىء موجع
لأنها بدت جميلة وجميلة جدًا لكنها كانت جميلة بطريقة حزينة النوع الذى يجعل القلب ينكسر بدل أن يفرح، التفتت فجأة بعدما سمعت صوت الباب فارتبكت عيناها للحظة حين وجدته أمامها ولأول مرة منذ أيام طويلة وقعت عيناهما على بعضهما مباشرة، لم تهرب، ولم تختبئ فقط نظرت إليه بتردد ثم قالت بصوت خافت:-
_ فى إيه تحت؟ أنا سامعة زعيق من بدري؟ 

عقد حاجبيه بعدم فهم فأكملت وهى تشبك أصابعها ببعضها بتوتر:-
_ سمعت صوت خناق وصريخ

أخفض الأكياس من يده بهدوء ثم ابتسم ابتسامة صغيرة مطمئنة وقال:-
_ شوية مشاكل عائلية وخلاص

هزت رأسها بقلق واضح فأضاف بلطف:-
_ متخافيش... هتتحل 

كانت تنظر إليه وكأنها تحاول التأكد من صدقه فابتسم أكثر وأشار إلى الأكياس مُتحدث بجدية:-
_ المهم، نفذت الأوامر كلها

نقل الأكياس إلى الطاولة القريبة وبدأ يخرج محتوياتها واحدًا تلو الآخر من ملازم ومذكرات ودفاتر مراجعة وأوراق محاضرات وأقلام جديدة حتى الكتب التى طلبتها وضعهم جميعًا بعناية كأنهم أشياء ثمينة ثم قال بفخرٍ خفيف:-
_ لفيت نص الكلية عشان أجيب الحاجات دى

اتسعت عيناها قليلًا واقتربت خطوة ثم أخرى تنظر إلى الأوراق واسم مادتها المكتوب فوقها لأول مرة منذ وقت طويل شعرت بشىء يشبه المستقبل، شىء صغير جدًا لكن موجود مدت يدها نحو إحدى الملازم ولامست غلافها بأطراف أصابع مرتجفة كأنها تتأكد أنها حقيقية وأن حياتها القديمة لم تختفِ بالكامل راقبها "يزيد" فى صمت ورأى ذلك البريق الخافت الذى عاد لعينيها للحظة فشعر براحة غريبة تسللت إلى قلبه، راحة رجل نجح أخيرًا فى أن يسحب شخصًا يحبه خطوة واحدة فقط بعيدًا عن الحافة ورغم أن الخطوة كانت صغيرة إلا أنها بالنسبة له كانت أكبر انتصار حققه منذ زمن طويل فتبسم بعفوية بريئة 

قالت بلطف:- 
_شكرا 

انتهى صوتها عند كلمة شكر خافتة، بالكاد خرجت من بين شفتيها لكنها وصلت إليه بوضوح كأنها أول اعتراف صغير بأن وجوده لم يعد مخيفًا بالكامل ابتسم "يزيد" ابتسامة قصيرة، ثم قال وهو يضع آخر كراسة على الطاولة:-
_ متشكرنيش... ده أقل حاجة

سكت لحظة، ثم أضاف بنبرة أهدأ:-
_ بالمناسبة... لو حابة ترجعي الجامعة، أقدر أوصلك أي يوم

تجمدت ملامح "ليل" فجأة، كأن الكلمة لمست جرحًا لم يلتئم بعد عينها تحركت نحو الباب ثم إلى النافذة ثم عادت إليه لكن هذه المرة لم يكن في نظرتها امتنان فقط، بل خوف واضح وصادق وخطوة صغيرة تراجعت بها إلى الخلف دون أن تشعر وخطوة واحدة كانت كافية ليلاحظها فورًا تغيرت ملامحه لم يضغط ولم يقترب فقط ثبت مكانه، كأنه يخشى أن أي حركة منه قد تعيدها لنقطة الانهيار، قال بهدوء شديد:-
_ أنا مش هضغط عليكِ

صمت لحظة، ثم تابع بصوت أكثر ثباتًا:-
_ اللي حصل انتهى يا ليل

رفع نظره إليها مباشرة وقال:-
_ عمران مات واللى كان معه اتحاسبه ومحدش برا باب الشقة دى يعرف حاجة عن اللي حصلك، فمتخافيش من عين الناس زى ما بتفكري

اقترب خطوة واحدة فقط، ليس تجاهها بل ليجلس على طرف الأريكة، حتى يقلل المسافة بينه وبين الأرض التى تقف عليها هي كأنها تحتمي منها ثم قال بنبرة أهدأ، لكنها ممتلئة يقين:-
_ إنتِ هنا فى أمان

سكت قليلًا ثم أكمل وهو يشير حولها:-

_ برا مهما كان العالم صعب إنتِ بحقيقتك جوهرة مصانة، وإنتِ ضحية مش مذنبة عشان تستخبي من الناس وأفتكري كويس إنك بنت عيلة أبو النور و مراتي 

توقفت الكلمة الأخيرة في الهواء لحظة لم تكن ثقيلة، بل كانت ثابتة كأنها تُقال لأول مرة بمعناها الحقيقي لا القانوني تابع وهو ينظر لعينيها مباشرة:-
_ وإنتِ مش ضعيفة، إنتِ أقوى من اللي حصل، وأقوى من إنك تسيبيه يحدد حياتك

الصمت بينهما امتد لكن شيئًا ما تغيّر في ملامحها والرعب لم يختفِ لكنه هدأ قليلًا كأن صوته كان يمد جسرًا صغيرًا فوق هاوية كبيرة تنفست ببطء ثم أومأت برأسها بخفة، كأنها توافقه على فكرة لم تقتنع بها بالكامل لكنها تريد تصديقها فابتسم "يزيد" ابتسامة صغيرة هذه المرة ابتسامة بارتياح وعيناه لأول مرة لم تكن قاسية، بل دافئة وفي تلك اللحظة القصيرة كان يمكن للعالم أن يبدو أقل وحشة لكن الهاتف على الطاولة قطع كل شيء يهتز مرة ثم مرتين
التقطه "يزيد" بعفوية لكن ما ظهر على الشاشة جمد ملامحه تمامًا اختفت الابتسامة وتصلب جسده وتحولت عيناه في ثانية واحدة فقط من دفء هادئ إلى برود مخيف إلى غضب خام إلى نار لم تُطفأ بعد رسالة واحدة فقط لكنها كانت كافية لإعادة فتح باب لم يُغلق تمامًا مجرد أسماء مجهولة لكنها مرتبطة بـ"عمران" أشخاص كانوا هناك و شاركوا يظنوا أن ما حدث انتهى رفع "يزيد" نظره ببطء لم تعد "ليل" تراه كما كان قبل دقيقة كان شيئًا آخر الآن، شيئًا لا يتكلم كثيرًا، ولا يشرح، ولا يهدأ بسهولة أغلق الهاتف ببطء ثم قال بصوت منخفض جدًا، أقرب للهمس:-
_ حلو دا 

 عينيه بدأ شيء قديم جدًا يستيقظ من جديد شيء لا يشبه الطمأنينة ولا يشبه الحب بل يشبه الانتقام حين يتأكد أنه وجد طريقه

____________________

في شقة "الجارحي" كان الصمت مختلفًا هذه المرة ليس صمت راحة ولا صمت نهاية يوم طويل،؛  بل صمت رجل يقف داخله صراع لا يُسمع فجلس "الجارحي" على طرف الأريكة، مائلًا للأمام، كأن كتفيه يحملان وزن البيت كله، ووزن العائلة، ووزن القرارات التي بدأت تتساقط فوق رأسه واحدة تلو الأخرى عيناه ثابتتان في نقطة فارغة أمامه لكن داخله لم يكن فارغًا أبدًا كان ممتلئًا بالغضب وبالإحباط وبشعورٍ خفي أشد قسوة من الاثنين لوم النفس لماذا فكر في العائلة قبل أن يفكر في المال؟ لماذا حاول أن يجمعهم بينما بعضهم كان يبيعهم؟ لماذا صدّق أن الدم يمكن أن يهدأ؟ قبض على يده بقوة حتى ابيضت مفاصله كأن كل ما حوله يخونه الصمت ليتركه وحده مع أفكاره ثم فتح الباب بهدوء، دخلت "قُدس" لم تتكلم ولم تسأل ولم تقترب بسرعة

فقط أغلقت الباب خلفها ببطء، وكأنها تدرك أن أي صوت أعلى من اللازم قد يكسر شيئًا بداخله تقدمت نحوه خطوة ثم أخرى و جلست بجواره بصمت ولم تلتفت إليه في البداية؛ بل جلست قريبة بما يكفي ليشعر بها، دون أن تُجبره على النظر ثم مدّت يدها ببطء وأمسكت يده التي كانت مشدودة منذ دقائق لم تحاول فك قبضته بالقوة فقط احتوتها بين كفّيها وكأنها تقول له دون كلام:-
_ أنا جنبك 

تنفّس "الجارحي" ببطء لأول مرة منذ فترة وكأن وجودها وحده فك عقدة لم يكن يدرك أنه يحملها ثم مالت "قُدس" برأسها قليلًا نحو كتفه وبصوت خافت جدًا، قالت:-
_ و معاك

سكتت لحظة ثم أضافت:-
_ وكل اللي جاي هنعديه سوا

أغمض "الجارحي" عينيه ولأول مرة منذ بداية العاصفة لم يشعر أنه وحده، لم تنتهِ الحرب لكن داخل تلك اللحظة الصغيرة كان هناك شيء أقوى من الحرب نفسها، يدٌ تمسكه وقلبٌ يقول له (لا تقع)
لم تدم تلك اللحظة طويلًا...
تلك اللحظة التي بدا فيها العالم أقل قسوة ويد "قُدس" ما زالت بين يدي "الجارحي"، وصمته بدأ يلين قليلًا، كأن وجودها أعاد ترتيب الفوضى داخله لكن فجأة، انشقّ الهدوء صرخة قوية حادّة صعدت من أسفل العمارة كالسهم، واخترقت السكون دفعة واحدة انتفض "الجارحي" في مكانه فورًا وقبضته اشتدت لا إراديًا داخل يد "قُدس"، ثم تركها بسرعة وهو يقف كأن جسده سبق وعيه تجمدت "قُدس" لحظة تسألت بضيق:-
_ إيه ده؟!

لكن "الجارحي" لم ينتظر سؤالها كان قد تحرك بالفعل نحو الباب، فتحَه بسرعة، ونزل الدرج بخطوات ثقيلة متسارعة، صوته الداخلي يسبق خطواته:-
_في إيه تاني؟ مفيش دقيقة راحة؟ المرة دي مين؟

خلفه، لحقت به "قُدس" بقلق واضح، تمسك طرف عباءتها وهي تنزل خلفه بسرعة، قلبها بدأ يضرب بقوة لا تفسير لها كلما اقتربوا من الطابق السفلي زاد الصوت صوت حركة تجمّع أبواب تُفتح وهمسات متوترة ثم وصل "الجارحي" إلى أسفل العمارة
وتوقف في منتصف البهو عيناه تتفحصان المشهد بسرعة قاتلة لكن ما رآه لم يكن مجرد صرخة، كان بداية شيء أكبر بكثير مما تخيّل شيء جعل الهواء نفسه في العمارة يتغير ويصبح أثقل وأكثر خطورة......... 


تعليقات