رواية حرب سقطت راءها الفصل الثاني والثلاثون بقلم نور زيزو
بعنـــوان " ما بيـــن نبضــــــة القلـــب والقـــــدر 💞🌼 "
[[ بين نبضة قلبٍ تتشبث بالحياة ونبضة أخرى تستقبل حياة جديدة
فبعض القلوب كانت تنتظر النجاة وبعضها كان يخشى الفقد...
كانت الأقدار تعيد ترتيب الجميع .... دون أن تستأذن أحدًا ]]
ركض "الجارحي" إلى أسفل العمارة بخطوات سريعة بينما كانت "قُدس" خلفه تحاول اللحاق به وما إن وصل إلى الطابق الأرضي حتى تجمد مكانه، وكانت "آسيا" جاثية على الأرض تبكي بانهيار تحتضن رأس "مديحة" الموضوعة فوق ساقيها وتصرخ بجنون:-
_ ياما... ياما فوقي... بالله عليكي فوقي
كانت "مديحة" ساكنة تمامًا وجهها شاحب بصورة مخيفة وشفتاها مائلتان إلى الزرقة بينما التف سكان العمارة حولها فى حالة من الذعر اندفع "فؤاد" نحو والدته وسقط على ركبتيه بجوارها وقال بتلعثم:-
_ أمى!
هز كتفها بيد مرتعشة مُتلعثم وقال:-
_ أمى افتحي عينك
لكن لا جواب اقترب "هادي" بسرعة هو الآخر بينما نزلت "خديجة" من الشقة وقد اختفى الغضب من وجهها فور رؤيتها للمشهد شهقت بفزع وضعت يدها على فمها ثم قالت بصدمة:-
_ يا ساتر يا رب
أما "الجارحي" فوقف للحظة ينظر للمشهد كله، شعور غريب ضرب صدره شعور لم يعرف إن كان خوفًا أم ذنبًا أم غضبًا لكن لم يكن وقت التفكير، حملها هو و"فؤاد" بسرعة ونزلوا بها إلى السيارة بينما كانت "آسيا" تبكي طوال الطريق
بعد ساعة تقريبًا كانت العائلة كلها مجتمعة أمام غرفة العناية المركزة والوجوه شاحبة وأعين مرهقة وقلوب معلقة خلف ذلك الباب المغلق خرج الطبيب أخيرًا وكل شخص منهم يلوم نفسه ربما هو سبب ما ألت إليه الأمور مع "مديحة" فاندفع إليه "فؤاد" فورًا:-
_ أمى عاملة إيه يا دكتور؟
نظر الطبيب إلى الجميع ثم قال بجدية:-
_ الحالة غير مستقرة، بأزمة قلبية حادة والساعات الجاية مهمة جدًا
شعرت "آسيا" أن ساقيها فقدتا قوتها فجلست على أقرب مقعد بينما أغمض "فؤاد" عينيه بألم أما "خديجة" فخفضت رأسها فى صمت حتى "الجارحي" الذى لم يكن يظهر مشاعره بسهولة شعر بشىء يضغط على صدره بقوة، دخلت "وصيفة" المستشفى بعد قليل بعدما أوصلها أحد السائقين وكانت تلهث من التعب وعيناها تمتلئان بالخوف فور أن سمعت أن "مديحة" داخل العناية توقفت فى منتصف الممر ثم قالت بصوت مرتجف:-
_ دخلت الإنعاش؟
هز "فؤاد" رأسه ببطء وجلست "وصيفة" على المقعد وكأن قوتها خانتها وضعت يدها على صدرها ثم قالت بحزن حقيقي:-
_ يا رب لطفك
ساد الصمت للحظات قبل أن ترفع رأسها فجأة نحو "الجارحي" وكان الغضب قد بدأ يتسلل إلى ملامحها فتحدثت بضيق:-
_ مبسوط دلوقت؟
رفع "الجارحي" نظره إليها وعقد حاجبيه فأكملت وهى تشير نحوه بيد مرتجفة:-
_ اهو حصل اللى كنت عايزه
اتسعت أعين الجميع بينما قال "فؤاد" بصدمة:-
_ اى يا صفصف !
لكنها لم تتوقف كانت خائفة، مرهقة وموجوعة والخوف أحيانًا يجعل الكلمات أكثر قسوة من أصحابها قالت بعصبية:-
_ أنا تعبت والله العظيم تعبت كل شوية بنودع واحد، كل شوية مصيبة جديدة عماد مات وبعدين اللى حصل للبنات ليان وقدس وليل وبعدين خناقات الورث ودلوقت مديحة بين الحياة والموت
ثم نظرت إلى "الجارحي" مباشرة ووقفت تمسكه من لياقته بأنفعال شديد:-
_ وأنت السبب
تجمدت "قُدس" فى مكانها أما "الجارحي" فظل صامتًا فأكملت "وصيفة" بدموع:-
_ أخدت الورث كله والست فضلت شهور بتصرخ وتعيط وتطلب حقها، كل يوم بتاكل نفسها من القهرة وكل يوم بتحس إن عمرها كله ضاع وأنا مش بقول إنها صح ولا بقول إن اللى عملته صح لكنها كانت موجوعة كانت شايفة حقها بيتسحب من قدام عينها... ليه كدة؟؟
ارتجفت شفتاها ثم قالت بصوت مكسور:-
_ ومهما حصل... دى ضرتى وعشرة عمر والوحيدة اللى فضلت تطالب بحقها لآخر نفس أنا خايفة أخسرها خايفة أصحى بكرة يقولولى ماتت هى كمان
ساد الصمت صمت ثقيل ومؤلم حتى "قُدس" لم تعرف ماذا تقول؟ أما "الجارحي" فبقى واقفًا مكانه ساكنًا تمامًا كأن كلمات "وصيفة" أصابته فى مكان لا يستطيع الدفاع عنه لأول مرة منذ فترة طويلة لم يجد ردًا، فلم يغضب ولم يثور ولم يبرر... فقط وقف صامتًا وعيناه معلقتان بباب العناية المركزة يتساءل داخله للمرة الأولى فهل كان يحاول إصلاح العائلة؟؟ أم أنه كان يساهم فى تمزيق ما تبقى منها؟
أما خلف باب العناية المركزة فكانت أجهزة المراقبة تصدر أصواتها المنتظمة بينما ترقد "مديحة" بين الحياة والموت لا تسمع شيئًا ولا تعلم أن العائلة التى كانت تحارب من أجل المال بالأمس، أصبحت اليوم تحارب خوفًا من فقدان شخص آخر
_____________________________
على الجانب الآخر بعيدًا عن غرف الإنعاش وبعيدًا عن صرخات العائلة وأحزانها المتلاحقة
كان "جلال" يسير ببطء داخل ممرات المستشفى وإلى جواره "ليان" تمسك بذراعه أثناء السير بينما كان يساندها بحرص مبالغ فيه حتى كادت تلاحظ الأمر فتوقفت تنظر إليه باستغراب:-
_ هو أنا عندي تسعين سنة ومش واخدة بالي؟
التفت إليها "جلال" ببراءة مصطنعة وقال بلهجة دافئة:-
_ نعم؟
_ نعم إيه؟
قالتها وهى تضرب ذراعه بخفة ثم أكملت بعفوية مُنهكة:-
_ أنت ماسكني كأنى هقع فى أي لحظة براحة على ذراعي
تبسم رغم الألم المختبئ خلف عينيه وقال:-
_ احتياط
_ احتياط من إيه؟
_ لتكون الدوخة لسه موجودة أو ممكن من عيني
قالها وغمز لها يغازلها فعقدت حاجبيها فأضاف وهو يتأملها:-
_ أصلها مبتشبعش منك.
رفعت عينيها إلى السقف بتأفف لكن ابتسامة صغيرة خانتها بينما شعر "جلال" أن تلك الابتسامة وحدها تستحق أن يحارب الدنيا كلها من أجلها خرجا من باب المستشفى فلفحتهم نسمات الهواء الدافئة توقفت "ليان" للحظة ترفع وجهها نحو السماء وأغمضت عينيها كأنها تستمتع بشىء بسيط افتقدته لأيام أما هو فكان يستمتع بها هى فقط بكل تفاصيلها حتى ضيقها وعنادها حتى غرورها الذى كان يثير أعصابه أحيانًا أصبح يحبه، فتح لها باب السيارة بنفسه فقالت ساخرة:-
_ شكلك عامل مصيبة يا جلال
_ ليه؟
قالها وهو ضحك وهو يجلس بجوارها فأجابت:-
_ أصل لما بتبقى محترم زيادة ببقى قلقانة
ضحك رغمًا عنه ثم أغلق الباب عليها واستدار إلى مقعده خلف المقود، طوال الطريق كانت القاهرة تتحرك حولهما سيارات وإشارات أصوات أما داخل السيارة فكان عالمًا آخر هادئًا دافئًا ومليئًا بها، كانت "ليان" تنظر من النافذة بشرود فقال فجأة:-
_ عارفة؟
التفتت إليه بفضول وعيني شبه ناعستين فقال:-
_ إيه؟
تنهد بهدوء ثم قال:-
_ أنا كنت فاكر نفسى راجل مفيش مني، جبل صامد فى الأرض ميتزحزحش
رفعت حاجبها باستغراب فأكمل:-
_ عندي فلوس ونفوذ وشغل وناس تخاف منى كنت فاكر إن دا كفاية
ثم نظر إليها لحظة وأضاف:-
_ لحد ما جيتى
ابتسمت بخفة لكنها لم تقاطعه فأكمل وعيناه على الطريق:-
_ وقتها عرفت إن الواحد ممكن يبقى عنده الدنيا كلها، ويبقى ناقصه شخص واحد بس وشخص واحد يساوى الدنيا كلها
شعرت بحرارة خفيفة تسللت إلى وجنتيها فحاولت إخفاءها قائلة:-
_ كلامك كتير اليومين دول
ضحك بحُب وأخذ يدها فى راحة يده بحنان ثم قال:-
_ عشان عندي كلام متخزن من يوم ما قابلتك
_ ولسه فاكر تقوله دلوقت؟
_ لا
قالها وهو يلتفت إليها سريعًا متابعة:-
_ دلوقت بقيت خايف ميبقاش عندي وقت أقوله.
لم تنتبه للجملة كما انتبه هو لها أما قلبه فشعر بوخزة مؤلمة لكنه أخفاها خلف ابتسامة هادئة ثم مد يده وأمسك يدها فوق المقعد مُتمسكًا بها وقال بصوت منخفض:-
_ وجودك فى حياتي غير كل حاجة، حتى أنا بقيت شخص تاني بقيت أعرف يعنى إيه أرجع البيت مستعجل عشان حد مستنيني يعنى إيه أخاف على حد ويعنى إيه أفرح لمجرد أنه موجود
سكت لحظة ثم أكمل بابتسامة دافئة:-
_ تخيلي إن جلال الصياد نفسه بقى بيصحى الصبح أول حاجة يفكر فيها هى دكتورة قلبه ليان.
ضحكت أخيرًا ضحكة حقيقية هذه المرة فشعر أن صدره امتلأ بالراحة كأنه انتصر فى معركة مع أنه كان يعلم أن الحرب الحقيقية ما زالت أمامه وصلت السيارة إلى القصر وترجل أولًا ثم فتح لها الباب مد يده إليها فوضعت يدها فى يده بعفوية وما إن نزلت حتى جذبها برفق نحوه، اصطدمت بصدره رفعت رأسها إليه باستغراب وقال وهو يتأمل عينيها الزرقاوين بعشق لا يخفيه:-
_ لو خيروني بين الدنيا كلها وبين يوم واحد معاكى هختارك أنتِ كل مرة
ابتسمت رغماً عنها بينما هو حفظ تلك الابتسامة داخل قلبه كأنها كنز كأنها عمر كامل وكأن الزمن أصبح أثمن بكثير مما كان يظن
___________________________
فى صباحٍ هادئ
كان "يزيد" يجلس إلى طاولة الطعام يتناول إفطاره ببطء، يطالع هاتفه أحيانًا ويرتشف قهوته أحيانًا أخرى هدوء الشقة أصبح مألوفًا له، هدوء يحمل خلفه خوفًا ووجعًا وصبرًا طويلًا.
أما فى الغرفة الأخرى فكانت "ليل" تقف أمام المرآة تحدق فى انعكاس صورتها بصمت فستانها الواسع بلونه الهادئ حجابها المرتب بعناية وجهها الشاحب الذى بدأ يستعيد شيئًا من الحياة نظرت طويلًا إلى نفسها كأنها تتعرف على تلك الفتاة من جديد، رفعت يدها المرتجفة قليلًا وعدلت طرف حجابها ثم أخذت نفسًا عميقًا، شعرت بقلبها ينبض بعنف داخل صدرها مجرد التفكير فى الخروج جعل معدتها تنقبض وجعل أطراف أصابعها تبرد لكن كلمات "قدس" لم تغادر عقلها وكلمات "يزيد" أيضًا فلن تبقى سجينة هذه الغرفة للأبد، لن تسمح لـ"عمران" أن يسرق منها عمرها كله أغمضت عينيها ثانية ثم فتحت باب غرفتها وخرجت.
رفع "يزيد" رأسه على صوت الباب وفى اللحظة التى رآها فيها توقف تمامًا حتى فنجان القهوة تجمد بين يديه اتسعت عيناه بصدمة حقيقية لأول مرة يراها خارج غرفتها منذ أيام، يراها مستعدة للخروج ، لمواجهة الحياة، كانت واقفة متوترة قرب باب الغرفة تضم أصابعها ببعضها بخجل وقلق فنهض فورًا من مكانه يحاول ألا يظهر فرحته الكبيرة لكن قلبه كان يركض داخل صدره قال بهدوء:-
_ صباح الخير.
هزت رأسها بخفة ثم قالت بصوت خافت:-
_ صباح النور.
ساد الصمت للحظات قبل أن تجمع شجاعتها وتقول:-
_ لو... لو حضرتك فاضي.
رفع حاجبه منتظرًا فأكملت:-
_ ممكن توصلني الجامعة؟
شعر "يزيد" وكأن أحدهم أهداه الدنيا كلها فى تلك اللحظة لكنه اكتفى بابتسامة هادئة وقال:-
_ طبعًا.
ثم أضاف فورًا:-
_ خمس دقايق وأكون جاهز.
بعد قليل
كانت السيارة تشق طريقها بين الشوارع، جلست "ليل" جواره تنظر من النافذة بصمت بينما كان هو يقود بهدوء متعمد، لا يضغط عليها بالكلام، ولا يتركها تشعر بالتوتر حتى وصلا إلى بوابة الجامعة
توقفت السيارة فالتفت إليها مبتسمًا وهتفت بلطف:-
_ لما تخلصي ابعتيلي أو رني عليا.
نظرت إليه بتردد فأضاف مطمئنًا:-
_ وأنا هاجي أخدك فورًا
هزت رأسها بالموافقة ثم نزلت من السيارة وبدأت خطواتها تتحرك نحو الجامعة مترددة فى البداية ثم أكثر ثباتًا بينما ظل "يزيد" يتابعها بعينيه حتى اختفت داخل المبنى عندها فقط تنفس براحة وكأن روحه هى التى عادت للحياة.
داخل الجامعة ما إن رأتها صديقاتها حتى اندفعن نحوها بفرحة حقيقية يصرخون باسمها من السعادة بعودتها
_ لييييل!
قالت "كارما" أحد صديقاتها بحب:-
_ وحشتينا جدًا!
_ أخيرًا رجعتي!
وجدت نفسها محاطة بالأحضان والأسئلة والضحكات وشعرت لأول مرة منذ فترة طويلة أنها تنتمى إلى مكان ما توقفت إحدى صديقاتها "كارما" فجأة وهى تنظر نحو البوابة التى غادر منها "يزيد" ثم قالت بفضول شديد:-
_ لحظة بس هو مين القمر اللى كان معاكي دا؟
ضحكت أخرى قائلة:-
_ والله كنت فاكرة ممثل!
_ لا بجد... دا وسيم بشكل مش طبيعي.
شعرت "ليل" بحرارة خفيفة فى وجنتيها فأشاحت بنظرها سريعًا وقالت بهدوء مقتضب:-
_ من العيلة
_ قريبك؟
سألتها إحدى الفتيات فترددت لثانية واحدة ثم أجابت:-
_ آه... من العيلة
واكتفت بذلك دون أن تضيف كلمة أخرى، بينما ابتسمت بخفة وهى تتذكر كيف وقف ينتظر طلبًا صغيرًا منها وكأنه أمر لا يُرد لأول مرة منذ زمن طويل شعرت أن العالم لم يعد مخيفًا بالكامل وأن هناك شخصًا ما يقف فى الجهة الأخرى من الطريق ينتظر فقط أن تناديه فيأتى
___________________________
فى الجهة الأخرى...
كان الليل قد بدأ يفرض هدوءه على القصر لكن الهدوء لم يصل إلى عقل "جلال" جلس خلف مكتبه الضخم وأمامه ملف أسود مفتوح منذ ساعات لم يقرأ منه حرفًا واحدًا كأس القهوة بجواره أصبح باردًا والسيجارة بين أصابعه احترقت حتى نهايتها دون أن يشعر عيناه كانتا معلقتين على ورقة صغيرة موضوعة أمامه، ورقة تحمل اسمًا واحدًا فقط "الجارحي".
تنهد بضيق ثم ألقى رأسه للخلف وأغمض عينيه كأنه يحاول الهروب من أفكاره لكنها كانت تطارده بلا رحمة" مديحة" دفعت المال والاتفاق تم ومنذ عشرات السنين لم يتراجع "جلال" عن عمل قبله سمعته فى عالمه كانت أهم من حياته أحيانًا الرجل الذى يأخذ المقابل وينفذ، لا يتراجع، لا يتردد، ولا يترك ثغرة لأحد.
لكن هذه المرة... الأمر مختلف لأن الاسم ليس غريبًا ولأن الرصاصة لن تصيب "الجارحي" وحده، بل ستصيب "ليان" أولًا.
فتح عينيه ببطء وتذكر وجهها يوم زواجهما حين وقفت أمامه بكل عنادها المعتاد وقالت بوضوح:-
_ عندي شرط واحد
ابتسم وقتها وقال:-
_ أطلبي
فأجابته دون تردد:-
_ عمرك ما تأذي حد من أهلي ولو يوم عملتها أنا همشي من حياتك للأبد ومش هسامحك يا جلال
ابتلع ريقه بصعوبة وتقلص فكه بقوة حتى برزت عضلاته لأن المشكلة الحقيقية أنه يعلم جيدًا أن "ليان" لا تمزح وإذا قالت إنها سترحل فستفعل دون دموع ودون تردد، دون أن تلتفت خلفها طرق الباب فقال ببرود:-
_ ادخل
دلف "كريم" بهدوء ليلاحظ فورًا حالة الشرود التى يعيشها رئيسه اقترب وجلس أمام المكتب قائلًا:-
_ لسه بتفكر فى موضوع الجارحي؟
رفع "جلال" عينيه إليه وقال بملل:-
_ بقالى أسبوع بفكر
_ وأخدت قرار؟
سكت للحظات ثم قال:-
_ لا
تفاجأ "كريم" فمن النادر أن يرى "جلال" حائرًا؛ بل ربما لم يحدث ذلك من قبل فقال بحذر:-
_ بصراحة يا باشا... أنا أول مرة أشوفك واقف فى نص الطريق كدة
ضحك "جلال" ضحكة قصيرة بلا روح ثم قال:-
_ وأنا أول مرة أبقى كدة
تنهد وأكمل بصوت خافت:-
_ زمان كان القرار سهل يتدفع فلوس ويتنفذ المطلوب، إنما دلوقت... بقي فى واحدة بتراجع كل قراراتى
ابتسم "كريم" بخفة وقال:-
_ مدام ليان
رفع "جلال" حاجبه ثم قال:-
_ المصيبة كلها اسمها ليان.
صمت لحظة ثم أردف:-
_ لو قتلت الجارحي هخسرها ولو رفضت الطلب أخسر سمعتي.
هز "كريم" رأسه مفكرًا ثم قال:-
_ بس فى فرق
نظر إليه "جلال" فأكمل:-
_ السمعة ممكن تتصلح إنما الست اللى بتحبها لو راحت صعب ترجع
ساد الصمت، صمت طويل حتى أن صوت عقارب الساعة أصبح مسموعًا وأخيرًا وقف "جلال" من مكانه واتجه نحو النافذة الزجاجية الكبيرة ينظر إلى الحديقة المظلمة بالخارج وقال بصوت منخفض:-
_ عمرى ما تخيلت إن فى يوم واحدة ست تخلينى أراجع نفسى فى حاجة زى دى.
ابتسم "كريم" بينما أكمل "جلال" وعيناه معلقتان بالظلام:-
_ زمان كنت ممكن أقتل مدينة كاملة لو دا شغلي دلوقت... بقيت بخاف على دمعة تنزل من عينها.
أطرق "كريم" رأسه بصمت أما "جلال" فبقى واقفًا مكانه بين عالمين، عالم بناه بيديه من الدم والخوف وعالم صغير اسمه "ليان" لأول مرة فى حياته لم يكن يعرف أيهما سينتصر فى النهاية.
ظل "جلال" واقفًا أمام النافذة كفاه داخل جيبي بنطاله وعيناه معلقتان بالحديقة المظلمة بينما كان عقله يغرق أكثر فأكثر داخل دوامة الحيرة قتل "الجارحي" أم لا؟ ينفذ الاتفاق ويحافظ على اسمه وهيبته؟ أم يحافظ على وعد قطعه لـ"ليان" تنهد بضيق وأغلق عينيه للحظة لكن صوت "كريم" خلفه قاطعه:-
_ جلال بيه... فى حاجة كمان.
لم يلتفت وقال ببرود:-
_ خير؟
تردد "كريم" قليلًا وكأنه لا يعرف كيف يبدأ ثم قال:-
_ المستشفى بعتت تقرير جديد.
انعقد حاجبا "جلال" والتفت إليه فورًا.
_ تقرير إيه؟
أخرج "كريم" الملف من يده وقال بهدوء:-
_ التحاليل اللى اتعملت للدكتورة ليان.
شعر "جلال" بانقباض غريب داخل صدره وأخذ الملف بسرعة لكن "كريم" سبقه بالكلام:-
_ فيه خبر جديد
_ اتكلم
قالها بحدة فابتلع "كريم" ريقه ثم قال:-
_ مدام ليان حامل
ساد الصمت، صمت ثقيل قاسٍ مربك كأن الزمن توقف للحظة اتسعت عينا "جلال" ببطء وتجمدت ملامحه تمامًا حتى أن الملف انزلق قليلًا من بين أصابعه:-
_ إيه؟
خرجت الكلمة هامسة غير مصدقة
_ حامل؟
هز "كريم" رأسه بنعم فابتعد "جلال" عدة خطوات للخلف وجلس فوق المقعد خلف مكتبه كأنه فقد القدرة على الوقوف مُتمتم بهدوء:-
_حامل... ليان حامل.
ابتسم وهو يفكر بطفل منه، طفل يحمل عينيها ربما أو ابتسامتها أو عنادها الذى يقتله ويعشقه فى آن واحد وفجأة...
وجد نفسه يبتسم ابتسامة صغيرة مرتبكة، غير مصدقة كأن قلبه سبق عقله فى استيعاب الخبر رفع يده إلى فمه وهو يضحك بخفوت ضحكة لم تخرج منه منذ سنوات طويلة، سنوات من الدم والقتل والسلطة والخوف لكن خبرًا صغيرًا كهذا...
هز عالمه كله همس لنفسه:-
_ هبقى أب...
ولأول مرة ظهر الضعف على وجه الرجل الذى كانت ترتجف المدن من اسمه لكن الفرحة لم تدم طويلًا، فجأة تلاشت الابتسامة وتجمدت ملامحه كأن أحدهم سكب فوقه ماءً مثلجًا رفع رأسه ببطء نحو "كريم" ثم سأل بصوت أجش:-
_ والمرض؟
خفض "كريم" رأسه فهم "جلال" الإجابة قبل أن يسمعها شعر بقلبه ينقبض بعنف "ليان" مريضة والمرض عاد من جديد ويهدد حياتها والآن...
هناك طفل أيضًا، طفل قد يأتى إلى الدنيا بلا أم أو قد لا يأتى أصلًا مرر يده داخل شعره بعنف وأغمض عينيه لأول مرة منذ سنوات طويلة، شعر بالعجز، عجز حقيقى، لا مال ينفع ولا نفوذ ولا رجال يحملون السلاح ولا إمبراطورية كاملة بناها بيديه، لا شيء يستطيع أن يوقف مرضًا يسرق عمر المرأة التى يحبها.
رفع رأسه نحو السقف وشعر بثقل الدنيا كلها فوق كتفيه ثم جاءت الضربة الأخيرة.
"الجارحي".
اسم واحد فقط لكن اسمه عاد يدور داخل عقله من جديد فهو ليس بأي شخص بل زوج "قُدس" شقيقة "ليان" توأمها، الرجل الذى لو أصابه مكروه فلن تسامحه "ليان" أبدًا ولا وهو نفسه أصبح يملك رفاهية خسارتها ليس الآن، ليس وهى تحمل طفله، وليس وهو يخاف عليها من الموت فى كل لحظة، ضرب المكتب بقبضته فجأة حتى اهتزت الأوراق فوقه فانتفض "كريم" من مكانه بينما قال "جلال" بصوت خرج مخنوقًا من بين أسنانه:-
_ ليه دلوقت؟ ليه كل حاجة لازم تحصل دلوقت؟
لم يجبه أحد فالغرفة كانت صامتة إلا من صوت أنفاس رجل لأول مرة فى حياته يشعر أن العالم كله يخرج عن سيطرته بين امرأة يخشى فقدانها وطفل لم يولد بعد ووعد قطعه لحبيبته وعقد قتل ينتظر التنفيذ.
كان "جلال" يجلس خلف مكتبه بينما الحيرة تكبر داخله أكثر من أى وقت مضى.
___________________________
فى قلب حى الأزهر...
حيث تتداخل أصوات الباعة مع حركة الزبائن ورائحة الأقمشة الجديدة التى تملأ المكان.
كان "الجارحي" يجلس داخل مكتبه الزجاجى المطل على الوكالة يتابع الحسابات ويوقع بعض الأوراق.
بينما عقله ما زال عالقًا فيما حدث خلال الأيام الماضية "مديحة" فى المستشفى، العائلة تتفكك أكثر فأكثر، والمال أصبح سكينًا يطعن الجميع رفع رأسه قليلًا ليتابع حركة العمال بالخارج قبل أن تتسع عيناه فجأة وتتوقف يده فوق الورقة كأن عقله لم يستوعب ما يراه هناك في وسط الوكالة كانت "قُدس" بفستانها السماوى الواسع تسير ببطء بين الأقمشة مع أحد العمال الذي يصطحبها إلى والدها الذى كان يشرح شيئًا بينما هى تبتسم بهدوء وقف "الجارحي" فورًا حتى كاد المقعد يسقط خلفه ثم خرج من المكتب بسرعة وفى نفس اللحظة لمحها "هادى" فابتسم بدهشة حقيقية:-
_ قُدس!
رفع كفيه باستغراب ثم أكمل:-
_ أنتِ جاية الوكالة ليه؟
ضحكت "قُدس" بخفة وقالت:-
_ ليه؟ ممنوع؟
_ لا والله
قالها ضاحكًا ثم نظر إلى بطنها الصغيرة وتذكر حملها وأضاف:-
_ بس كنت فاكر الدكتورة مانعاكى من الحركة.
ربتت على بطنها بحنان وقالت:-
_ مانعتنيش من الحركة...
وصل "الجارحي" إليهما أخيرًا وكان القلق واضحًا على وجهه نظر إليها من رأسها حتى أخمص قدميها كأنه يتأكد أنها بخير ثم قال بحدة امتزجت بالخوف:-
_ وأنتِ جاية هنا ليه؟
رفعت حاجبها باستنكار تجيب بتذمر على مقابلته الحادة:-
_ صباح الخير الأول
تنهد بضيق ثم اقترب أكثر يقول:-
_ سيبك من صباح الخير... أنتِ تعبانة لو نسيتى أحب أفكرك.
ابتسم "هادى" وهو يرى قلقه الواضح عليها بينما قالت "قُدس" بهدوء:-
_ أنا كويسة.
_ لا مش كويسة.
قالها فورًا ثم أضاف:-
_ ولو عايزة حاجة كنتِ قولتى وأنا أجيلك.
شعرت "قُدس" بدفء غريب يتسلل إلى قلبها رغم نبرة التوبيخ لأنها كانت تعرف جيدًا أن كل ذلك الخوف سببه الحب، ابتسمت له برقة وقالت:-
_ أنا جاية عشانك أصلًا.
عقد حاجبيه بهدوء هاتفٍ:-
_ عشانى؟
أومأت برأسها ثم أشارت إلى المكتب وقالت بلطف:-
_ ممكن نتكلم؟
نظر إليها لحظة ثم أشار لها بالدخول
بعد دقائق كانت تجلس أمامه داخل المكتب بينما جلس هو مقابلها وعيناه لا تغادران وجهها كأنه ما زال غاضبًا من خروجها.
قالت "قُدس" بهدوء:-
_ مديحة لما تفوق
خفض رأسه قليلًا ثم قال:-
_ إن شاء الله
سكتت لحظة قبل أن تكمل:-
_ عايزين العيلة ترجع زى زمان.
ظل صامتًا فأكملت بهدوء أكبر:-
_ أنا جاية أكلمك فى موضوع الورث.
تغيرت ملامحه فورًا وتصلب فكه لكنها تابعت قبل أن يقاطعها:-
_ اسمعنى للآخر.
زفر ببطء وأشار لها أن تكمل فقالت:-
_ أنا عارفة اللى عملته غلط، وعارفة إن كلامها وجعك وعارفة إنها فكرت تعمل حاجة عمرها ما تتغفر لكن برضو دى جدتك وسنين عمر كاملة بينكم.
خفضت عينيها نحو يديها ثم أضافت بصوت أكثر رقة:-
_ وأنا تعبت يا جارحي
رفع رأسه إليها فورًا فوجدها تبتسم ابتسامة صغيرة متعبة وقالت:-
_ تعبت من الخناقات ومن الزعل ومن كل يوم حد بيعيط وحد بيموت وحد بيخاصم حد وحد بيكره حد.
وضعت يدها فوق بطنها بحركة تلقائية ثم رفعت عينيها إليه وكان فيهما رجاء حقيقى مُتابعة الحديث:-
_ أنا مش عايزة ابننا ييجى على الدنيا دى وأول ما يفتح عينه يلاقى العيلة كلها متفرقة، مش عايزاه يكبر وسط الكره
أحس "الجارحي" بشىء ينقبض داخل صدره بينما تابعت:-
_ لو صفصف سامحتها و بابا سامحها و عمي فؤاد سامحها، ممكن أنت كمان ولا هيبقي لأ؟
سكتت لحظة ثم قالت بهدوء:-
_ وزع التركة وأكيد صفصف مش هتنزل تشتغل ولا عمتى هدير هترجع من انجلترا تشوف البيع فى الوكالة وأبوك عمي فؤاد مالهوش فى الشغلانة أصلا يعنى كله تحت إدارتك فى الأخير هيتبقي مين نصيب ديحة وعمتى آسيا وأبويا، بس هنحل مش هنعقد ولو كل دا مش عاجبك خد جزء اللى يعجبك واديهم الباقي محدش هيقولك حاجة، لكن لم الناس تانى رجعهم لبعض عشان خاطرى وعشان خاطر اللى جاى.
وضعت كفه فوق بطنها الصغيرة فشعر بحرارتها وشعر معها بشىء آخر، حياة وطفل وأسرة صغيرة تكبر ومستقبل، أشياء أكبر من المال وأكبر من الغضب وأكبر من الورث نفسه فظل صامتًا لثوانٍ طويلة ينظر إلى يدها فوق بطنها وإلى عينيها الممتلئتين بالأمل بينما كانت كلماتها تضرب كل الجدران التى بناها حول غضبه.
لأول مرة منذ أيام لم يفكر فى المال ولا فى الخيانة ولا فى "مديحة"؛ بل فكر فقط فى طفل صغير لم يولد بعد وقد يكون فعلًا يستحق أن يأتى إلى الدنيا وسط عائلة لا وسط حرب.
