رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل الواحد والثلاثون 31 بقلم ناهد خالد


 رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل الواحد والثلاثون 

"الحب ليس قرار يمكننا اتخاذه, ولا فعل نقرره وقتما نشاء, الحب كالمرض, يأتي قسرًا, وأمامه لديك خيارين لا ثالث لهما, إما الاستسلام إما المقاومة لآخر نفس, وحين يرتبط الأمر بكرامتك وصحتك النفسية كإنسان, فالمقاتلة خير اختيار لكَ, احيانًا أن تقحم نفسك وسط جيش بسيفك العقيم خيرًا لك من أن تقف تنتظر هجومهم عليكَ, النهاية ربما تكون واحدة.. لكن الانتظار دومًا مميت, الدنيا لا تنفك عن وضعنا بين خيارين يتشحان بالسواد, وعليك أن تختار الأقل دكانة من بينهما بالنسبة لك, فالأمر هنا نسبي بحت, فمن الحمق أن تلقي بنفسك من طائرة رغم رعبك من الارتفاعات حتى وإن كنت تحمل مظلة, فهل ستحمي المظلة قلبك من الصرع! هل ستنظم انفاسك المختنقة؟ احيانًا شعورك السيء تكن انتَ السبب الأول له" 

 في مقهى قريب من منزل العروس أُقيم حفل الخطوبة.. 
كان يقف مع أصدقائه بعيدًا بينما عيناها تراقبه في الخفاء, تجلس بفستانها البسيط ذو اللون الوردي المزين بطبقات بسيطة من التُل, بأكمام شفافة تنسدل عليهِ خصلاتها البنية في نعومة, بينما ارتدى هو بدلة رمادية اللون مخالفة تمامًا لتلك التي اختارتها له صباح اليوم واخبرته بارتدائها, لكنها لم تتحدث في الأمر ومررته كالكثير... 
كانت تتصنع الابتسام لكل من حولها, بينما قلبها يأن بداخلها, لم يعقب على مظهرها ولو بحرف, حين وصل لمنزلها وترجلت له كل ما فعله انه توجه لفتح باب السيارة لها, والصمت كان حليفهما في الطريق, وكأنه ذاهب معها لمحكمة الأسرة وليس لخطبتهما! 

اقتربت منها شقيقتها "ريهام" وهي تسألها:
-مالك يا رانيا قاعدة متخشبه كده ليه؟ 

ردت "رانيا" بفتور:
-هعمل إيه يعني! 

عقبت الأخيرة باستغراب:
-يعني إيه تعملي إيه دي خطوبتك يا بنتي! وبعدين صحباتك بدأوا ياخدوا بالهم شكلك مش طبيعي وكأنك مغصوبة على الجواز, مش ده معاذ اللي فلقتي دماغي بيه, وكنتِ بتزني عليا انزل إجازة مخصوص عشان تعرفي تشوفيه, مش معقول يكون ده شكلك وانتَ بتحققي حلم عمرك!  

ابتسمت ابتسامة واسعة سِمجة وقالت:
-اهو.. كده كويس, متقلقيش مش هخلي حد يفكر إني مغصوبة, وإن كان على الأحلام فساعات بتبقى افضل لو فضلت أحلام يا ريهام.

طالعتها "ريهام" بدهشة:
-لا بجد مش طبيعية! في إيه؟ 

تأففت باختناق وهي تحاول التحكم في دموعها التي تخنق عينيها:
-ريهام لو سمحتِ سبيني في حالي, وحاولي تخلصي الخطوبة دي بدري. 

كادت "ريهام" بالتحدث لولا اقتراب أحد الأقارب منها فانشغلت معه كي لا تلفت الأنظار أكثر. 

وبعيدًا.. 
قال "شاهين" بضيق وهو يلاحظ الوضع من حوله:
-معاذ روح اقعد جنب خطيبتك كفاية قلة ذوق. 

أردف "معاذ" بنبرة باردة:
-قلة ذوق إيه! واقف مع صحابي عادي يعني!

-لا مش عادي, انتَ من اول ما دخلت الكافية وانتَ مقعدتش جنبها دقيقة, وواقف معانا ليه ماحنا في وش بعض كل يوم.. انا عن نفسي هروح اقعد جنب مراتي. 

انهى "شاهين" حديثه وهو يتجه للطاولة التي تجلس عليها "فيروز" و "ليلى" وطفلها, بينما تابع "مازن" مؤكدًا حديث أخيه:
-شاهين معاه حق, الموضوع شكله بايخ اوي, والعروسة باين عليها الزعل, عدي الليلة وراعي موقفها. 

وانسحب هو الآخر من بينهما, نظر "معاذ" ل "غسان" الذي هلل بابتسامة وهو يشير لمدخل المكان:
-وانا مراتي وصلت.. عن اذنك يا عريس يا عديم الدم. 

ورحل من أمامه, ليضغط "معاذ" على اسنانه بغضب منهم, ولكن لم يجد مفر من العودة لها, فعاد يجلس جوارها ليسمعها تقول بينما تسلط بصرها أمامها بنبرة حادة كنصل السكين:
-أيًا كان شعورك ناحيتي, مش من الذوق ولا من احترام الست اللي معاك انك تتهرب منها بالطريقة السخيفة دي, لو عاوز تقوم تسيب الخطوبة وتمشي, قوم.. انا مش ماسكة فيك. 

وقبل أن يتحدث نظرت له لتخرسه نظرة عيناها الذي شعر ولأول مرة بمدى حقارته بأفعاله معها, كانت نظرة متألمة, معاتبة, وبها حسرة لا تُوصف بينما تقول بصوت مختنق:
-ولو على شكلك قدام الناس.. اضغط على نفسك نخلص الخطوبة وبعدها انا بنفسي هحلك من الليلة دي, انا ميشرفنيش اكمل مع واحد زيك. 

وجملتها الأخيرة كانت ضاربة له في مقتل.. ولكنه لم يستطع الرد, وقد أدرك مدى خطئه ومدى أحقيتها في فعل ما تريد.. 
----------------
وعلى بُعد منهم على طاولة "شاهين" اقترب "مازن" يهمس له:
-شاهين ابويا مكلمكش؟ 

تصلب جسد "شاهين" لثواني أثر سؤاله حتى استعاد نفسه وأجاب:
-ليه؟ 

زفر أنفاسه يجيب:
-مش طبيعي اختفائه ده, اكيد في حاجة حصلت, بحاول اوصله من وقت ما اختفى مبيردش, وكلمت شركته بره قالولي انه مرجعش والشغل كله واقف, وخليت واحد صاحبي يبحث عن اسمه في كشف المسافرين, قالي انه مخرجش من البلد, واخر تسجيل باسمه هو يوم نزوله قبل فرحك.. 

نظر له "شاهين" وهو يبتلع ريقه بتوتر, فلم يتخيل أن يبحث "مازن" حول الأمر لهذه الدرجة... 
-سبلي الموضوع ده انا هدور وراه, بس يعني اكيد كويس هيكون حصل إيه! بس انتَ عارفه ساعات بيختفي من غير مقدمات. 

رد بقلق:
-مش عارف والله يا شاهين, بس حاسس الموضوع المرادي مش مطمن, بس عمومًا حاول انتَ كده توصل لحاجه وبلغني. 

ابتسم له ابتسامة صغيرة وهو يردف:
-اكيد.. 

اقترب "غسان" ومعه فتاة يروه لأول مرة بينما يعرفهم بها:
-دي فريال مراتي العسولة.. 

لكزته "فريال" بحرج, ليبتسم "مازن" بينما يقول:
-لا عادي يا مدام احنا متعودين عليه كده, نورتي المكان. 

وصافحت الفتيات حتى جلست تجاورهم على الطاولة, بينما تهمس لزوجها بعتاب:
-بطل تكسفني قدام الناس, وإلا هحلف ماجي معاك مكان تاني. 

وكان رده انه رفع كفها لفمه يقبله بخفة جعلت اعينها تتسع بصدمة وعقلها يردد "لا فائدة" ... 

خرجت ليلى عن صمتها وهي تهمس لمازن:
- هروح الحمام. 
 لتنهض بعدها حامله طفلها ومتجهه لحيث اخبرته بينما مالت "فيروز" على "شاهين" تسأله:
- هو احنا لسه قدامنا بدري؟ 

 نظر لها مستغربًا:
- في حاجه ولا ايه زهقتِ؟ 
 
تنحنحت بحرج وهي تبعد نظرها عنه وهمست:
- لا مش زهقت ولا حاجه,  بس يعني بقالنا كتير هنا..

 رفع حاجبه بتعجب:
- كتير! ده احنا مكملناش ساعتين! في إيه يا فيروز؟ 

 نظرت له بنظرات بريئة تشبه نظرات الطفلة التي توجد بداخل كل انثى فينا, ولا تظهر الا في مواقف قليله:
- بصراحه اصل انا جعانه اوي,  يعني احنا صحينا من النوم ولبسنا وجينا وما كانش في وقت اكل حاجه يعني قبل ما اطلع, على فكره انا ما كنتش كده انا الاول كنت اليوم كله باكل مرة واحدة, بس مش عارفه اول مره احس اني مش متحمله الجوع. 

 نظر لها بنظرات ساخطه وهو يعقب:
- هو إيه يا حبيبتي كل ده؟ انتِ ليه بتتكلمي كأنك عامله جريمة,  فيها إيه لما تبقي جعانه فيها إيه لما تاكلي 10 مرات مش مرة واحدة حد قالك اني بخيل, بعدين طبيعي تجوعي انتِ حامل يعني, قومي معايا طيب. 

 نهض وجذب كفها لتقف معه بينما يقول لمازن الذي نظر لهما باستغراب وتساؤل:
- نص ساعه وراجعين مش هنتأخر. 

  ومن ثم خرج بها من المقهى قاصدًا المطعم المجاور بينما يقول وهو يحاوطها بذراعه:
- هو عمومًا الخطوبة فيها بوفيه محترم بس طبعًا انا مش هسيبك جعانه لحد ما ييجي ميعاد البوفيه. 
 
ابتسمت في صمت وهي تسير معه حيث يتجه. 

—-------------- 
مرت نصف ساعه حتى انتهت من الطعام لترجع بظهرها للوراء وهي تقول:
- الحمد لله شبعت. 
 نظر للطعام امامها وعاد ينظر لها مرددًا باستنكار:
- شبعتِ إيه هو انتِ لحقتي تاكلي حاجه؟ ده اللي جعانه جعانه وفي الاخر اكلتِ نص ساندوتش! 

 طالعته بحرج وهي تجيبه بحيره:
- مش عارفه والله انا كنت جعانه جدًا وحاسه اني ممكن اكل مطبخ كامل, بس لحد كده ومش قادره اكمل حاسه ان بطني اتملت. 

 تنهد بصبر وهو يقول:
- تمام تحبي نرجع الخطوبة ولا تستني هنا شويه؟ 

- لا خلينا نرجع احسن. 

—--------
 كانت قد خرجت من الحمام للتو بعدما قضت بهِ وقتًا طويلًا بعد اكتشافها لحاجة ابنها لتغيير حفاضته, اخذت تحدثه بعتاب مرح:
- ينفع كده يا استاذ اياد, بقى ده موقف تحطني فيه,  بس الغلط مش عليك فعلًا انا اللي غلطانه اني ما عملتش حسابي في بامبرز ليك,  الحمد لله اننا لاقينا حد ينقذنا في الحمام. 

توقفت فجأة حين شعرت بأحد يسد طريقها, في بادئ الامر ظنت انه شخص واقف في مكان مرورها,  ولكن ما ان رفعت عينيها حتى ادركت ان وقفته مقصودة ويقصدها هي بالتحديد, تلون وجهها بضيق بالغ وهي تقول بحده:
- خير؟ مش معقول هتكون جاي ورايا هنا كمان, مش كفايه اللي عملته اخر مره في بيتي!؟ 

 ابتسامه بارده اهداها اياها وهو يجيب بهدوء تام:
- انا مش ماشي وراكي واعتقد دي اخر حاجه ممكن افكر اعملها,  لان ببساطه مش محتاج امشي وراكي فاستغل انك لوحدك عشان اتكلم معاكي, انا ممكن اعمل ده في اي مكان وقدام اي حد, انا هنا عشان معزوم على الخطوبة وشفتك من شويه, وبعدين بخصوص اللي عملته في بيتك.. 

 قال كلمته الاخيرة وهو يضغط على حروفها بطريقه تعبر عن سخطه واكمل:
- يا ترى شفتي اني بس اللي غلطان والبيه جوزك اللي كان هيتهجم عليا ويضربني مش غلطان؟ على فكره انا يومها حكمت عقلي عشان ما عملش مشكله وانتِ عارفه اني بموت في المشاكل, واوعي تفكري ان شغلته ممكن تهددني او تخليني اخد ساتر منه, انا لو عاوز اجيبه الارض هعمل كده. 

هتفت بانهيار وهي تخشى ظهوره المتكرر في حياتها من جديد, وتعلم يقينًا ان معتز شخص في كثير من الاحيان يكن سيء, وأنه بالفعل يمكنه أن يدمر حياتها التي بالكاد بدأت تبنيها:
- انتَ عاوز مني إيه؟ وما تقولش ان الموضوع يخص إياد,  لأني عمري ما منعتك عنه ولا رفضت انك تشوفه,  انتَ قاصدني انا,  ليه؟  مستكتر عليا اعيش مرتاحة مع الشخص اللي انا اخترته؟ هتستفيد إيه من كل اللي انتَ بتعمله,  حتى لو ما بقتش مع حد انا عمري ما هكون في حياتك من تاني,  يبقى ليه كل ده؟  ليه منكونش على علاقة طيبة عشان خاطر ابننا,  ليه مصمم توصلنا لحيطه سد؟ 

 وصدمها برده البارد حين قال:
- عشان الست اللي ادخل حياتها ما ينفعش حد تاني يدخلها من بعدي,  بعدين انا ما كنتش موافق على انفصالنا,  بس مع الحاحك قلت انفذلك اللي انتِ عاوزاه يمكن في البُعد تهدي وتفكري كويس وتعرفي قيمتي, لكن حضرتك صدمتيني انك مجهزه البديل اسرع مما توقعت. 

-انتَ مش طبيعي! 

جمله قالتها وهي تنظر له غير مستوعبه ما يقوله واكملت:
- فرصة إيه اللي انتَ كنت بتديهالي بعيد عنك! انتَ طلقتني! وعدتي خلصت هو انتَ دماغك طبيعيه!؟ 

ومع رجوع "شاهين" و"فيروز" لساحة الحفل كان "مازن" قد رأى ما يحدث من بعيد فنهض بشكل يوحي بأنه على استعداد تام لشجار لن ينتهي على خير, فأثار مظهره قلق "غسان" الذي نهض على الفور يتبعه وارتياب "شاهين" الذي اشار لفيروز بالعوده للطاولة وتحرك خلفه. 

- انا ما شفتش بجاحه كده, انتَ ليك عين تورينا وشك تاني لا وواقف معاها عيني عينك, هو انتَ فاكر اني مش هقدر اكسر رقبتك واجيب مناخيرك الارض! 

 قالها "مازن" باندفاع وهو يقطع حديثهما, بينما غزا الخوف ملامح "ليلى" فلم تكن تحبذ ابدًا ان يتواجهان مرة ثانية,  بينما التفت "معتز" ببرود يطالع "مازن" وهو يقول:
- واقف مع ام ابني محدش له عندي حاجه. 

و بشكل عام استطاع "غسان وشاهين" ان يفهما الحديث الدائر, بينما صاح "مازن" بغضب:
- اللي انتَ واقف معاها دي مراتي وما ينفعش اصلًا تقربلها من غير اذني, وان كان على أي حاجة متعلقة بابنك كلامك معايا, ولا انتَ ما اتعودتش تتكلم مع رجاله؟

 وبتبجح زائد كان معتز يواجهه:
- على فكره انتَ باين عليك ما تعرفنيش, بس الوقت اللي انا هعرفك بيا فيه هزعلك اوي, اوعى تفكر ان شغلتك هتحميك مني, انا ليا معارف يقدروا يجيبوك انتَ وشغلك الأرض, واقعدك زيك زيها في البيت.

 وقبل ان ينطق "مازن" الذي نفرت عروقه من الغضب كان "شاهين" يمسك ذراعه يوقفه بينما يقول بهدوء تام يماثل برود الواقف امامه:
- طب ما تورينا, دايمًا اللي بيقول ما بيعملش, وهيبقى شكلك وحش اوي لو ما عملتش,  بس قولي نفوذك دي واصله لحد فين؟ لواء, عقيد, مساعده وزير الداخلية؟ وزير الداخلية نفسه؟ يعني نحب نعرف ايدك واصله لفين؟ 

 طالعه "معتز" باستنكار وهو يسأله:
- وانتَ مين انتَ كمان؟ إيه نونه هو مش عارف يدافع عن نفسه فجايبك تدافع عنه؟ 

 لم ينساق خلف الاستفزاز الذي يحاول جاهدًا سحبه إليهِ ورد بنفس الهدوء:
- انا اخوه,  شاهين المنشاوي صاحب شركه العقرب اللي اكيد سمعت عنها. 

- تشرفنا,  بس محصليش الرعب يعني لما عرفت بنفسك.

 نظر له باستغراب مصطنع وهو يشير لنفسه مرددًا:
-هو انا كده عرفتك بنفسي! لا انا لسه ما قولتش أي حاجه, بعدين انا ما بعرفش بنفسي بالكلام, واعتقد هعرفك بنفسي قريب اوي بالفعل. 

- اه انتوا واخدينها بالبلطجة يعني؟ 

تدخل غسان وهو يقول:
- لا لا لا, انتَ كده دخلت في تخصص تاني, تخصصي انا, شاهين كان لسه بيكلمك في سكة النفوذ وسلطة قدام سلطة والكلام ده,  لكن لو هتدخل في حواري بلطجه انا معاك جدًا ودي حتتي, اقدر ما ارجعكش بيتك النهارده اصلًا,  فتمام شوف انتَ جاي في إيه واحنا جايين معاك. 

علق "شاهين" بنصيحة زائفة:
- بس اعتقد انتَ محتاج تفكر كويس, وتسأل عننا تاني قبل ما تاخد أي خطوة غبية ترجع تندم عليها في وقت الندم هيبقى متأخر اوي, انا لو منك ويهمني فعلًا ابني وعاوز اشوفه والجو ده احاول اتفق مع الراجل ده بالأدب, وبالذوق والأصول…

 قالها وهو يربط بكفه على كتف "مازن" الذي هدأت انفعالاته قليلًا عقب رؤية ملامح معتز المتوتره من التشكيل العصابي الذي كونه غسان وشاهين بطريقة اثارت القلق في نفس الآخر:
- ومحاولش اجي في سكه اللبش, اما بقى لو انتَ ليك في السكة دي وهاويها فتمام زي ما تحب وانتَ برضو ضيف عندنا كده هنكرمك وكده هنكرمك.

شعر بأن الثقة التي يتحدثان بها خاصةً ذلك المدعو "شاهين" لن تأتي من فراغ بل هم على يقين بسلطتهم وسيطرتهم على الأمور, لذا اهداه تفكيره بأن الدخول في أي حرب مجهولة الأطراف لن تجني له سوى خساره فادحه, عليهِ أن يتحلى بالصبر ليدرس اعدائه جيدًا ويعلم ان كان من الممكن مواجهتهم ام أن الانسحاب خير قرار. 

 وهذا ما فعله الان تحديدًا بعدما رمقهم جميعًا بنظره دونية قصدها وتغاضوها هم عن قصد, وانسحب بخطوات سريعه خارجًا من المكان بأكمله. 

 بينما التفت لهم مازن بضجر:
- يعني كتر خيركم بس انتم ما اديتونيش فرصه أعلم عليه. 

 اجابه "غسان" بينما ينسحب متبعًا شاهين المنسحب في صمت:
- يا عم شايلينك للكبيرة هو احنا بنتسابق!

 التفت "مازن" ل"ليلى" التي شحب وجهها من الخوف ليتجه لها يحتضنها هي وطفلها باحتواء مرددًا:
- إيه الخوف ده كله؟ انتِ بجد خايفه من العبيط ده! ده فاتح صدره على الفاضي ولا ياخد في ايدينا غلوه! انتِ مش مقدره امكانيات جوزك ولا ايه؟ 

 اجابت وهي تلتقط انفاسها الذاهبة:
-  الحكاية مش كده, انا بس كنت خايفه تمسكوا في بعض زي ما كان هيحصل في البيت والموضوع يكبر قدام الناس, او تضربوا بعض وتتعور. 

 علق ساخرا:
- انا اللي اتعور! مش بقولك انتِ مش مقدره امكانياتي, انا بقول كفايه كده ويلا نروح. 

-يا ريت عشان بصراحه ما اعتقدش اني هقدر اكمل الخطوبة بعد اللي حصل. 

انسحب معها وهو يقول بضجر:
- بس ما تقوليش خطوبة, دي حفله نكد من أولها. 

—---------------- 
 انتهت ساعات الحفل القليلة, وعادت "رانيا" للمنزل ومعها "معاذ" بعد أن اصرت والدتها عليه بالصعود لتناول العشاء معهم وقد حاول الانسحاب بأكثر من شكل ولكنها احرجته وهي تلح عليهِ, وتخبره انها قد اعدته منذ الصباح خصيصا له. 

انفردت "رانيا" بنفسها في غرفتها لوقت ليس بقليل, بحجة انها تغير ثيابها وتزيل مستحضرات التجميل التي ارهقتها, ولكنها كانت تفعل شيئا اخر اضافي, الا وهو التفكير واتخاذ قرار فوري وعاجل لا يقبل المماطلة. 

- في إيه يا رانيا بقالك اكتر من ساعه جوه وفي الآخر قاعده على السرير ما بتعمليش حاجه! طب ما طلعتيش تقعدي مع خطيبك ليه؟ 

 قالتها "ريهام" التي دلفت للتو بعدما استغيبت شقيقتها, لتنظر لها "رانيا" بأعين دامعة اثارت القلق في نفس الأخرى, التي اسرعت إليها تهتف متسائله:
- في ايه يا بنتي قلقتيني؟ وبعدين انا مش فاهماكِ انتِ من ساعة ما الخطوبة بدأت مش مظبوطه, إيه اللي حصل لكل ده؟ 

 اجابت بنبرة ساخطه على نفسها اولًا:
- اللي حصل اني اكتشفت اني كنت غبيه, كنت هحارب في جبهه مش بتاعتي, كنت هعافر في طريق اخره حيطه سد, هقطع نفسي في المشي وفي الآخر مش هوصل لحاجه. 

 نظرت لها "ريهام" بعدم فهم وهي تسألها:
- انا مش فاهمه حاجه انتِ بتتكلمي عن إيه؟ 

- بتكلم عن معاذ يا ريهام, معاذ مش نصيبي ولا عمره كان نصيبي,  بس انا اللي كنت غبيه وبحاول اقاوح مع القدر, من الأول هو مكانش نصيبي من وقت ما اتجوزتي انتِ ومنتصر وانا حبيته واتعلقت بيه وبقيت بستنى كل فين وفين اجازه ليكوا عشان اقدر اشوفه, واسألك دايمًا عليه واعرف اخباره من بعيد وكل ما تقولي  انه لسه ما اتجوزش اطمن, واقول يبقى ليا نصيب معاه, بس كنت غبيه عمري ما فكرت ان يمكن يكون ما اتجوزش عشان في حد في حياته والظروف مش سامحه انهم يكونوا مع بعض, ما اعرفش ليه دايمًا كنت بربط ان عدم جوازه معناها ان مفيش حد في حياته,  مبيحبش حد,  وقلبه خالي, بس يمكن عشان كنتِ دايمًا بتقولي ان منتصر لما بيفتح معاه الموضوع بيقوله انه مش بيفكر فيه دلوقتي وسايبه ييجي زي ما ييجي وقت ما ربنا يريد, يمكن كنت بقول انه لو فعلًا في حد في حياته اكيد هيعرف اخوه, بنيت كل حاجه على أوهام,  طب افترضي معايا انه فعلًا مكانش حد في حياته, ليه كنت واثقه كده اني هبقى الحد ده؟ انه في وقت من الأوقات هيشوفني ويفكر اني اكون زوجة له؟ رغم ان انتِ و منتصر متجوزين بقالكم اكتر من تسع سنين وعمره ما حتى جاب سيرتي معاكي من بعيد, كان غباء مني مش كده؟ 

 أدركت "ريهام" مدى جدية الموقف, فسألتها بقلق:
- هو انتِ ليه بتقولي كل ده دلوقتي؟ إيه اللي حصل؟

 تحررت دموعها من عينيها وهي تجيب بصوت مختنق يشبه تمامًا اختناق قلبها في تلك اللحظة:
- عشان اكتشفت ان معتز مش من نصيبي, واني لو عافرت معاه هخسر كرامتي, هو مش مستعد يدخل حد حياته غير حبيبته على الأقل دلوقتي, مش مستعد يشوفني ولا يحس بيا ولا يعاملني معاملة عادية حتى زي أي اتنين مخطوبين, شوفتيه النهارده في الخطوبة؟ شوفتِ من ساعة ما وصلنا وهو بيحاول يشغل نفسه مع اصحابه عشان ميكونش قاعد جنبي, وكأنه خايف يقعد جنبي فحبيبته تيجي تقفشه معايا! حتى وقت تلبيس  الدبله كان سرحان ووشه مهموم كأنه مغصوب, قوليلي بقى هو انا المفروض اعمل في نفسي كده؟ طب انا المفروض افضل احارب مع شخص مش شايفني اصلًا!  طب انا كده مش بقل من كرامتي وبدوس عليها؟ 

تعاطفت معها "ريهام" وملئت الدموع عينيها وهي تشعر بمدى وجع شقيقتها فقالت بينما تربط على ظهرها بكفها:
- مش مهم انا شايفه إيه, المهم انتِ ناويه على إيه؟ واللي ناويه عليه ده هتقدري عليه ولا هيوجعك اكتر؟ 

 يبدو ان "ريهام" قد فهمتها وعلمت انها اتخذت قرار بالانفصال, فمسحت دموعها وهي تقول بقوه ظاهريه:
- هقدر عليه وهيوجعني اكتر, بس مش مهم,  في حاجات يا ريهام بنختار فيها اللي يناسبنا اكتر حتى لو هيوجعنا وحتى لو هيكون صعب, انا لو قررت اكمل هبقى بحكم على نفسي بموت كرامتي وقلبي مع الوقت, تضمنيلي ان لما نتجوز هينسى حبيبته دي خالص وابقى انا اهم واحده في حياته واقدر ادخل قلبه؟ تضمنيلي ان وقتها ما حسش بنفور من ناحيته ليا او احس طول الوقت انها واقفه ما بيني وما بينه؟ اكيد لأ متقدريش تضمني أي حاجه من دي ولا حتى انا, فالأحسن ليا اني ابعد دلوقتي حتى لو هتوجع اكتر حتى لو هكسر فرحتي بايدي, فرحتي اللي مكنتش متخيله انها في يوم تتحق, بس مش مشكله المهم اني اختار المناسب ليا, هتوجع سنه او اتنين, احسن ما اتوجع العمر كله… 

 ثم نظرت لشقيقتها وهي تخبرها:
- انا هنهي الموضوع,  بس مش عاوزه أي حد حتى لو كان منتصر يعرف اني بحبه, انا هنهي الموضوع على اني مش مرتاحه وحاسه ان هو كمان مش مرتاح ومش اكتر من كده.

 عجزت "ريهام" عن الرد فقط نظرت لشقيقتها بأسف وحزن واضحين وهي تدرك جيدًا الوجع الذي يصرخ بداخلها الآن وهي تحاول تجاهله مؤقتًا.

 لن تنكر انها تمنت أن يسير الأمر على ما يرام, وتصبح شقيقتها زوجة لمعاذ, لأكثر من سبب:
 اولًا لمعرفتها بحب رانيا له,
 ثانيًا انه للحق رجل جيد,
 ثالثًا انها ستكون مطمئنه على شقيقتها معه,
 ورابعًا انه شقيق زوجها فلن تكن هناك مسافات بينها وبين شقيقتها بعد زواجها, ولكن ابدًا ليس كل ما نتمناه يصير.

—------------------- 
لقد وضع نفسه في موقف سيء بالمرة, منذُ حديثهما في حفل الخطبة وهو يتمنى أن يهرب من هذه المواجهة بأي شكل كان, حقيقةً هو يدرك جيدًا عظم ذنبه وانه مخطئ بحقها, فلن يجد مبررات يدافع بها عن نفسه امامها, لكنه لم يستطع الفرار, ها هو الآن يجلس أمامها كالفأر المبلول, وهذا على الأحرى أصدق تشبيه يصف حالته, ظن انه سيسمع منها الكثير من التوبيخات او الكلمات التي تلقي عليه كل اللوم فيها, سيسمع كل شيء يحرجه أكثر ويثبت عليه خطأه, لكنه فوجئ تمامًا كتلك المرة حين تقدم لها, ولم تفعل أيًا مما توقعه, بل باشرت على الفور وهي تنظر بعيدًا:
- مفيش داعي نتكلم في أي حاجه لأن انتَ عارف انا هقول إيه وانا عارفه ردك هيكون إيه, احنا حاولنا بقالنا شهرين دلوقتي نعرف بعض بس للأسف فشلنا اننا نوصل لنقطة تلاقي, انا مش بلومك ولا هعاتبك على أي حاجة او أي تصرف صدر منك, وبحلك من أي ارتباط بيا, أي حد من العيلة هيسأل هنقول اننا معرفناش نتفق مع بعض, وبناء عليه مش هينفع اني دلوقتي اسلمك دهبك وننهي الموضوع,  فهتقعد تتعشى زي ما ماما قالت ونقضي الليله عادي وعلى آخر الاسبوع انا هقولهم اني مش مرتاحه وحاسه اننا مش شبه بعض وكل حاجه هتنتهي. 

 لم يجد بدًا من التبرير حتى وان كان ضعيف الحجة, لكن لن يجعل صورته امامها بكل هذا السوء, ولن يكن الطرف المستمع دون أي محاولة لتخفيف وطأة الأمر:
- انا عارف اني غلطان,  واني عملت معاكي مواقف اكيد زعلتك,  بس انا عاوز افهمك حاجة واحدة, انا عمري ما قصدت بأي موقف عملته اني ازهقك مني أو احسسك اننا مش هينفع نكمل,  أي موقف صدر مني كان بيبقى رد فعل تلقائي انا مش قاصده,  يمكن غلطي الأكبر اني اخدت خطوة زي دي في وقت انا مش جاهز فيه,  وللأسف يعني انتٍ شلتي معايا ضريبة غلطي ده,  بس حقيقي يا رانيا لو كنا اتقابلنا في ظروف تانيه غير دي كنت هبقى محظوظ جدًا إنك تبقي شريكة حياتي, بس مش هقدر اظلمك معايا واقولك اديني فرصة تانية او نحاول تاني مع بعض, لأني زي ما قلتلك للأسف مش حاسس اني جاهز من جوايا اني اخد أي تجربه تخص الموضوع ده دلوقتي, فانا اسف, مكنتش اتمنى ابدًا ان الموضوع ينتهي بالشكل ده, واتمنى اني مكونش اذيتك بأي شكل من الأشكال او اكون نقطة سودا في حياتك.

رفعت رأسها شامخة كما يجب أن تكون الأنثى دومًا وهي تجيب بابتسامة اتقنت رسمها:
- انتَ عمرك ما هتكون نقطة سودا في حياتي, كانت تجربة وكان وارد تفشل او تنجح, محدش فينا وجع التاني أو جه عليه, وطبعًا علاقات العيلة هتفضل زي ما هي والموضوع ده مش هيأثر بأي شكل من الأشكال, بلاش تحسس نفسك بالذنب انتَ من أول مرة قلتلي على اللي جواك وانا اللي قررت اخوض التجربة, فالنتيجة مش بس عليك انتَ, كنت هتكون مذنب لو ضحكت عليا من الأول ومقولتليش الحقيقة, لكن انتَ قلتلي وانا اخترت بكامل رغبتي, ومش ندمانه على فكرة لأن التجربة دايمًا بتعلمنا, والحمد لله اننا لسه في البداية ومحصلش أي حاجة تخلينا نوجع بعض, بس لو هقولك نصيحة في نهاية العلاقة دي, ما تحاولش تاخد أي تجربة تانية إلا لما تكون متأكد من جواك إنك قادر تعمل ده, متسمعش لأ ضغط لحد عليك وسيبها تيجي زي ما تيجي, وقت ما ربنا هيبعت النصيب هتلاقي نفسك قابله وقلبك مفتوح له, احسن ما تفضل تدخل في تجارب وتخرج منها خسران ومخسر اللي معاك.

 نظر لها بتردد حتى حسم أمره وهو يقول:
- مش عارف ينفع اطلب منك طلب زي ده ولا لأ, بس لو ماعندكيش مانع ينفع نكون اصدقاء؟ انا محتاج جدًا شخصية زيك في حياتي. 

ابتسمت بهدوء وهي تجيب:
- احنا قرايب, اخوك يبقى جوز اختي, يمكن انتَ محتاج شخصية زيي في حياتك كصديق بس انا مش محتاجه, ومش معترفة إن في حاجه اسمها صداقة بين راجل وست, فاعذرني مش هقدر اوافق على طلبك ده. 

 وبداخله في حقيقة الأمر هو في اشد الندم على خسارة شخصية كهذه, ولكن منذُ متى والقلب حكمه بيدنا؟ حتى هو مغلوب على أمره أمام رغبة قلبه.  

—---------

في فيلا شاهين… 
اغلق شاشة الكمبيوتر المحمول بعدما أنهي عمل سريع عليهِ, ووضعه محله ينظر حوله باستغراب, أين ذهبت؟ منذُ عادوا إلى الفيلا وقام بتغيير ثيابه لم يراها ولم يسمع لها صوتًا حوله, بحث في ارجاء الجناح ليقف اخيرًا أمام باب غرفة الملابس المغلق فرفع صوته يناديها:
- فيروز انتِ جوه؟

 اتاه الرد من خلف الباب المغلق:
- ثواني وخارجه. 

 عاد لمحله مرة أخرى يجلس باسترخاء على الأريكة الواسعة, وعقله مشغول بكيفية اخبارها بحتمية سفرها لوقت غير معلوم؟ وكيفية تحمله لبعدها  لفترة ستكون شاقة عليهِ.

 انشغل بأفكاره حتى سمع صوتًا يسمعه للمرة الأولى غريبًا على اذنيهِ, ولم يكن سوى صوت خلخال!  فرفع رأسه وملامحه تعج بالاستغراب, تحول لدهشه حين وقع بصره عليها, لقد فعلت ما لم تفعله في أول ايام زواجهما! ترتدي ثياب خاصه بالرقص ولكنها على أي حال محتشمة إلى حد كبير تشبه العباءة, لكنها مخصصة للرقص.. وتزينها بخلخال يحيط كاحلها. 
كانت قد تركت شعرها حرًا ثائرًا حولها كحالتها تمامًا في تلك اللحظة, واتجهت له بخطوات متأنية بينما تبتسم ابتسامة ساحرة ومغرية تقول:
-وعدتك بليلة مميزة, بس هتشاركني فيها عشان جرأتي لحد كده ووقفت. 

نظر لها مرددًا بعبث:
-اشاركك فيها ازاي؟ هرقص مكانك؟ بعدين إيه جاب موضوع الرقص ده في بالك؟ 

أجابت بملامح خجِلة:
 -مانا لما بحثت على النت وكده عرفت يعني أن الرقص من ضمن الحاجات المميزة اللي ممكن اعملهالك. 

سألها بمكر وهو ينهض ليقابلها:
-وإيه باقي الحاجات المميزة؟ قوليلي كله وانا اختار. 

تلاعبت هي الأخرى بحديثها:
-عشا رومانسي مثلاً مع فستان حلو وجو شموع.. بس قولت اننا اتعشينا بره, وحلينا في الخطوبة, فباظت. 

أحاط خصرها رافعًا حاجبه بمكر:
-وإيه تاني؟

ضربته بقبضتها وقد انصهر وجهها خجلاً:
-وبس… الباقي حاجات قليلة الأدب موت مستحيل اعملها, هترضى بالرقص وتكون قنوع ولا الغي الفقرة! 

-لا وعلى إيه, اي حاجه منك عسل.. يا عسل انتَ. 

ابعدته عنها بالكاد وهي تحاول التقاط انفاسها بينما تقول بارتباك جلي أثر هجومه المفاجئ عليها:
-انتَ كده هتوترني وانا اصلاً متوترة لوحدي, يلا انا هروح اشغل الأغنية. 

وتحركت لهاتفها تعبث بهِ لثواني حتى انطلق صوت الأغنية يصدح في الاجواء, بينما يقول "شاهين" بنفي قاطع:
-مليش انا في جو المشاركة دي, انتِ اجتهدي وانا هشجع باحترام. 

فركت كفيها بتوتر كبير وخجل وهي تهمس له:
-معلش حرك نفسك معايا بس, الموضوع جديد عليا. 

ابتسم يسألها راحمًا خجلها:
-انتِ بتعرفي ترقصي اصلاً؟ 

أجابت بخجل:
-ايوه.. بس عمري ما رقصت قدام امي حتى, دايمًا كنت ببقى لوحدي يعني. 

رفع منكبيهِ جاهلاً:
-مش عارف المفروض اشارك ازاي, بس ابدأي وسبيها للظروف. 

ضحكت على جملته وحيرته الظاهرين, وقررت أن تتعامل وكأنه غير موجود بالبداية حتى تعتاد, مستمعة لكلمات الأغنية التي اندفعت مع أول تمايل لها:  

الجو هادي خالص، والدنيا هس، هس
 وأنا وإنت يا حبيبي، يا حبيبي ونجوم الليل وبس
 الجو هادي خالص، والدنيا هس، هس
 وأنا وإنت يا حبيبي، يا حبيبي ونجوم الليل وبس
 
 لا في عزول ما بينا ولا خلق يغيروا منا
 والكل ناموا نينا وفضلت أنا وإنت بس
 لا في عزول ما بينا ولا خلق يغيروا منا
 والكل ناموا نينا وفضلت أنا وإنت بس
 
 الجو هادي خالص، والدنيا هس، هس
 وأنا وإنت يا حبيبي، ونجوم الليل وبس
 وأنا وإنت يا حبيبي، ونجوم الليل وبس
 
 الليل فارض سكونه، والجو بونو، بونو وآخر سلطنة
 وأنا وإنت في اللذاذة، من الليل أخذين إجازة حلوين إنت وأنا
 مادام مفيش مضايقة، تبقى الغزالة رايقة
 مادام مفيش مضايقة، تبقى الغزالة رايقة
 تبقى الغزالة رايقة وأنا وإنت لوحدنا، أنا وإنت لوحدنا
 
 الجو هادي خالص، والدنيا هس، هس
 وأنا وإنت يا حبيبي، ونجوم الليل وبس
 أنا وإنت يا حبيبي، ونجوم الليل وبس
 
 أنا دايما في احتياجك، وكل اللي في مزاجك يا سيدي أنا هعمله
 مادام قلبك في إيدي، أنا طول عمرك يا سيدي وطريقنا أكمله
 إديني حب أكثر، أديك الشوق يا سكر
 إديني حب أكثر، أديك الشوق يا سكر
 أديك الشوق يا سكر وأنا وإنت لوحدنا، أنا وإنت لوحدنا
 
 الجو هادي خالص، والدنيا هس، هس
 وأنا وإنت يا حبيبي، ونجوم الليل وبس
 أنا وإنت يا حبيبي، ونجوم الليل وبس

انتهت تلتقط انفاسها, لترى نظراته المنبهرة لها بينما يتحرك تجاهها مرددًا بإعجاب حقيقي:
-هي سامية جمال تبقى خالتك؟ 

ارتفعت ضحكاتها وهي تجيبه:
-ده انا كده برقص بحذر عشان الحمل. 

جحظت عينيه في صدمة وكأنه قد ادرك الأمر للتو:
-نهارك اسود, انا نسيت انك حامل, انتِ ازاي ترقصي اصلاً و… 

قاطعته ضاحكة بعدم تصديق:
-نسيت! عمومًا اطمن, انا الحمل مستقر الحمد لله, والدكتوره مطمناني زي مانتَ سمعت آخر مرة, وبعدين حركاتي كلها كانت بطيئة, المهم الفقرة عجبتك.

رد بإحباط:
-عجبتني, بس جت على الفاضي, بما اني افتكرت الحمل فافتكرت تحذيرات الدكتورة. 

اقتربت تسند رأسها على صدره فأحاطها بذراعيهِ على الفور بينما تردد بهمس خجول:
-انا بتواصل مع الدكتوره على الواتس, وسألتها يعني.. 

ثم أكملت حديثها موضحه ما اخبرتها بهِ الطبيبة, ووجهها يشتعل خجلاً, بينما ابتسم هو يقول بعبث:
-مش تقولي من الأول يا بنتي!... 

—----------------- 
 الوقت يمر.. 
والأيام تتابع.. 
والظروف تتغير... 
والأحباب تتفارق..
والأمور تزداد تعقيدًا...
وما مرَّ ليس بقليل.. فقد مرَّ خمسة أشهر كاملين..
مائة وخمسين يوم... وما حدث بهم من تغيرات كان كثير... 

تعليقات