رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل الثاني والثلاثون 32 بقلم ناهد خالد


 رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل الثاني والثلاثون 

"الأيام تمر والحرب مستمرة ولم تعلن نتيجتها بعد, الجميع مترقب, والأطراف مترصدة, والمؤسف أن يحملون نفس الدماء, ونفس لقب العائلة! وكل منهم يسعى لتحطيم الآخر وإعلان الفوز على رفاته" 

خمسة أشهر مضت… 
وكل شيء تغير, وأولهم الحال بين شاهين وفيروز, لن تنسى تلك الليلة التي صرح لها فيها عن رغبته في سفرها, لن تنسى بكائها بين أحضانه رافضة ممتنعة, ولولا أنه أخبرها نصًا بأن هذا لصالح طفلهما أولاً لِمَ رضخت..

"فيروز, عشان خاطري بلاش تصعبيها عليا اكتر, ده اللي فيه صالح ليكِ متوجعيش قلبي" 

فردت عليهِ من بين شهقاتها الصادقة:
"مش هقدر, انتَ سامع نفسك! انتَ عاوزني اسافر لفترة انتَ حتى مش عارفها, عاوزني ابعد عشان الحرب اللي جاية واسيبك تواجهها لوحدك! اسيبك وسط النار واهرب! انجي بنفسي على حسابك!" 

حينها حاول تهدئتها مرددًا:

"هو مش هيفكر يأذيني, هو عاوز يأذي اللي يوجعني عشان يعيشني احساسه, عشان كده اول حد هيفكر يأذيه انتِ" 

"ولو ملاقنيش ومعرفش يوصلي هيأذيك انتَ في الآخر" 

حاول طمئنتها مجيبًا:
"مش هسبله الفرصة دي كلها, انا بس محتاج عقلي يكون مركز معاه, ومش هيكون مركز إلا لو مطمن عليكِ" 

أصرت على رفضها مرددة:
"لأ, متحاولش تقنعني عشان مش هقتنع, مش هسيبك يا شاهين حتى لو فيها موتي" 

مازالت تتذكر شعورها بعناقه القوي في تلك اللحظة, وهمسه لها:
"بعيد الشر عنك, بس لو مش عشانك احمي ابننا, مصيرك مرتبط بيه دلوقتي" 

ولولا هذا ما رضخت, ما بعدت, وما استسلمت للسفر.. 

نظرت من نافذة غرفتها بحزن خيم عليها في فترتها الأخيرة, خصوصًا مع اقتراب ولادتها, وخوفها من ألا يكون معها في يوم كهذا, ألا يكن اول من يستقبل ابنه, ويحمله, فلقد تأكدت من كونه صبي, ذكر جميل تطمح أن يحمل قوة والده وشموخه وكبريائه, وكذلك وسامته وملامحه المليحة, ويا حبذا لو حملَ طيبة قلبه وحبه لمن حوله, ولكن عليهِ ان يبتعد تمامًا عن غروره وغموضه وقسوته التي تزوره احيانًا.. 
صبي سيكون الأول بالتوثيق ل "شاهين المنشاوي" بعد أن أثبتت المحكمة عدم نسب " تيم"  لشاهين ونسبه بالتحاليل المسبقة ل "سيف" الراحل,  ولا داعي لذِكر كم أجج ذلك من سخط مختار على شاهين خصوصًا بعد أن تناولت وسائل الإعلام والصفحات الخبر والحديث فيما يتعلق بسمعة وشرف ابنته المتوفيه, وتعرضه للتحقيق فيما يخص صحة أبوته لسيف من عدمه, والحقيقة أن القضية ما زالت مستمرة ولم يتم الحكم النهائي فيها بعد, وهذا يعود بالفضل لفريق المحامين الذي استعان بهم مختار كي يمد حِبال القضية في المحكمة,  وتأجيل في آخر ما زالت القضية مستمرة.
 صبي اتفقت معه على تسميته منذ علمت بنوعه,  ليكن "ريان شاهين عمران المنشاوي".. 

 انتبهت على دخول "تيم"  لغرفتها بعد أن استمعت لدقات خافته فوق الباب, وقد اتاحت له الأذن, فاقترب منها يجلس أمامها متسائلًا بملامح لا تقل عنها حزنًا وكآبة:
- هو احنا هنفضل هنا كتير يا طنط؟ مش هنرجع بقى؟ 

 حاولت الابتسام كي لا تزيد على الصغير همًا وهي تسأله:
- انتَ زهقت من هنا ولا في حاجة مضيقاك من القعدة؟ يعني حتى شايفاك بقيت بتحب تلعب مع ياسين وبقيتوا اصحاب. 

اجابها الصغير بوجوم:
- هو انا بلعب معاه لأن مفيش حاجة تانية اعملها هنا, بس هو أصغر مني بكتير اوي, يعني انا اللي بلاعبه مش بنلعب مع بعض, بعدين انا بابا واحشني اوي,  مش عاوز اقعد بعيد عنه اكتر من كده. 

 هزت رأسها متفهمه مشاعره وعلقت بما اثار ضحكته خاصة مع تعبيرها التي تحولت بطفلة باكية:
- انا كمان وحشني اوي..

 ابتسمت على ضحكته واشارت له فاتحة ذراعيها لينتقل بين أحضانها,  فعانقته تهمس بتمني يخرج من صميم قلبها:
- ادعي ربنا اننا نرجع قريب, لأن انا بصراحه معنديش أي فكرة هنرجع امتى,  بس ان شاء الله يكون قريب.

 منذ سفرها لبلغاريا, وقد توطدت العلاقة بينها وبين تيم بشكل كبير, لدرجة أنها أشفقت عليهِ تمام الشفقة حين علمت من شاهين بتغيير كنيته وانتهاء قضية النسب, ليت الأمر فيهِ وسط, ولكنه قانونًا وشرعًا لا يلجأ للمشاعر, كانت في بداية الأمر متخوفة أن يكون تيم بهِ بذرة فاسدة تأتي من إحدى والديهِ, لكنها أيقنت بعد أن اقتربت منه انه نقي تمامًا بطبيعة حال الطفل, وانها باستطاعتها أن تزرع بهِ كل البذور الصالحة, وبداخلها تبنته ابنًا لن تتنازل عنه لأي أحدٍ كان. 

—-----------------
بسمة ساخرة زينت وجهه حين أبصر رقمه يظهر على شاشة هاتفه بعد فترة طويلة من الغياب,  ولكنه لم يتأخر في الرد بادئًا حديثه:
- مصدقتش لما شوفت رقمك على تليفوني,  بقالك شهور ماتصلتش يا ترى إيه اللي رماك عليا؟

 اتاه الرد على الجهة الأخرى:
- من يوم ما قررت تعرف ابنك كل حاجه من غير ما ترجعلي, ومن غير حتى ما تقولي إنك عرفته, وانا شوفت اني ما بقاش ليا داعي اكون موجود حواليك, ومن يوم ما اشتكيتلك من ابنك بعد ما طلق بنتي وردك عليا يومها وانا عرفت انك عمرك ما هتقف في صفي ضد ابنك.

 لم يعلق "عمران" على أيٍ مما قاله بل وسأله ببرود:
- وإيه اللي جد المرادي جاي تكلمني فيه؟

-انا بكلمك النهارده عشان اقولك خليك بعيد يا عمران, بلاش تتدخل في اللي ما بيني وما بين ابنك.

- مش شايف الجملة غريبة شوية؟ بلاش ادخل في اللي ما بينك وما بين ابني,  بعدين اصلًا إيه اللي ما بينكم, انتَ اللي مكبر الموضوع ومركبه غلط مش غلطه, قالبها معاه حرب على إيه؟ لا هو السبب في موت بنتك, ولا هو اللي قال لها تروح تقتل سيف, ولا هو اللي من زمان جاب عيل ملوش أي علاقة بينا وكتبه باسم واحد مننا, بتحاسبه على ايه؟!

أتاه صوته الحاد الغاضب وهو يهدر:
- ملكش دعوه بحسبه على إيه, كل اللي بطلبه منك ما تتدخلش, لا تقف في صفي ولا في صفه, اعمل نفسك مش شايف. 

- ده ابني يا مختار,  يعني يوم ما هلاقي حد بيحاول يأذيه حتى لو الحد ده كان اخويا مش هقف اتفرج عليك واسيبك تعمل فيه ما بدالك. 

 ضحكة سخيفة صدحت عبر الاثير تبعها قوله:
- طب وانتَ بتعمل فدائي عشانه ما تنساش انك ضاحك على الناس كلها بشخصيه غير شخصيتك, وان الحكومه لو عرفت إن عمران المنشاوي لسه عايش هتطلب لحبل المشنقة,  ده طبعًا غير ابوك اللي لسه ما يعرفش, هو اول واحد هيطلب مني إني ابلغ عنك سبق وطلبها قبل كده. 

 استطاع أن يختار الكلمات التي تنحر عنق الأخير بصمت, لن ينكر مدى سوء وقع كلماته على قلبه,  يعود ليذكره بموقف والده منه منذ سنوات, ذلك الموقف الذي ترك أثرًا عميقًا في نفسه لم يُشفى بعد, لكنه تظاهر بالجمود وهو يعلق بنبرة ثابتة: 
   
_انتَ بتهددني يا مختار؟

_انا بفكرك إن عندي اللي يخصك، وانا لو مكانك هوزنها صح، ومدخلش نفسي في حرب مش بتاعتي، مش هينوبني منها غير الخسارة.

علق ساخرا:
_مش بتاعتي ازاي يعني!

_هي فعلاً متخصكش، تقدر تبقى ضيف شرف فيها من غير ما تدخل.

 وهنا  تيقن ان ما يخطط له مختار اكبر بكثير من أي توقع توقعه حيال رد فعله, وهذا ما دفعه لسؤاله بنبرة واضحة صريحة:
_ناوي على إيه يا مختار؟
واتاه الرد على الجهة الأخرى مفاجئًا وصادمًا, وأكثر ما أثار قلقه هي نبرته المليئة بالحقد والشر والعزيمة على تحقيق ما يقوله:

_ناوي احرق قلب اللي حرق قلبي، ناوي اطربقها على دماغ الكل، انا خلاص خسرت كل حاجة، ومتخافش غير من اللي ميكونش عنده حاجه تانية يخسرها، وزي مبقاش عندي اللي اخسره، هخليه هو كمان معندوش اللي يخسره، والبداية
اني اقطع نسله ال**** من الدنيا.

لم يتهاون "عمران" في الرد وهو ينتفض واقفًا من مكانه متحفزًا بكل خلاياه يهدر في الآخر:
- وانتَ بتخطط وبتدبر حلو كده ما تنساش انه له أب اسمه عمران المنشاوي لسه عايش على وش الدنيا, عمره ما هيتخلى عنه ولا هخضع لتهديدك الأهبل ده, انا في صف ابني يا مختار, ف وانتَ بتخطط تواجهه وتأذيه خطط كمان ازاى هتواجهني, الله في سماه لو ابني اتمس منه شعرايه أو من أي حد يخصه ما هيكفني فيك عمرك وهنسى إنك اخويا زي ما انتَ نسيت ان اللي بتفكر تأذيه ابن اخوك ومن دمك, وعليا وعلى اعدائي. 

 اتاه الرد القاطع من الجهة الأخرى وهو يقول بلا تردد:
- يبقى انتَ اللي قفلتها ضبه ومفتاح يا عمران, ومن النهارده انا بواجهك انتَ وابنك, واللي يعيش فينا يكمل.
 واغلق المكالمة بعدما أشعل نيران الحرب بين جميع الأطراف.
---------------- 
في المقابر... 
وقف أمام قبرها يشكو إليها ما لم يفهمه العالم الذي هو فيه, يشكو غضب منتصر أخيه منه بعدما انتهت خطبته برانيا, ومازال للآن معاملته لم تعود لسابق عهدها معه, بعدما نشب شجار كبير بينهما آنذاك, لا يفهمه أحد, ولا يقدر شعوره أحد, الجميع يطلبون منه فعل المنطق, ولكن لا أحد يفكر في مشاعره ومقدرته بعيدًا عن حسابات العقل, هل النسيان برغبتنا؟ هل التجاوز قرار يصدر منا؟ نحن مجبرون, وليت الأمر بهذه السهولة, ما كان الفراق سيكون صعب ابدًا.. 

خرج صوته متزامنًا مع دموعه وهو يقول:
-محدش فاهمني يا نورهان, كله واقف ضدي وبيتكلموا بالعقل, ان لازم حياتي تكمل وتمشي, ومحدش فكر في مشاعري, محدش فكر انا قادر اعمل ده ولا لأ, منتصر بيقولي اني مستسلم للأمر الواقع, واني رافض فكرة الجواز من جوايا عشان كده الموضوع صعب عليا, مين اهبل يرفض يكون اسرة ويعيش في استقرار؟ اكيد رفضي مش مبرر, بس هم مش فاهمين كده.. 

اخذ نفس عميق ثم زفره بقوة واعقب قوله:
-وبسبب الضغط, وبسبب انهم شككوني في نفسي اني فعلاً اقدر اتجاوز بس انا اللي مش مدي نفسي فرصة, ظلمت معايا بنت ملهاش أي ذنب, غير انها وثقت فيا, كانت صريحة معايا من البداية, بس انا اللي مطلعتش قد كلامي معاها, ذنبها ايه تتخطب وتفشكل في أسبوع! ذنبها ايه ابقى قاعد معاها في الخطوبة ولا اللي قاعد في عزا, لما بفكر بيني وبين نفسي بستحقر نفسي اوي اني اتعاملت معاها كده وحطتها في مواقف وحشة وهي متستهالش ده, هي كويسه جدًا, حتى ساعات فيها حاجات بتفكرني بيكِ... 

قال جملته الأخيرة وابتسم بحنين ثم احنى رأسه يمسح دموعه وعاد يرفعها يقول: 
-بس الحمد لله عرفت ان قراية فاتحتها كانت امبارح, ربنا يكملها على خير ويكون العوض ليها ويكون احسن مني, بيضايقني بس انها متفتكرنيش بالخير, ويكون وجودي في حياتها الأيام اللي كنا فيها مع بعض ذكرى سيئة, أما انا... 

ابتسم وكأنها تراه وهو يكمل:
-مش هخضع لضغط حد تاني, حتى لو عيشت عمري كله راهب. 

-يبقى هتعنس. 
التفت حين سمع صوت من خلفه, ليهز رأسه باستغراب حين رأي "شاهين" أمامه, بينما اقترب الأخر من القبر يضع الباقة التي في يده واستقام واقفًا يسمع سؤال رفيقه:
-إيه اللي جابك دلوقتي؟ كنت عارف إني هنا؟ 

أجابه دون النظر له:
-ولو عارف انك هنا هاجي ليه؟ خايف عليك تتفزع وانتَ هنا لوحدك!

زفر "معاذ" بضيق وهو يعقب:
-متعرفش ترد زي الناس؟ انا مستغرب ان الصدفة تجمعنا في نفس التوقيت, عارف انك بتيجي هنا كتير. 

التفت له متغاضيًا الرد على حديثه وقال بنبرة هادئة:
-مش اخوك بس اللي مش طايقك من وقت فسخ الخطوبة, انا كمان زيه, بس كنت بتغاضى عشان مافتحش معاك الموضوع أقوم افتح راسك فيها, بس منتصر كلمني امبارح, وبيشتكيلي منك على أساس اني هعقلك وكده, بس انا قولتله اني مش هتدخل في الموضوع, مش عشانك, عشان ميبقاش في ضحية جديدة لحكايتك البائسة. 

-انتوا بتتكلموا كده عشان انتوا مش مكاني, مش حاسين باللي حاسه, لكن لو لاقدر الله كنتوا مكاني كنتوا هتقولوا نفس اللي بقوله, انا مش جاهز ادخل حد حياتي. 

نظر "شاهين" للقبر واللافتة الصخرية الصغيرة الموضوعة فوقه, ولمعت عيناه بالحزن وهو يغمغم:
-النهاردة نورهان تمت سنة ونص, تفتكر محتاج وقت قد إيه كمان عشان تبقى قادر تتخطى؟ 

ابتسم "معاذ" ساخرًا وسأله:
-ماتقولي انتَ, محتاج وقت قد إيه عشان تتخطى؟ 

-ولا عمري كله, دي اختي... 

وعاد ينظر له يكمل:
-مش مجبر اتخطى, حياتي مش واقفة, لكن انتَ لازم تتخطى عشان حياتك تكمل. 

-تفتكر هقدر اقولك ميعاد؟ 

نفى برأسه وهو يعاود النظر للقبر وغمغم:
-مش محتاج تقول ميعاد, سيب نفسك تتخطى لوحدها, ويوم ما قلبك هيفتح الباب من جديد هتعرف لوحدك. 

وكانت الجملة ساخرة بالنسبة ل"معاذ" فأي قلب سيفتح بابه من جديد؟ فالقلب يحب مرة واحدة بحق, ولا يحب بعدها ابدًا, ويموت مرة واحدة فقط, لا يحى بعدها ابدًا. 

------------------- 
شركة العقرب... 
اخبر السكرتارية الا تسمح لأحد بالدخول هذه الفترة وألا تحول له أي مكالمات, فهذا وقته الخاص في مكالمته مع زوجته وحبيبته... 
والتي ظهر الوجوم في نبرتها المقتضبة في المكالمة معه:
-ازيك يا شاهين؟ 

اغلق جفنيهِ للحظات ضاغطًا عليهما بقوة يحاول اكتساب الكثير من الصبر وقد فهم مبشرات المكالمة, ومن ثم قال:
-ازيك يا حبيبتي طمنيني عنك. 

-الحمد لله. 

-وحبيب بابا عامل إيه؟ 

وهي تعلم انه يقصد جنينها فأجابت بنفس نبرتها:
-بخير الحمد لله. 

-وتيم باشا كويس؟ 

-كويس, كان بيسأل عنك النهاردة. 

-وقولتيله إيه؟ 

-قولتله إن قريب هننزل... 

ثم استكملت بحدة خرجت واضحة:
-اكيد يعني مش هكسر بخاطره واقوله معرفش هنرجع امتى مصر, اديني بضحك عليه بكلمتين يصبروه. 

-وانتِ يا حبيبتي صوتك متغير ليه؟ 

-ده بجد؟ ده سؤال؟

اجابها برفق وتقدير لمشاعرها وما تمر بهِ في الفترة الأخيرة:
-سؤال غبي معلش.. انا عارف سبب زعلك طبعًا, بس انا مش بحب اشوفك زعلانه, بقلق عليكِ اكتر, وبعدين يا قلبي مش الدكتور قال الزعل غلط عشان البيبي, وانتِ قربتِ تولدي و.... 

وهنا انطلقت كالبارودة, وكأنها انتظرت اللحظة التي سيتحدث فيها عن والدتها لتندفع الكلمات من فمها لأذنه:
-عشان تكون عارف انا مش هولد وانتَ مش معايا، هفضل كتماه جوايا كده لحد ما تحضر ولادته وذنبه في رقابتك بقى.

ضحك بخفة وهو يردد عبر الأثير:
_هتفضلي كتماه جواكِ؟ ليه هو عطسه! ربنا يهديكِ يا حبيبتي بلاش تأزمي الأمور كده.

هدرت بنفس عصبيتها المُصرة:
_فاكرني بهزر صح؟ طب والله يا شاهين ما هولد طول مانتَ مش جنبي حتى لو هموت فيها انا وهو ها...

اختفى المرح من صوته وهو يعقب بحدة:
_طب كفاية هبل وبطلي تقولي كلام من ده، ده بدل ما تدعي تقومي انتِ وهو بالسلامة!

ساد الصمت لثواني حتى ظن المكالمة قد أُغلقت لكنه سمع هسيس بكاء لها، فزفر أنفاسه باختناق يقول:
_بتعيطي ليه دلوقتي!

لم تجيبه وتعالى صوت بكائها أكثر، فعاد يردد بنبرة صارت أكثر هدوءًا:
_اهدي يا حبيبتي طيب، انتِ عارفه ان عياطك وانتِ بعيدة عني كده بيخنقني لأني ببقى متكتف ومش عارف احتويكي.

نطقت من بين شهقاتها بنبرة مريرة:
_يعني انا مش.. من حقي احتاج جوزي.. جنبي في أول ولادة ليا؟.. مش كفاية... مش كفاية شهور الحمل كلها بعيد عني.. كمان هولد لوحدي.. وانا مش معايا حد.. شاهين انا مش هطمن وانا بولد إلا لو انتَ جنبي....

رفع رأسه لأعلى يلتقط انفاسه باختناق، يعلم أحقيتها في كل ما تقوله، ويعلم أنها تتحمل فوق طاقتها.. ولكن ليتها تعلم أن الفراق أضناه هو الآخر، وأنه يشتاق لوجودها ورؤيتها أكثر من اشتياقه لرؤية طفله الذي لم يولد بعد:
_يا روح شاهين انتِ مش عارفه انا حاسس بإيه.. انا موجوع اكتر منك والله، ونفسي تكوني معايا اللحظة دي قبل الجاية، ومش محتاج اقولك اني هتوجع قد إيه لو ولدتي بعيد عني.. بس لو وجعي ده هيكون أأمن ليكم هتحمله عشانكوا.. عشان ابقى مطمن عليكم وواثق انكم في آمان.. بس اوعدك هحاول اخلص كل حاجه قبل ميعاد ولادتك، بس انتِ قولي يارب.

لم يسمع صوتها لكنه سمع صوت آخر انضم للمكالمة لا يعلم متى ولا كيف، لكنه سمع صوت رجل يقول بنبرة متهكمة:
_صدق صعبت عليا...

خرجت شرارات الغضب من عينيهِ وهو يبصر السمج الواقف أمامه, كيف دخل دون أذن؟ ألم يخبر الحمقاء الجالسة بالخارج ألا تسمح لأحد بالدخول؟ تحكم في انفعالاته وهو يخبر "فيروز" برفق:
-هرجع اكلمك تاني, ويا ريت تكوني هديتي شوية عشان متزعلنيش منك. 

وأغلق معها المكالمة يطالعه بضيق حتى نطق وهو يرفع ذارعيهِ:
-عندي خبر ميستناش قولت ادخل اقولهولك, رغم انها منعنتي بره. 

-اخلص يا غسان مش ناقص برود. 

جلس أمامه وهو يبتسم ابتسامة ماكرة بينما يردد بعبث:
-مش ناوي تحضر ولادة ابنك؟ 

نزلت سحابة الحزن على ملامحه في لحظتها, وهو يردد من بين اسنانه بغضب حارق:
-لو فيها موتي لازم أكون موجود, بس البهايم مش عارفين لدلوقتي يعملوا اللي طلبته منهم واخلص من الزفت مختار, عمالين نلف حوالين بعض, وسكوته ده اللي مخلينا مش عارفين نمسك عليه حاجه لدلوقتي. 

-بس الهدوء ده مش طبيعي, ده حتى مبقاش يدخل صفقات مع المنظمة, وقال إيه واخد هدنة عشان يستعيد نفسه بعد موته بنته. 

طرق بأصابعه على الطاولة وهو يغمغم بتفكير:
-طبعًا مش طبيعي, بيرتب لحاجة اكيد, بس إيه هي.. مش عارف اوصلها, بس الأكيد اني لازم اخلص من الحوار ده قبل ولادة مراتي, مش هستناه بروح امه لحد ما يتحرك. 

مال "غسان" على المكتب أمامه يقول بغمزة ماكرة تشبه صفاته:
-ولو قولتلك على اول الخيط اللي يكُر البكرة! 
------------------ 

في فيلا شاهين المنشاوي... 

-يا جدي متقلقش, حضرتك كلمتني في الموضوع ده كتير, وكل مرة اقولك اطمن.

ظهرت السخرية تزين ملامح الجد بوضوح وهو يردد بحزن واضح:
-اطمن؟ اطمن وفي حرب دايرة طرف فيها ابني والطرف التاني حفيدي؟ اطمن ازاي يا شاهين, هو انتَ فاكرني مش فاهم وعارف مختار بيدبرلك إيه؟ فاكرني صدقت كدبتك الخيبة بخصوص مراتك وانها سافرت عشان عندها مشاكل في الحمل والمتابعة في بلاد بره احسن؟ انا عارف انك بعدتها عشان عمك مش يأذيها. 

لم ينكر, ولم يكذب, بل رد ببرود:
-شوفت, يعني عارف اتصرف اهو وأمن اللي ليا, وسابقه بخطوة. 

مال "المنشاوي" على عصاه وهو يقترب من حفيده ويهدر بقوة:
-عمك لو ملاقش اللي يوجعك بيه, هينتبه ليك انتَ, لو فضل يلف في دايره مقفولة هيجيب اخره وهيخلص منك انتَ مش هيفرق معاه انتقام ولا غيره. 

رد "شاهين" بهدوء اغاظ الآخر وأثار ثورته:
-المهم انكم وقتها هتبقوا كويسين. 

ضرب الأرض بعصاه وانتفض واقفًا وهو يصيح بهِ غاضبًا, حزينًا, ناقمًا لكل ما يحدث حوله, لعائلة ليست عائلة, بل مجرد كذبة كبيرة, لا أحد فيهم حقيقي, دائرة يحيطها الكذب, والخداع, والنفوس المريضة, كل ما بناه لسنوات ظهر الآن أنه بناه على أساس واهي, فهُدم مع اول تيار مرَ بهِ. 

-وانتَ؟ انتَ فاكر هبقى كويس لما يجرالك حاجه؟ 

اقترب منه حين وقف "شاهين" يقابله, وادمعت عيناه وهو ينظر له بوجع حقيقي صارخ:
-ده انتَ لما بتقول اه بترد في صدري, انتَ اللي باقي من ريحة ابوك, انتَ اللي مصبرني على العيشة من بعده, انا كان هيجرالي حاجه لما ابوك راح مني, ولولا اني عرفت ان امك حامل فيك وفي ولد ماكنتش صلبت طولي لدلوقتي, لما عرفت حمدت ربنا ودبحت ووزعت على الغلابة عشان تيجي بالسلامة, قولت هيبقى عوض لعمران, قولت ربنا بعته ليا يطبطب على قلبي ويطيب خاطري, ولما كبرت قدام عيني ولاقيتك نسخة منه في الشكل بقيت ابصلك وأقول الحمد لله يارب, مش بس بعتلي ابن من صلبه, ده انتَ كمان كريم اوي وخليته يطلع شبهه, كنت حاسس اني بربي عمران من اول وجديد, كتير كنت بغلط في اسمك وبناديك باسمه, وانتَ كنت تضحك وتقولي انا شاهين يا جدو! 

سقطت دموعه بوهن, واسنده "شاهين" بعاطفه وقد لمع الدمع في عينيهِ تأثرًا بحالة الجد, رفع كفه يحاوط وجنته وهو يكمل:
-ازاي عاوزني افرط فيك, عاوز ترجعني لوجع موت عمران من تاني؟ بس المرادي مش هيبقى فيها يا شاهين.. 

ابتسم "شاهين" ابتسامة صغيرة وهو ينظر له بتأثر بينما يقول:
-مهو شاهين الصغير جاي في الطريق... هتربيه من اول وجديد واعتبره شاهين وعمران من تاني... 

نفى "المنشاوي" برأسه بذعر, وقد كانت هذه الفكرة هي ما تراوده طوال الفترة السابقة ونهره يقول:
-اخرس.. مش هسمح للي حصل زمان يعيد نفسه, ابنك هيتولد وانتَ اللي هتربيه وتكبره وتشوف نفسك فيه.

نظر له "شاهين" بصمت لثواني حتى خطر برأسه سؤال فالقاه بحذر:
-قولي يا جدو, لو طلع في حاجه غلط في موت ابويا وطلع عايش هيبقى احساسك إيه؟ 

تعليقات