رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل الثالث والثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
يُقال إن الندم: هو أن تعود بعد أن تُشبعك الحياة صفعًا، فتجد جميع الأبواب التي تركتها يومًا مفتوحة قد أُغلِقت، ولم يعُد يُسمح لك حتى بالنظر عبر نوافذها؛ وكأن القدر يخبرك أن بعض الفرص لن تنتظر اعتذارك المتأخر.
ويُقال إن الخيبة: هي انطفاء آخر ضوءٍ كان يُنير عتمة العالم من حولك، فلا يعود هناك فرقٌ بين النهار والليل، إذ يصبح القلب أسيرًا لظلامٍ لا يجرؤ شروق الشمس المساس به.
أما الخذلان، فهو يشبه طائرًا صغيرًا كُسِر جناحه عند أول محاولةٍ للطيران؛ فلا يعود خائفًا من السقوط فقط؟ بل يخشى حتى النظر إلى السماء، فيقضي ما تبقى من عمره وهو ينظر إليها بشوقٍ وعجز.
ثم يأتي الحنين... ذلك الزائر غير المرغوب فيه، الذي يعرف طريقه إلى القلوب كلما أرخى الليل سدوله. يطرق أبواب أرواحٍ ظنت أنها استطاعت لملمة أشلائها، فإذا به يبعثرها من جديد، وكأن للجراح ذاكرة تحفظ أسماء أصحابها.
وما أقسى الخيانة... فهي كغصنٍ أزهرت عليه الثقة، وسُقي بماء الإخلاص، ولكنه لم يُثمر إلا شوكًا غرس نفسه في قلبٍ لم يكن ينتظر إلا وردًا.
أما الغدر، فهو أن أكون ملاذك في جميع أوقاتك الصعبة أرمم شروخ روحك بحب وأحمل عنك كل ما يثقل كاهلك ثم حين يأتيك الفرح لا تتذكر حتى إخباري..
لكن... أتعرف ما هو الأقسى من كل ذلك؟
أن تجتمع في صدرك كل هذه الآلام دفعةً واحدة؛ ندمٌ ينهشك، وخيبةٌ تُطفئك، وخذلانٌ يُثقل جناحيك، وحنين يمزق ما التئم داخل روحك، وخيانة تُدميك، وغدر يهزم آخر ما تبقى من يقينك...
ثم تكون نجاتك كلها بين ذراعي شخصٍ واحد، تعرف أن دفئه قادرٌ على إخماد كل هذه الحرائق بصدرك. لكنك لا تجرؤ على الارتماء بين ذراعيه لأنك تخشى أن تكون ذراعيه هما المكان الوحيد الذي لم يعُد لك حقّ اللجوء إليه.
حينها فقط.. تدرك أن القهر ليس مجرد شعور، بل أصبح وطنًا يسكنك و تسكنه مجبرًا، يضيق بك كل يوم، ولا تجد منه مفرًا، فتظل واقفًا على أعتاب النجاة، تنظر إليها بقلبٍ يحترق، تفصل بينك وبينها مسافة يحرسها كبرياء مكسور حتى وإن تخليت عنه لن يتخلى هو، فيترك القلب عاجزًا أمام كل هذه الكلمات التي ماتت قبل أن تُقال.
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ ينفع اللي حصل دا! متفقناش تخضيني عليكِ كدا؟
هكذا تحدث خالد وهو ينظر إلى سوزان التي كانت تناظره بأعيُن واهنة لتبتسم بهدوء قبل أن تهمس قائلة:
ـ متقلقش عليا. أنا كويسة الحمد لله…
مد خالد يده ليحتوي كفها وهو ينظر إليها بخوف يأكل صدره من الداخل و تجلى في نبرته حين قال:
ـ في حاجة تعباكي؟
رغمًا عنها تناثرت العبرات من مقلتيها وهي تهمس بوهن:
ـ نور يا خالد…
خالد بلهفة:
ـ نور بخير وزي الفل…
سوزان بصدمة:
ـ بتقول ايه؟
صمت خالد يسترجع ما حدث قبل ساعات
جذب هاتف سوزان ليتفحصه ويرى المكالمة التي تسببت لها في هذه الحالة، ليجد رقمًا أيطاليًا، فانكمشت ملامحه بغضب، فمن المؤكد أنه هذا الرجل الحقير لذا أعاد الاتصال مرة آخرى ولكن الهاتف كان مغلقًا، ليتوجه رأسًا إلى كمال الذي كان يقف على أعتاب غرفة آسيا بأعيُن يتبلور بهم الوجع، ليشفق خالد عليه لثوان قبل أن يتجاهل ذلك الشعور وهو يقول بجفاء:
ـ عايز اتواصل مع حد في إيطاليا ضروري..
كمال باستفهام:
ـ في ايه؟
خالد باقتضاب:
ـ الرقم اللي كلم سوزي كان من ايطاليا و غالباً دا الحقير اللي كانت متجوزاه. اكيد قالها حاجة عن بنتها..
لم يكن هناك وقت للإستفسار ولا التفكير فيما قاله خالد، ليقوم كمال بإخراج هاتفه ليتصل بأحدهم الذي ما أن اجابه حتى قال كمال بنبرة متحشرجة:
ـ طارق ازيك؟ كنت عايز منك خدمة..
طارق بنبرة خشنة:
ـ قول يا ابني على طول انت لسه هتستأذن؟
ـ خالد أخويا معاك هو هيقولك اللي هو عايزه بالظبط..
تناول خالد الهاتف من يد كمال ليحادث طارق قائلًا:
ـ هقولك اسم واحد تعرفلي هو فين دلوقتي! و بيعمل ايه؟
أنهى خالد الاتصال و في اقل من ساعة قام بإعادة الاتصال بخالد الذي أجاب بلهفة:
ـ ها عرفت حاجة؟
طارق بنبرة خشنة:
ـ الراجل دا حصل حريقة في بيته. كانوا هو وبنته نايمين. بس الناس قدرت تنقذهم في الوقت المناسب.. لكن…
خالد بأنفاس مقطوعة:
ـ بس ايه؟ البنت جرالها حاجة؟
ـ لا البنت كويسة. لكن الراجل اتوفى للأسف..
عودة إلى الوقت الحالي
ـ نور كويسة، وبإذن الله قريب هرجعها لحضنك..
هكذا تحدث خالد بنبرة حانية جعلت العبرات تنبثق من عيني سوزان ليتابع بلهفة:
ـ لا اهدي. الانفعال غلط عليكِ. أنا عايز نور لما توصل بالسلامة تكوني شديتي حيلك كدا..
شددت سوزان على يده وهي تهمس من بين عبراتها:
ـ دا جميل عمري ما هنسهولك يا خالد.. ربنا ما يحرمني منك أبدًا..
خالد بحنو:
ـ لو عايزة تردي الجميل قومي بالسلامة.. مش عايزة تكوني اول حد يشيل ريان لما ييجي؟
سوزان بنبرة واهنة:
ـ امتى ييجي اليوم دا؟ ربنا يجيبه بالسلامة…
غادر غرفة العناية المركزة بخطواتٍ أثقلها السهر والخوف، متجهًا إلى دورة المياه ليتوضأ ويقف بين يدي الله، وكأن قلبه لم يجد ملجأً يحتمل كل ذلك الوجع إلا السجود.
راقبته أشجان بصمت، وعيناها تلمعان بعشقٍ ازداد عمقًا مع كل موقفٍ يجمعها به. كان ذلك الرجل يدهشها في كل مرة، وكأنها لم تفرغ بعد من اكتشاف كم هو عظيم. يحمل أوجاعه على كتفيه في صمت، ثم يمضي يبحث عن أوجاع الآخرين ليخففها، كأن قلبه خُلق ليكون مأوى المتعبين دون أن يشكو أو يعترض، فقد كان السند الذي تتكئ عليه الأرواح المنهكة رغم أنه أكثرهم احتياجًا إلى من يسند انكساره. كلما رأى أحدًا يترنح تحت ثقل الحياة، نسي نشيج روحه، ومد إليه يده قبل أن يضمد جراحه هو. وكأن الله أودع في صدره قلبًا احتفظ بنصف حنان العالم.
في هذه اللحظة، شعرت برغبةٍ جارفة في أن تركض إليه، تحتضنه بكل ما أوتيت من حب، وتخبره أن وجوده نعمة إلهية لا تُقدر بثمن، وأنه الرجل الذي كلما ظنت أنها بلغت أقصى درجات عشقه، اكتشفت أن لقلبها قدرةً جديدة على أن يحبه أكثر. كانت تريد أن تهمس في أذنه بأن الله حين رزقها به، لم يمنحها رجلًا فحسب، بل منحها وطنًا إذا مالت بها الدنيا، استندت إليه، ورحمةً تمشي على هيئة إنسان و قد كافئها القدر ليصبح من نصيبها..
ـ تقبل الله.
هكذا تحدثت أشجان بعذوبة لينظر إليها بعشقٍ لم تبخل عينيه بـه ليقول بنبرته الخشنة المُحببة إليها كثيرًا:
ـ منا و منكم. عاملة ايه دلوقتي؟
أشجان بهدوء:
ـ الحمد لله. بدل اطمنت على سوزي اكيد هبقى كويسة..
عانق خالد خصرها ليجعلها تستند على ساقيه وهو يجلس فوق أحد السرائر التي تتوسط الغرفة ليضع يده فوق بطنها المسطحة وهو يقول بنبرة خشنة:
ـ عايز نروح للدكتور عشان نطمن عليه.
وضعت كفها فوق كفه وهي تناظره بحُب ويدها الآخرى تمر على ملامحه بحنو تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ تفتكر ولد ولا بنت؟
خالد بابتسامة هادئة:
ـ أيًا كان ولد ولا بنت. أنا راضي. لكن قلبي بيقولي أنه ولد…
ـ لو ولد هتسميه ايه؟
شاكسها خالد قائلًا:
ـ اسألي سوزي لما تقوم بالسلامة…
اضحكتها كلماته لتقول مازحة:
ـ والله! يعني سوزي تعرف اسم ابني قبلي؟ أنا كدا هغير من سوزي على فكرة.
اقترب ينثر عشقه فوق جدار عنقها وهو يقول بنبرة خشنة جذابة:
ـ أنتِ مينفعش تغيري من حد.
رفع كفها يقبل راحته قبل أن يُكمل:
ـ أنتِ عندي في مكانه محدش وصلها قبلك، ولا حد هيوصلها بعدك..
ارتج قلبها من فرط العشق لتقوم بتقريب رأسه من صدرها تحتويه بين ذراعيها وهي تقول بنبرة رقيقة:
ـ تعالى في حضني..
ـ عرفتي منين اني محتاجه؟
هكذا تحدث خالد بخشونة فكان أكثر من مرحب بأن يلقي بثقله فوق كاهلها فقد انهكه التعب، و أرهقه التفكير وقد كانت هي خير ملجأ لقلبه المتعب و خاصةً حين قالت بحنو:
ـ عرفت من عنيك…
اشتد طوق ذراعيه حولها ليغمض عينيه يلتمس القليل من الهدوء و الراحة لتمر الدقائق وهو غارق في سلامٍ لا يجده سوى معها ليقطع رنين الهاتف، فتراجع عنها على مضض ليُجيب ما أن شاهد رقم المتصل:
ـ ايه يا وزان؟
سالم بخشونة:
ـ العربيات جهزت، و المخازن كمان.
خالد باستحسان:
ـ حلو اوي… خلينا نشوف دماغهم فيها ايه عشان نعرف تظبط الدنيا قبل مناقصة توريد الخشب دي اهم حاجة بالنسبالي.
سالم بنبرة خشنة:
ـ حبايبنا فوق كتير يا خالد، و هيظبطوا الدنيا. و كدا كدا أنت حاطط أقل سعر. أهم حاجة السرية عشان متتفاجئش في الوقت الغلط..
خالد بجمود:
ـ دا اللي هعمله أن شاء الله.
اغلق خالد الهاتف لينظر إلى أشجان التي كانت لازالت بين يديه لتقول باستفهام:
ـ باين عليك القلق. في ايه؟
زفر خالد بتعب قبل أن يقول بنبرة خشنة:
ـ ادعيلي كتير…
أشجان بحُب:
ـ مبعملش حاجة غير أني بدعيلك، ربنا يطمن قلبك وبالك…
طافت عينيه فوق ملامحها بعشق تغلغل في نبرته حين قال:
ـ أنتِ عيونك حلوين كدا ازاي؟
أخجلها حديثه لتدفن رأسها في كتفه ليبتسم على خجلها المُحبب إلى قلبه قائلًا بصوتٍ أجش:
ـ يعني بقولك عيونك حلوين تداريهم عني!
أشجان بخفوت:
ـ أنت اللي بتقول كلام بيخليني اتكسف، و بعدين يعني معقول أنا عيوني حلوة كدا وانا مش واخدة بالي؟
كان من ذلك النوع من الرجال الذين لصمتهم هيبة لا يعرفها الثرثارون، فلم يكن من الذين يجيدون ترديد عبارات الغزل، فقد اعتاد على الاختصار في كل شي، حديثه، انفعالاته، و حتى مشاعره. لكنه أمامها كان يتجرد من كل تحفظاته فيتخلى العقل عن القيادة ويترك زمام الأمور لقلبه، فيتحول إلى رجل آخر؛ رجل لا يبحث عن الكلمات ليقولها، بل تتدفق الكلمات من أعماق روحه. فينطق بعبارات لا تشبه الغزل، بل هي يقينًا صادقً لرجل لا يقول شيئًا إلا إذا آمن به، لذلك كانت كلماته رغم قلتها، تترك في قلبها أثرًا يعجز عنه حديث العاشقين جميعًا.
ـ كفاية اني عمري ما اتهزمت قدام حاجة في الدنيا غيرهم..
شعرت بصدرها يتضخم في هذه اللحظة من حديثه الرائع لتقترب و تعانقه بقوة وهي تقول بنبرة عاشقة:
ـ بحبك يا خالد…
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضَلَع الدين وغلبة الرجال❤️
★★★★★★★★★★
ـ آسيا…
هكذا تحدث كمال بنبرة مختنقة بالألم وهو ينظر إلى وجهها الشاحب وشفتاها، اللتان طالما نافستا الفراولة احمرارًا، والآن داهمهم الذبول حتى غدتا شاحبتين كأوراق الخريف. كانت المرة الأولى التي يراها في هذه الحالة، والتي لم يحتملها قلبه، ليقترب ساندًا جبهته فوق خاصتها وهو يتوسل للمرة الأولى في حياته قائلًا بصوت يقطر ألمًا:
ـ فتحي عيونك. الدنيا وحشة اوي و أنتِ مغمضة..
كان يرتجف في تلك اللحظة ارتجافة طفلًا صغير أوشكت يد أمه أن تنفلت من بين أصابعه الصغيرة، فلا يدري إلى أي هاوية سيسقط بعدها. كانت أنفاسه تتخبط في صدره، وقلبه يضرب أضلعه بعنف وكأنه يحاول الفرار من هذا الألم.
وللمرة الأولى أدرك أنها ليست امرأة أحبها فحسب، بل هي وطن إن غاب، تاهت عنه روحه، وانطفأ كل عالمه. في هذه اللحظة لم يكن يخشى ان تبتعد عنه، بل كان يخشى الحياة نفسها إن اختارت أن تنتزعها من بين يديه.
أخذ يحرك جبهته فوق خاصتها يتنفس أنفاسها و كأنه أراد أن يعبأ بها صدره، فهي ليست المرة الأولى التي يقف أمام القدر أعزل من كل قوته ولكنها كانت الأصعب، في حربٍ لم يملك بها سلاحًا سوى رجاء يرتجف على شفتيه، وكأنه يتوسل عقارب الساعة أن تمنحه دقيقة أخرى بقربها، ويتوسل الأيام ألا تحاول سرقتها منه، فقد شاخت قوته فجأة و لم يكن ذلك الرجل الذي يواجه دون احتراز بل شبحًا مذعورًا، يود الصراخ بأنه لا يستطِع العيش لحظة واحدة بدونها..
في هذه اللحظة فتحت آسيا عينيها ببطء، وهي تحاول إدراك المكان حولها، ولكن اصطدمت نظراتها بملامح كمال الذي شقت ابتسامة فرح ستائر الحزن التي تغشى تقاسيمه وهو يهتف بلهفة:
ـ أخيرًا فتحتي عيونك…
أخذت عدة انفاس تحاول تجاهل الألم الذي تشعر به في حنجرتها، و الأخر الذي يجتاح صدرها من انكشاف مرضها أمام عينيه لتدير رأسها إلى الجهة الآخرى، في محاولة منها للابتعاد عن نظراته القاتلة ليبتسم كمال بهدوء قبل أن يقول بنبرة متحشرجة:
ـ مش متعود أشوفك بتهربي…
أطلقت زفرة حارة من جوفها آلمتها لتنكمش ملامحها، فلاحظ ذلك ليهتف بلهفة:
ـ موجوعة؟ انادي الدكتور؟
تجاهلت استفهامه لتقول بنبرة خافتة:
ـ عايزة أشجان.
أدرك محاولتها لإقصائه من الغرفة ولكنه عاندها فهل سيطاوعه قلبه تركها؟ ليصمت ثواني قبل أن يقول باستفهام:
ـ طب مش عايزة تطمني على سوزي؟
لم تستطِع إقصاء اللهفة من صوتها وهي تقول:
ـ هتجنن واطمن عليها…
نجح في جذب انتباهها ليقول بحنو:
ـ اطمني الحمد لله كويسة، الدكتور طمنا أن وضعها أحسن، و مستنياكي عشان تروحيلها و تشوفك..
انبثقت العبرات من عينيها وأخذت تردد عبارات الحمد قبل أن تحاول الاعتدال في نومتها، لتقرر الذهاب إليها، فهتف بها كمال مستفهمًا:
ـ ايه بتعملي أيه؟
آسيا بنبرة متحشرجة:
ـ هروح أشوفها..
كمال باستنكار:
ـ نعم! تروحي فين؟ أنتِ تعبانه ولسه قايمة من عملية!
آسيا بسخرية مريرة:
ـ عملية! مش اوي كدا، وبعدين متقلقش أنا متعودة. مش أول مرة تحصل…
شعر بأن للكلمات أنياب تنغرز في قلبه ولكنه تجاهل ألمه وأمسك بمرفقها قائلًا بنبرة حانية:
ـ طيب اصبري لما الدكتور ييجي ويطمنا عليكِ. أنتِ مبقالكيش كام ساعات خارجة من العمليات..
اهتمامه و حديثه ونظراته كانوا كالجمر الذي يحرق ثباتها بقوة، ولكنها جاهدت حتى تستعيد جأشها، ولا تضعف أمام قلبها و عينيه لتعطيه ظهرها وهي تقول بنبرة جافة:
ـ متشغلش بالك بيا. أنا كويسة..
لم تسمع اعتراضه لتقوم بإزاحة الغطاء لتستعد للنزول من فوق السرير، ولكن ما هي إلا ثوان حتى وجدت نفسها محمولة بين ذراعين قويتين، لتخرج منها شهقة خافتة وهي ترى نفسها بعينيه اللتين كان التصميم باديًا فيهما كما كان في نبرته حين قال:
ـ يبقى هوديكي تشوفيها بنفسي…
احتارت ما الذي ستقاومه في هذه اللحظة وهي خائرة القوى بهذه الطريقة؟ هل قلبها الذي راق له اهتمامه؟ أم ثباتها الذي بدأ بالتلاشي؟ أم عينيه التي لا تقاوم؟ حاولت الاعتراض قائلة بنبرة متحشرجة:
ـ نزلني ولو سمحت متعملش كدا تاني…
قربها أكثر منه وكأنه يعاندها، وفي الحقيقة كان عاجز كليًا عن الابتعاد عنها ليقترب هامسًا في أذنيها:
ـ مش هسيبك.
التفتت تناظره وقد استقرت الكلمة في أعماق قلبها كسهم سُدد إلى هدفه ببراعة لتجده يكمل بصوتٍ أجش:
ـ معرفش هتعمليها ازاي! بس لازم تفهمي دا…
آسيا بارتباك:
ـ مش بمزاجك على فكرة…
كمال بعينين افترستا تفاصيلها بنهم، وهو يقول بنبرة مشحونة بالعواطف:
ـ ماهو مش بمزاجي فعلاً…
لم يكن باستطاعتها المواجهة في هذه اللحظة لتدير رأسها إلى الجهة الأخرى، فسمعته يقول:
ـ هوديكي تشوفيها و أجيبك عشان الدكتور ييجي يطمن عليكِ..
زفرت بقوة كالعادة آلمتها ليحاول لتخفيف الأمر عنها قائلاً بمزاح:
ـ متنفخيش اوي كدا. اعتبريني مثلًا الدكتور بتاعك.
استدارت تنظر إليه بسخرية تجلت في نبرتها حين قالت:
ـ والله! على أساس أن الدكتور بتاعي بيشيلني كدا؟
كمال بحدة اربكتها:
ـ ميقدرش طبعًا كنت فرتكت أمه.. أنا بس اللي اعمل كدا…
قال جملته الأخيرة وهو يداعب أذنها بأنفه، لترتسم ابتسامة جميلة على شفتيها وهي تراه يتقدم بها إلى خارج الغرفة متوجهًا إلى غرفة العناية المركزة التي تمكث بها سوزان، فلمعت عيني آسيا وهي تنظر إليها عبر الزجاج و تناثرت العبرات من مقلتيها وهي تهتف بتأثر:
ـ وحشتني اوي. نفسي أخدها في حضني..
لأول مرة يرى مشاعرها الجياشة تلك تجاه أحد مما جعله يقول بنبرة خشنة:
ـ هخليكي تدخليلها بس نسأل الدكتور… المهم انك شفتيها دلوقتي…
اومأت برأسها، فأتاها صوت شروق من الخلف وهي تقول بتقريع:
ـ كان قلبي حاسس انك هنا. ماهو مش معقول تبقي آسيا لو موقعتيش قلبي.
سخر كمال قائلًا:
ـ شوفتي بقى أنا مش انا لوحدي اللي متكدر معاكِ..
اغتاظت من حديثه لتهتف ساخطة:
ـ والله أنا اللي متكدرة مش انت، وبعدين ما تجرب تمشي كدا و تسيبني والله ما همسك فيك. جرب كدا. جرب…
كانت تتوقع ثورته أو على الأقل غضبه لكنها تفاجئت حين وجدت ابتسامة تسلية على ملامحه ون يقول بهذه النبرة الجذابة التي تؤثر بها بقوة:
ـ تؤ. أنا مرتاح وانا متكدر كدا. غاوي تعب بقى تقولي ايه؟
رغمًا عنها غزا الخجل ملامحها لتلتفت إلى الجهة الآخرى فوجدت شروق تحاول قمع ضحكتها بصعوبة لتهتف ساخطة:
ـ بتضحكي على أيه يا زفتة أنتِ كمان…
تدخل عمر الذي كان واقفًا خلف شروق قائلًا بصدمة:
ـ عيني عليكِ باردة. دي منظر واحدة خارجة من عملية؟ أومال لو خارجة من الچيم كنتِ عملتي ايه؟
ـ و دكتور الغبرة دا ايه اللي جابه! أنا ناقصة
هكذا تحدثت آسيا ساخطة لتقهقه شروق على هذا اللقب الذي أطلقته على عمر الذي التمعت عينيه بالأعجاب ليقول بنبرة عابثة:
ـ الصلاة على النبي. عجبتك اوي؟
شروق وهي لازالت تضحك:
ـ الصراحة أنا بموت في آسيا وهي متعصبة..
غازلها عمر قائلًا بعبث:
ـ لا لو على كدا دانا هركبهالك العصبي. عشان بس اشوف الضحكة الحلوة دي.
تدخل كمال مُحذرًا:
ـ جرب اعمل كدا، عشان اقسمك اتنين…
عمر مازحًا:
ـ وماله يا خال اي حاجة منك مقبولة..
هتفت آسيا بنفاذ صبر:
ـ نزلني عشان عايزة اروح أوضتي، وأنتِ يا هانم تعالي ورايا..
قالت جملتها الأخيرة وهي تنظر بوعيد إلى شروق التي قالت بلهفة:
ـ وراكي أهو والله.
هتف عمر ساخطًا وهو ينظر إلى شروق:
ـ استني هنا سيبك منها. دي مش عارفة مصلحتك…
توقف الجميع إثر هذا الصوت القادم من الخلف:
ـ كمال…
التفت كمال ناظرًا إلى زينة التي ألقت التحية على عمر ثم توجهت إلى كمال الذي قال باندهاش:
ـ زينة!
زينة بعتب:
ـ زعلانة منك…
كمال بحرج:
ـ ليه بس كدا؟
تفرقت أنظار زينة ما بين آسيا التي كانت تطالعها بنظرات حادة، وشروق التي كانت نظراتها ساخطة لتقول بنبرة ناعمة:
ـ خلينا نتكلم بعدين..
لم يكد كمال يتحدث حتى هتفت آسيا بحدة:
ـ وديني أوضتي عشان تعبت….
اندهش كمال لوهلة من حدتها، ليتحول اندهاشه إلى لهفة حين قالت إنها متعبة ليقول باهتمام:
ـ حاضر يا حبيبتي.. تمام يا زينة نبقى نتكلم بعدين…
توسعت عيني آسيا حين تفوه بتلك الكلمة بعفوية لتكز على أسنانها بغل، فاندهش عمر من ما حدث ليقترب من شروق قائلًا بخفوت:
ـ هي مش كانت عايزاه ينزلها من ثواني! دلوقتي عايزاه يوديها. شوفي مش هي مزة بس مش مريحة..
ناظرته شروق شذرًا وهي تقول ساخطة:
ـ هو طول ما الوتايدة ورانا هنعرف طعم الراحة…
ـ عمر. ممكن توديني لخالد؟ عايزة اطمن عليه…
هكذا تحدثت زينة بنبرة ناعمة ليتحدث عمر بابتسامة هادئة:
ـ عنيا. دي المستشفى نورت أصلًا.
اغتاظت شروق من حديثه مع تلك المرأة التي لم تحبها قط، ولكن القدر دائمًا يلعب لعبته، فقد سمعت صوت راجي الذي جاء من الخلف:
ـ شروق..
استدارت شروق لتنظر إلى راجي الذي كان يحمل باقة من الورود ليقترب منها قائلاً بقلق؟
ـ طمنيني سوزي عاملة ايه؟
تشرست ملامح عمر في هذه اللحظة وهو ينظر إلى هذا الرجل الذي يود لو يكلمه في وجهه ولكنه يحافظ بأقصى درجة على ثباته أمامها ولكنها لا تساعده إطلاقًا خاصةً وهي تبتسم له هذه الابتسامة الرائعة و تجيبه بنبرتها الهادئة التي أججت نيران الغضب بصدره أكثر:
ـ الحمد لله يا راجي. بقت أحسن. ميرسي اوي على سؤالك…
شعرت بأنها في حاجة للثأر منه لذا التفتت قائلة بنبرة رقيقة:
ـ طيب يا دكتور عمر روح ودي المدام لمستر خالد وانا هخرج مع راجي الجنينة بره. أصل الجو هنا خنيق اوي…
اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت❤️
★★★★★★★★
ـ يرضيك كدا يا ياسر؟ غنى تشتمني قدامك! أنا بمثل و دموعي دموع تماسيح؟!
هكذا تحدثت هيام بحزن زائف وهي تضع يدها على فمها تبكي بانكسار قابله ياسر بالجمود حين قال:
ـ والله يا هيام أنا كمان مستغرب. ليه غنى اندفعت بالشكل دا وقالتلك اللي قالته! ما تقوليلي أنتِ كدا السبب. بما انك كنتِ واقفة بتتكلمي معاها؟!
ارتبكت لثوان قبل أن تقول بحزن:
ـ أنا ياخويا معرفش. بكلمها عادي لقيتها هبت فيا زي البوتجاز، و كلام بعيد عنك يسم البدن.
ضاق ذرعًا من طريقتها في قلب الحقائق لتحتد نبرته قليلًا حين قال:
ـ كنتِ بتكلميها في ايه يا هيام خرجها عن شعورها كدا؟ غنى دي أنا اللي مربيها على أيدي مش هتوه عنها.
اربكتها نبرته، فحاولت أن تجعل الأمر يبدو بسيطًا حين قالت:
ـ أبدًا والله. دانا لما شوفتك بتلعب مع حمادة قلبي وجعني، وقولت ياسر روحه في العيال يارب يحنن عليك بحتة عيل من صلبك. لقيتها وشها راح ميت لون…
كز على أسنانه من فرط الغضب الذي تجلى في نبرته حين قال:
ـ وأنتِ شايفة انك كدا مغلطيش، وهي اللي طلعت فيكِ من الباب للطاق صح؟
هيام بحدة:
ـ غلط في أيه بقى يا ياسر؟ انتوا عايزين تطلعوني وحشة وخلاص؟!
ياسر بجفاء:
ـ لما تتكلمي في موضوع عارفة أنه حساس بالنسبالنا دا مش غلط! انك تدخلي في اللي ملكيش فيه دا مش غلط!
هيام بصدمة:
ـ أخس عليك يا ياسر. هو أنا واحدة غريبة عشان تقولي كدا؟
ياسر بنبرة مغلولة:
ـ طب مانا مش غريب عنك ومع ذلك عمري ما اتدخلت في خصوصياتك مع جوزك. مجتش قولتلك ناويين تخلفوا تاني ولا لا؟ ليه بتتكلمي معاها في حاجة زي دي؟
ارتبكت لثوان قبل أن تقول بانفعال:
ـ الكلام جاب بعضه، أي هتعلقلي المشنقة!
عبأ ياسر صدره بالهواء قبل أن يقول بنبرة مُحذرة:
ـ مش هعلقلك المشنقة ولا حاجة. بس هقولك كلمتين تحفظيهم زي اسمك..
رفعت حاجبها باعتراض ليتابع ياسر مشددًا على كل حرف يتفوه به:
ـ مهما كانت غلاوتك عندي مش هسمحلك تيجي على غنى أبدًا. أنتِ ربتيني أنا و افضالك عليا أنا.. هي مش هتدفع التمن دا، و خلي بالك في حاجات أنا بلعتها عشان مخسركيش. لكن منستهاش دي زي الشوك في قلبي.
هيام باستنكار:
ـ للدرجادي قلبك شايل مني يا ياسر؟
ياسر بحدة:
ـ متلومينش أن قلبي شايل منك. لومي نفسك على أفعالك يا هيام. أنتِ مكنتيش كدا.
رأت الألم في عينيه كم بدا مُخيفًا لتقترب منه وتربت بحنو على كتفه قائلة:
ـ أنت مكبر الموضوع كدا ليه يا قلب أختك؟ دي حاجات عادية بتحصل في كل البيوت. دي مصارين البطن بتتعارك.. روق دمك..
ياسر بجفاء:
ـ انا ماشي..
هيام بلهفة وهي تحاول إيقافه:
ـ يالهوي هتمشي؟ أنت لحقت تقعد؟
ياسر بتقريع:
ـ مالوش لازمة اقعد ولا اجي من الأساس. مانا كل ما باجي عندك بتطلع مراتي زعلانه ومكسور خاطرها…
تعاظم الغضب بصدرها لتهتف بنفاذ صبر:
ـ يعني انت عايز ايه دلوقتي يا ياسر؟
ياسر بجمود:
ـ لما غلطتي فيها في المستشفى وطلبت منها تعتذرلك غنى مكسرتش كلمتي، ياترى هتقدري أنتِ بردو تنزلي تطيبي بخاطرها ولا كبيرة عليكِ أوي؟
كادت أن تصرخ في وجهه من شدة الغضب،ولكنها تمالكت نفسها لتزفر بحدة قبل أن تقول بجفاء:
ـ وماله اطيب خاطرها. مش مرات الريس…
كانت غنى في الأسفل تغلي من الغضب و الحزن، تود لو تذهب لهذه المرأة و تقوم بجذبها من خصلات شعرها حتى تشفي غليلها منها، ولكن وجوده يمنعها من هذا الفعل، لتتفاجيء بها تهتف باسمها بنبرة ودودة:
ـ غنى. بت يا غنى. شوف الهبلة اللي بتتقمص من أقل حاجة. يا بت كل دا و معرفتنيش؟ و عرفتي طبعي؟ بدب الكلمة كدا من غير ما أحس. والله ما بيكون قصدي. دانا بحبك..
غنى بسخرية:
ـ اه أنتِ هتقوليلي!
اقتربت هيام تربت على كتفها وهي تقول:
ـ يا هبلة والله دانا بحبك.. يا بت افردي بوزك بقى.. مكنتش أقصد.. أنتِ زعلك وحش ليه كدا؟
رفعت رأسها إلى ياسر الذي كان الغضب بادٍ على محياه، فقررت أن تتجاهل ما حدث و تقول بابتسامة بسيطة:
ـ خلاص محصلش حاجة..
هيام في محاولة لإرضاء شقيقها:
ـ طب اضحكِ بقى..
اتسعت ابتسامة غنى لتنمحي فور أن سمعت صوت ياسر الحاد:
ـ يالا عشان نمشي…
التفتت هيام بلهفة:
ـ ياسر…
قاطعها ياسر بجفاء:
ـ هنبقى نيجي تاني يا هيام…يالا…
قال كلمته الأخيرة وهو ينظر إلى غنى التي أدركت بأنه لن يمرر ما حدث لذا صافحت هيام التي لم يعجبها الأمر، ولكنها تعرف أنها لن تستطِع التمادي الآن، فهي تعرف شقيقها جيدًا…
كان صامتًا طوال الطريق إلى البيت، ولكن ملامحه كانت تحكي عن مقدار غضبه لذا اثرت الصمت إلى أن يصلوا حتى يتثنى لها الحديث معه على راحتها، وما أن وصلوا حتى وجدته يلقي مفاتيحه بعصبية على الطاولة فاستفزها الأمر لتقول بحدة:
ـ هو أنا ممكن اعرف انت عامل كدا ليه؟
ياسر بتحذير:
ـ أنتِ تسكتي خالص..
غنى بانفعال:
ـ ليه بقى ؟ هو أنا عملت أيه؟
ياسر بحدة:
ـ اعمليلك قفلة يا غنى احسن لك..
تغلب عليها غضبها لتضرب قدمها في الأرض وهي تقول بنبرة مغلولة:
ـ أنت كمان اللي متضايق و عايزني اخرس؟ يعني أختك تبهدلني، و عايزني اخرس؟!
لم تتوقع انفعاله في وجهها بهذه الطريقة حين هتف صارخًا:
ـ اختي بهدلتك قالتلك ايه؟ هاه؟ شتمتك! هانتك؟ ولا أنتِ اللي قليتي أدبك عليها وقدامي!
هبت غنى مدافعة عن نفسها:
ـ هي اللي استفزتني!
سخر ياسر بنبرة مريرة:
ـ يااااه. استفزتك! قوليلي كدا يا غنى أنا كام مرة اتهانت من أهلك؟ كام مرة أمك قعدت وسط الناس وقالت عليا صايع و ضايع و ماليش ستين لازمة! هل انا مرة واحدة رديت على إهانة منهم! كانت الناس كلها بتعملي الف حساب، وهي دايرة تقولي عليا أقذر كلام و تقلل مني.. عمري وقفت حتى قولتلها بتقولي ايه؟
كان مُحقًا، فقد تعرض لإهانات بالغة من والدتها حين تقدم لخطبتها في الماضي، فلم تجد أي رد قد يسعفها لذا لجأت للصمت مما جعله يقول بمرارة:
ـ دانا المرة الوحيدة اللي صوتي علي عليها وشدتها في الكلام كان عشان مدت إيدها عليكِ. حتى يوم ما هيام ضايقتك في المستشفى قولتلك حقك عليا أنتِ وهي راضيتك أنتِ وهي. متحملتش أي غلط في حق أهلك بالرغم من كل اللي عملوه فيا ودا كله عشان خاطرك وعشان هما اهلك…
للمرة الثانية الذي يكون محقًا بدرجة اشعرتها بالذنب تجاهه لتحاول تبرير موقفها قائلة:
ـ ماشي عندك حق. بس هيام مستفزة.
ياسر بجفاء:
ـ هو دا كل اللي تقدر تعمله معاكِ وانا اتكلمت معاكِ قبل كدا و فهمتك. قولتلك هي بتغير. منطقي بقى مش منطقي. دي مش مشلكتي. هو دا طبعها.
حاولت غنى الحديث قائلة:
ـ يا ياسر اسمعني..
قاطعها ياسر بنبرة قاطعة و انفاس محمومة:
ـ اسمعيني أنتِ. هيام دي أمر واقع في حياتي. دي أختي اللي ربتني. لو جيت عليها أو قليت معاها ابقى واطي. متستحقش تنامي في حضني وأنتِ مطمنة. ماهو اللي مالوش خير في أهله مالوش خير في حد يا بنت الناس…
تناثرت العبرات من مقلتيها وهي تهتف بقلة حيلة:
ـ طيب انا غصب عني اتضايقت..
حاول ألا يتأثر بعبراتها ليقول بحدة:
ـ تقوليلي، وانا اجيبلك حقك تالت ومتلت. زي ما هي اختي أنتِ مراتي و حتة مني مش هتحمل عليكِ الهوى.
غنى بسخط:
ـ مانا قولت وانت معملتش حاجة..
ياسر بانفعال:
ـ هو أنا لحقت؟ لو كنتِ بلعتي لسانك الطويل دا لثواني كنتِ شوفتي أنا كنت هعمل فيها ايه؟ مش مقبول في أي وضع تشتميها أو تقلي أدبك عليها وقدامي، وقولتلك أنا هجيبلك حقك لحد عندك..
شعرت بأنه محق، فقد نجحت في أن تستفزها لتجعلها في وضع المدان أمامه، و هي شبة متأكدة من أنه وبخها في الأعلى لتقول بنبرة خافتة:
ـ أنت اللي خلتها تنزل تصالحني صح؟
ياسر بجفاء:
ـ أنا عرفتها غلطها، و فرملتها عشان متدخلش تاني في اللي ملهاش فيه، أقولك أنا عشان اريح دماغي هبقى اروحلها لوحدي. أنا غلطان أصلًا اني خدتك معايا…
قال جملته الأخيرة بنفاذ صبر، فقد ضاق ذرعًا من هذا الأمر لتهتف بلهفة:
ـ يووه خلاص بقى. مكنتش أقصد يا ياسر. متزعلش مني..
لم تكد تُنهي حديثها حتى وجد هاتفه يعلن عن اتصال هاتفي من هيام ليقوم بوضعه بقوة فوق الطاولة وهو يهتف بسخط:
ـ أنا داخل اتخمد..
هرولت خلفه وهي تقول بعتب:
ـ هتنام زعلان مني؟
ارتمى بثقله فوق مخدعه وهو يقول بنفاذ صبر:
ـ هنام قبل ما اتجلط منك أنتِ وهي…
شعرت بأنها على شقير الإنهيار في هذه اللحظة، فقد سمحت لتلك الأفعى بإفساد سعادتها و تعكير صفو حياتها معه، لتتراجع إلى الصالة تؤنب نفسها، فرن هاتفها وكان المتصل والدها لتجيبه قائلة بنبرة حزينة:
ـ ازيك يا بابا عامل ايه؟
مرزوق بحنو:
ـ ازيك يا بنتي عاملة ايه؟ طمنيني عليكِ.. مال صوتك؟
ـ لا ولا حاجة أنا بس كنت قاعدة زهقانه.
مرزوق باستفهام:
ـ و الريس ياسر فين؟
غنى بسخط:
ـ نايم..
ـ طب ما تيجي تقعدي معانا شوية، ولما يصحى يبقى ييجي ياخدك؟
شعرت بأنها فرصة لكي تتحدث معه، فهتهف بلهفة:
ـ طيب انا هشوفه كدا ولو وافق هقولك تعدي عليا..
ـ طيب يا بنتي شوفي وردي عليا…
محت عبراتها و توجهت إلى الغرفة لتقف أمام السرير قائلة بنبرة ناعمة:
ـ ياسر…
ياسر بسخط:
ـ أمممم..
رققت نبرتها وهي تقول:
ـ بابا لسه قافل معايا عايز ييجي ياخدني أروح اقعد عندهم شوية ولما تصحي تبقى…
شهقة قوية خرجت من جوفها حين جذبتها يداه بقوة لتتسطح بجانبه فوق السرير يحاوطها بيديه و ساقه وهو يقول مُحذرًا:
ـ اتخمدي أحسنلك عشان مش طايقك ولا طايق نفسي…
انحبست الأنفاس بصدرها من فعلته، ولكن سرعان ما شعرت بسعادة عارمة اجتاحتها، فهو بكل الأحوال لا يطيق ابتعادها عنه لتقوم برفع كفه ووضع قبلة دافئة فوق راحته ليجذب كفها و يقبله بحُب قبل أن يدفن رأسه بين حنايا عنقها و يخلد إلى النوم…
اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي ❤️
★★★★★★★★★
ـ خالد طمني عليك. عامل ايه؟ و سوزان عاملة ايه؟
هكذا تحدثت زينة بلهفة و عينين لا ترى من بين الحاضرين سوى خالد الذي اجاب باختصار:
ـ الحمد لله. عرفتي منين؟
زينة بحزن:
ـ رنا.. من وقت ما عرفت اللي حصل وهي منهارة. حرام مكنتش أشجان قالتلها.
اغتاظت أشجان حين ألقت اللوم عليها، ولكن خالد لم يُمهلها الوقت للحديث إذ قال بجمود:
ـ في كل الاحوال كانت هتعرف.
زينة بنبرة ناعمة:
ـ معلش يا خالد بس انت رنا رقيقة و بتحب سوزان اوي. دانا حتى من حبك انت وهي فيها. كان نفسي اتعرف عليها أوي..
خالد بنبرة خشنة:
ـ أن شاء الله لما تقوم بالسلامة…
زينة بنبرة رقيقة:
ـ يارب يطمننا عليها.
لم تستطِع أشجان الصمت أكثر لتقول باستنكار:
ـ يطمنا! معلش يا زينة جبتي حرف النون دا منين؟ دا أنتِ لسه قايلة انك متعرفيهاش..
تمهلت زينة في الحديث قائلة:
ـ أنا اه معرفهاش بس كفاية عليا أن خالد ورنا بيحبوها عشان أحبها و أكون عايزة اطمن عليها انا كمان….
كان خالد في هذه اللحظة يحاول الوصول إلى بشتى الطرق ولكنه لم ينجح، ليبدأ غضبه بالظهور على السطح، مما جعل زينة تقول باهتمام:
ـ في حاجة يا خالد ولا اي؟
خالد باختصار:
ـ لا.
ـ أومال وشك اتقفل مرة واحدة ليه؟
هكذا استفهمت زينة بنبرة ناعمة قابلها خالد بلهجته الجافة حين قال:
ـ متشغليش بالك…
في هذه اللحظة كان يزيد قد وصل ليقترب خالد منه هو وعمر وهو يقول باستفهام:
ـ محدش فيكوا كلم رحيم النهاردة؟
نفى يزيد و كذلك عمر الذي قال:
ـ جرب ترن عليه.
خالد بسخط:
ـ تفتكر الموضوع دا غايب عني مثلًا..
تهكم يزيد قائلًا:
ـ ما شاء الله عليك نبيه جدًا.. طيب يا وحش ما تجرب تكلم الحرس اللي معاه كدا..
خالد بملل:
ـ و تفتكر يا ذكي أنا مجربتش أعمل دا؟
سخر عمر من يزيد قائلًا:
ـ يارب الكبسة تكون عجبتك..
يزيد بتهكم:
ـ لا بحبها باللحمة معلش..
زفر خالد بحدة ليهتف عمر بلهفة:
ـ طيب ما تجرب تسأل صافية يمكن نايم على حجرها كالعادة..
ضاق خالد ذرعًا من غبائهم ليهتف بحدة:
ـ تصدق كانت غايبة عني الفكرة دي؟
صاح يزيد بحدة:
ـ أقولك أنا بقى حاجة غايبة عنك! في معركة هتدور وراك بالخناجر والسيوف دلوقتي…
انتبه خالد الى وجه أشجان الذي كانت الدماء تتفجر منه ليقترب من المرأتين في نفس الوقت الذي استدارت به زينة التي رسمت ابتسامة رائعة على ملامحها وهي تمد يدها التي تحمل باقة ورود جميلة إليه لتقول برقة:
ـ خالد معلش ممكن توصل الورد دا لسوزان وقولها ألف سلامة، دا مني أنا ورنا…
تعمدت ذكر اسم رنا حتى تضمن أنه لن يرفضه ليأخذ خالد الورد منها وهو يقول باختصار:
ـ الله يسلمك…
غادرت زينة لتشعر أشجان أنها على وشك الانفجار لتنظر إليه بسخط تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ اوعى تدي الورد لسوزي. أحسن يدبل…
أنهت جملتها و التفتت تنوي المغادرة لتمتد يد خالد تقبض على خصرها وهو يحاول منع ابتسامته بصعوبة ليقول بنبرة خشنة:
ـ استني بس. راحة فين؟
برقت عيني عمر حين شاهد خالد وهو يحاول مراضاة أشجان، فقد كانت المرة الأولى الذي يراه فيها يحاول مراضاة أي شخص ليوجه حديثه إلى يزيد قائلًا:
ـ ولا يا يزيد. الوحش بيصالح ولا أنا بيتهيقلي؟
يزيد باندهاش هو الآخر:
ـ تصدق شكله هيعملها! دا حدث تاريخي أنا عمري ما شفته غير وهو بيزعق بس.
وصل حديثهم إلى مسامع خالد الذي عرض على شفتيه بحنق تجلى في نظراته وهو يلتفت ناظرًا إليهم، ليفاجئهم حين القى باقة الورود في وجه كليهما وهو يصرخ آمرًا:
ـ امشي من وشي أنت وهو..
تراجع كليهما إلى الخلف ليهتف عمر قائلًا
ـ من عنيا يا خال.
و صاح يزيد هو الآخر:
ـ أنت تؤمر ياخويا. بقولك ايه يا عمر افندي أنت. هات الورد دا نبيعه. شكله غالي.
★★★★★★★★★
ـ أنت أتجننت صح؟
هكذا صاحت آسيا في وجه كمال الذي ما أن عاينها الطبيب و صرح لها بالخروج حتى قام ذلك الضخم بحملها و جلبها إلى منزله دون أن يُبالي باعتراضها ليقوم بإدخالها إلى غرفته التي لم تدخلها من قبل و قام بإغلاق الباب خلفهم بالمفتاح مما جعلها تقول بذهول:
ـ دا ايه دا بقى؟ أنت بتقفل الباب بالمفتاح ليه؟
أطلق كمال زفرة قوية من أعماقه قبل أن يقول بنبرة حاسمة:
ـ هنتكلم…
