رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم نورهان ال عشري


 رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني  ( هل من سبيل للغفران) الفصل الرابع والثلاثون 

يُقال إن الندم: هو أن تعود بعد أن تُشبعك الحياة صفعًا، فتجد جميع الأبواب التي تركتها يومًا مفتوحة قد أُغلِقت، ولم يعُد يُسمح لك حتى بالنظر عبر نوافذها؛ وكأن القدر يخبرك أن بعض الفرص لن تنتظر اعتذارك المتأخر.
ويُقال إن الخيبة: هي انطفاء آخر ضوءٍ كان يُنير عتمة العالم من حولك، فلا يعود هناك فرقٌ بين النهار والليل، إذ يصبح القلب أسيرًا لظلامٍ لا يجرؤ شروق الشمس المساس به.
أما الخذلان، فهو يشبه طائرًا صغيرًا كُسِر جناحه عند أول محاولةٍ للطيران؛ فلا يعود خائفًا من السقوط فقط؟ بل يخشى حتى النظر إلى السماء، فيقضي ما تبقى من عمره وهو ينظر إليها بشوقٍ وعجز.
ثم يأتي الحنين... ذلك الزائر غير المرغوب فيه، الذي يعرف طريقه إلى القلوب كلما أرخى الليل سدوله. يطرق أبواب أرواحٍ ظنت أنها استطاعت لملمة أشلائها، فإذا به يبعثرها من جديد، وكأن للجراح ذاكرة تحفظ أسماء أصحابها.
وما أقسى الخيانة... فهي كغصنٍ أزهرت عليه الثقة، وسُقي بماء الإخلاص، ولكنه لم يُثمر إلا شوكًا غرس نفسه في قلبٍ لم يكن ينتظر إلا وردًا.
أما الغدر، فهو أن أكون ملاذك في جميع أوقاتك الصعبة أرمم شروخ روحك بحب وأحمل عنك كل ما يثقل كاهلك ثم حين يأتيك الفرح لا تتذكر حتى إخباري..
لكن... أتعرف ما هو الأقسى من كل ذلك؟
أن تجتمع في صدرك كل هذه الآلام دفعةً واحدة؛ ندمٌ ينهشك، وخيبةٌ تُطفئك، وخذلانٌ يُثقل جناحيك، وحنين يمزق ما التئم داخل روحك، وخيانة تُدميك، وغدر يهزم آخر ما تبقى من يقينك...
ثم تكون نجاتك كلها بين ذراعي شخصٍ واحد، تعرف أن دفئه قادرٌ على إخماد كل هذه الحرائق بصدرك. لكنك لا تجرؤ على الارتماء بين ذراعيه لأنك تخشى أن تكون ذراعيه هما المكان الوحيد الذي لم يعُد لك حقّ اللجوء إليه.
حينها فقط.. تدرك أن القهر ليس مجرد شعور، بل أصبح وطنًا يسكنك و تسكنه مجبرًا، يضيق بك كل يوم، ولا تجد منه مفرًا، فتظل واقفًا على أعتاب النجاة، تنظر إليها بقلبٍ يحترق، تفصل بينك وبينها مسافة يحرسها كبرياء مكسور حتى وإن تخليت عنه لن يتخلى هو، فيترك القلب عاجزًا أمام كل هذه الكلمات التي ماتت قبل أن تُقال.

نورهان العشري ✍🏻

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

ـ أنت أتجننت صح؟ 

هكذا صاحت آسيا في وجه كمال الذي ما أن عاينها الطبيب و صرح لها بالخروج حتى قام ذلك الضخم بحملها و جلبها إلى منزله دون أن يُبالي باعتراضها ليقوم بإدخالها إلى غرفته التي لم تدخلها من قبل و قام بإغلاق الباب خلفهم بالمفتاح مما جعلها تقول بذهول:

ـ دا ايه دا بقى؟ أنت بتقفل الباب بالمفتاح ليه؟ 

أطلق كمال زفرة قوية من أعماقه قبل أن يقول بنبرة حاسمة:

ـ هنتكلم…

آسيا بحدة:

ـ أنا لا عايزة اتكلم ولا عايزة اسمع…

كمال بنبرة يتخللها الألم:

ـ أنا محتاج اتكلم.. أنا لأول مرة في حياتي احس اني عايز اتكلم. عايز اقول الكلام اللي فصل محبوس في قلبي سنين. من قبل حتى ما أعرفك..

رغمًا عنها شعرت بالتأثر من نبرته و ملامحه التي كان يغشاها الحزن بطريقة آلمتها، ولكن هناك جرحًا نازفًا بداخلها لا ينفك يؤنبها كلما شعرت بالحنين إليه لتقول بنبرة مُهتزة:

ـ مش أنا الشخص اللي مفروض تحكيله، ولا مفروض أكون معاك دلوقتي على فكرة. أنا واحدة أنت دوست على كل حاجة كانت بينكوا في مسافة ايام، وروحت رميت نفسك في حضن واحدة تانية، و مكفكش كدا. لا دا انت كمان جايبلي ابنها و أجبرتني اني اتجوزك عشان بس تنتقم مني، و تكسر عيني…

ـ سيف مش ابني يا آسيا…

كانت تتحدث إليه وهي تبكي بقوة لتخترق جملته مسامعها حتى جمدت كل شيء بها. حتى أنفاسها احتبست بداخل صدرها و بقيت الكلمات معلقة على شفتيها اللتان انفرجت بذهول ليقترب منها و يمسك بكتفيها ليجذبها و يجلسها وهو بجانبها على الأريكة الكبيرة وهو يقول بنبرة يتخللها الأسى:

ـ مش بقولك محتاج أحكي…

وقع الأمر عليها وقوع الصاعقة لتشعر بأن العالم يدور من حولها وهي لا تصدق ما تسمعه، لترتجف الكلمات فوق شفتيها حين قالت:

ـ أن. أنت. بتقول. بتقول ايه؟ 

انضم القلق إلى لائحة المشاعر التي يعج بها صدره ليقوم بجذب كوب مياة من فوق الطاولة ليمده اليها وهو يقول باهتمام:

ـ اهدي و اشربي. مش عايزك تنفعلي.

اطاعته و بللت حلقها الجاف وعينيها لا تفارق ملامحه وكأنها تتوسل إلى شفتيه بصمت أن يكملان حديثهم، فهناك جمرات لاتزال شاعلة بصدرها منذ ذلك اليوم الذي أخبرها به أن هذا الطفل ابنه، ولكم تمنت أن تحدث معجزة تطفيء تلك النيران التي تنهش بها بصمت لا تجرؤ على التخلي عنه

ـ كمل…

كان هذا كل ما استطاعت التفوة به ليتابع كمال بنبرة مُتحشرجة:

ـ أنا عمري ما لمست ست غيرك، ولا حتى فكرت..

اشتد ثقل الوجع بداخله ليطفو بقوة على ملامحه وفي عينيه و كذلك نبرته حين قال:

ـ أنتِ كنتِ بطلة كل اللحظات في حياتي… لحظات الحب، الحزن، الغضب و حتى الألم. مفيش ست غيرك قدرت تقرب حتى من مكانك جوايا..

سالت دموعها فوق وجنتيها كأنها تغسل سنواتٍ كاملة من الخوف والخذلان. لم تكن تبكي لأن الحقيقة أوجعتها، بل لأنها بدت أجمل من أن تُصدق. ظل عقلها يقاومها، يهمس بأن الأمر مستحيل، فقد كان يرتجف خوفًا من أن تكون مجرد أمنية تنكرت في هيئة كلمات. بينما تشبث قلبها بكل حرف نطق به، وكأن نجاته كلها معلقة بتلك الكلمات. ثم خرج صوتها واهنًا، مرتعشًا بين الرجاء والرهبة: 

ـ ومين لورا دي؟ 

اعتدل كمال يستند بثقله على ظهر الكنبة وهو يرتفع بأنظاره إلى البعيد و كأنه يسترجع لا الذكريات فقط بل ألمها أيضًا الذي اجتاح نبرته حين أجابها:

ـ لورا دي أكتر ست اتعذبت في الدنيا. كنت بحس انها مراية لوجعي…

فرت دمعة خائنة من طرف عينيه لم يبالي لها إنما تابع بنبرة مُلتاعة:

ـ لما روحت على إيطاليا. كنت حاسس اني مدبوح بسكينة تلمة. لا راضية تتشال من على رقبتي ولا راضية تسيبني اموت. كنت بحاول اهرب من وجعي بكل الطرق. روحت لمكان روحته من سنين. كان شاهد على أصعب لحظات حياتي بردو. المكان دا كان في مكان بعيد عن المدينة. زي قرية صغيرة على البحر. عدى يوم واتنين أسبوع كنت بقضي اليوم كله في الرياضة أو السباحة. المهم أني أتهد في أي حاجة تخليني ييجي عليا الليل أمام و محسش. الليل كان بيبقى طويل أوي، و كأن دايمًا بيفكرني بيكِ. 

عبأ صدره بالهواء النقي قبل أن يتابع بنبرة مُتحشرجة:

ـ في يوم خرجت أعوم في وقت متأخر. كنت بعوم معرفش رايح فين. مش هكذب أو قولتلك كنت بتمنى الموج ياخدني و ميرجعنيش. اليوم دا بعدت اوي عن البيت و من بعيد شفت ناس بتضرب واحد. وهو عمال يصرخ. خرجت من البحر، و جريت عليه. كانوا كتير. بس أنا مكنش فارق معايا. ضربت و اضربت. لكن قدرت اني ابعدهم عنه، وفي اللحظة اللي قربت اطمن عليه ضربني واحد منهم بسكينة في جنبي…

شهقة قوية خرجت من جوفها حين قال جملته الأخيرة ليلتفت ناظرًا إليها وكأنه يطمئنها بنظراته قبل أن يتابع بوجوم:

ـ محستش بالدنيا بعد كدا، و صحيت بعد تلت أيام لقيت نفسي في مكان غريب، معرفوش كان لسه الجرح شادد عليا، اول ما قومت و اتحركت لقيت واحدة ست داخله عليا وكانت متضايقة أوي، أو وجودي كان مسببلها أزمة. كانت لورا. الولد اللي انقذته كان من اللي بيشتغلوا على الشط، وكان عارفها، بعد ما الناس دي ضربتني بالسكينة الشرطة جت، وكان عايز يهرب بأي طريقة، ملقاش حل غير أنه يجرني و يحطني قدام باب بيتها و خبط عليها و جري، و طبعًا هي لقت واحد بيموت مقدرتش تسيبه، خدتني عندها و اسعفتني، و فضلت في حمى تلت ايام، لاني مكنتش اصلا باكل ولا بنام تقريبًا كنت ما صدقت…

أطلق زفرة حارة من جوفه قبل أن يُكمل بنبرة مُفعمة بالحزن:

ـ من غير دخول في تفاصيل. مكنتش في الاول حباني. بس الوحدة خلتنا نكون أصحاب، و بدأت تحكيلي على قصتها، و وقتها عرفت أني مش لوحدي اللي اتغدر بيا من شخص بحبه. دا في ناس تانية وجعها صعب اوي. 

خرجت الكلمات مبحوحة من فوق شفتيها حين قالت:

ـ و أيه هي قصتها؟ 

كمال بنبرة مُلتاعة:

ـ كانت سيدة أعمال ناجحة حبت واحد، و اتجوزته، بس نصب عليها وخد فلوسها. في الاول فهمها أن أهله مش موافقين بجوازهم عشان هي اكبر منه بسنتين، و قالها أنه هيسافر عشان يقنعهم، مكنتش تعرف أنها حامل في سيف، و بعد ما سافر اكتشفت أنه باع كل أملاكها و راح على بلده، كان من دولة عربية، تخيلي أن مش دا اللي واجعها، فضلت لحد ما ولدت، وهي بتقنع نفسها انها راجع. لحد ما في يوم فتحه الفيس بوك وشافت صور فرحه من بنت مسئول كبير في بلده…

تألمت لهذه القصة المحزنة، ولكن يبقى الفضول يقرضها لمعرفة ما يخفيه لذا قالت باستفهام:

ـ وبعدين؟

أجابها كمال وهو ينظر أمامه يتذكر حجم الوجع في هذه اللحظات ليجيبها بنبرة مُشجبة:

ـ عارفة لما الإنسان يكون ماسك في حبل مسنون عمال يقطع في إيده وهو متمسك بيه رغم الوجع اللي هو حاسه، وبردو مش راضي يسيبه؟ دا كان حالها بالظبط. كانت بتفضل تقول لنفسها أنه راجع. كان عندها استعداد تسامحه أنه أخد كل اللي كانت بتملكه، بس يرجع. 

ـ ورجع؟ 

كمال بنبرة تعج بالأسى:

ـ لا. قبل ما تولد سيف كانت علاقتنا بقت قوية، و سألتني مين آسيا اللي كنت بتنادي عليها وانت تعبان، وكانت أول مرة تقولي اني كنت بنادي عليكِ. 

استفهمت بلهفة غير مقصودة:

ـ و حكتلها؟

هز رأسه بالنفي قبل أن يستطرد قائلًا:

ـ هي فهمت.من حالتي. قالتلي إن الخذلان اللي معشش في ملامحي أكيد نتيجة خيانة. الغريب أنها مفرحتش بسيف أنا اللي فرحت بيه. كان طفل جميل اوي. الوقت الوحيد اللي كنت بنسى كل حاجة تعباني كان وانا جنبه. 

أحرقها ذلك الاستفهام الذي تغلب على إرادتها وخرج معبراً عن نفسه:

ـ أنت كنت عايش معاها؟

كمال بنفي:

ـ لا.. أجرت البيت اللي جنبها. بس كنا بنقضي وقت كتير مع بعض. خصوصًا بعد ما جه سيف. لحد الليلة اللي شافت فيها صور فرح جوزها. كانت صدمة كبيرة اوي بالنسبالها. انهارت و فضلت تكذب نفسها، و قررت تروحله. 

لونت السخرية ملامحه و نبرته حين قال:

ـ كان عندها امل فيه. معرفش ليه؟ يمكن عشان كانت شايفة ان حياتها واقفة عليه! معرفش بس اللي شفته واللي كنت متوقعه، أن هترجع من عنده  أسوأ من ما كانت قبل ما تروحله..

ـ حصل ايه؟

كمال بنبرة جريحة:

ـ متكلمتش كتير. كل اللي كان على لسانها أنها كانت مجرد وسيلة. لما انتهى احتياجه ليها رماها، وصلها إحساس انها متستحقش تتحب. لورا مكنتش جميلة أوي. بس كانت شخصية مميزة تحبي تتعاملي معاها. لكن هو مشافش فيها دا، وللأسف جرحها بكل الطرق. قعدت حوالي عشر أيام قافلة عليها الأوضة، وسيف كان معايا.

ابتسامة حزينة لونت ملامحه وهو يتابع بنبرة يسكنها الشجن:

 ـ سيف كان صاحبي.. الوحيد اللي حكيلته عنك. حكيتله قد أيه حبيتك، وقد ايه اتوجعت منك. 

التفت ينظر إليها بنظرة معاتبة وهو يقول بنبرة مفعمة بالألم:

ـ أنا ولا لحظة نسيت اللي حصل. ولا لحظة نسيت اللي كان بيننا لدرجة اني كنت مشفق عليها، ومش قادر أواسيها كنت واسيت نفسي. 

أخفضت رأسها وهي تبكي بصمت، فقد أربكها الألم الذي رأته في عينيه ليتابع كمال بأسى:

ـ بدأت تخرج واحدة واحدة من عزلتها. فكرت أنها استسلمت لأنها بدأت تتعامل معايا عادي. لحد ما في يوم كنت جاي أنا وسيف من بره، كنا بنتمشى دايمًا على البحر. كنت بحاول أخفف عنها وجوده معرفش ليه كنت بحس انها بتبصله وكأنه عبأ. أو يمكن عشان بيفكرها باللي عمله فيها نذار.

ـ بس دا ابنها مهما كان..

هكذا تحدثت آسيا باستنكار ليُجيبها كمال بحيرة:

ـ معرفش كانت شيفاه ازاي. أو مكنتش شيفاه أصلًا. المهم. لما رجعت البيت  اليوم دا اتفاجئت لما لقيتها مزينة المكان كله حتى هي…. دي كانت اول مرة أشوفها كدا. لقيتها واحدة تانية غير اللي سبتها.

زحفت الغيرة إلى صدرها كأفواج من النمل لتهتف بحدة غير مقصودة:

ـ يعني ايه واحدة تانية؟ كانت عاملة ازاي؟

كمال بتلقائية:

ـ كانت حلوة…

آسيا باستنكار:

ـ حلوة!

انتبه لحديثه ليقول بلهفة:

ـ مقصدش. أقصد بالنسبة لحالتها اللي سبتها فيها. كانت ملخبطة و وشها باهت وعنيها مليانة دموع. لا دي كأنها اتبدلت . كانت لابسة فستان، وحاطة مكياج. حتى شعرها..

حاولت تجاهل ذلك المنحنى لتقول بجفاء:

ـ وبعدين…

تهدجت نبرته وكأن الذكرى تزحف إلى عقله كالسُم الذي يقتل ببطء مميت، ليغلق عينيه وهو يعود إلى ذلك الوقت..

عودة إلى وقتٍ سابق 

ـ لورا؟ ما هذا؟

هكذا تحدث كمال باندهاش لتقترب منه وعينيها تطالعه بنظرات انبهار اجفلته لتقول بنبرة ناعمة:

ـ أردت أن أقول شكرًا لك، ولكن بطريقة مختلفة…

كمال بحرج:

ـ ليس عليكِ أن تشكريني بأي طريقة، فأنا لم أفعل شيئًا…

تجاهلت حديثه لتقول بنبرة رقيقة وهي تمرر يدها فوق جسدها:

ـ أخبرني هل أبدو جميلة؟

شعر بالشفقة على هذه المرأة المُحطمة ليقول بتأكيد:

ـ بالطبع. تبدين رائعة. لا تشكي في هذا أبدًا، و تستحقين الأفضل بكل شيء. عليكِ أن تثقي بهذا الشيء..

التمع وميض من نوعٍ خاص بعينيها لتقول بنبرة ناعمة:

ـ أثق بكل ما تقوله. سأخذ سيف إلى غرفته حالما تغتسل و تبدل ثيابك. الليلة سنتعشى سويًا لقد أعددت الطعام بنفسي…

ابتسم كمال على حديثها وقال بنبرة خشنة:

ـ حسنًا كما تريدين…

توجه كمال إلى شقته ليغتسل و يبدل ثيابه ثم عاد مرة آخرى الى شقة لورا التي قابلته بابتسامة عذبة وهي تقول بنعومة:

ـ سعيدة لانك لم تتأخر. 

كمال مازحًا:

ـ في الحقيقة اتصور جوعًا وهذا ما أتى بي جرًا..

ابتسمت لورا على حديثه لتتوجه إلى مكانها حول الطاولة كما اتخذ كمال مكانه، لتتحدث لورا بنبرة رقيقة:

ـ أحضرت لك مشروب التفاح. اعلم انك لا تتناول الخمور… 

ابتسم كمال كونها راعت ذلك و قال بامتنان:

ـ أشكرك كثيرًا…

ـ هيا اخبرني رأيك به؟ 

رفع كمال الكأس إلى شفتيه ليرتشف منه عدة رشقات قبل أن يقول بتلذذ:

ـ أنه جميل حقًا. أشكرك لورا..

كانت تناظره بطريقة أثارت حفيظته خاصةً حين هبت من مقعدها واقتربت منه لتجلس أمامه على الطاولة ثم قامت بمد يدها لتمررها على وجنته قائلة باغواء:

ـ أنا من يشكرك لأنك هنا…

غضب كمال من فعلتها ليتراجع عن مرمى أناملها وهو يقول باستفهام:

ـ لورا؟ هل تناولتِ الكثير من الخمر الليلة؟

لورا بنبرة تجيش بها الكثير من المشاعر:

ـ لا، لست مخمورة. لقد عاد إلي وعيي وانا انظر الى ذلك الرجل شديد الوسامة الذي كان يحمل طفلًا ويلهو به أمام البحر، وفي هذه اللحظة أدركت بأنني ضيعت الكثير وانا عمياء..

هب كمال من مقعده وهو يستنكر غاضبًا:

ـ هي تحاولين أغوائي؟ 

التمع شيء ما في عينيها و دوت رنة من الحزن في نبرتها حين قالت وهي تمد يدها نحو مرفقه:

ـ أحاول أن اجعلك ترى نفسك على حقيقتها. بين يدي إمرأة حقيقية..

نفض كمال يده منها وهو يقول بحدة:

ـ لورا. اسمعيني جيدًا. أنا لا أفعل هذا الشيء خارج إطار الزواج..

استنكرت لورا ساخرة:

ـ اوة كمال. لم أتخيل أنك قديس..

قاطعها كمال بنبرة قاسية:

ـ لست قديس ولكني لست بشيطان، ولا افعل مثل هذه الأمور لأنها تثير اشمئزازي.

طغى الألم على ملامحها وهي تهتف بحدة: 

ـ أنت كاذب كمال. لا تريد فعل ذلك بسبب تلك المرأة التي كنت تنادي باسمها و انت مُصاب بالحمى.. على الأقل من شجاعًا واعترف..

كانت كلماتها كالملج الأجاج الذي القي على جرحٍ نازف، فضاعف من انينه ليهتف صارخًا:

ـ نعم. تلك اللعنة تقف حائلًا بيني وبين الحياة بأكملها. لكني لن أفعل ذلك..

حالما أنهى كلماته شعر بالدوار يكتنفه، فالتمعت عينيها بخُبث قبل أن تقول ساخرة:

ـ يبدو انك ستفعل قريبًا يا عزيزي، فقد بدأ مفعول المخدر يسري بدمائك.

كمال بذهول:

ـ مخدر!

لورا بمرارة ساخرة:

ـ نعم. لشيء لا أعلمه كنت اظن انك سترفض، ولهذا لم اعطيك الاختيار..

بدأ الدوار يداهمه بشدة لكنه قاوم قائلاً بحدة:

ـ لورا هل فقدتي عقلك؟

تناثر الألم من عينيها حين صرخت بنبرة مُلتاعة:

ـ أنها نتائج الخذلان يا عزيزي. أن يفقد المرء عقله من شدة الألم. هيا. لا تكن غبيًا، و اجعلنا نستمتع الليلة، لقد مضى الكثير ونحن عالقين بين أنياب ذلك الوجع المقيت. 

استند كمال بثقله فوق الطاولة يحاول ألا يستسلم لتلك الهوة السوداء التي تهاجمه ليصرخ بغضب:

ـ ابتعدي عني. لقد جننتي حقًا. 

اقتربت منه وهي تحتوي وجهه بين كفوفها لتشهق بعُنف وهي تقول بتوسل:

ـ يكفيك مقاومة. ألا نستحق ليلة تمحو كل ما علِق بقلوبنا من عذاب كمال! 

كان يحاول الإبقاء على وعيه قدر الإمكان ليهمس برفض قاطع:

ـ لورا رجاءً لاتفعلي ذلك..

لورا بإصرار:

ـ تحتاجني كمال كما احتاجك. تحتاج أن تدفن اوجاعك بصدر إمرأة مثلي. أنا اعرف كيف امحوها. 

أخذ نفسه بصعوبة وهو يقول بتلعثُم جراء ذلك الدوار الذي عصف به:

ـ قلبي لا يعرف إمراة سواها. رجاءً ابتعدي..

لورا بحقد و ألم:

ـ أنها خائنة. لا تستحق هذا الوفاء صدقني..

كمال بتعب وقد بدأت الرؤية تتشوش أمامه:

ـ يكفي لا تفعلي ذلك.

لورا بهمسٍ يائس:

ـ إن لم افعل سنموت سويًا ونحن حاملين كل هذا الألم بداخلنا. سنموت ونحن نتألم. سنموت و نحن نتألم كمال…

ـ أفضل الموت على خيانة قلبي. يكفي ما فعلته آسيا. به..

كانت هذه هي الجملة الأخيرة التي استطاع التفوه بها قبل أن يسقط على ركبتيه لتسقط لورا هي الآخرى وهي لازالت تمسك به لتقول بصراخ بعد أن ذهبت آخر ذرة تعقل تمتلكها:

ـ اللعنة على تلك الآسيا. توقف. لا تغمض عينيك. أخبرني أنني إمراة مميزة و تستحق الحب. أخبرني أنني لست مجرد وسيلة استخدمها ذلك الحقير حتى يصل إلى مبتغاه. 

كان في وادٍ آخر لم يشعر بها وهي تقوم بهزه بعُنف وهي تصرخ بلوعة:

ـ انتظر. لما أحببتها كل هذا الحب وهي خائنة؟ بينما أنا احبببته بجنون ولكنه تركني ولم يلتفت إلى الوراء. سهرت الليالي وانا انتظره بشوقٍ جارف وهو كان بين ذراعي امرأة آخرى. لما لم يحبني كمال ؟ لما؟ ألا استحق الحب؟ لما رفضتني؟  ألست إمرأة كافية لرجل مثلك؟ 

تعالت شهقاتها حتى تشققت جدران المكان من فرط الألم الذي تعج به لتتابع بنبرة مقهورة:

ـ ألم أكن كافية له؟ لما فضل علي تلك المرأة؟ لم أكن لأمانع أن اعطيه كل شيء املكه. فقط أردته هو…

مر وقتًا غير معلوم بالنسبة إليها وهي تنظر إلى كمال الملقى على الأرض غائبًا عن الوعي، لتشعر بأنها وحيدة في هذا العالم للحد الذي جعلها تكره كل دقيقة في هذه الحياة، لم تعد تحتمل هذا الوجع، لذا قررت إنهائه على طريقتها، فنصبت عودها و توجهت بخطوات مبعثرى إلى المطبخ الذي كان يطل على الصالة المتوسطة، وقامت بجذب مواد قابلة للأشتعال و قامت بسكبها فوق رأسها، و في أجزاء متفرقة من المكان، لتنظر إلى كمال وهي تقول بنبرة متأثرة: 

ـ عزيزي كمال. انتظر سأنهي هذه الحياة البائسة، وسنرحل سويًا. اعلم انك ما أن تستيقظ ستكرهني، وستكره الحياة أيضًا. لذا سنرحل. سأرحل نذار و أنا أُحِبك. لكنني لن اسامحك أبدًا…

انتهت من سكب المواد القابلة للاشتعال في أرجاء الشقة، ثم عادت إلى المطبخ ببطء، ومدّت يدًا مرتجفة نحو القداحة. لترتسم على شفتيها ابتسامة باهتة، لم تكن ابتسامة فرح، بل تلك الابتسامة التي يولدها اليأس حين يستنزف الدمع حتى آخر قطرة. ابتسامة امرأة لم تعد ترى في الغد سوى امتداد لوجعها، ولم يبق في قلبها متسع لشيء سوى الخذلان، فقد سرق نزار منها أكثر من قلبها سرق يقينها بالحياة وثقتها كأنثى، وأطفأ آخر ضوء كانت تتمسك به. أحبته حتى ظنت أن وجوده هو وطنها، فإذا به يهدم ذلك الوطن فوق رأسها ويتركها وحيدة بين أنقاضه. أما كمال... فلم يكن سوى الروح الوحيدة التي شعرت أنها ما زالت تنتمي إليها أحبته بصدق فقد كان الصديق الذي آنس وحشتها، ولكنها تعرف أنه حين يستيقظ سيكرهها، وسيحمل وجعًا لم تختر له أن يحمله. لذا لن ستنهي وجعهم بالموت، فهو الشيء الوحيد الذي سيحول بينهم وبين هذا الألم الضاري الذي يتشاركان به.

أطبقت أصابعها على القداحة، بينما كانت دموعها تنحدر في صمت، كأن روحها تبكي للمرة الأخيرة لتغمض عينيها وتترك النار تلتهمها وهي تصرخ من فرط الوجع لتخترق صرخاتها عقل كمال الذي لحسن حظه لم يكُن قد ارتشف من طوله سوى بضع قطرات لذا لم يدوم أغمائه كثيرًا. لتلتمع النيران في عينيه، وهو ينظر إلى الشقة التي كانت تحترق، فحاول النهوض بصعوبة قبل أن تصل إليه النيران، فقد كان ملقي أسفل الطاولة في بقعة لم تسقط بها تلك المواد المشتعلة، فلم تصل إليه النيران، ولكنه شعر بها في صدره حين رأى شبح لورا التي كانت تحترق في داخل المطبخ ليحاول الصراخ وهو يجاهد حتى يستطِع إنقاذها:

ـ لورا…

سمع صراخها وهي تقول بألم:

ـ طفلي…

هنا تنبه كمال إلى بكاء الصغير. ليلقي بثقله فوق الجدار المقابل لغرفة الطفل، فأخذت نظراته تتفرق ما بين الغرفة وبين لورا التي كانت تتخبط بعنف و النيران شاعلة بجسدها ليتوجه اليها وهو يهتف بلسان ثقيل:

ـ لورا..

وهو في طريقه إليها تعثر ليسقط بقوة فوقعت فوقه أحد الأواني المشتعلة لتمسك النيران بكتفه، فصرخ من فرط الألم، و الذي تضاعف حين رأى جسد لورا يسكن، وكأن روحها أبت المقاومة أكثر، في هذه اللحظة كانت الشقة امتلئت بالدخان الكثيف، الذي جذب أنظار أحد البحارة ليهرول إلى المنزل الذي كان جداره الخارجي زجاجيًا، فشاهد كمال الذي كان يتخبط وهو يحاول التوجه إلى غرفة سيف، فقام الرجل بجلب فأس كان ملقى في الحديقة وقام بتكسير الزجاج تزامنًا مع اندفاع كمال إلى غرفة الطفل الذي كان يبكي بقوة وكأنه يشعر بحجم الكارثة التي حدثت في الخارج، فتوجه كمال إليه يحمله بيدين ترتجفان من شدة الوجع ليجد النيران تأكل كل شيء حولهم، فعلم أنها النهاية، فاحتضن سيف بقوة وهو يغمض عينيه معتقدًا أنها لن ترى النور أبدًا بعد ذلك.

 

عودة إلى الوقت الحالي 

ـ كان صوت شهقاتها يتعالى دون أن تملك القدرة على أيقافها، فلم تتخيل بحياتها أن يكون مر بهذه الأحداث المؤلمة لتسمعه يقول من بين عبراتٍ صامتة:

ـ صحيت بعدها بأسبوع في المستشفى. كان الألم في صدري صعب جدًا، و الحرق كان بشع. بس أنا من جوايا كان في وجع صعب اوي. كل ما افتكر لورا وهي بتتحرق قدامي.

حاول السيطرة على نزيف قلبه وعينيه ليضع يده فوق عينيه قبل أن يقول بنبرة متهدجة من فرط الألم:

ـ تعرفي أني اتمنيت لو كنت موتت أنا وهي وسيف في الليلة دي.. ماهو صعب ان الانسان يقدر يعيش بكل الوجع دا جواه.

خرج صوتها محملًا بوجع ضاري يتوسط صدرها:

ـ قد كدا الموضوع كان مؤلم بالنسبالك؟

رفع رأسه يطالعها بألم احتقنت به نبرته حين قال:

ـ اصعب بكتير من أي وصف. أنا لحد ما روحت الصبح اخدت تسجيلات الكاميرا من ميرهان وانا بكذب اللي سمعته. 

التفت ناظرًا إلى الجهة الآخرى وهو يقول بقهر:

ـ أنا حتى وانا شايفك داخله مكتبه، كنت بقول هترجع. كان عندي أمل تفتكريني وترجعي. بس الأمل دا مات لما سمعته وهو بيفكرك بيا! و بيقولك جوزك يعرف انك جايه؟ ولا مفكرتيش فيه؟

رفع رأسه يطالعها بلوعة تجلت في نبرته حين قال:

ـ الجملة دي دبحتني. كأنها رصاصة في كرامتي وكبريائي. كان ردي عليها اني طلعت على المأذون طلقتك…

للمرة الأولى التي ترى فيها الأشياء من الاتجاه الآخر، ولكنها لم تكن الوحيدة التي جعلتها ترى مدى فداحة ما فعلته جراء لحظة أنانية و كره تسلطت على عقلها، فأعمته عن الصواب. 

ـ مكنش قدامي حل غير اني امشي. مكنتش ضامن نفسي لو شوفتك هعمل ايه؟ بس على فكرة دي مش أول مرة اهرب، ولا اول مرة يخذلني حد بحبه..

هكذا تحدث كمال بنبرة مريرة، لتقول باستفهام:

ـ تقصد ايه!!

ـ زمان بعد موت بابا. أنا بردو مشيت. الكل فاكر اني مشيت عشان مقدرتش اتحمل فراقه. بس أنا مش مشيت عشان كدا. أنا مشيت لأنه كسرني قبل ما يموت كسرة صعبة اوي…

آسيا بلهفة:

ـ ازاي؟

كمال بنبرة متحشرجة:

ـ أنا كنت متعلق ببابا دا أوي. كان اغلى انسان عندي في الدنيا. كنت كل حاجة بعملها عشان أرضيه. حتى دراستي دخلت إدارة أعمال عشان خاطره بالرغم من أني كانت أمنية حياتي انا وامي الله يرحمها اني اكون ظابط. لكن بمجرد ما كان بيسمع الكلمة دي كان بيضايق، وكان بيقولي ظابط ايه؟ دا بدل ما تاخد شهادة تنفعك، و تقف جنب اخوك وتخفف عنه الحمل شوية؟

استنكرت آسيا ذلك الحديث ليوميء كمال برأسه وهو يتابع بسخرية مريرة:

ـ بابا مكنش شايف فينا كلنا غير خالد. كان هو الكبير. اللي جه بعد جوازه بكتير. بابا مكنش بيخلف و أضطر يتعالج، لحد ما ربنا كرمه بخالد. خالد دا أحن انسان في الدنيا ممكن تقابليه. لكن في نفس الوقت. كان شخصيته قوية، ومتقدريش تمشي عليه حاجة مش على مزاجه..

صمت لثوان قبل أن يتابع بتهكم:

ـ كان شبه بابا في حاجات كتير عشان كدا كان بيحبه اوي. عشان كان بيشوف نفسه فيه. بيشوفه الوريث اللي هيمسك العرش من بعده، لدرجة أنه عمل شغل خاص بيه بره عن العيلة عشان يكبر الأملاك لخالد. بس خالد كان احسن منه بكتير. كان الوحيد اللي بيقدر يقفله، ويقوله لا. مكنش بيقبل بالظلم عمره.

التفت ناظرًا إلى آسيا بأعيُن التمع بهم الألم الذي شاب نبرته حين قال:

ـ كنت كتير بحس انه هو اللي أبويا. لما خلصت ثانوية عامة جالي، وقالي ادخل الكلية اللي انت عايزها. حقق ذاتك متسيبش حد يرسملك حياتك بالنيابة عنك. بس أنا كنت غبي. كل اللي كنت عايزه أن بابا يشوفني. يكون فخور بيا. بس للأسف.. هو مكنش عنده العواطف دي.. كان كسر الخواطر عنده اسهل حاجة يعملها. لكن أنا مكنتش بيأس. 

شعرت بثقل الألم الذي يحمله في هذه اللحظة، و خاصةً حين تابع قائلًا:

ـ كنت بحب العب بوكس، و كنت شاطر اوي، و أخدت بطولات. وهو مكنش في دماغه أقصى حاجة يعملها يقول جدع، و خلصت. بس أنا مكنتش بيأس، كنت بدرب على طول. و ربنا كرمني وأتأهلت لبطولة العالم، وبعد سفري بيوم. كلموني قالولي أنه بيموت. سيبت كل حاجة وجيت جري عليه، و حقيقي بتمنى اني مكنتش جيت.

آسيا بلهفة:

ـ ليه؟

كمال بسخرية مريرة:

ـ تخيلي وانا داخل اوضته اطمن عليه. سمعته وهو بيكلم خالد 

عودة لوقتٍ سابق:

ـ اسمعني يا خالد. مش عايز امشي غير وأنا مطمن عليك. أنا كتبت كل البزنس البرايفت بتاعنا باسمك.

خالد باستنكار:

ـ ايه يا بابا الكلام دا؟ طب واخواتي؟

ـ كمال يبقى ياخد نصيبه من ورث العيلة. لكن الشغل دا أنا عملته وكبرته عشانك أنت بس. أنت اللي هتبقى الكبير من بعدي، ولازم تكون اقوى وأغنى واحد في العيلة دي عشان الكل يفضل تحت طوعك. أنا كتبت وصية بكل دا. عايزك توعدني تتفذها، و متديش جنية من فلوسك لحد. سامع يا خالد..

عودة للوقت الحالي

ـ تعرفي أنا والله ما كان فارق معايا فلوس. بس نبرته وهو بيتكلم عني كأني مش مهم عنده دبحتني. حسيت اني عشت عمري كله ارضي في إنسان هو مش شايفني أصلًا. كان نفسي ادخل اقوله ليه؟ بس مقدرتش. خصوصًا لما سمعت خالد وهو بيقوله مش هظلم أخواتي. عارفة المشكلة في ايه؟

هكذا تحدث كمال بقهر لتجيبه آسيا من بين عبراتها:

ـ ايه؟

ـ أني مكنش فارق معايا الفلوس دا أبدًا. بالعكس. أنا اكتر واحد عارف خالد و أنه عمره ما هيظلم حد فينا. دا حتى اخواتي البنات قال هيديهم حقهم من فلوسه. أنا اللي وجعني اني أتأكدت اني كنت ولا حاجة عنده. 

هكذا تحدث بنبرة تقطر قهرًا لتحاول مواساته قائلة:

ـ انا عارفة أن الموضوع صعب ومؤلم. لكن هو أكيد كان بيحبك. محدش في الدنيا ما بيحبش ولاده.

كمال بجفاء:

ـ ميلزمنيش الحب دا لو محسستنيش بيه. هتفيدني بأيه مشاعرك تجاهي وانت بنتعامل وكأنك مش شايفني. الموضوع أكبر من مجرد ألم. الخذلان لما بييجي من الأهل بيكون صعب أنه يتنسي…

ـ عارفة. أنا اكتر واحدة عارفة دا…

هكذا هتفت وهي تبكي بكاءً لو سمعته الجبال لتصدعت،ففي تلك اللحظة، لم يعد هناك مُخطئٌ أو مُصيب، فقد كان كلٌّ منهما يحمل الجرح ذاته، لكن كلًّا منهما نزف بطريقته. هي أكلها الخذلان حتى أوشك أن يلتهم روحها، وهو نهش الخذلان قلبه حتى لم يعد يعرف كيف يحيا، وفي تلك اللحظة، سقطت كل الأقنعة، وانكسرت جميع الحواجز التي طالما احتمى بها كلٌ منهما، فلم يعد بينهما كبرياء يصان، ولا قوة تكفي للتظاهر بها، ولم يعد هناك كلمات باستطاعتها إخفاء الحقيقة. لم يبقَ سوى قلبين عاريين من كل شيء. يتقاسمان الوجع ذاته، ويعترف كل منهما لأول مرة، بحجم الخراب الذي يسكنه. لذا دون أي مقدمات ارتمت بين ذراعيه وارتمى هو بين أحضانها في عناق هو الأقسى في ملمسه و الأحن في جوهره لتختلط عبراتهم بنشيج أرواحهم التي اهرقتها كثرة الحروب، فصارت تتوق للسلام بكل جوارحها…

مر بعض الوقت إلى أن هدأت العاصفة لتكون هي أول من يتراجع ولكنه لم يُفلتها بل ظل مستنداً بجبهته فوق خاصتها ليقول بنبرة متحشرجة من فرط الألم:

ـ مشيت لما هو خذلني. مقدرتش استنى، ولا امثل اني كويس، و بردو مقدرتش استنى لما أنتِ خذلتيني. صعب اوي انك تدي كل اللي عندك لشخص، و يرميه وكأنه شيء مالوش لازمة. أنا في الحالتين حسيت بكدا…

هتفت آسيا بلهفة من بين عبراتها:

ـ لا مش كدا. مكنتش كدا. انا كنت غبية، و أنانية، بس والله مكنش كدا. بس عارف؟ أنا حسيت بنفس الوجع اللي أنت حسيت بيه لما قولتلي أن سيف ابنك..

تحدث كمال بنبرة جريحة:

ـ  أنا مقولتليش أن سيف ابني عشان اكسرك زي ما أنتِ فاهمة؟

تراجعت إلى الخلف تنظر إلى عينيه وهي تقول بعتب قاسي:

ـ اومال ليه قولت كدا يا كمال؟ ليه دبحتني بالطريقة دي؟ عشان صدقت رؤوف صح؟

تراجع عنها وهو يطالعها بأعيُن تجمد بهم الدمع كما احتدت نبرته حين قال:

ـ أنتِ عرفتي موضوع رؤوف دا ازاي؟

تحدثت بتعب:

ـ من غير أي انفعال. هو حكالي، وخالد كان شاهد على كل كلمة قولناها سوى، وكان لازم نتكلم عشان اخلص من القصة دي بقى..

اغمض كمال عينيه يحاول التغلب على نوبة غيرة جنونية عصفت به في هذه اللحظة، وأخذ يتذكر حديث خالد قبل يومين من الآن

عودة إلى وقتٍ سابق 

ـ تقدر تفهمني ايه دا؟

هكذا تحدث خالد بحدة وهو يُلقي أحد الأظرف أمامه بغضب ليلتقطه كمال يتفحص محتوياته ليغمض عينيه بغيظ ليزمجر خالد بشراسة:

ـ أنا نفسي افهم. في حد عاقل يورط نفسه في مصيبة زي دي؟ تجيب عيل مش ابنك وتقول عليه ابنك؟ مجنون انت؟!

ألقى كمال الظرف فوق المكتب وهو يقول بجمود:

ـ أنت عملت التحليل دا ازاي؟ 

خالد بسخط:

ـ هو صعب أوي اخلي حد من الحرس يجيبلي الفرشة بتاعت الولد! 

كمال بنبرة مغلولة:

ـ و طبعًا خدت شعرة من شعره وعملت التحليل؟!

خالد ساخرًا:

ـ والله كويس ان لسه عندك شيء من العقل يخليك توصل للاستنتاج الخطير دا..

كمال بغضب:

ـ أنت عايز ايه دلوقتي يا خالد؟

خالد بحدة:

ـ تحكيلي حالًا مين أهل الولد دا، و حذاري تخبي عليا حاجة، عشان أنت عارف اني هعرف، فياريت تتكلم بصراحة، وبلاش جو الغموض المستفز دا..

كمال باختصار:

ـ هحكيلك..

قص عليه كمال أمر لورا بالكامل، ليُصدم خالد من حديثه، ثم تبددت صدمته إلى أسف تجلى في نبرته حين قال:

ـ لا حول ولاقوة الا بالله العلي العظيم..

أنهى جملته و نصب عوده ليتوجه إلى حيث يجلس كمال الشارد بملامح يكاد يقتلها الألم ليربت خالد على ساقه وهو يجلس في المقعد المقابل له قائلاً بمواساة:

ـ أنا عارف ان اللي مريت بيه صعب. لكن عدى و انت جيت على هنا، وسط أهلك وناسك. يعني قدرت تتغلب عليه. 

لم يجبه كمال ليتابع خالد بجفاء:

ـ طبعًا أنا هحاسب راجي أنه مقاليش أنه ساعدك تدخل الطفل مصر، و بطريقة غير مشروعة كمان. لكن دا مش وقته.. خلينا في المهم..

استدار كمال يناظره ليُتابع خالد بتعقل:

ـ أنت محتاج تقعد تتكلم مع آسيا، ولو كنت فهمتها أن سيف ابنك عشان تنتقم منها، ولو اني عارف ان دا مش طبعك، بس الوجع بيغير. لكن أحب أقولك انك كنت قاسي اوي عليها. حاول متخسرهاش…

عودة إلى الوقت الحالي 

ـ و خلصتي من قصته؟

هكذا تحدث بنبرة جافة و أعيُن يستعر بهم الغضب لتوميء برأسها بالإيجاب، قبل أن تقول بنبرة خافتة:

ـ خلصت منها للأبد، واكتشفت اني كمان ظلمته معايا من غير أي ذنب.. لكن أنا متخيلتش انك تصدقه و تكذبني..

أجابها بمرارة:

ـ أنا مصدقتوش، وبردو مكذبتوش. لكن كان في حاجة جوايا مستعدة انها تصدق عنك اي حاجة. أنتِ كذبتي عليا قبل كدا. يبقى سهل تكذبي تاني. مكنتش واثق فيكِ ولا قادر أثق. كنت كاره كل حاجة، وكل الناس، و في نفس الوقت مكنتش متخيل انك ممكن تكوني ليه؟ حسيت اني عايزك جنبي حتى لو هفضل العمر كله اشوفك من بعيد بس متبقيش لحد غيري. 

صمت لثوان قبل أن يتابع:

ـ إحساس صعب. حيرة على وجع. على اشتياق قاتل، على رغبة في الانتقام. لقيت نفسي جاي أقولك تتجوزيني. كان عندي استعداد أجبرك بأي طريقة. 

تألمت بقوة، وكأن كلماته اشواك تنغرز بصدرها، وفي الحقيقة أنها لم تستطِع لومه على عدم ثقته بها، لكنها أرادت أن تعرف لما ألقى بها في هذا الجحيم؟ مما جعلها تقول بخفوت:

ـ طيب ليه قولتلي كدا؟ 

كمال بنبرة مُشجبة:

ـ كنت عايز أشوف السنة دي غيرت فيكِ ايه؟ غيابي أثر فيكِ ازاي؟ كنت شايفك أنانية لما دخلتيني في انتقام أنا ماليش يد فيه، كنت عايز أشوف هتعملي كدا مع سيف بردو ولا لا! لو بصيتي للموضوعين من بره هتلاقي أنهم شبه بعض. 

خرجت شهقاتها وهي تنتحب بقوة و الكلمات تخرج متقطعة من بين شفاهها:

ـ قد كدا كنت شايفني وحشة؟ لدرجة اني أأذي طفل صغير؟ أنا والله مش وحشة كدا. أنا والله ما كنت أقصد أأذي حد….

أنهت جملتها وهبت من مكانها فلم تعد تحتمل البقاء أكثر ليندفع كمال خلفها يمسك بمرفقها ليجذبها إليه حتى ارتطمت بسياج صدره فصاح بلهفة:

ـ رايحة فين؟

آسيا بنبرة يقتلها الألم:

ـ همشي.

ـ أنتِ فعلًا عايزة هتمشي؟

هكذا تحدث كمال بنبرة مُلتاعة و عينيه تنطقان بتوسل اخترق حصونها المنيعة، ولكنها اتخذت قرارها لذا محت عبراتها بكفها قبل أن تقول بنبرة مُتحشرجة:

ـ مبقاش ينفع استنى..

طوى المسافة الفاصلة بينهم ليصبح أمامها مُباشرةً ليضاعف من صعوبة الموقف عليها قائلًا:

ـ بعد كل اللي عرفتيه هتمشي و تسبينا؟

كان حضوره طاغيًا بدرجة مرهقة لقلبها الذي كان عاشقًا له حد النخاع، ولكن تعاني من أخطائها و من حماقتها، ومن قسوته و من تلك الصورة المُشينة التي وضعت نفسها في إطارها إذا أجابته بنبرة خافتة:

ـ أحنا أذينا بعض كتير اوي يا كمال. كفاية كدا…

طوق ذراعيها بكفوفه حتى أصبحا يقتسمان الهواء ذاته ليقول بنبرة يشوبها التوسل:

ـ خليكِ. جنبي… متمشيش. 

لم تستطِع فك حصاره من حولها بل على العكس أسندت رأسها فوق صدره الصلب وهي تقول من بين عبراتها:

ـ مبقاش ينفع…

كانت شفتيها تطلب الرحيل وكل ما بها يجذبها للبقاء، وكأنها تترك له الأختيار، وقد كان في أمس الحاجة لوجودها حتى تمحي ما علق بقلبه من مرارة موجعة و ذكريات قاتلة ليقول بنبرة اقترن بها التوسل مع الألم:

ـ لو هتمشي دلوقتي تبقى بتموتيني، لكن أنا قابل أي حاجة منك. بس على شرط..

تراجعت تنظر إليه قائلة:

ـ اللي هو؟ 

تمتم كمال بنبرة جريحة:

ـ متحرمنيش من حضنك ولو لمرة واحدة و مش همنعك بعدها لو عايزة تمشي..

لوهلة لم تفهم مقصده، وهو لم يترك لها المجال حتى للتفكير لتجده يحملها بين يديه واضعًا يده أسفل ركبتيها والآخرى خلف ظهرها لتشهق بعُنف قبل أن تقول بأنفاس متسارعة:

ـ كمال…

 

اللهم يا فارج الهم، ويا كاشف الغم، ويا مجيب دعوة المضطر إذا دعاك، فرّج كربي، ويسّر أمري، واشرح صدري، وأبدل خوفي أمنًا، وحزني فرحًا، وضيقي سعة، واجعل لي من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل بلاءٍ عافية، إنك على كل شيء قدير❤️

★★★★★★★★★

ـ هو أنا ممكن اعرف بقى العصبية دي سببها ايه؟ 

هكذا تحدث خالد وهو ينظر إلى أشجان التي كانت ملامحها تحتقن بدماء الغضب والغيرة كما جاءت نبرتها حين قالت:

ـ خالد أنت عايز تشلني؟ أنت مش شايف هي بتبصلك ازاي؟ و بتتعمد تغيظني و تتجاهلني..

مد انامله ليمررها على ملامحها بحنو قبل أن يقول موضحًا:

ـ على فكرة دي طريقة زينة معايا من زمان جدًا من قبل ما تتجوز حتى، و لو هي بتتجاهلك تقدري متعبريهاش عادي، و حطي في دماغك أن حتى لو اللي بتقوليه دا صح هي متجرؤش تتجاوز حدودها معايا…

هدأت قليلاً حين سمعت كلماته، ولكنها لازالت غاضبة مما جعلها تهتف بحنق:

ـ اه طبعًا. في حد يقدر يتجاوز حدوده مع الوحش! 

ابتسامة كبيرة لونت ملامحه، ليقترب منها وهو يداعب خدها بأنفه قائلًا بعبث:

ـ والله الوحش مسلملك حدوده كلها، ورافع راية الاستسلام، بس انت اللي مش واخد بالك..

راق لها حديثه لتتدلل قائلة وهي تلهو بأزرار قميصه:

ـ يا سلام. يعني أنا بس اللي من حقي اقتحم الحدود كلها!

تعالت ضحكاته التي تعشقها فلمعت عينيها بهيام لم يخفى عليه ليشاكسها قائلًا:

ـ تقتحمي مرة واحدة! الكلمة دي كبيرة أوي عليكِ..

أشجان بوجوم:

ـ ليه بقى؟ انت فاكرني ايه أن شاءالله؟ ولا تكون فاكرني اني طيبة. أنا اه طيبة بس قلبتي وحشة..

حاول قمع ضحكاته بصعوبة على حديثها لتلاحظ ذلك مما جعلها تقول بنبرة أشبة بالبكاء:

ـ أنت عايز تضحك صح! قول اني هبلة و عبيطة صح او اتريق زي آسيا. 

خالد باستفهام:

ـ ليه هي آسيا بتقول عليكِ ايه؟ 

أشجان بسخط:

ـ الحيوانة مسمياني رقائق الويفر الهشة…

اضحكه هذا اللقب الذي يليق بها كثيرًا، ولكنه حين لاحظ وجومها مد يده أسفل ذقنها وهو يقول بنبرة عابثة:

ـ آسيا دي مبتفهمش. أنت مارشميللو يا حبيبي..

تخضبت وجنتيها بالخجل لتبتسم بعذوبة قبل أن تمازحه قائلة:

ـ عمومًا هو في كل الأحوال كلمة تقتحم دي بردو كبيرة عليا…

ابتسم خالد على حديثها ليتحدث بنبرة خشنة:

ـ يا باشا أنت مفيش حاجة كبيرة عليك.. أديكي سمعتي كلام الحمارين اللي كانوا واقفين هنا من شوية.

أشجان بعفوية:

ـ ايه دا قالوا ايه الحمارين دول؟ كنت غيرانه مركزتش..

ابتسم على عفويتها ليُجيبها بصوتٍ كان أجش:

ـ قالوا إن عمرهم ما شافوا الوحش بيحايل حد قبلك…

ـ أحم..خالد باشا…

التفت خالد ناظرًا إلى أحد الحرس يقف على بعد خطوات منه، فتحدث إلى أشجان بنبرة جامدة:

ـ ادخلي على الأوضة وانا هاجي وراكي…

دلفت أشجان إلى الغرفة ليتوجه خالد الى الحارس مستفهمًا بخشونة:

ـ في ايه؟ 

ـ في هجوم حصل على رحيم بيه…

اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي. ❤️

★★★★★★★★★

ـ أنت هنا بتعمل ايه؟ 

هكذا تحدثت نجاة و نظراتها تتفرق في أرجاء المكان الذي اختفى كل من به ولم يعد سوى ذلك الرجل المرعب، وعلى قدر خوفها على قد رغبتها في عدم إظهار ذلك ليقترب منها بخطوات وئيدة وهو يقول بنبرة زيف الشوق بها:

ـ وحشتيني يا بتي…

نجاة بنبرة حاولت أن تكون ثابتة:

ـ وجف عِندك. 

رماح بعتب:

ـ اكده يا بتي. بتجوليلي أكده. دا بدل ما تترمي في حضني. 

نجاة بسخرية مريرة:

ـ اترمي في حضنك؟ دا انت طموحاتك كبيرة جوي. هو أني اعرِفك منين؟ دانا من وجت ما عرفت انك أبوي وأني مشوفتش يوم حلو. دا انت لعنة و حطت على راسي.

حاول اللعب على مشاعرها ليقول بانفعال جريح:

ـ هو ده اللي كنت خايف منيه. يكرهِك في أبوكي. لاه يا بتي. أني مش زي ماجالولك. دا أنتِ لو دورتي في الدنيا كلاتها مش هتلاجي حد يحبك كدي. منها لله أمك اللي دارتك عني..

صاحت نجاة بنبرة محتقنة بالغضب والألم معًا:

ـ ديه الحسنة الوحيدة اللي عِملتها فيا، وبعدين دا انت حبك أذى و مرار. صافية حكتلي على كل حاچة…

التمع الجنون في عينيه حالما أتت على ذكرها ليهتف بنبرة مُخيفة:

ـ صافية! لهو أنتِ اتحددتي وياها عني! 

نجاة بغضب:

ـ الست كتر خيرها وعتني، وعرفتني حجيجتك، وانك مهتعرِفش تحب حد. أنت عايز مُصلحتك وبس. عايز تخليني لعبة في يدك لچل ما تنتجم من الوتايدة. لكن لاه. اني مش هجبل دا يحصول، دا اني كمان هعرِف رحيم مكان الوكر، لچل ما يجضي على عمايلك العِفشة…

تبدد كل شيء أمامه حالما ذكرت كلمة " الوكر" ليلتمع في عينيه شيء خطير و نبرته حين قال:

ـ و أنتِ بجى تعرِفي طريج الوكر؟

غزا الذعر معدتها حالما سمعت استفهامه، لتقول بارتباك:

ـ بعد عن طريجي. عايزة امشي.. 

ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه و التمعت النظرات الشيطانية في عينيه و نبرته حين قال وهو يتقدم منها:

ـ و دي تيچي! هسيب بتي بعد ما عرفت الاچيها…

لم يكد يقترب منها حتى اخترقت رصاصة أحد كتفيه، لتصرخ بقوة حالما سمعت صوت رحيم القاسي من خلفه:

ـ بعِد يدك عن مرتي يا كلب أنت….

ما أن أنهى رحيم جملته حتى تفاجئ بشيء حاد يخترق كتفه لتخرج منه صرخة ألم جعلت جسد نجاه ينتفض وهي تصرخ بذُعر:

ـ رحيم…

لم تكد تُنهي جملتها حتى غزا دخان كثيف المحل، فلم تعد ترى شيء، وما هي إلا ثوان حتى وجدت شيء ما يوضع على أنفها لتمر ثوان حسبتها دقائق وهي تتخبط بين يديه إلى أن سقطت مغشية عليها، فكان آخر مع سمعته هو صوت رحيم الذي صرخ باسمها حتى تقطعت أحباله الصوتية..

تعليقات