رواية حرب سقطت راءها الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم نور زيزو

 

 رواية حرب سقطت راءها الفصل الرابع والثلاثون بقلم نور زيزو



بعنـــوان " بين الحيــــــــاة والمــــوت 🫀🗡"

[[ أحيانًا لا يختار القدر معاركنا بعناية؛ بل يلقيها فوق أكتافنا دفعة واحدة. وبين خوفٍ على روحٍ تحتضر، وفرحةِ قلبٍ ينتظر ميلاد حياة جديدة، يقف الإنسان عاجزًا أمام تناقضاته، لا يعرف أيهما يحتضن أولًا... الأمل أم الخوف 💘🦋 ]] 

---

كان الليل قد ابتلع المدينة تقريبًا، والشارع الخلفي للملهى الليلي يغرق في ظلال المصابيح الخافتة ورائحة السجائر الرخيصة، وقف "يزيد" مستندًا إلى سيارته، يراقب الرجل الواقف أمامه بعينين ثابتتين لا تهتزان، كان الرجل يفرك كفيه بتوتر واضح وهو يهمس:-
_ والله يا معلم أنا قولتلك كل اللى أعرفه

ظل "يزيد" صامتًا للحظات فصمته وحده كان كافيًا ليجعل العرق يتجمع فوق جبين الرجل، وعندما أدرك أن الرجل قد توتر من صمته حقًا وحقق هدفه، رفع "يزيد" رأسه أخيرًا وسأله بهدوء:-
_ يعنى الناس اللى كانوا مع عمران فى الصورة اللى بعتهالك دول شغالين فى إيه بالظبط؟

ابتلع الرجل ريقه وقال سريعًا:-
_ ديلرات يا معلم... بيبيعوا مخدرات وحبوب وكل البلاوى دى.

ضاقت عينا "يزيد" بحدة فأكمل الرجل بخوف:-
_ ومش بس كدة بيشغلوا بنات كمان فى شقق وديسكوهات وملاهى واللى تعوز تعرفه عنهم هتلاقيه أسود من الفحم.

قبض "يزيد" على هاتفه بقوة وشعر للحظة أن الدم يغلي داخل عروقه وصور "ليل" وهى ترتجف من الخوف عادت أمام عينيه من جديد لكن هذه المرة لم يتحرك بغضب؛ بل أصبح أكثر هدوءًا وهذا كان أخطر، ثم أخرج هاتفه وفتح ملفًا كاملًا جمعه خلال الأيام الماضية من صور ومقاطع فيديو وأرقام هواتف وتحويلات مالية وأسماء مستعارة وعناوين شقق وحتى تسجيلات صوتية، لم يكن يطاردهم بحثًا عن ثأر أعمى؛ بل كان يجمع خيوط الشبكة كاملة ورفع رأسه للرجل وقال:-
_ العملية الجاية إمتى؟

أجاب الرجل فورًا:-
_ بكرة بالليل... هيجمعوا بنات جديدة فى مخزن قديم على الطريق الصحراوى قبل ما ينقلوهم.

هز "يزيد" رأسه بهدوء  ثم أعطاه مبلغًا من المال ونظر الرجل بدهشة وقال:-
_ أنت ناوى تروحلهم بنفسك؟ يامعلم متجبش غير سيرتي فى المكان؟! 

ارتسمت ابتسامة باردة على شفتي "يزيد"، ابتسامة جعلت الرجل يشعر بقشعريرة غريبة وقال بهدوء:-
_ لا

_ ليه؟
نظر إليه "يزيد" طويلًا قبل أن يجيب:-
_ عشان أنا مش عايز أبقى زى اللى بأنتقم منهم.

ساد الصمت للحظات ثم استدار نحو سيارته وفتح الباب وجلس خلف المقود ثم أخرج هاتفًا آخر لا يعرفه أحد، أرسل الملف كاملًا إلى مديرية الأمن ثم أجرى اتصالًا مجهول الهوية انتظر حتى جاءه الصوت على الطرف الآخر:-
_ ألو؟

قال "يزيد" بنبرة هادئة تمامًا:-
_ عندى بلاغ مهم.

بعد دقائق قليلة كان قد أعطاهم كل شيء، العنوان، الأسماء والموعد وكل الأدلة التى جمعها ثم أغلق الهاتف وألقاه على المقعد المجاور، استند برأسه إلى ظهر المقعد وأغمض عينيه، لأول مرة منذ ما حدث لـ"ليل" شعر أن صدره يتنفس ليس لأن الانتقام اكتمل؛ بل لأن الوحوش هذه المرة لن تهرب ولن يلوث يديه بدم أحد رفع رأسه نحو السماء المظلمة وهمس بصوت خافت:-
_ حقك جاي يا فراشتى.. وجاي بالقانون.

ثم أدار محرك السيارة وانطلق فى الطريق المظلم بينما فى مكان آخر كانت سيارات الشرطة تستعد للتحرك نحو العملية القادمة...

____________________________

أشرقت شمس الصباح على العمارة الكبيرة بهدوء نادر بعد أيام طويلة من الصراخ والخصام والحزن، كان "الجارحي" يهبط درجات السلم بخطوات ثابتة بعدما ارتدى قميص وبنطلون، يحمل مفاتيح سيارته فى يده بينما عقله ما زال مثقلًا بأحداث الأيام الماضية، توقف أمام شقة "وصيفة" وطرق الباب بخفة، لم تمضِ ثوانٍ حتى فتحت "وصيفة" الباب وهى ترتدى عباءتها السوداء استعدادًا للخروج، تبسمت له بحنان قائلة:-
_ صباح الخير يا ضنايا.

انحنى يقبل رأسها باحترام:-
_ صباح النور يا صفصف.

ثم ألقى نظرة داخل الشقة ليجد "آسيا" جالسة فى صمت شاحب، الهالات السوداء تحيط بعينيها من قلة النوم والخوف على والدتها، قال بهدوء:-
_ يلا يا عمتى عشان أوصلكم المستشفى.

وقفت "آسيا" وهى تمسك حقيبتها الصغيرة، رغم أن "مديحة" كانت سببًا فى كثير من أوجاع العائلة، إلا أن فكرة فقدانها كانت تثقل صدر الجميع بصورة لا يمكن إنكارها، وصلوا إلى السيارة وجلست "وصيفة" فى الخلف بينما جلست "آسيا" بجوارها، انطلقت السيارة وسط شوارع القاهرة المزدحمة، طوال الطريق لم يتحدث أحد، كانت كل واحدة منهما غارقة فى أفكارها.
أما "الجارحي" فكان يقبض على المقود بصمت، يشعر بثقل الاتهامات التى أُلقيت فوق رأسه خلال الأيام الماضية كلما تذكر كلماتهم يعود الشعور نفسه وكأنه المتهم الوحيد وكأنه من أسقط "مديحة" فى فراش المرض 
وصلوا إلى المستشفى، ترجلت "وصيفة" أولًا ثم "آسيا" وقبل أن تغلق باب السيارة انحنت "وصيفة" قليلًا وقالت:-
_ ربنا يهدي النفوس يا ولدي.

نظر إليها للحظة ثم ابتسم ابتسامة خافتة:-
_ يارب يا صفصف

أغلق الباب وتحرك بسيارته نحو وكالة القماش وبعد ساعة تقريبًا...
كان "الجارحي" يجلس داخل مكتبه فى الوكالة أمامه دفاتر الحسابات والعقود وكشوف البضائع لكن تركيزه لم يكن حاضرًا بالكامل، رن هاتفه فجأة فنظر إلى الشاشة وكان اسم " آسيا" رفع الهاتف سريعًا:-
_ ألو يا عمتى.

جاءه صوت "آسيا" المرتعش من الطرف الآخر لكن هذه المرة لم يكن مرتعشًا من البكاء؛  بل من الفرح تقول من فرط السعادة:-
_ أمي فتحت عينيها يا جارحي.

تجمد للحظة ثم أغمض عينيه وأخرج زفرة طويلة جدًا كأن صخرة كاملة سقطت عن صدره وشعر لأول مرة منذ أيام أن الهواء يدخل رئتيه بسهولة فأسند ظهره إلى المقعد وقال:-
_ الحمد لله.. الحمد لله يا رب.

أكملت "آسيا" بدموع الفرح:-
_ الدكتور قال حالتها مستقرة دلوقت.

أبتسم أخيرًا ابتسامة صادقة لم تظهر على وجهه منذ فترة وقال بهدوء:-
_ ألف حمد وشكر ليك يا رب.

أغلق الهاتف وظل جالسًا صامتًا عيناه معلقتان بالنافذة الكبيرة خلف مكتبه والشمس كانت تملأ المكان دفئًا أما داخله فكان يشعر براحة صغيرة ربما لأن ضميره كان ينهشه طوال الأيام الماضية رغم عناده مد يده إلى الهاتف مرة أخرى بحث عن رقم المحامى ثم ضغط زر الاتصال جاءه الصوت سريعًا:-
_ صباح الخير يا معلم جارحي.

قال مباشرة دون مقدمات:-
_ عايزك تجهزلى كل الورق.

_ ورق إيه بالظبط؟

استقام فى جلسته وأجاب بهدوء شديد:-
_ كل حاجة من الأملام، العقارات والمصانع والأراضى والمحلات والمخازن أى أصل باسم العيلة، عايز عقد ملكية كامل لكل حاجة.

ساد الصمت لثوانٍ ثم سأله المحامى بتردد:-
_ هنبدأ إجراءات التقسيم؟

نظر "الجارحي" أمامه طويلًا وعيناه تحملان شيئًا لا يمكن قراءته ثم قال بهدوء غريب:-
_ لا، مش هنقسم حاجة دلوقت وجهز الورق بس كل حاجة تكون جاهزة قدامى وأول ما أطلبها تكون على مكتبي.

_ تحت أمرك يا معلم.

أنهى المكالمة ووضع الهاتف أمامه ثم أسند ظهره إلى المقعد وعيناه تضيقان ببطء فقد بدأ يتشكل داخل رأسه قرار جديد، قرار لم يخبر به أحدًا بعد... 

____________________________

كان كل شيء ضبابيًا فى البداية، أصوات بعيدة، خطوات مسرعة، ورائحة المعقمات التى تحفظها جيدًا بحكم عملها، حاولت "ليان" أن تفتح عينيها، لكنها شعرت بثقل غريب فى جفونها كأنها نائمة منذ أيام طويلة ورفرفت أهدابها عدة مرات قبل أن تستعيد الرؤية تدريجيًا والسقف الأبيض مع الإضاءة الساطعة وصوت جهاز قياس النبض المنتظم بجوارها، عبست بضيق ثم أدركت الحقيقة.
هى على أحد أسرّة المرضى وليست بجوارهم فنظرت إلى يدها لتجد المحلول معلقًا بها فتأففت بضيق شديد:-
_ يا نهار أبيض... أنا بقيت مريضة كمان؟

جاءها صوت الطبيب المناوب مبتسمًا:-
_ الحمد لله إنك فوقتى أخيرًا يا دكتورة.

التفتت إليه وهى تحاول الجلوس لكن الدوار ضرب رأسها فورًا فعادت تستند إلى الوسادة بتأفف قال الطبيب بهدوء:-
_ براحة بس

نظر إليها ثم أضاف:-
_ ضغطك كان نازل جدًا والظاهر أنك بقالك فترة مرهقة نفسك زيادة عن اللزوم.

تنهدت بضيق وهى تمرر يدها على جبينها ثم قالت بعنادها المعتاد:-
_ مجرد إرهاق، أنا كويسة.

تبسم الطبيب وكأنه كان ينتظر هذه الجملة تحديدًا ثم قال:-
_ الحقيقة لا مش الإرهاق بس.

عقدت حاجبيها باستغراب فأخرج ملف التحاليل من يده ثم قال مبتسمًا:-
_ مبروك يا دكتورة وأنتِ حامل

تجمد العالم للحظة كأن الزمن توقف واتسعت عينا "ليان" بصدمة كاملة وظلت تحدق فيه دون أن تستوعب
_ إيه؟
قالها لسانها بصعوبة فضحك الطبيب بخفة:-
_ زى ما سمعتي يا دكتورة، مبروك أنتِ حامل.

نظرت إلى السقف ثم إلى يديها ثم إلى الطبيب مرة أخرى كأن عقلها يرفض تصديق الأمر ( حامل؟) شعور غريب اجتاح صدرها لم يكن فرحًا خالصًا ولا خوفًا خالصًا؛ بل مزيجًا مربكًا من الاثنين معًا شعرت بقلبها يخفق بقوة وبراحة يدها ترتجف فوق الملاءة البيضاء.

طفل... هناك حياة صغيرة تنمو بداخلها الآن، حياة منها ومن "جلال" فابتلعت ريقها بصعوبة وما زالت تحاول استيعاب الخبر وفى تلك اللحظة انفتح باب الغرفة بعنف التفت الجميع ليظهر "جلال"كان وجهه شاحبًا بصورة لم ترها من قبل أنفاسه متلاحقة وعيناه تمسحان الغرفة بجنون حتى استقرتا عليها فى لحظة واحدة وصل إليها وكأنه كان يركض منذ ساعات وقف بجوار السرير مباشرة، عينيه تتحركان فوق وجهها ويديها والمحاليل المعلقة بها يتأكد أنها بخير، أنها ما زالت أمامه، أنها لم تختفِ فقال بصوت خرج أجش رغم محاولته السيطرة عليه:-
_ ليان...

لأول مرة منذ عرفته رأت الخوف الحقيقي فى عينيه ذلك الرجل الذى لا يخاف أحدًا ولا يتراجع أمام شيء كان الآن يبدو وكأنه خرج لتوه من كابوس مرعب فنظرت إليه بدهشة ثم قالت بهدوء:-
_ أنا كويسة.

أغمض عينيه للحظة طويلة كأنه يستعيد روحه التى كانت على وشك الضياع ثم فتحهما من جديد ليجد الطبيب يبتسم قائلًا:-
_ مبروك يا أستاذ جلال حضرتك هتبقى أب.

توقف الزمن مرة أخرى التفت "جلال" ببطء نحو الطبيب وكأن الكلمات لم تصل إليه ثم عاد ينظر إلى "ليان" إلى بطنها ثم إليها من جديد، شيء ما لمع داخل عينيه وفرحة هائلة، مخيفة وعميقة لكن خلفها مباشرة اختبأ خوف أكبر، الخوف الذى يعرفه وحده وهو الخوف من المرض الذى عاد ينهش جسدها بصمت، الخوف من المستقبل وهكذا الخوف من أن يخسرهما معًا.
أما "ليان" فكانت تحدق به ورغم فرحتها بالخبر إلا أن شيئًا فى عينيه أقلقها تلك النظرة المرتبكة وذلك الشحوب الذى لم يفارقه وذلك الذعر الذى لم يختفِ بالكامل تلاقت أعينهما طويلًا ونظرات صامتة، ثقيلة كل منهما يبحث داخل الآخر عن إجابة.
"ليان" تتساءل لماذا يبدو خائفًا هكذا و"جلال" يتساءل كيف سيحميها من الحقيقة حين يأتى موعدها.
وبين الفرح الذى وُلد للتو والخوف الذى يسكن قلبه وحده طال الصمت بينهما أكثر من أى حديث.

_____________________________

كانت شمس الظهيرة تتسلل عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة لكافتيريا الجامعة، تنثر ضوءًا دافئًا فوق الطاولات المزدحمة بالطلاب 
جلست "ليل" أمام كوب الشيكولاتة الساخنة الذى اعتادت عليه دائمًا، بينما كانت "قُدس" تجلس بجوارها تلتهم قطعة صغيرة من الكيك بشهية الحمل التى أصبحت تفضحها كل يوم أكثر من السابقة أما "كارما" فكانت تجلس أمامهما تثرثر كعادتها بلا توقف ولأول مرة منذ شهور طويلة كانت "ليل" تضحك ضحكة خفيفة وهادئة صغيرة لكنها حقيقية نظرت إليها "قُدس" بطرف عينها وابتسمت فى سرها كان قلبها يرتاح كلمارأتهات تعود خطوة أخرى إلى الحياة قالت "كارما" وهى تعبث بعصيرها:-
_ بصراحة يا ليل أنا مش قادرة أنسى ابن عمك دا.

رفعت "ليل" نظرها إليها باستغراب:-
_ مين؟

_ يزيد.

كادت "قُدس" تختنق بقطعة الكيك التى فى فمها بينما عقدت "ليل" حاجبيها فى صمت وأكملت "كارما" بحماس واضح:-
_ يعنى بجد... هو مش طبيعي وسيم جدًا وهادى وشخصيته محترمة ولما بيتكلم تحسي إنه راجل بجد.

نظرت إليها "قُدس" بصدمة:-
_ يا بنتى استغفرى ربنا، أنتِ بتعاكسي أى حد 

ضحكت "كارما":-
_ هو أنا قولت حاجة غلط؟ أنا معجبة بيه وخلاص دا حتى شكله أكبر من سنه وهيب كدة.

أشارت إلى "ليل" بعفوية:-
_ هو عنده كام سنة أصلًا؟

أجابت "ليل" بهدوء:-
_ خمسة وثلاثين  تقريبًا.

_ خمسة وثلاثين!! 
قالتها "كارما" بدهشة ثم أضافت بحماس أكبر:-
_ والله ما باين عليه دا يجنن.

أغمضت "قُدس" عينيها وهى تتمتم:-
_ يا ساتر يا رب.

لكن "كارما" لم تتوقف؛ بل التفتت نحو "ليل" مباشرة وقالت:-
_ طب هو مرتبط؟

تجمدت يد "ليل" فوق الكوب للحظة فقط، لحظة صغيرة جدًا لكنها شعرت بشيء غريب داخل صدرها شيء يشبه الانقباض لم تختبره من قبل وكأن أحدهم وضع حجرًا صغيرًا فوق قلبها.
أكملت "كارما" بفضول:-
_ أو متجوز مثلًا؟

صمتت "ليل" بينما كانت "قُدس" تراقبها جيدًا تراقب التوتر الذى مر على وجهها للحظة واختفى قالت "كارما" فجأة:-
_ طب هاتى رقمه.

نزلت الجملة كالصاعقة على "قُدس" فوضعت الكوب بقوة على الطاولة وقالت بصدمة:-
_ نعم؟ رقمه؟

رمشت "كارما" باستغراب:-
_ يا بنتى عادى هكلمه وأشوف الدنيا يمكن يعجبنى وأعجبه.

شهقت "قُدس" من الوقاحة التى تراها:-
_ وتشوفى الدنيا إيه يا أختى هو راجل فى الشارع؟ كارما أنا مستغربة جرأتك والله.

لكن "كارما" لم تشعر أنها قالت شيئًا خاطئًا؛ بل قالت بعفوية:-
_ هو أنا هخطفه يعنى؟ أنا بس معجبة بيه وسيم ومحترم وبعدين شكله كدة من النوع اللى الست تتطمن معاه.

أخفضت "ليل" نظرها إلى الكوب أمامها وفجأة...لم تعد تسمع بقية الكلمات بوضوح (وسيم، محترم، راجل تتطمن معاه.) 
كل كلمة كانت تلامس شيئًا مجهولًا داخلها شيئًا لم تنتبه لوجوده من قبل فتذكرت صوته الهادئ وصبره الطويل والكتب التى اشتراها لها، انتظاره اليومى أمام الجامعة وخوفه عليها وكيف كان يجلس على الأرض بجوار سريرها حتى تنام مطمئنة، شعرت بضيق غريب يزحف داخل صدرها ضيق لم تفهم سببه ولا اعترفت به حتى لنفسها لكنها لم يعجبها حديث "كارما" ولم يعجبها فضولها ولم يعجبها طلبها لرقمه نهضت فجأة من مكانها فالتفتت الفتاتان إليها بدهشة وقالت بهدوء متوتر:-
_ يلا يا قُدس.

قامت "قُدس" فورًا، تعرف هذه النظرة جيدًا، تعرف أن شيئًا ما أزعج "ليل"، أمسكت حقيبتها وقالت:-
_ يلا.

بينما ظلت "كارما" تحدق بهما باستغراب:-
_ هو أنا قولت حاجة غلط؟

لكن "ليل" كانت قد غادرت بالفعل إلى ممر الجامعة بينما لحقت بها "قُدس" ثم أمسكت ذراعها برفق وأوقفتها وقالت مبتسمة بمكر:-
_ بتغيرى.

التفتت "ليل" إليها فورًا:-
_ نعم؟

ضحكت "قُدس":-
_ بتغيرى على يزيد.

اتسعت عينا "ليل":-
_ أنا؟! أنتِ اتجننتى؟

ضحكت "قُدس" أكثر ثم اقتربت منها هامسة:-
_ أمال وشك قلب ليه لما سألت عن رقمه؟  وأمال قومتى مخنوقة كدة ليه؟ وأمال اتضايقتى ليه أصلا؟

فتحت "ليل" فمها لترد لكنها لم تجد إجابة لأنها هى نفسها لا تعرف فقالت بتوتر:-
_ عادى معجبنيش أسلوبها بس.

هزت "قُدس" رأسها وكأنها لا تصدق حرفًا واحدًا ثم قالت بحنان:-
_ ليل... يزيد جوزك مش عيب ولا حرام، اللى عيب أنكِ تفضلى مخبية دا وكأنه سر.

رفعت "ليل" عينيها إليها فأكملت "قُدس" بابتسامة دافئة:-
_ قولى للناس الحقيقة، قولى إنه جوزك، ولو حد بصله أو سأل عنه يبقى عارف من البداية إنه ملك واحدة، ملكك أنتِ 

توقفت "ليل" عن السير وشعرت بحرارة خفيفة تصعد إلى وجنتيها، بينما كانت كلمات "قُدس" تدور داخل رأسها.

"إنه جوزك."

لأول مرة بدت الكلمة مختلفة ودافئة وأقرب إلى قلبها مما كانت تتخيل، خرجت "ليل" و"قُدس" من بوابة الجامعة الرئيسية وسط الزحام المعتاد للطلاب وفور أن وقعت عينا "ليل" على السيارة السوداء المتوقفة فى الجهة المقابلة شعرت بشيء ما يتحرك داخلها كان "يزيد" يقف بجوار السيارة كعادته هادئًا ومستقيم القامة يرتدى قميصًا سماوى بسيطًا وبنطلون جينز وساعة فى معصمه لم يفعل شيئًا مختلفًا عن أى يوم لكن "ليل" لم تكن تنظر إليه اليوم كما كانت تنظر إليه بالأمس للأسف حديث "كارما" ما زال يرن داخل أذنيها.
"وسيم جدًا."
"راجل تتطمن معاه."
"هاتى رقمه."

شعرت بالضيق يعود إليها من جديد أما "قُدس" فما إن رأت سيارة "يزيد" فى انتظارها حتى ارتسمت ابتسامة خبيثة على شفتيها التفتت نحو "ليل" وقالت بسرعة:-
_ أنا همشى بقى.

_ نعم؟
قالتها "ليل" باستغراب لكن "قُدس" كانت قد بدأت تتراجع للخلف بالفعل وقالت:-
_ السواق مستنيني 

ثم أضافت بمكر واضح:-
_ وأنتِ عندك جوزك.

اتسعت عينا "ليل" لكن "قُدس" كانت قد هربت بالفعل قبل أن تسمع الرد، ركبت سيارتها وهى تلوح لها من خلف الزجاج بابتسامة مستفزة جعلت "ليل" تكز على أسنانها غيظًا. اقترب "يزيد" منهما ورفع حاجبه باستغراب وهو يرى ملامح "ليل" المتجهمة ثم فتح لها باب السيارة كعادته وقال بهدوء:-
_ السلام عليكم.

_ وعليكم السلام.
جاء ردها مقتضبًا، باردًا وغريبًا فنظر إليها للحظة لكنها كانت قد جلست بالفعل أغلق الباب واستدار إلى مقعده خلف المقود.
تحركت السيارة وكعادتها دائمًا جلست "ليل" بجواره لكن هذه المرة لم تنظر إلى النافذة؛ بل ظلت تنظر إليه هو بصمت وغيظ وحدة تلو الأخرى بدأت تلاحظ تفاصيل لم تكن تراها من قبل، خط فكه الحاد واللحية المرتبة وملامحه الرجولية الهادئة، عينيه الثابتتين على الطريق، الوقار الذى يحيط به أينما ذهب حتى يديه على المقود بدت لها اليوم مختلفة وكأنها تراها لأول مرة.
عبست أكثر وتذكرت "كارما" فتضاعف ضيقها وتساءلت 
ما الذى يعجب الفتيات فيه أصلًا؟
ولماذا كان عليها أن تلاحظ كل هذه التفاصيل الآن؟
ولماذا كان يبدو...وسيمًا فعلًا؟

كزت على أسنانها غاضبة ثم عادت تحدق فيه من جديد كأنها تبحث عن عيب، أى عيب، أى شيء يفسد هذا الوجه الذى تسبب لها بكل هذا الإزعاج اليوم أما "يزيد" فكان يشعر بنظراتها بوضوح مرة واثنتين وعشر مرات حتى بدأ الأمر يثير استغرابه اختلس نظرة سريعة إليها فوجدها تنظر إليه بالفعل وما إن التقت أعينهما حتى أشاحت بوجهها سريعًا، عقد حاجبيه ثم عاد للطريق بعد دقيقة عادت تنظر إليه ثم أشاحت ثم عادت ثم أشاحت وأخيرًا قال بهدوء:-
_ هو أنا عملت حاجة؟

انتفضت قليلًا ثم أجابت بسرعة:-
_ لا

_ متأكدة؟

_ اه

صمت لحظة ثم قال:-

_ طب الحمد لله لأن شكلك ناوية تخنقينى من أول ما خرجتى من الجامعة.

احمر وجهها فورًا واستدارت نحو النافذة، بينما ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيه لكنه ظل يشعر أن هناك شيئًا حدث شيئًا أغضبها فعلًا فقط لا يعرف ما هو.
وصلت السيارة أمام العمارة ونزلت "ليل" بسرعة غير معتادة حتى إنها لم تنتظر أن يفتح لها الباب أغلقت الباب بنفسها، وتحركت نحو الداخل بخطوات سريعة نظر إليها "يزيد" بدهشة ثم لحق بها صعد خلفها إلى الشقة، فتح الباب فوجدها تندفع مباشرة نحو غرفتها ثم...

"باااام"

أُغلق الباب بقوة حركت قلبه من ضلوعه من الفزع، توقف فى مكانه ونظر إلى الباب المغلق ثم إلى الممر الفارغ ثم عاد إلى الباب مرة أخرى وظل صامتًا عدة ثوانٍ قبل أن يقول لنفسه بحيرة حقيقية:-
_ يا ترى أنا عملت إيه المرة دى؟

أما خلف الباب فكانت "ليل" تستند إليه بظهرها وجنتاها محمرتان وعقلها كله غارق فى سؤال واحد مستفز سؤال جعلها أكثر غضبًا من أى شيء آخر، لماذا كان على "كارما" أن تلفت انتباهها أصلًا إلى أن زوجها وسيم لهذه الدرجة؟

________________________________

كانت الشمس تميل نحو الغروب حين توقفت السيارة أمام العمارة أخيرًا هبطت "مديحة" ببطء، تستند إلى ذراع "آسيا" من جهة وذراع "وصيفة" من الجهة الأخرى، بينما كان "فؤاد" يسير خلفهم يحمل الأدوية والملفات الطبية لأول مرة منذ سنوات طويلة شعرت "مديحة" أن خطواتها أثقل من المعتاد كأن المرض انتزع منها شيئًا من كبريائها، شيئًا من عنادها، شيئًا من قوتها التى كانت تتباهى بها دائمًا صعدوا الدرج فى هدوء غير معتاد، لا مشاجرات، لا صراخ لا اتهامات، حتى العمارة نفسها بدت وكأنها تستريح من الحرب التى سكنت جدرانها طوال الشهور الماضية.
فتحت "قدس" الباب فور وصولهم كانت تنتظر منذ الصباح وما إن رأت جدتها حتى ابتسمت بسعادة حقيقية وقالت:
_ حمد لله على السلامة يا ديحة.

رفعت "مديحة" عينيها نحوها ثم لأول مرة منذ وقت طويل لم تجد ردًا لاذعًا أو تعليقًا ساخرًا اكتفت بهزة رأس صغيرة بينما اقتربت "قدس" تحتضنها برفق همست بحنان:
_ وحشتينى.

ارتبكت "مديحة" للحظة ذلك النوع من الحنان كانت تعرف كيف تعطيه للآخرين قديمًا لكنها نسيت كيف تستقبله فقالت بخشونة تخفى تأثرها:
_ شكرا يا قُدس

ابتسمت "قدس" بسعادة بينما تبادلت "وصيفة" و"آسيا" نظرة هادئة ثم دخل الجميع إلى شقة "مديحة"، ساعدتها "وصيفة" حتى جلست على فراشها ووضعت الوسادة خلف ظهرها بعناية وكأنها تتعامل مع طفلة صغيرة وقالت بلطف:
_ ارتاحى شوية وأنا هبعتلك الشوربة بعدين.

نظرت إليها "مديحة" طويلًا، نظرة مختلفة هذه المرة خالية من العداء القديم ، من المنافسة التى استمرت عمرًا كاملًا ثم قالت بصوت منخفض:
_ تعبتك معايا.

ابتسمت "وصيفة" ببساطة. وقالت بلطف:-
_ دا واجب يا مديحة.

اختنقت الكلمات داخل صدر الأخرى فاكتفت بإدارة وجهها نحو النافذة قبل أن يخرج الجميع ويتركوها تستريح.

---

بعد دقائق... كان "هادي" يهبط درجات السلم ببطء حين لمح أخاه "فؤاد" يخرج من شقة والدته توقف الاثنان فى المنتصف ونظر "هادي" إليه ثم قال:
_ أخبار ديحة إيه؟

تنهد "فؤاد" براحة:
_ أحسن الحمد لله.

هز "هادي" رأسه ثم قال فجأة:
_ بالمناسبة... الجارحي كلمنى.

رفع "فؤاد" حاجبيه باستغراب. وقال:-
_ خير؟

ابتسم "هادي" ابتسامة صغيرة وقال:
_ طالب إن العيلة كلها تتجمع الليلة على العشا فى شقة وصيفة.

عقد "فؤاد" حاجبيه فورًا وكرر بتعب:-
_ كلها؟

_ كلها.

ساد الصمت بينهما لثوانٍ ثم قال "فؤاد":
_ والسبب؟

هز "هادي" كتفيه يقول:-
_ معرفش.

اتصل بيا وقال بالحرف: "محدش يتأخر الليلة"  نظر كل منهما للآخر الفضول بدأ يتسلل إلى رأسيهما فالجارحي لم يكن من النوع الذى يجمع العائلة بلا سبب خصوصًا بعد كل ما حدث مؤخرًا فقال "فؤاد":
_ أكيد فى حاجة.

أجاب "هادي":
_ وأنا حاسس بكدة برضو.

وصل الخبر بسرعة وعرفت "آسيا" ثم "خديجة" ثم "قدس" وحتى "وصيفة" نفسها لم تكن تعلم لماذا يريدهم جميعًا، جلست "قدس" على الأريكة واضعة يدها فوق بطنها الصغير وتفكر بينما سألتها "خديجة":
_ قالك حاجة؟

هزت رأسها بالنفى بدهشة:-
_ والله ما أعرف.

بس صوته كان هادى بشكل غريب، تنهدت "وصيفة"متمتمة:-
_ ربنا يستر

وبدأ الفضول يلتهم عقولهم من التفكير فى سبب هذا الاجتماع المفاجئ وإلى أين سينتهى المطاف؟؟............ 


تعليقات