رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الاربعون 40 بقلم دودو محمد


 رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الاربعون 

مساءً...
خرجت رنيم إلى الشرفة بعدما عجزت عن البقاء داخل الغرفة أكثر من ذلك. كانت تشعر بأن الجدران تضيق عليها شيئًا فشيئًا، وأن الأفكار التي تدور داخل رأسها أصبحت أثقل من أن تتحملها وحدها. اقتربت من السور الحديدي وأسندت كفيها عليه، ثم رفعت وجهها نحو السماء وأخذت تستنشق الهواء البارد بعمق، علّه يخفف من تلك النار الغريبة التي كانت تشتعل داخل صدرها منذ عودتها.
لم تكن معتادة على هذا الشعور.
الغيرة لم تكن يومًا جزءًا من شخصيتها، أو هكذا كانت تظن.
لكن صورة موظفة الاستقبال وهي تبتسم لشاهين بتلك الطريقة المستفزة كانت تتكرر أمام عينيها بلا رحمة، فتشعر بانقباض حاد في قلبها، وكأن أحدهم يضغط عليه بيده بقوة.
أطلقت زفرة طويلة محاولة التخلص من ذلك الضيق، وظلت تحدق في الظلام الممتد أمامها دون أن تنتبه إلى وجود شاهين في الشرفة المجاورة.
كان يقف هناك منذ دقائق. يتابعها بصمت.
يراقب ملامحها الشاردة ونظراتها المضطربة، ويشعر بأن هناك شيئًا يثقل قلبها.
ابتسم بخفة عندما أدرك أنها لم تنتبه له، ثم تنحنح بخشونة متعمدة حتى يلفت انتباهها.
انتفضت قليلًا وحركت رأسها باتجاه الصوت، وما إن وقعت عيناها عليه حتى ارتسمت فوق ملامحها علامات الدهشة وقالت:
"أنت لسه صاحي؟"
ابتسم وهو يبادلها النظر، ثم أومأ برأسه وقال:
"اكيد صاحي مدام واقف قصادك اهو، وانتي منمتيش ليه؟"
تجنبت النظر إليه للحظة، ثم حركت عينيها بتوتر وقالت:
"مش جايلي نوم، والجو هنا خنقه اوي."
لم يصدق السبب الذي أعطته له، فقد كانت ملامحها تقول أكثر من ذلك بكثير، لكنه لم يشأ أن يضغط عليها.
لذلك قال سريعًا وكأنه وجد حلًا مناسبًا:
"تحبي تنزلي تتمشي شوية؟"
التفتت إليه مجددًا، ثم هزت رأسها بالرفض وقالت:
"لا مش هينفع الوقت اتأخر وهحاول ادخل أنام علشان عندي شغل الصبح بدري."
لم يستسلم بسهولة.
فمنذ أن رآها تقف بهذه الطريقة، أدرك أنها لا تحتاج إلى النوم بقدر ما تحتاج إلى الهروب من أفكارها لبعض الوقت.
لذلك قال بإصرار لطيف:
"لسه بدري تعالي ننزل ناكل أي حاجه تحت ونتمشى شويه."
صمتت لثوانٍ.. كانت تعلم أنها لا تشعر بالجوع، لكنها أيضًا لم تكن ترغب في العودة إلى الغرفة والاختلاء بأفكارها مجددًا.
رفعت عينيها إليه وأطالت النظر قليلًا، وكأنها تزن الأمر داخل عقلها، قبل أن تستسلم في النهاية وتومئ برأسها بالموافقة قائلة:
"اوك، هدخل اغير هدومي وهستناك قدام باب الأوضه."
اتسعت ابتسامته دون أن يشعر، وأومأ برأسه قائلًا:
"ماشي يلا بينا."
دلف كل منهما إلى غرفته.
أغلقت رنيم الباب خلفها، ثم أسندت ظهرها إليه للحظة.
كانت تشعر بارتباك غريب لا تعرف سببه.
ربما لأن وجود شاهين أصبح يؤثر عليها أكثر مما ينبغي.
وربما لأنها بدأت تعتاد عليه بطريقة أخافتها هي نفسها.
تنهدت بهدوء ثم تحركت لتبدل ملابسها.
أما شاهين، فما إن دخل غرفته حتى ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه.
لم يكن غبيًا. كان يعلم أن سبب سهرها ليس الجو ولا الأرق.
وكان يعلم أيضًا أن ما حدث في الفندق أسعده بطريقة لا يستطيع وصفها.
لأول مرة رأى غيرتها عليه بهذا الوضوح.
ولأول مرة شعر أن قلبها بدأ يعترف بما تحاول هي إنكاره.
وبعد عدة دقائق، خرجت رنيم من غرفتها.
أغلقت الباب خلفها، ثم رفعت رأسها لتجده واقفًا أمام باب غرفته ينتظرها بالفعل.
كانت عيناه معلقتين بها منذ اللحظة التي خرجت فيها.
فابتسمت له بتوتر خفيف وقالت:
"سوري اتأخرت عليك!"
حرك رأسه بالرفض فورًا وقال:
"لا متأخرتيش ولا حاجه، يلا بينا."
سارا جنبًا إلى جنب عبر الممر الطويل.
كان المكان هادئًا بشكل لافت، ولم يكن يسمع سوى صوت خطواتهما فوق الأرضية اللامعة.
أما الصمت بينهما فكان يحمل من المشاعر ما تعجز عنه الكلمات.
وصلا إلى المصعد، فضغط شاهين على الزر وانتظرا معًا.
وبمجرد أن انفتح الباب، دخلا إلى الداخل، لتغلق الأبواب عليهما ببطء، ويبدأ المصعد في الهبوط نحو الأسفل، بينما كان كل منهما غارقًا في أفكاره الخاصة.
اتجها معًا إلى مطعم قريب من الفندق، وكانت أجواء الليل قد فرضت سكونها على المكان، فلم يعد يسمع سوى أصوات السيارات المتباعدة وهمسات المارة القلائل. سارت رنيم إلى جوار شاهين بصمت ثقيل، بينما كانت أفكارها تتصارع داخل رأسها بعنف. فمنذ أن علمت بحقيقة زواجه وهي تحاول إقناع نفسها بأنها تجاوزت الأمر، لكنها كانت تدرك جيدًا أن قلبها لم يفعل.
دلفا إلى المطعم واختارا طاولة هادئة في أحد الأركان البعيدة. وما إن جلسا حتى طلبا بعض الطعام، ثم خيم الصمت بينهما من جديد. كانت رنيم شاردة الذهن، تعبث بأطراف أصابعها فوق الطاولة دون وعي، بينما كان شاهين يراقبها بصمت طويل، وعيناه تفيضان بمشاعر لم يعد يحاول إخفاءها.
ظل يتأمل ملامحها المتوترة، والانكسار الذي كانت تحاول إخفاءه خلف برودها المعتاد، بينما كانت هي تشعر بنظراته تحاصرها من كل اتجاه وتزيد اضطرابها أكثر.
رفعت عينيها إليه أخيرًا، وظلت تنظر إليه للحظات طويلة، وكأنها تجمع شتات شجاعتها لتسأل السؤال الذي ظل يحرق قلبها منذ معرفتها بالحقيقة. ثم قالت بصوت مختنق:
"كنت بتحبها؟"
انعقد حاجباه باستغراب، وبدا عليه عدم الفهم للحظة قبل أن يسأل:
"هي مين دي؟"
شعرت بوخزة مؤلمة تخترق صدرها، وابتلعت الغصة التي تجمعت في حلقها بصعوبة وهي تقول بصوت مختنق:
"مراتك!"
ساد الصمت بينهما لثوانٍ قليلة، ثم مال بجسده إلى الأمام وأسند ذراعيه فوق الطاولة، وكأن المسافة بينهما أصبحت فجأة أبعد مما يحتمل، وثبت عينيه داخل عينيها مباشرة وقال بحب صادق:
"أنا عمري ما حبيت حد غيرك أنتي يا رنيم، انتي اول واخر حب في حياتي."
ارتجف قلبها رغمًا عنها، لكنها لم تسمح لمشاعرها بالسيطرة عليها. كانت بحاجة إلى فهم كل شيء، إلى معرفة الحقيقة كاملة دون رتوش أو أوهام.
حركت رأسها بحزن وقالت:
"بس انت متجوز يا شاهين، أب لبنتين ازاي مش بتحبها؟"
مد يده نحوها وأمسك يدها برفق، وكأنه يحاول أن يمنحها شيئًا من الأمان الذي فقدته، ثم قال بنبرة عاشقة امتزجت بالندم:
"مش شرط علشان متجوز ابقى حبيتها، اصلا هي كانت شغاله سكرتيره لمكتبي في الشركه اللي بره مصر، وانا كنت شاب لسه ورغم كده طول عمري ماليش في الشمال ولا عمري فكرت اقرب من أي واحده، في علاقة غير شرعية، وهي حاولة تقرب مني كتير زيها زي غيرها من البنات بس عمري ما اديتها ريق، بالعكس كنت دايما احذرها علشان تظبط معايا في المعامله، بس في يوم كنت متخانق مع ابويا، والدنيا كلها كانت سودا في وشي وكنت أول مره ادخل بار واشرب خمرة وقتها سكرت ومعرفش ايه خلاني اروح عندها البيت المهم يعني انا مش فاكر ايه حصل ما بينا بالظبط، صحيت تاني يوم لاقيت نفسي نايم جنبها على السرير، وواضح من المنظر أن فيه حاجه حصلت ما بينا، ندمت وقتها أني شربت وندمت اكتر على اللي حصل ما بينا اللي انا مش فاكره، حاولت هي تستخدم اللي حصل ما بينا ده علشان افضل معاها، بس انا رفض وكنت ناوي اعتبرها علاقه وعدت لأن هناك الحاجه دي طبيعي تحصل ما بين أي اتنين عادي، بس اللي معملتش حسابه انها تطلع حامل مني من الليله دي، وهنا كان لازم اعيد حساباتي، مكنتش هقبل أن أجيب طفل من علاقة غير مشروعه وانا اكتر واحد عارف احساس اللي بيجي من السكه دي بيبقى عامل ازاي، المهم اتجوزتها حاولة اهتم بيها علشان الطفل اللي هيجي، يجي في دنيا هادية ونضيفه، عشنا تلت سنين بعد ولادت بنتي الاولى حياة هاديه تقليديه اب وأم وطفله ماليه عليا دنيتي بضحكتها، وبعد كده حصل حمل في بنتي التانيه، بس كانت امي بدأت تزن عليا ارجع مصر وانا رفض جات عاشت معانا وكل حاجه اتغيرت مشاكل كتير اوي كانت بتحصل ما بينا لحد ما طلبت هي الطلاق وانا نفذت رغبتها وطلقتها، البنات فضلوا معاها وانا رجعت مصر مع امي بس كنت بزورهم على طول وأي حاجه بيطلبوها كنت بسافر ليهم اجيبها وارجع تاني مصر، وفي يوم طلبت مني اننا لازم نرجع حتى لو مجرد جواز صوري علشان البنات بدأت تسأل عليا على طول وكمان لأن أنا اوقات كنت بروح انام معاهم في الفيلا، رجعتها وقصاد البنات بنتعامل بحب وكاننا اسعد عيله، لكن ما بينا وبين بعض كل واحد في حاله حياة منفصلة تماما عن بعض، وفضلنا كده لحد وقتنا دلوقتي، بس يا رنيم هي دي الحكايه كلها، أنا وأماليا مجرد زوجين صوري قصاد البنات مش اكتر."
كانت تستمع إليه دون أن تقاطعه. ومع كل كلمة كان ينطقها كانت صورة مختلفة تتشكل داخل عقلها. الصورة التي رسمتها طوال الأيام الماضية بدأت تتهاوى شيئًا فشيئًا.
والحقيقة التي كانت تسمعها الآن لم تكن تشبه مخاوفها أبدًا.
لأول مرة منذ فترة طويلة شعرت بأن شيئًا ثقيلًا كان يجثم فوق صدرها بدأ ينزاح ببطء. فهو لم يحبها.
لم تكن هناك قصة حب أخرى تنافسها داخل قلبه.
وكانت تلك الحقيقة وحدها كافية لتبعث في داخلها سعادة أربكتها هي نفسها.
أبعدت يدها عن يده ببطء وتكلمت بتوتر:
"ط طيب ما بناتك كبروا ليه لحد دلوقتي سايبها على ذمتك؟"
حرك كتفيه بعدم اهتمام وقال:
"موضوع أننا متجوزين مش في بالي اصلا، مشغلنيش غير بعد ما حبيتك وكنت خايف اقولك الحقيقه تفهميني غلط وتبعدي عني، زي ما كنتي ناويه تعملي."
تنهدت ببطء وهي تشيح بنظرها بعيدًا عنه للحظات، ثم أعادته إليه مجددًا وقالت بضيق:
"على فكرة لو كنت جيت وقولت ليا الحقيقه زي ما عملت دلوقتي، كان ممكن اتقبل الوضع، لكن اللي كبر الموضوع انك طلبت مني الجواز وكنت مستعجل اوي، من غير ما تعرفني، وحطتني قصاد الأمر الواقع وفجأتني يا شاهين بوجودهم في حياتك."
أومأ برأسه باقتناع كامل، ولم يحاول الدفاع عن نفسه أو تبرير خطئه أكثر مما فعل، ثم قال:
"عندك حق في كل كلمه قولتيها، بس زي ما قلتلك كنت خايف انك تبعدي عني وتسبيني بعد ما تعرفي الحقيقه، وانا عندي الموت اهون من انك تسبيني يا رنيم."
أرجعت رنيم جسدها إلى الخلف ببطء، وكأنها تحاول أن تضع مسافة بينها وبين كلماته التي كانت تتسلل إلى قلبها رغمًا عنها. أسندت ظهرها إلى المقعد، بينما تشابكت داخل صدرها مشاعر متناقضة أنهكتها؛ جزء منها أراد تصديقه، وجزء آخر ظل متمسكًا بجرحه، رافضًا أن يغفر بسهولة. حدقت فيه طويلًا بعينين امتلأتا بالعتاب والخذلان، ثم قالت:
"طيب ما أنا سيبتك ولسه عايش اهو يا شاهين! انت فاكر لما تقولي الكلام ده هاجي واترمي في حضنك واقلك أنا اسفه يا حبيبي طلعت ظلماك؟ لا يا شاهين كل اللي قلته ده مش مبرر انك تضحك عليا وتداري جوازك عني وانك أب لبنتين، اه ميا متقبله علاقتنا، إنما إيما لا، بالعكس دي بتكرهني، وشايفه أن خطفتك منهم، شاهين، مش معنى أن متقبله وجودك في حياتي اني موافقه على جوازك مني، لا، أنا متقبله وجودك، كأمان ليا، أو لانك بتهتم بيا بطريقه عجبتني، أو يمكن علشان انت الشخص الوحيد اللي فهمني من غير حتى ما أتكلم، أنا ذات نفسي مش عارفه سبب تقبلي لوجودك معايا ايه، بس اللي متأكده منه أني مستحيل هقبل اتجوزك واخدك من بناتك، علشان كده مش عايزاك تعشم نفسك بحاجة مش هتحصل، وانتبه لبناتك اهتم بيهم حسسهم بوجودك معاهم، عوضهم الفترة اللي بعد عنهم بسببي، انت بالنسبه ليهم الامان، العالم بتاعهم، مينفعش اجي أنا واقتحم عالمهم، واكون انانيه، ياريت تكون فهمت كلامي اللي عايزة أوصله ليك، انت كده بتعذبني يا شاهين بتضعفني مش بتقويني، وجودك جنبي بيخليني شبه الطفله المتمسكه بأبوها، بس فيه غيرها أحق بي، احساس عيشته وانا صغيره وبعيشه معاك وانا كبيرة، وجع عمري ما هعرف اوصفه ليك ولا  عمرك هتحس انت بي."
خرجت كلماتها دفعة واحدة، محملة بسنوات من الألم والخوف والحرمان. لم تكن تتحدث عن إيما فقط، ولا عن ميا، بل كانت تتحدث عن طفلة قديمة ما زالت تعيش داخلها، طفلة عانت من الشعور بالفقد وهي ترى قلب أبيها موزعًا بين عالمين. لذلك كانت ترتجف من فكرة أن تصبح يومًا سببًا في تكرار الوجع ذاته داخل قلوب طفلتين بريئتين.
أما شاهين، فقد ظل يستمع إليها بصمت كامل. لم يقاطعها، ولم يحاول الدفاع عن نفسه أو تبرير أفعاله. كان ينظر إليها بعينين ممتلئتين بالفهم، وكأنه يرى خلف كلماتها كل الجروح التي لم تنطق بها. تركها تفرغ ما يثقل روحها حتى النهاية، وعندما ساد الصمت بينهما للحظات، ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة وقال:
"وفيها ايه لما يكون عندي تلت بنات مش اتنين؟ انتي عرفتي طبيعة علاقتي بأماليا ايه، بالنسبه لبناتي زي ما قلتلك هيحصل ايه لو اعتبرتك بنتي التالته؟ زيك زيهم حبي ليكم انتوا التلاته زي بعض لا عمري هقصر معاهم ولا هقصر معاكي، ومتأكد انك هتقدري تخليهم يحبوكي زي ما قدرتي توقعي قلبي في حبك."
أوجعتها كلماته أكثر مما أسعدتها. كانت تعلم أنه صادق، وتشعر بصدق مشاعره في كل حرف ينطقه، لكن الحياة لم تكن دائمًا بهذه البساطة. ليست كل القلوب قادرة على تقبل الواقع كما يتمنى أصحابه.
ابتسمت ابتسامة صغيرة امتزج فيها الحزن بالحنين، ثم قالت:
"مش هتقدر تعمل كده، عارف ليه؟ لأن بنتك إيما هتفضل شيفاني خطفتك منهم ومن امها، وانت علشان ترضيها هتحاول تثبت ليها عن طريق تقربك لامها، وساعتها كرهها ليا هيزيد اكتر، زمان، بابا كان بيعتبر التانيه برضه بنته، بس بنت قلبه، كان لما يكون معانا، بيكون بجسمه بس إنما قلبه وعقله كانوا بيبقوا عندها هي، مش هقولك شاركتنا فيه، لا خالص هي كانت اخداه مننا من أساسه، وانا مش هسمح لده يحصل معايا أنا وبناتك، بتحبني اه عارفه ومتأكده كمان من حبك ليا، بس دي المشكله الاساسيه يا شاهين، عمرك هتقدر تعدل في حبك لينا."
لمعت عيناها وهي تتحدث عن الماضي، وكأن الذكريات عادت لتجلس معهما إلى الطاولة. ذكريات لم تندمل رغم مرور السنوات، وظلت تنزف كلما اقتربت من موقف يشبهها ولو قليلًا.
هز شاهين رأسه رافضًا كلامها، وكأن مجرد تخيل ابتعادها عنه أمر لا يستطيع احتماله، ثم قال بإصرار واضح:
"مش صح يا رنيم، علشان حبي ليكم هيكون مختلف، كل واحد هحبه بطريقة مختلفه، هما بناتي حبهم في قلبي بالفطره حب اب لبناته، إنما حبي ليكي مختلف تماما انتي اللي دخلتي قلبي من غير استئذان، الإنسانه اللي غيرت فيا كل حاجه وحشه اللي بتمنى اكمل معاها الباقي من عمري، ومهما حاولتي مش هتنازل عنك يا رنيم، يعني من الاخر متحاوليش علشان انا متمسك بيكي لدرجة الجنون."
ظلت تنظر إليه طويلًا دون أن تنطق. كانت عيناه تحملان ذلك الإصرار الذي تعرفه جيدًا، الإصرار الذي لطالما أخافها وأراحها في الوقت ذاته. أرادت أن ترد عليه، أن تقنعه باستحالة ما يتمناه، لكن الكلمات خانتها هذه المرة.
وفي اللحظة التي كادت تفتح فيها فمها للحديث، وصل النادل حاملاً الطعام ووضع الأطباق أمامهما، لتنقطع تلك المواجهة العاطفية الثقيلة فجأة.
ابتسم شاهين ابتسامة هادئة وكأنه قرر تأجيل المعركة إلى وقت آخر، ثم قال:
"كفايه كلام بقى ويلا ناكل هموت من الجوع."
بدأ يتناول الطعام بهدوء، بينما بقيت رنيم تحدق فيه بشرود. كانت عيناها تتأملان ملامحه دون وعي منها، وكأنها تحاول أن تجد داخل وجهه إجابة لكل الأسئلة التي تعذبها.
التقط نظراتها المعلقة به، فارتسمت على شفتيه ابتسامة مشاكسة، ثم قال وهو يغمز لها بخفة:
"ركزي في طبقك علشان هسيب الاكل اللي قدامي وهاكلك انتي، بخدوك الحمر دول."
اتسعت عيناها بخجل، فخفضت بصرها فورًا نحو طبقها، وشعرت بحرارة وجهها تزداد بشكل واضح. أسرعت تتناول الطعام هربًا من نظراته التي كانت تربكها أكثر مما ينبغي.
أما شاهين، فظل يراقب ارتباكها بابتسامة راضية، قبل أن يعود إلى طعامه وهو يشعر بشيء من السكينة لأول مرة منذ فترة طويلة. وبينما كان يتناول طعامه، كان هناك عهد صامت يتشكل داخل قلبه، عهد لا يحتاج إلى كلمات؛ أنه مهما ابتعدت، ومهما قاومت، فلن يتخلى عنها أبدًا، وسيظل متمسكًا بها حتى آخر نفس في عمره.
   ****************************
في صباح يومٍ جديد...
تسللت خيوط الشمس الأولى إلى الغرفة بهدوء، بينما كان السكون ما يزال يلف المكان كغطاء ثقيل. حرك غريب رأسه ببطء، وكأن النوم لم يغادره بالكامل بعد، ثم فتح عينيه على مهل. كانت أروى لا تزال غارقة في نوم مضطرب بين ذراعيه، أصابعها الصغيرة متشبثة بقميصه بقوة وكأنها تخشى أن يختفي من جوارها إذا تركته.
انقبض قلبه وهو يتأملها. لم يعتد أن يراها بهذا الضعف، ولا أن يرى الخوف مستقرًا حتى في ملامحها وهي نائمة. مال برأسه نحوها وطبع قبلة حانية على مقدمة رأسها، ثم بدأ يحرر قميصه من قبضتها بحذر شديد حتى لا يوقظها. ظل يتحرك ببطء وكأنه يتعامل مع شيء هش قابل للانكسار، حتى نجح أخيرًا في النهوض من جوارها.
اتجه إلى المرحاض وقلبه معلق بها، وعندما انتهى شعر بحاجة ملحة إلى فنجان قهوة يعيد إليه بعض التركيز بعد ليلة طويلة من القلق والسهر. ألقى عليها نظرة أخيرة قبل أن يغادر الغرفة، ثم خرج بهدوء تاركًا إياها نائمة.
وما إن لمح أحمد غريب يغادر من عندها، حتى انتفض من مكانه دون تردد. كان ينتظر تلك اللحظة منذ ساعات طويلة. تحرك سريعًا نحو الغرفة، ودلف إلى الداخل ثم أغلق الباب خلفه برفق. ساد الصمت للحظات.
اقترب من السرير بخطوات مترددة، وكأن كل خطوة تكلفه جزءًا من روحه. جلس على المقعد المجاور لها وظل يحدق في وجهها بصمت طويل. كان يحاول دائمًا إخفاء ألمه أمام تامر، لكن الآن لم يكن هناك أحد يراقبه، ولم يعد قادرًا على التظاهر بالقوة.
تجولت عيناه فوق ملامحها الشاحبة، فوق جسدها الذي بدا أضعف بكثير مما يتذكره، فوق الإرهاق المرسوم على وجهها. شعر وكأن شيئًا حادًا يغرس نفسه داخل صدره.
مد يده ببطء وأمسك يدها بين كفيه، ثم انحنى مقبلًا إياها برقة قبل أن يقول بصوت خافت يكاد يختنق من شدة الألم:
"مش متعود اشوفك كده يا أروى، وحشني صوتك كلامك وضحكتك، أرجعي لاحمد اللي بيحبك، اللي بيعتبرك بنته المجنونه الطقه، مستعد أعمل أي حاجه علشان اشوف ضحكتك من تاني."
لم يكن ينتظر ردًا، لكنه فوجئ بحركة خفيفة تصدر منها.
بدأت أروى تحرك رأسها ببطء، وما إن شعر أحمد بأنها تستعيد وعيها حتى أفلت يدها فورًا، خوفًا من أن تفزع إذا وجدته قريبًا منها.
فتحت عينيها بتشوش، وحاولت استيعاب ما تراه أمامها.
وفي اللحظة التي التقت فيها عيناها بعيني أحمد، تبدل كل شيء.
شهقت بقوة، وانتفض جسدها فجأة، ثم تراجعت إلى الخلف وجلست فوق السرير بسرعة وهي تضم ساقيها إلى صدرها، وكأنها تحاول الاختباء داخل نفسها. بدأت دموعها تنهمر بعنف، واهتز جسدها كله بنوبات بكاء متتالية.
تجمد أحمد في مكانه.
لم يكن يتوقع أن تكون رؤيته سببًا في كل هذا الرعب. تحدث سريعًا محاولًا تهدئتها:
"اهدي يا أروى متخافيش مني، أنا احمد حبيبك، وعمري ما أذيكي، معقوله خايفه مني؟"
لكنها لم تكن تسمعه. وضعت يديها فوق وجهها وظلت تبكي بانهيار، بينما كانت أنفاسها تتقطع بصورة مؤلمة.
شعر أحمد بأن قلبه يعتصر داخل صدره.
اقترب خطوة صغيرة للأمام ثم قال برجاء حقيقي:
"شش، خلاص اهدي علشان خاطري أنا هطلع من الاوضه، بس كفايه عياط ارجوكي."
استدار متجهًا نحو الباب، وفي اللحظة التي أوشك فيها على فتحه، سمع صوتها المرتجف خلفه. توقف مكانه فورًا.
أبعدت أروى يديها عن وجهها، وظهرت عيناها الحمراوان المليئتان بالرعب والدموع، ثم قالت بصوت متكسر:
"ا أنا ك كنت جايلك علشان وحشني، ه هما ا اللي خطفوني، هجموا عليا بطريقه وحشيه، ا أنا م معملتش حاجه والله."
أغلق أحمد عينيه بقوة. مجرد تخيل ما مرت به كان كافيًا ليحطم ما تبقى من ثباته.
استدار نحوها واقترب غريزيًا، راغبًا فقط في احتضانها وإخبارها أن كل شيء انتهى، لكنها صرخت فورًا:
"متقربش خليك عندك."
توقف مكانه وكأن قدميه التصقتا بالأرض. خرج صوته مختنقًا بالألم وهو يقول:
"لو كنتي طلبتي مني أجيلك كنت جتلك لو هرمي نفسي في النار، يا أروى."
اهتزت شفتاها وهي تبكي، ثم قالت بصوت مزق قلبه:
"أنا اللي اترميت في النار يا أحمد، ا انا مبقتش انفعك ولا أنفع غيرك خلاص."
هز رأسه بعنف رافضًا كلماتها وكأنها إهانة لا يحتمل سماعها:
"متقوليش كده يا أروى انتي متنفعيش حد غيري، انتي بتاعتي أنا مهما حصل."
لكن كلماته لم تصل إليها بالطريقة التي أرادها.
اشتعل الغضب واليأس داخلها دفعة واحدة، فصرخت من بين دموعها:
"أنا مش عايزه شفقه من حد، اطلع بره وإنساني، ارجوك مش عايزه اشوفك تاني."
حاول أن يقترب خطوة أخرى، لكن انهيارها ازداد حدة، فصرخت بأعلى صوتها:
"متقربش قلتلك، اطلع بررره."
في الخارج كان غريب قد عاد بالفعل.
رفع يده نحو المقبض، لكنه تجمد عندما سمع الأصوات القادمة من الداخل.
بقي واقفًا خلف الباب يستمع بصمت.
كان قلبه يرتجف مع كل كلمة يسمعها، لكنه شعر بشيء من الراحة وهو يستمع إلى حديث أحمد، ويرى من خلاله مقدار حبه لابنته وحرصه عليها.
لذلك لم يقتحم الغرفة. تركهما يتحدثان.
ترك لكل منهما فرصة ليخرج ما بداخله.
لكن عندما سمع صراخ أروى وانهيارها الكامل، لم يعد قادرًا على الانتظار أكثر.
فتح الباب أخيرًا ودخل بسرعة.
وما إن رأته أروى حتى اندفعت نحوه بعينيها قبل جسدها.
جلس بجوارها فورًا وضمها إلى صدره بحنان بالغ، ثم أخذ يربت على ظهرها بحركات هادئة مطمئنة وهو يقول:
"أهدي يا حبيبتي متخافيش أنا جنبك."
تمسكت به بقوة شديدة، وكأنها تتشبث بآخر شيء يمنحها الأمان في هذا العالم، ثم صرخت من بين دموعها:
"خليه يطلع من هنا، ارجوك يا بابي طلعه بره."
أومأ غريب برأسه في هدوء، ثم رفع عينيه نحو أحمد.
كانت نظراته تحمل الكثير من المعاني، لكن صوته ظل هادئًا عندما قال:
"ممكن تطلع بره، ولينا كلام مع بعض بعدين."
نظر أحمد إلى أروى طويلًا.
نظر إلى انهيارها، إلى خوفها، إلى الدموع التي لم تتوقف عن الانهمار من عينيها. ثم التفت إلى غريب وأومأ برأسه بصمت. لم يجد ما يقوله.
استدار وغادر الغرفة بخطوات ثقيلة، وكأن كل خطوة كانت تنتزع جزءًا من قلبه.
وبمجرد أن أغلق الباب خلفه، شد غريب ابنته إلى صدره أكثر، وظل يربت على ظهرها بحنان أب يحاول أن يجمع شتات روح ابنته بين ذراعيه.
"اهدي خلاص يا حبيبتي خرجته."
لكن أروى لم تستطع التوقف.
ظلت متشبثة به بقوة، تبكي وتصرخ داخل أحضانه، بينما كانت سنوات عمرها كلها تبدو وكأنها تنهار فوق كتفيها دفعة واحدة.
     ***************************
كانت رنيم لا تزال غارقة في نوم عميق بعد ليلة طويلة أثقلتها بالأفكار والمشاعر المتضاربة. تمددت فوق الفراش بكسل واضح، ووجهها غارق في الوسادة، حتى اخترق سكون الغرفة صوت رنين هاتفها.
تحركت يدها بتثاقل فوق الغطاء تبحث عن الهاتف بعينين مغمضتين، وما إن عثرت عليه حتى ضغطت زر الإجابة وهمست بصوت ناعس متحشرج من أثر النوم:
"السلام عليكم."
جاءها صوت رجولي هادئ من الطرف الآخر قائلاً:
"صباح النور يا بشمهندسة رنيم، شكلك لسه نايمة."
فتحت عينيها فجأة، ثم رفعت الهاتف أمام وجهها تنظر إلى الشاشة، وما إن قرأت الاسم حتى زفرت بضيق واضح. أغمضت عينيها للحظة محاولة السيطرة على انزعاجها قبل أن تجيب بنبرة نافدة الصبر:
"أكيد هكون لسه نايمة يا أستاذ عمر، لسه بدري أوي على ميعاد الشغل."
ساد صمت قصير قبل أن يجيبها عمر بنبرة اعتذارية:
"أنا متأسف لو أزعجتك، أنا فكرت إنك بتصحي بدري."
اعتدلت في جلستها فوق السرير وهي تمرر يدها بين خصلات شعرها المبعثرة وقالت بفتور:
"لا حضرتك مبصحاش بدري، ومتقلقش، الشغل كله هتستلمه في ميعاده، زمان العمال شغالة دلوقتي في الموقع."
تنحنح عمر بإحراج قبل أن يقول:
"تمام يا بشمهندسة، أنا آسف على الإزعاج."
أنهت المكالمة دون أن تضيف كلمة أخرى، ثم ألقت الهاتف بجوارها فوق الفراش وهي تتمتم بضيق.
لكن ما إن رفعت رأسها حتى اتسعت عيناها بصدمة.
كان هناك إشعار لمكالمة أخرى.. شاهين.
شعرت بقلبها يهبط إلى قدميها.
ضغطت بسرعة على اسمه وأعادت الاتصال به، ولم تكد تسمع الرنة الأولى حتى أتاها صوته الغاضب كعاصفة مكتومة:
"البني آدم ده كان عايز منك إيه؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة وشعرت بتوتر مفاجئ يجتاحها.
"ه هو مين ده؟"
جاءها صوته هذه المرة أكثر غلظة:
"اللي اسمه عمر، سامعك وانتي بتكلميه."
أغمضت عينيها بقوة. كانت تعرف هذا الصوت جيدًا.
الصوت الذي يظهر عندما تشتعل غيرته.
تنحنحت بتوتر وقالت:
"ها، م مافيش، ده مفكرني صاحية علشان متأخرش على الشغل."
صدر منه صوت غاضب من أنفه قبل أن يقول بحدة واضحة:
"ليه؟ كان منبه وأنا معرفش؟ أقسم بالله لو سمعتك بتكلميه في التليفون تاني يا رنيم لأكون رايح مكسر الشغل فوق دماغه، وانتي عرفاني، مش بهدد يا رنيم، بنفذ على طول."
رغم انزعاجها من طريقته، إلا أن شيئًا دافئًا ومربكًا تحرك داخل قلبها.
ذلك الإحساس الغريب الذي كانت تحاول تجاهله كل مرة.
أومأت برأسها دون وعي وكأنه يقف أمامها بالفعل ويراقبها، ثم قالت:
"ح حاضر يا شاهين، فيه حاجة تاني؟"
وصلها زفيره الثقيل عبر الهاتف قبل أن يقول بصوت مختنق:
"أيوه.. اطلعي البلكونة، عايزك."
أغلقت الخط وهي تنظر للهاتف باستغراب.
ثم نهضت من فوق السرير واتجهت نحو الشرفة بخطوات بطيئة.
دفعت الباب الزجاجي وخرجت إلى الخارج، وما إن وقعت عيناها عليه حتى وجدته واقفًا في شرفة غرفته المقابلة، مستندًا إلى السور الحديدي وكأنه كان ينتظر ظهورها منذ دقائق طويلة.
رفعت حاجبها وقالت باستفهام:
"أمم.. خير؟ اديني أهو خرجت ليك، عايز إيه؟"
ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يرفع كوبًا بيده ويمده نحوها بين الشرفتين قائلاً:
"خدي، اشربي الشاي بتاعك."
نظرت إلى الكوب بدهشة حقيقية قبل أن تتناوله منه بحذر.
"ش شكرًا."
ارتشفت منه عدة رشفات صغيرة، وشعرت بحرارته تسري داخل جسدها، لكن تذكرها لطريقته قبل قليل أعاد العبوس إلى وجهها. نظرت إليه وقالت بجدية:
"على فكرة بقى، طريقتك معجبتنيش من شوية، عيب أوي الصوت اللي عملته ده."
راقب ملامحها للحظات، ثم ابتسم بأسف حقيقي وقال:
"أنا آسف، متزعليش، بس اتغظت من ابن المضايقة ده لما كلمك على الصبح."
حاولت التمسك بملامحها الجادة، لكن طريقته جعلت زاوية فمها ترتفع رغمًا عنها.
أدارت وجهها للجهة الأخرى حتى لا يلاحظ ابتسامتها، ثم ارتشفت من الشاي مرة أخرى.
راقبها شاهين بعينين ممتلئتين بالرضا، وكأنه حقق انتصارًا صغيرًا بمجرد أنه نجح في إخفاء غضبها.
وبعد لحظات سألته وهي تنظر إليه:
"وأنت ناوي تعمل إيه هنا الفترة دي؟ هتقضيها نوم وأكل وشرب شاي وقلة أدب وتسبيل كتير؟"
انفجر ضاحكًا على الفور.
ضحكة رجولية عميقة ملأت المكان وجعلت عينيه تدمعان من شدتها. ثم قال بمزاح:
"لا.. هنزل أتسلى شوية مع موظفة الاستقبال في الفندق."
في أقل من ثانية تبدلت ملامحها بالكامل. اختفت الابتسامة. واشتعلت عيناها. وانعقد حاجباها بغضب واضح.
ثم قالت من بين أسنانها:
"شااااهين!"
ازداد ضحكه أكثر وهو يكاد يختنق من الضحك، ثم رفع يديه مستسلمًا:
"خلاص خلاص."
ثم أضاف وهو يحاول التقاط أنفاسه:
"هروح معاكي الشغل، أصل مستحيل أسيبك لوحدك مع الولا الملزق ده."
أغلقت عينيها بنفاد صبر وكأنها تحاول استيعاب الكارثة القادمة. ثم قالت بغيظ:
"لا والله؟ يعني إيه هتيجي معايا؟ وأنا هشوف شغلي إزاي بقى؟"
أجابها بهدوء مستفز زاد من ضيقها:
"وهو حد منعك تشتغلي؟ ما تشتغلي براحتك، وأنا هقعد هادي خالص ومش هعملك أي إزعاج."
تمتمت بصوت خافت وهي تنظر إليه شزرًا:
"ده أنت الإزعاج بعينه، أنا متأكدة هشتغل في حضانة معاه هو واللي اسمه عمر."
سمع كلماتها بوضوح، لكنه اختار أن يتظاهر بعدم السماع.
فمال برأسه قليلًا وسأل ببراءة مصطنعة:
"بتقولي حاجة يا قلبي؟"
نظرت إليه بغيظ أكبر وقالت:
"لا، مبقولش."
ثم استدارت متجهة نحو باب الشرفة.
لكنها توقفت فجأة واستدارت نحوه مرة أخرى وهي تضيق عينيها بشك:
"هو أنت عملت الشاي ده إزاي؟"
ظهرت ابتسامة مشاكسة فوق شفتيه وقال:
"لا سوري، ده سر المهنة."
ثم أضاف بخبث واضح:
"بس فيه واحدة ساعدتني فيه."
احتاجت ثانية واحدة فقط لتفهم قصده.
اتسعت عيناها. ثم رمقته بنظرة نارية جعلته يضحك أكثر.
هبطت بقدمها على الأرض بضجر طفولي وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة، قبل أن تستدير وتدخل إلى الغرفة تاركة إياه خلفها.
أما شاهين، فقد استند إلى السور الحديدي للحظة وهو يضحك بقوة حتى أدمعت عيناه.
ثم هز رأسه مستمتعًا بردة فعلها الغيورة التي لم تعد تستطيع إخفاءها مهما حاولت.
وبعد دقائق، تحرك إلى الداخل هو الآخر، وبدأ يستعد ليوم جديد، يوم سيقضيه بجوارها، سواء أعجبها ذلك أم لم يعجبها.
   *****************************
بالمشفى...
كان الهدوء الثقيل يخيّم على أروقة المشفى، ذلك الهدوء الذي لا يحمل راحة بقدر ما يحمل قلقًا مكبوتًا وأنفاسًا متعبة تختبئ خلف الأبواب المغلقة. خرجت جواهر تبحث عن جواد بعدما لاحظت اختفاءه منذ فترة، فقد كانت تعلم جيدًا أنه كلما ضاقت به الدنيا لجأ إلى العزلة، يختبئ من الجميع حتى لا يرى أحد انكساره.
جالت بعينيها في الممرات عدة مرات قبل أن تتجه نحو الكافتيريا الخاصة بالمشفى، وهناك وجدته.
كان يجلس وحيدًا على إحدى الطاولات في الركن البعيد، ممسكًا بقدح من القهوة بين يديه، يرتشف منه ببطء وكأنه يحاول أن يبتلع معه شيئًا من وجعه. عيناه كانتا معلقتين بنقطة مجهولة أمامه، بينما ارتسمت على وجهه ملامح إرهاق وحزن عميق جعلاه يبدو أكبر من عمره بسنوات.
تأملته جواهر لثوانٍ طويلة، فانقبض قلبها عليه. لم يكن هذا هو جواد الذي تعرفه.
لم يكن ذلك الشاب القوي الذي اعتاد أن يكون سندًا للجميع.
كان يبدو الآن كأخ مكسور عاجز، يلتهمه الشعور بالذنب لأنه لم يستطع حماية شقيقته.
اقتربت منه بهدوء، ثم وضعت يدها فوق كتفه بحنان وهي تقول بنبرة مختنقة بالحزن:
"مش كفاية شرب قهوة يا جواد؟ كده غلط عليك يا حبيبي."
لم يلتفت إليها. ظل على حاله، يحدق أمامه بشرود قاتل، ثم رفع القدح وارتشف منه مرة أخرى قبل أن يقول بصوت مثقل بالألم:
"ودي تيجي إيه جنب قهرة قلبي وحرقته على أختي يا جواهر؟"
اهتز قلبها مع كلماته. جلست بجواره فورًا وأمسكت يده بين كفيها، محاولة أن تمنحه بعضًا من القوة التي يفقدها يومًا بعد يوم. وقالت بحزن صادق:
"يا حبيبي، الحمد لله إنها رجعت تاني لينا سليمة."
استدار إليها أخيرًا. نظرة واحدة من عينيه كانت كافية لتخبرها بحجم العذاب الذي يعيشه. نظر إليها بقهر موجع وقال بصوت مكسور:
"سليمة؟!"
فهمت ما يقصده دون أن يشرح.
فهمت الجرح الذي ينزف داخله.
وفهمت تلك الفكرة التي تفتك به منذ أن عادت أروى.
أومأت برأسها بإصرار وهي تشدد على يده قائلة:
"أيوه، سليمة يا جواد."
ثم أكملت بصوت ثابت رغم دموعها:
"اللي حصل ليها مجرد حادثة، وربنا هيبعت ليها الراجل اللي يقدر ده ويحبها علشانها هي، مش علشان حاجة خسرتها غصب عنها. وإحنا كلنا بنثق في أروى وعارفين أخلاقها وتربيتها عاملة إزاي، يبقى كلام الناس ميهمناش في حاجة."
ابتلعت غصتها وأكملت وهي تنظر مباشرة إلى عينيه:
"اقوى يا حبيبي، أختك محتاجاك جنبها. بلاش تحسسها بوجعها أو إن فعلًا حاجة منها ضاعت. الفترة الجاية هتكون صعبة عليها جدًا، ومحتاجة تلاقي كل اللي بتحبهم حواليها."
أغلق جواد عينيه بقوة. وكأن كلماتها لامست جرحًا مفتوحًا في قلبه.
خرج صوته هذه المرة أكثر انكسارًا:
"مش قادر أبص في عيونها يا جواهر."
توقف قليلًا وهو يحاول السيطرة على اختناق صوته قبل أن يكمل:
"مش قادر أواجه ضعفها قصاد عيوني، اللي حصلها صعب، صعب أوي."
ضغط على عينيه بقوة ثم قال بألم:
"مش سهل عليا أنا وبابا نستحمله، أختي اتاخدت مننا، واعتدوا عليها أربع وحوش."
ارتجف صوته أكثر وهو يهمس:
"أنا صغير أوي في عيون نفسي."
اتسعت عينا جواهر بالدموع.
فهي تعرف جيدًا أن أكثر ما يؤلم الرجال أحيانًا ليس الخسارة نفسها، بل شعورهم بالعجز أمام من يحبون.
استقامت في جلستها، ثم جذبت رأسه نحوها بحنان وضمتها إلى صدرها كما لو كانت تحاول أن تحتوي كل ذلك الألم المتراكم داخله.
أخذت تربت على ظهره برفق وهي تقول:
"متقولش على نفسك كده يا جواد."
ثم أضافت بصوت دافئ مليء بالاحتواء:
"ده قدر ومكتوب، وربنا ليه حكمة في كل حاجة بتحصل. أنت معملتش ذنب علشان تعاقب نفسك بالشكل ده."
تنهدت بحزن وأكملت:
"اجمد كده، وخليك جنب أختك. احتويها وحسسها إنك موجود، وإنها لسه نفس أروى اللي بتحبوها. صدقني، ده هيفرق معاها أكتر من أي علاج في الدنيا."
ظل صامتًا للحظات طويلة.
كانت كلماتها تتسلل ببطء إلى قلبه المنهك.
رفع رأسه أخيرًا ونظر إليها، ثم أومأ برأسه في صمت.
ورغم أن الوجع لم يختفي من عينيه، إلا أن شيئًا من السكون بدأ يعود إليهما.
ابتعد قليلًا عن حضنها، ثم أمسك يدها بين يديه وقبلها بحب وامتنان وقال:
"ربنا يخليكي ليا وميحرمنيش منك أبدًا يا حبيبتي."
ابتسمت له ابتسامة دافئة امتزجت بدموعها وهي تقول:
"ويخليك ليا يا حبيبي يا رب."
ثم مدت يدها إلى قدح القهوة الذي أوشك أن يفرغ للمرة التي لا تعرف عددها، وسحبته من أمامه ووضعته على الطاولة بعيدًا عنه.
نظر إليها باستسلام فابتسمت وهي تشبك أصابعها بأصابعه قائلة بحزم لطيف:
"يلا، كفاية قهوة النهارده."
حاول الاعتراض، لكنها لم تمنحه الفرصة.
سحبته معها من مقعده رغم مقاومته الخفيفة، وبدأت تسير بجواره خارج الكافتيريا.
ولأول مرة منذ ساعات طويلة، سمح جواد لأحد أن يشاركه حمل ذلك الوجع الثقيل الذي كان يسحق صدره بصمت.
       **************************
وصل كل من شاهين ورنيم إلى موقع العمل، وما إن دلفا إلى الداخل حتى تبدلت ملامح عمر فور أن وقعت عيناه على شاهين يقف إلى جوارها. انعقد فكه بقوة وضغط على أسنانه في محاولة لكبح انزعاجه، ثم اتجه نحوهما بخطوات سريعة وقد ارتسمت على وجهه علامات الاستياء الواضحة، قبل أن يقف أمام رنيم مباشرة ويتحدث قائلًا بتساؤل:
"خير يا بشمهندسه رنيم؟ هو حضرتك جايه شغل ولا نزهه؟"
عقدة ذراعيها أمام صدرها وقالت بغضب:
"ياريت حضرتك تتكلم كويس، أنا حرة اجيب اللي انا عايزه اجيبه طالما ده مش هيأثر على الشغل، وشاهين شاريك معايا في الشغل ووجودة شئ مهم هنا."
رفع إحدى حاجبيه إلى الأعلى وتكلم بتهكم:
"شريكك! ده اللي هو ازاي حضرتك؟"
تكلم شاهين بنبرة مستفزة وقال:
"شريك ليها في كل حاجه عندك اعتراض؟"
نظر له بغضب وابتسم له بتوعد وقال:
"لا طبعا معنديش براحتكم."
ثم تركهما وابتعد عنهما، بينما كان الغضب يشتعل داخل صدره ويأكل ما تبقى من هدوئه.
تابعته رنيم بعينيها حتى اختفى من أمامها، ثم التفتت نحو شاهين ونظرت إليه بنفاد صبر واضح وقالت:
"ارتحت كده، اتفضل بقى وخليني اشوف شغلي."
وتركته وابتعدت عنه حتى تتابع العمل.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه شاهين وهو يراقبها تبتعد، ثم بدأ يتحرك بين أرجاء الموقع يتابع العمال أثناء قيامهم بأعمالهم المختلفة. كان يتجول بهدوء بين المعدات والآلات الضخمة، يراقب سير العمل بين الحين والآخر، بينما كانت عيناه تبحثان تلقائيًا عن رنيم كلما غابت عن مجال رؤيته.
مر وقت طويل نسبيًا وهو على هذه الحال، ولم يكن يتوقع أن تنقلب الأمور في لحظة واحدة.
فجأة شق صوت رنيم أرجاء المكان وهي تصرخ باسمه بكل ما تملك من قوة، الأمر الذي جعله يستدير بسرعة نحو مصدر الصوت. لمحها تركض نحوه بشكل هستيري لم يفهم سببه في البداية، لكن الرعب الذي كان يكسو ملامحها أخبره أن هناك شيئًا خطيرًا يحدث.
لم تمنحه الفرصة ليستوعب الموقف أو حتى يلتفت خلفه ليرى ما أرعبها إلى هذا الحد، إذ اندفعت نحوه بكل قوتها حتى اصطدم جسدها به، فسقط أرضًا من شدة الدفع، وسقطت هي فوقه مباشرة.
وفي اللحظة التالية وقع فوق ظهرها الشوكة الحديدية الخاصة بسيارة الحفر.
دوى صوت الاصطدام في المكان بصورة مرعبة، وتناثرت الدماء حولهما في مشهد صادم جعل كل من بالموقع يتجمد في مكانه. أما شاهين فقد اتسعت عيناه بذهول ورعب وهو يشعر بجسدها الساكن فوقه، بينما كانت الدماء تنساب بغزارة فوق ملابسها وتغطيه هو الآخر.
ظل للحظات عاجزًا عن استيعاب ما حدث، ينظر إليها وهي بين ذراعيه بلا حركة، بينما أخذت الدماء تسيل على جسده وتلطخ يديه وملابسه، وشعور مرعب بالاختناق بدأ يطبق على صدره شيئًا فشيئًا وهو يحدق في وجهها الشاحب غير قادر على تقبل الحقيقة التي حدثت أمام عينيه في ثوانٍ معدودة...

تعليقات