رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الاربعون 40 بقلم دودو محمد


 رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الاربعون 

داخل أروقة المشفى، كانت الفوضى تلتف حول المكان كدوامة لا تهدأ، اندفع شاهين إلى الداخل كالإعصار، يحمل رنيم بين ذراعيه، ووجهه شاحب من شدة الذعر، بينما كانت الدماء تنساب منها بغزارة وتلطخ ملابسه ويديه.
لم يكن يرى أمامه شيئًا سوى وجهها الغارق في الشحوب، ولم يكن يسمع سوى صوت دقات قلبه المضطربة التي تكاد تصم أذنيه من شدتها.
توقف في منتصف الممر تقريبًا وصاح بصوت مرتفع مفزع اهتزت له أرجاء المكان:
"دكتور بسرررعه."
هرع عدد من الأطباء والممرضين نحوه على الفور، فأشاروا له بالدخول إلى إحدى غرف الفحص السريع. تحرك بخطوات متعثرة وكأن الأرض تميد أسفل قدميه، ثم وضعها فوق السرير الطبي بحذر شديد وكأنها قطعة من روحه يخشى أن تنكسر بين يديه.
وخلال لحظات قد وصل  عمر الذي لحق بهم إلى المشفى، لتغلق الأبواب بعدها ويطلب من شاهين الخروج إلى الخارج.
خرج وهو يشعر بعجز لم يختبره طوال حياته. عجز حقيقي.
عجز جعل صدره يضيق حتى كاد يختنق.
ظل يتحرك أمام الغرفة بخطوات متوترة لا تهدأ، يمرر يده داخل شعره بعنف مرة، ويشد على قبضتيه مرة أخرى، بينما عيناه معلقتان بباب الغرفة وكأنه ينتظر معجزة تخرج منه.
كان يشعر بأن كل ثانية تمر تقتطع جزءًا من روحه.
رفع رأسه فجأة نحو عمر الواقف أمامه، فاشتعل الغضب داخل صدره من جديد، لكنه لم ينطق بحرف واحد. استدار نحو الحائط القريب وانهال عليه بقبضته.
وكأن الألم الذي يمزق صدره يمكن أن يخرج عبر يديه.
ظل يلكم الحائط بعنف متواصل حتى احمرت مفاصل أصابعه وبدأت تؤلمه، لكنه لم يتوقف. كان خائفًا بشكل لم يعهده من قبل. خائفًا من أن يخسرها.
وخلال دقائق بدت له كأنها ظهر كامل، انفتح باب الغرفة أخيرًا وخرج الطبيب.
التفت شاهين إليه بسرعة حتى كاد يركض نحوه.
نظر الطبيب إلى شاهين وقال بجدية:
"لازم تدخل عمليات حالاً."
شعر شاهين بأن قلبه هوى إلى قدميه.
ازدرد ريقه بصعوبة شديدة قبل أن يتكلم بصوت متحشرج بالكاد خرج من بين شفتيه:
"ليه يا دكتور حالتها خطيرة اوي؟"
أومأ الطبيب برأسه مؤكدًا وقال:
"نزفت كتير والجرح اللي في كتفها غويض جدا وكمان فيه كسر في دراعها اليمين."
أغلق شاهين عينيه للحظة. لحظة واحدة فقط.
لكنها كانت كافية ليشعر بكمية الألم التي اجتاحت صدره.
قبض على فكه بقوة حتى برزت عضلاته، ثم أومأ برأسه للطبيب موافقًا دون أن يملك القدرة على قول أي شيء آخر.
وبالفعل تم نقل رنيم سريعًا إلى غرفة العمليات. ومع مرور الوقت بدأت المشكلة الأكبر تظهر.
كانت بحاجة إلى نقل دم بشكل عاجل.
تحرك الأطباء والممرضون يبحثون عن الفصيلة المطلوبة، لكن الإجابات التي كانت تصل تباعًا لم تكن تحمل أي أمل.
الفصيلة غير متوفرة. الفصيلة نادرة.
لا يوجد متبرع مطابق في الوقت الحالي.
ومع كل جملة كان يسمعها، كان يشعر وكأن الأرض تنسحب من تحت قدميه شيئًا فشيئًا.
أخرج هاتف رنيم من جيبه بسرعة وهو يحاول التمسك بأي خيط قد ينقذها، ثم بحث عن اسم جواهر واتصل بها.
انتظر عدة ثوانٍ قبل أن يأتيه صوتها الغاضب من الطرف الآخر. فقال على الفور دون مقدمات:
"جواهر أنا محتاج فصيلة رنيم حالا."
جاءه صوتها مشحونًا بالغضب:
"انت! انت إزاي بالبجاحه دي بتكلمني ليه؟ والهانم فين مكلمتنيش بنفسها ليه؟ متكبره كعادتها."
أطبق شاهين على الهاتف بقوة أكبر، ثم قال بنفاذ صبر واضح:
"انتي حافظه مش فاهمه؟ بقولك محتاج فصيلة دم رنيم، لان وقع عليها الشوكه الحديد بتاعة الحفار وهي دلوقتي في العمليات وفقدت دم كتير ومحتاجين دم ليها ضروري وفصيلتها مش متوفرة في أي مكان علشان نادرة، قلت اكيد حد فيكم نفس فصيلتها."
وفي اللحظة نفسها تبدل كل شيء في صوت جواهر. اختفى الغضب.
واختفى التهكم. وحل محلهما الذهول والخوف.
اتسعت عيناها بصدمة وتكلمت بسرعة:
"واحده بس هي اللي نفس فصيلتها، خالتوا ترنيم، ابعتلي اللوكيشن بتاع المستشفي واحنا هنيجي ليها على طول."
أغلق شاهين الخط فورًا وأرسل الموقع.
ثم رفع رأسه ببطء. كانت قدماه تؤلمانه من كثرة الحركة، ويداه ترتجفان دون إرادة منه، بينما ما زالت بقع الدماء تغطي قميصه وذراعيه وكأنها تذكره في كل لحظة بأنها ترقد الآن خلف تلك الأبواب بين الحياة والموت.
رفع نظره نحو غرفة العمليات مرة أخرى.
ثم التفت إلى عمر الذي ما زال واقفًا في مكانه يتابع كل ما يحدث بصمت.
اشتدت قبضته حتى برزت عروق يده بوضوح، لكن هذه المرة لم يكن يملك طاقة للشجار أو الغضب. كل ما كان يملكه هو الخوف.
خوف حقيقي ينهش قلبه بلا رحمة.
تحرك نحو أحد المقاعد القريبة وجلس عليه أخيرًا، ثم انحنى بجسده إلى الأمام ووضع رأسه بين كفيه. كانت رائحتها لا تزال حوله.
أما قلبه، فكان معلقًا خلف باب غرفة العمليات، ينتظر أن تفتح تلك الأبواب ويخبره أحدهم أنها ما زالت بخير.
   *****************************
وصلت جواهر إلى حيث تجلس ترنيم في الممر المقابل لغرفة أروى. كانت غارقة في دموعها، جالسة على المقعد وعيناها معلقتان بالأرض وكأنها لم تعد ترى شيئًا حولها. توقفت جواهر أمامها للحظات وهي تشعر بحيرة قاسية تعصف بها؛ هل تخبرها بما حدث لرنيم الآن؟ أم تتركها مع وجعها الحالي الذي يكاد يفتك بقلبها؟
تحركت ببطء نحوها، لكن قبل أن تنطق بكلمة واحدة لمحت جواد وتامر وأحمد يقتربون من الطرف الآخر من الممر. انقبض قلبها فورًا، فهي تعرف جيدًا رد فعل جواد إذا علم بالأمر.
وقف جواد بجوارها مباشرة، ولاحظ ارتباكها الواضح، فعقد حاجبيه وهو يرمقها بنظرة متفحصة قبل أن يقول بتساؤل:
"جواهر مالك واقفه كده؟ فيه حاجه حصلت ولا أيه؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت بأن الكلمات تتعثر داخل حلقها، ثم نظرت إليه بتوتر وقالت:
"ها.. اه، ل لا، ا اقصد اه اه."
رفعت ترنيم رأسها ببطء، وقد لفت انتباهها ذلك الارتباك الغريب، فنظرت إليها باستغراب وقالت:
"مالك يا جواهر امك فيها حاجه؟"
حركت رأسها بالرفض وقالت:
"ل لا يا خالتوا م ماما كويسه ومريحه شويه في الاوضه."
تكلم تامر بتساءل وقال:
"يا بنتي ما تنطقي فيه ايه؟ الواحد أعصابه مش مستحمله."
فركت جواهر كفيها ببعضهما بتوتر شديد، ثم ألقت نظرة سريعة على جواد قبل أن تعود بعينيها إلى ترنيم وتقول بصوت مرتعش:
"ح حصلت حادثه لرنيم و وهي دلوقتي في المستشفي ومحتاجين ليها دم ضروري."
وكأن صاعقة ضربت المكان.
انتفضت ترنيم من مقعدها برعب شديد واتسعت عيناها وهي تقول:
"رنيم هي فين قولي بسرعه يا جواهر؟"
لكن قبل أن تجيبها، دوى صوت جواد الغاضب في الممر كله:
"ما تعمل حادثه ولا تغور في ستين داهيه، مش هي اختارت مريم وابنها؟ يبقي خليها هما ينفعوها."
التفتت إليه ترنيم بصدمة، وامتلأت عيناها بالدموع وهي تقول:
"دي مهما كان بنت ووحيده يا جواد، مينفعش نسيبها لوحدها في ظروف زي دي."
رفع حاجبيه إلى الأعلى وتكلم بغضب شديد وصوت مرتفع:
"واختي اللي مرميه جوه بسبب ام عشيقها، عادي؟ وتخليها عننا عادي؟ وكرهها ليكي ومعاملتها الزفت معاكي عادي؟ انسيها يا أمي البنت دي؟"
ساد الصمت للحظات قبل أن يتكلم تامر بصوت مختنق، وقد بدا عليه الإرهاق النفسي الذي يعيشه منذ أيام:
"للاسف منقدرش ننساها يا جواد، رنيم ابوها وامها ماتوا وسابوها وهي صغيرة، اخر حاجه ابوها طلبها مني، هو أني اخلي بالي منها، يعني هي أمانه في رقبتنا، أما بقى تصرفتها واختياراتها هي حره فيها إذا اتفقنا ولا اختلفنا في ده."
ضغط جواد على أسنانه بقوة حتى برز فكه، ثم قال بغضب:
"برضه احنا مش ملزومين بيها وبابا قالها لو اختارته هو وأمه تبقى عدوتنا وهي اختارتهم، يبقى بالنسبالي رنيم اكبر عدوة ليا زيها زي شاهين وامه بالظبط."
نظرت إليه ترنيم بعينين ممتلئتين بالدموع وقالت:
"بس انا مش هقدر اتخلى عنها يا جواد، الفصيله بتاعتها نادرة وانا بس اللي فصلتي زيها."
وفي تلك اللحظة جاء صوت غريب من خلفهم، حادًا وغاضبًا على غير عادته:
"مش هتروحي ليها يا ترنيم، هي اختارت طريق بعيد عننا، اختارت عداوتنا، ملناش أي علاقه بيها فاهمه."
استدارت إليه ترنيم فورًا، واقتربت منه تمسك يده بكلتا يديها وكأنها تتشبث بآخر أمل لديها، ثم قالت برجاء موجع:
"ابوس ايدك علشان خاطري سيبني اروح أنقذها، دي بنت غلبانه ويتيمه وحيده في الدنيا ملهاش غيرنا مهما اختارت."
نظر إليها بعينين مشتعلتين بالغضب وقال بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش:
"مافيش مرواح ليها يا ترنيم وده اخر كلام عندي."
تكلم جواد بغضب وقال:
"انتي ازاي هيجيلك قلب تسيبي بنتك مرميه جوه بحالتها دي، وتروحي تنقذي واحده اختارت تكون عدوتنا؟"
تعالت شهقات ترنيم أكثر وهي تقول بصوت مرتعش ضعيف:
"الاتنين بناتي يا جواد، اختك انتوا كلكم جنبها ومعاها إنما هي دلوقتي لوحدها مافيش حد معاها."
رد غريب عليها بغضب شديد ولاول مره صوته يرتفع عليها بهذه الطريقه وقال:
"انتي معندكيش غير بنت واحده يا ترنيم، التانيه ملناش علاقة بيها، وقفلي على الموضوع ده خالص، بنتك أروى احق بيكي دلوقتي."
ساد الصمت فجأة داخل الممر.
صمت ثقيل جعل الجميع يلتفت نحو مصدر الصوت الضعيف الذي خرج من خلفهم.
كانت أروى تقف عند باب غرفتها مستندة إلى الحائط، وجهها شاحب وجسدها بالكاد يقوى على حملها، لكنها رغم ذلك قالت بصوت واهن:
"سيبها تروح ليها يا بابي علشان خاطري، خليها تنقذها، بلاش احنا الاتنين ندمر."
اتسعت عينا غريب بصدمة، وتحرك إليها بسرعة قبل أن تسقط، وأمسك بها بحزن شديد وقال بصوت مختنق:
"متستهلش يا أروى، دي اتخلت عنك وعننا كلنا وراحت حطت ايديها في ايد اللي عملوا فيكي كده."
أغلقت أروى عينيها والدموع تنساب من بين رموشها ثم قالت:
"محدش يعرف هي ليه عملت كده، اكيد ليها أسبابها ودوافعها، سيب مامي تروح ليها علشان خاطري."
تكلم جواد بغضب وهو ينظر إليها بحزن وقال:
"مستحيل ده يحصل يا أروى، ولو ماما راحت ليها، يبقى بتساعدها تمشي في الطريق الغلط اللي اختارته."
نظرت إليه بضعف وقالت:
"مش يمكن احنا كلنا اللي غلط وهي اللي صح؟"
اقتربت ترنيم من ابنتها، وانقبض قلبها وهي ترى حالتها، لكنها لم تجد فرصة للكلام حين سبقها غريب بصوته الغاضب:
"القرار في ايدك يا ترنيم، يا تختاري بنتك وتختاري لو لمرة واحده كرامتك، يا تختاري تروحي ليها وتنقذيها علشان لما ترجع صحتها ليها تاني، تهينك وتمسح بكرامتك الأرض زي ما بتعمل كل مرة."
كانت تلك الكلمات أشبه بطعنة مباشرة في قلب ترنيم.
لأول مرة منذ سنوات طويلة تسمع منه حديثًا بهذه القسوة.
رفعت عينيها إليه، والدموع تلمع داخلهما، ثم قالت بصوت اختلط فيه الوجع بالكبرياء:
"بنتي أنا عمري ما اتخلى عنها وهي عارفه كده، أما كرامتي، الحمدلله متصانه من وأنا لسه في بيت اهلي على ايد راجل صانها وحافظ على كبريائي، الراجل اللي هو  أبو البنت اللي انت عايز تمنعني اروح أنقذها، أنا هروح لرنيم يا غريب، هنقذها وارجع تاني لبنتي، عن اذنك."
أنهت كلماتها واقتربت من أروى، ربتت على خدها بحنان أم موجوعة، ثم ابتسمت لها ابتسامة مرتجفة وقالت:
"مش هتأخر عليكي يا قلب امك من جوه."
ثم رفعت رأسها وألقت نظرة أخيرة على غريب، نظرة حملت عشرات الكلمات التي عجزت عن قولها، قبل أن تستدير وتتحرك بسرعة نحو الخارج.
ظل غريب يتابعها بعينيه حتى اختفت من أمامه، ثم ضغط على أسنانه بغضب ونظر إلى تامر قائلاً بصوت مختنق:
"روح معاها يا تامر متسبهاش لوحدها."
أومأ تامر برأسه وتحرك خلفها مباشرة، لكن جواهر هتفت سريعًا:
"استنى يا خالوا أنا جايه معاكم."
استدار جواد إليها فورًا، وكانت نظراته كافية لتجمد الدم في عروقها، قبل أن يقول بغضب:
"لو روحتي معاهم يا جواهر يبقى بتنهي كل حاجه ما بينا."
اهتز قلبها بقوة، لكنها رفعت عينيها إليه وقالت بحزن:
"رنيم اختي يا جواد ومقدرش اتخلى عنها في وقت زي ده."
ضغط على أسنانه وقال بحدة:
"تمام خليها تنفعك، ولما ترجعي، كل حاجه هتنتهي ما بينا."
امتلأت عيناها بالدموع، لكنها لم تناقشه أكثر.
اكتفت بهزة رأس صغيرة، ثم استدارت ولحقت بترنيم وتامر.
وبينما كانوا يغادرون المستشفى مسرعين في طريقهم إلى المستشفى الأخرى حيث ترقد رنيم بين الحياة والموت، ظل جواد واقفًا في مكانه وعيناه مشتعلتان بالغضب، بينما كان غريب يضم أروى إلى صدره بقوة وكأنه يخشى أن يفقدها إذا تركها للحظة واحدة. أما ترنيم، فكانت تسرع بخطواتها وقلبها يرتجف داخل صدرها، تدعو الله طوال الطريق أن تصل في الوقت المناسب قبل أن تخسر ابنة أخرى.
  *****************************
عند شاهين...
كان الوقت يمر عليه كأنه عمر كامل، وكل دقيقة تتأخر فيها ترنيم كانت تزيد ذلك الانقباض المؤلم داخل صدره. لم يعد قادراً على السيطرة على خوفه، ففكرة فقدان رنيم كانت تفتك به ببطء، وكأن أحدهم ينتزع روحه من بين ضلوعه دون رحمة. ظل واقفاً أمام غرفة العمليات وعيناه معلقتان بالباب المغلق، ينتظر أي خبر يطمئنه، أي إشارة تخبره بأنها ما زالت تقاوم.
خرج الطبيب أخيراً من غرفة العمليات، وبدا التوتر واضحاً على ملامحه وهو يتقدم نحوه بخطوات سريعة ثم قال بقلق:
"المريضه بتفقد حياتها لازم ننقلها دم في اسرع وقت."
انتفض شاهين من مكانه وكأن الكلمات صفعته بقوة. مرر يده داخل شعره بعنف وتحرك جيئة وذهاباً في الممر كوحش حبس داخل قفص ضيق. لم يكن يعرف ماذا يفعل، ولم يكن يحتمل فكرة الوقوف عاجزاً بينما حياتها تنزلق من بين يديه. ركل الحائط بقدمه بغضب مكتوم ثم ابتعد عدة خطوات قبل أن يعود ويفعل الأمر ذاته مرة أخرى، وكأنه يحاول تفريغ ذلك الرعب الذي ينهش قلبه.
ثم توقف فجأة ونظر للطبيب بعينين امتلأتا بالعجز وقال بصوت مختنق:
"طيب مافيش اي طريقه نجيب الدم ده حتى لو هياخدوا عمري كله قصاده؟"
حرك الطبيب رأسه بالرفض وقال:
"للاسف الفصيله دي نادرة جدا وصعب تلاقيها في أماكن تبرعات الدم العاديه، لازم حد يتبرع ليها من نفس الفصيله النادرة دي."
اشتدت ملامحه غضباً ويأساً في آن واحد، وشعر لأول مرة أن المال والنفوذ وكل ما يملكه لا يساوي شيئاً أمام سرير عمليات ترقد فوقه المرأة التي يحبها. قبض على يده بقوة وقال بنفاد صبر:
"الشخص الوحيد اللي في العيله بتاعتها نفس الفصيله، صعب أنها تيجي، لازم نتصرف يا دكتور حتى لو الدم ده بملايين هجيبه ليها."
لم يجد الطبيب ما يقوله، فاكتفى بهزة خفيفة من رأسه قبل أن يستدير عائداً إلى غرفة العمليات محاولاً إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
أما شاهين فبقي مكانه للحظات طويلة، يشعر بأن الهواء أصبح ثقيلاً داخل رئتيه. رفع يده إلى وجهه وضغط على عينيه بقوة محاولاً السيطرة على تلك النوبة العنيفة من الذعر التي اجتاحته. ثم استند إلى الحائط خلفه، لكن ساقيه خانتاه فجأة، فانزلق بجسده حتى جلس على الأرض. أسند مرفقيه فوق ركبتيه وأخفى وجهه بين كفيه، بينما كانت شفتاه تتحركان بصمت يدعو الله أن ينقذها، أن يمنحه فرصة أخرى معها، أن تفتح عينيها من جديد وتعود إليه.
مرت الدقائق بطيئة وقاسية، حتى اخترق أذنيه صوت مألوف يهتف باسمه من بعيد.
رفع رأسه بسرعة، واتسعت عيناه بعدم تصديق عندما لمح ترنيم تركض نحوه بأقصى ما تستطيع. نهض من مكانه فوراً وكأن الحياة عادت إلى جسده دفعة واحدة، وأسرع إليها دون تردد. أمسك يدها وركض بها نحو غرفة العمليات ثم طرق الباب بقوة وهو يهتف:
"اللي فصيلة دمها نفس فصيلة دم رنيم جات اهي يا دكتور، بسرعه ارجوك."
فتح الباب سريعاً وخرج الطبيب، وما إن وقعت عيناه على ترنيم حتى قال بقلق شديد:
"بسرعه المريضه قلبها وقف كذا مره وبتفقد حياتها."
هبطت الكلمات عليهم جميعاً كالصاعقة. تجمدت الدماء في عروقهم للحظة، وارتسم الذعر على الوجوه دون استثناء. أسرعت ترنيم مع الطبيب إلى الداخل لتبدأ عملية نقل الدم، بينما بقي شاهين في الخارج عاجزاً عن فعل أي شيء سوى الانتظار.
وقفت جواهر إلى جوار تامر، وكل منهما يراقب باب غرفة العمليات بقلق قاتل، أما شاهين فظل واقفاً أمامه كتمثال من الألم، عيناه لا تفارقان ذلك الباب المغلق، وقلبه معلق خلفه حيث ترقد رنيم بين الحياة والموت.
    ****************************
عند عمر...
ابتعد عمر عن الممر الرئيسي للمشفى متجهًا إلى زاوية شبه خالية لا يصل إليها ضجيج ولا حركة الأطباء. كانت عيناه تتحركان بحذر في المكان من حوله، يتأكد للمرة الأخيرة من عدم وجود أحد يراقبه أو يستمع إليه. أخرج هاتفه من جيبه بسرعة وأجرى اتصالًا كان ينتظره منذ وقوع الحادث.
ظل ينظر خلفه بين الحين والآخر بينما يرفع الهاتف إلى أذنه، وما إن جاءه الرد حتى شدد قبضته على الجهاز وقال بصوت مختنق:
"البنت دلوقتي ما بين الحياة والموت وشبه أنها بتودع خلاص."
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه مريم في الجهة الأخرى، وكأنها تلقت الخبر الذي كانت تنتظره منذ زمن طويل، ثم قالت بسعادة:
"ايوه كده ما يجيبها الا رجالها، بس ايه حصل غير رأيك؟ مش البنت كانت عجباك؟"
أغمض عمر عينيه بضيق شديد، وشعر بانقباض مزعج داخل صدره. لم يكن هذا ما خطط له منذ البداية. حين وافق على تنفيذ الأمر كان هدفه شاهين وحده، أراد التخلص منه وإبعاده عن طريقه، أما رنيم فلم تكن جزءًا من الحسابات التي رسمها في رأسه.
لكن بعد وقوع الحادث لم يعد هناك مجال للتراجع.
أطلق زفرة طويلة مثقلة بالتوتر قبل أن يقول:
"أهو نصيبها كده بقى، ونقدر نقول انتهت الحكايه، والصبح تحولي ليا المبلغ اللي اتفقنا عليه على حسابي."
جاءه صوت مريم هذه المرة أكثر حذرًا وبرودًا:
"لا يا حلو لما اتأكد الاول أنها ماتت سعتها الفلوس اللي اتفقنا عليها هتلاقيها كلها في حسابك."
اشتدت ملامحه انزعاجًا، وضغط على الهاتف بقوة حتى برزت عروق يده من شدة الغضب. كان يعلم جيدًا أنها لا تثق بأحد، وأن المال بالنسبة لها أهم من أي شيء آخر.
أنهى المكالمة دون إضافة كلمة واحدة، ثم أنزل الهاتف ببطء وأعاد نظره إلى الممر المؤدي لغرفة العمليات.
وفي اللحظة التالية تحولت ملامحه إلى قسوة مخيفة، واشتعلت عيناه بحقد دفين وهو يحدق أمامه وكأنه يرى شاهين واقفًا أمامه الآن، ثم قال بتوعد:
"فلت منها انت المرة دي يا شاهين بس المرة الجايه مش هعتقك غير لما اشوفك مطلع الروح قصاد عيني."
بقي واقفًا لثوانٍ طويلة يحاول تهدئة غضبه، ثم أخفى هاتفه داخل جيبه واستعاد هدوءه المصطنع قبل أن يتحرك نحو الداخل مرة أخرى.
عاد إلى الممر الذي ينتظر فيه الجميع أمام غرفة العمليات، واتخذ مكانًا بعيدًا عن الأنظار، بينما كانت عيناه مثبتتين على الباب المغلق.
لم يكن ينتظر خروج الطبيب ليطمئن على رنيم كما يفعل الآخرون، بل كان ينتظر خبر وفاتها، حتى يتصل بمريم ويحصل على الأموال التي اتفقا عليها.
      ***************************
كان الوقت يمر داخل أروقة المشفى كأنه سنوات كاملة لا دقائق. منذ أن دخلت ترنيم إلى غرفة العمليات مع الطبيب، لم يعد أحد منهم قادراً على الجلوس أو حتى التفكير بشكل طبيعي.
وقف شاهين أمام باب غرفة العمليات مباشرة، وكأنه يخشى أن يبتعد خطوة واحدة فتفلت منه رنيم إلى الأبد. كانت بقع الدماء الجافة ما تزال تلطخ قميصه ويديه، شاهدة على اللحظة التي سقطت فيها بين ذراعيه لتحميه من الموت. كلما وقعت عيناه على تلك الدماء، عاد إليه المشهد من جديد بكل تفاصيله القاسية، صوت صرختها وهي تركض نحوه، ارتطام جسديهما بالأرض، ثم ذلك المشهد الذي لن ينساه ما دام حياً، جسدها الساكن داخل حضنه والدماء التي اندفعت منها بغزارة.
أغمض عينيه بقوة وهو يحاول طرد الصورة من رأسه، لكنها كانت تعود في كل مرة بصورة أشد قسوة.
أما تامر فكان يجلس على أحد المقاعد القريبة، يراقب شاهين بصمت. لم يكن بينهما ود أو تقارب يسمح بالكلمات، لكن القلق الذي يسكن قلب كل منهما كان واحداً. وبين الحين والآخر كان يرفع رأسه نحو باب غرفة العمليات ثم يعيد النظر إلى الأرض، وكأنه يخشى سماع أي خبر قد يخرج من خلف ذلك الباب.
وقفت جواهر بالقرب منهما، تشبك أصابعها ببعضها بقوة حتى ابيضت مفاصلها، بينما كانت تتمتم بالدعاء دون توقف. لم تستطع منع نفسها من التفكير في رنيم، في عنادها، في وحدتها، وفي تلك الحياة التي ظلت تقاومها منذ طفولتها. شعرت بغصة تخنقها وهي تتخيلها الآن راقدة هناك بين أجهزة العمليات، تصارع الموت وحدها.
مرت الدقائق ببطء مرهق، حتى انفتح باب غرفة العمليات أخيراً.
انتفض الثلاثة في اللحظة نفسها واتجهت أنظارهم نحو الطبيب الذي خرج من الداخل.
تقدم شاهين نحوه بسرعة حتى كاد يتعثر من لهفته، ثم نظر إليه بعينين امتلأتا بالخوف والرجاء في آن واحد، لكنه لم يستطع أن يسأل.
قرأ الطبيب السؤال في عينيه قبل أن ينطق به.
خلع الكمامة عن وجهه وقال بتعب واضح:
"الحمد لله قدرنا نسيطر على النزيف، ونقل الدم بدأ يستجيب مع جسم المريضة."
شعر شاهين وكأن حملاً جبلاً كاملاً أزيح عن صدره دفعة واحدة.
أغلق عينيه للحظة طويلة وزفر أنفاساً مرتجفة لم يشعر بها إلا الآن. كانت ركبتاه تكادان تخونانه من شدة التوتر الذي عاشه طوال الساعات الماضية.
لكن الطبيب أكمل قائلاً بجدية:
"بس لسه الحالة مش مستقرة بشكل كامل، الساعات الجاية مهمة جداً، ولازم نفضل متابعينها."
عادت ملامح القلق إلى الوجوه من جديد، إلا أن مجرد ابتعاد شبح الموت عنها ولو قليلاً كان كافياً ليمنحهم بعض الأمل.
رفع شاهين يده إلى وجهه ومسح عليه ببطء، ثم سأل بصوت خرج مبحوحاً من شدة الإرهاق:
"ممكن أشوفها؟"
حرك الطبيب رأسه بالرفض قائلاً:
"لسه بدري، أول ما حالتها تسمح هنبلغك."
اومأ شاهين برأسه بصمت، وعيناه ما زالتا معلقتين بباب غرفة العمليات.
وبعد دقائق أخرى خرجت ترنيم من الداخل وهي تبدو مرهقة بعض الشيء بعد التبرع بالدم.
ما إن وقعت عيناها على شاهين حتى تقدم نحوها بسرعة، قبل يدها دون تفكير وهو يقول بصوت مختنق:
"شكراً."
تفاجأت ترنيم من فعلته، لكنها رأت في عينيه خوفاً حقيقياً لم تستطع تجاهله.
أما هو فلم يكن يرى أمامه في تلك اللحظة سوى حقيقة واحدة.. أن المرأة الموجودة خلف ذلك الباب ما زالت تقاتل من أجل الحياة، وأنه للمرة الأولى منذ عرف نفسه يخشى خسارة شخص أكثر مما يخشى خسارة نفسه.
   ****************************
مساءً...
كان أول ما شعرت به رنيم هو الألم.
ألم حاد وعنيف اجتاح كتفها كأن أحدهم غرس فيه نارًا مشتعلة، بينما بدا ذراعها ثقيلاً على نحو غريب، حتى إنها احتاجت إلى عدة محاولات لتستوعب أنها ما زالت قادرة على تحريكه. حركت رأسها ببطء شديد، وكأن مجرد الالتفات أصبح مهمة شاقة، ثم رمشت بعينيها أكثر من مرة محاولة طرد الضباب الذي يغلف رؤيتها.
شيئًا فشيئًا بدأت ملامح الغرفة تتضح أمامها. سقف أبيض. رائحة مطهرات نفاذة. وصوت أجهزة طبية منتظم يخترق السكون من حولها.
أدركت فورًا أنها بالمستشفى.
أغمضت عينيها بقوة عندما عاد الألم ليضرب جسدها كله دفعة واحدة، ثم رفعت يدها السليمة نحو كتفها بحركة غريزية. تحسست الضمادة السميكة الملفوفة حوله، قبل أن تهبط أناملها نحو ذراعها الآخر فتشعر بالجبيرة التي تقيد حركتها. وفي لحظة واحدة انفتحت أبواب ذاكرتها بعنف.
الشوكة الحديدية، شاهين.. صرختها وهي تركض نحوه دون تفكير، ثم ذلك الألم الخاطف الذي مزق جسدها قبل أن يغرق كل شيء في الظلام.
شعرت بقشعريرة باردة تسري في أطرافها وهي تتذكر المشهد، وكأنها تعيشه من جديد. كانت الصور متقطعة ومشوشة، لكنها كانت كافية لتجعل قلبها ينقبض داخل صدرها.
على مقربة منها التقطت أذنها حركة خافتة، فالتفتت بصعوبة نحو مصدرها لتجد ممرضة تقف بجوارها تراجع بعض الملفات.
ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة، وشعرت أن حلقها يحترق من شدة العطش قبل أن تتمكن أخيرًا من إخراج كلماتها بصوت ضعيف:
"لو سمحتي، أنا هنا من امتى؟"
التفتت إليها الممرضة فورًا، وارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة عندما أدركت أنها استعادت وعيها.
"من النهاردة من بدري كنتي في العمليات ولسه خارجه من شويه بقالك أقل من ساعه كده."
استمعت رنيم إليها وهي تحاول استيعاب الأمر. أقل من ساعة فقط منذ خروجها من العملية، ومع ذلك كانت تشعر وكأنها مرت بعمر كامل من الألم.
تنفست ببطء ثم قالت وهي تحاول تحريك كتفها دون جدوى:
"أنا تعبانه اوي، وكتفي وجعني."
هزت الممرضة رأسها بتفهم وهي تقترب منها قليلًا.
"معلش علشان لسه الجرح في اوله، هروح ابلغ الدكتور، واجبلك مسكن معايا."
استدارت متجهة نحو الباب، لكن صوت رنيم أوقفها قبل أن تخرج.
"لو سمحتي فيه حد بره اسمه شاهين؟"
لم تحتج الممرضة حتى للتفكير قبل أن تومئ برأسها.
"ايوه ده اللي جابك هنا وبره هيتجنن عليكي ومعاه كمان ناس تانيه ومنهم واحده اسمها ترنيم نفس فصيلتك نقلنا منها دم ليكي علشان كنتي نزفتي دم كتير اوي على ما جيتي المستشفى هنا."
ما إن سمعت الاسم حتى انعقد حاجباها بضيق.
حتى وهي بين الحياة والموت لم تتخيل أن تستيقظ لتسمع هذا الاسم أول شيء.
أغمضت عينيها للحظة ثم قالت بنبرة خافتة حملت قدرًا من التوسل لم تستطع إخفاءه:
"ممكن تخلي شاهين يدخل؟ عايزاه."
أومأت الممرضة وغادرت.
مرت الدقائق التالية بطيئة وثقيلة. جاء الطبيب ليفحصها ويطمئن على حالتها، ثم أعطتها الممرضة المسكن الذي بدأ يخفف حدة الألم تدريجيًا.
وما إن أغلق الباب خلفهم حتى فتح مرة أخرى. رفعت رنيم عينيها نحو الداخل.
كان شاهين. للحظة شعرت وكأنها تراه لأول مرة.
وجهه الشاحب كان كافيًا ليخبرها أنه لم يذق الراحة منذ دخولها غرفة العمليات. عيناه كانتا حمراوين من شدة القلق، وملامحه المتعبة فضحت كل الساعات التي قضاها خلف ذلك الباب ينتظر أي خبر عنها.
تحرك نحوها بسرعة وكأن قدميه تحملانه إليها دون إرادة منه، ثم جلس بجوارها وأمسك يدها بين يديه بقوة واضحة قبل أن يقول:
"كنت هموت من القلق عليكي يا رنيم، ألف سلامه عليكي يا عمري."
ظلت تنظر إليه لثوانٍ طويلة.
رأت الخوف الذي حاول إخفاءه.
ورأت الراحة التي اجتاحت ملامحه لمجرد أنها فتحت عينيها.
لكن شيئًا آخر كان يشغلها. شيء لم تستطع تجاهله. لذلك قالت مباشرة:
"مين قال ليهم على اللي حصلي؟"
رمش شاهين بعدم فهم للحظة قبل أن يسأل:
"قصدك على مين؟"
أجابت وهي تضيق عينيها أكثر:
"اللي الفصيله بتاعتها مطابقة للفاصيلة بتاعتي."
فهم فورًا عمن تتحدث.
تنهد بهدوء، ثم رفع يده يمررها بين خصلات شعرها بحنان شديد وكأنه يحاول تهدئتها قبل أن يجيب.
"أنا كنت مستعد أعمل أي حاجه علشان انقذك يا رنيم، والله لو كان لزم الأمر أني أروح واترجى كل واحد فيهم علشان تيجي معايا تتبرع بدمها ليكي كنت هعمل كده، بقولك كنت بموت وانتي جوه يا رنيم، روحي أنا اللي كانت مفرقاني وقتها، والست كتر خيرها سابت بنتها اللي مرميه في المستشفي وجاتلك اول ما عرفت وكانت هتموت من القلق عليكي، مترددش ثانيه واحده أنها تديكي دمها، سيبك من كل ده، المهم انك دلوقتي معايا ورجعت اشوف عيونك من تاني."
كانت تستمع إليه بصمت.
ولأول مرة لم تجد ردًا جاهزًا تقاطعه به.
لأنها كانت ترى الحقيقة أمامها.
ترى ارتجافة أصابعه وهي تمسك يدها.
وترى الخوف الذي لم يغادر عينيه حتى الآن. وترى ذلك الامتنان الصادق لأنه ما زال قادرًا على رؤيتها أمامه.
انحنى نحوها وقبل جبينها برفق شديد، ثم أبقى جبينه قريبًا منها وهمس:
"أنا مش قادر اتخيل انك ضحيتي بعمرك علشان تنقذيني أنا يا رنيم، أنا كنت متأكد من حبك ليا، إنما بعد اللي حصل ده، اتأكد أن حبي في قلبك ملوش حدود، بعشقك يا نور عيوني، انتي أجمل حاجه ربنا رزقني بيها، وأبقى حمار لو فرط فيكي في يوم من الايام."
ارتجف شيء عميق داخلها وهي تستمع إليه.
حاولت أن تخفي تأثير كلماته، فدفعت نفسها للنهوض قليلًا، لكن الألم كان أسرع منها.
شهقة مكتومة أفلتت من شفتيها وهي تشعر بالجرح يشتعل من جديد.
وفي لحظة كان شاهين يحيطها بذراعيه بحذر شديد، يساعدها على الجلوس دون أن يزيد من ألمها، ثم وضع الوسادة خلف ظهرها بعناية وكأنها قطعة زجاج يخشى أن تنكسر بين يديه.
"ممكن بلاش تعتمدي على نفسك اليومين دول؟ يعني لو محتاجه اي حاجة اطلبيها مني."
رفعت عينيها إليه. ورغم عنادها المعتاد، ورغم رغبتها الدائمة في الاعتماد على نفسها، لم تجد في تلك اللحظة سببًا للمجادلة. لذلك أومأت برأسها قائلة:
"حاضر."
ابتسم شاهين ابتسامة صغيرة بدت ممتنة أكثر مما هي سعيدة، ثم شدها إليه بحذر لتستند عليه قليلًا، وكأنه لا يزال بحاجة لأن يطمئن أنها موجودة فعلًا بين ذراعيه ولم تعد مجرد خوف يطارده خلف أبواب العمليات.
وبعد لحظات من الصمت، نظر إليها بعينين تلمعان بمكر خفيف وسط كل ذلك القلق وقال:
"ممكن بقى اطلب منك طلب، ومتكسفنيش؟"
عقدت حاجبيها باستغراب وهي تنظر إليه منتظرة ما سيقوله، ثم أومأت برأسها في هدوء.
ألقى شاهين نظرة سريعة نحو الباب قبل أن يعيد بصره إليها من جديد. كان يعرف جيدًا طبيعة رنيم، ويعرف أكثر حجم التوتر والضيق الذي تشعر به لمجرد وجود أولئك الأشخاص خارج الغرفة ينتظرون السماح لهم بالدخول. لذلك حاول أن يتحدث معها بهدوء، وكأنه يمهد الطريق قبل أن يفتح الباب على مواجهة لا يعلم كيف ستنتهي.
"جواهر وترنيم وتامر بره ممكن بلاش تحرجيهم بكلامك؟ كتر خيرهم أنهم اول ما عرفوا متأخروش عليكي."
لم تجبه. فقط أغمضت عينيها بقوة وكأنها تحاول الهروب من الحديث كله. كانت لا تزال منهكة، جسدها يؤلمها، ورأسها مثقل بأشياء أكبر بكثير من قدرتها على التحمل، وآخر ما كانت ترغب به هو رؤية أشخاص لم تستطع تجاوز ما حدث بينهم.
راقبها شاهين بصبر، ثم رفع يديه ليحتضن وجهها بين كفيه برفق بالغ، وأجبرها بلطف على النظر إليه. كانت عيناه مليئتين برجاء حقيقي جعل ملامحها القاسية تلين قليلًا رغمًا عنها.
"علشان خاطري يا حبيبتي."
ظل ينظر إليها منتظرًا ردها، بينما كانت هي تقاوم ذلك الإلحاح الصادق الذي يضعف مقاومتها في كل مرة. وفي النهاية اكتفت بإيماءة صغيرة من رأسها. لم تكن موافقة كاملة بقدر ما كانت استسلامًا لرغبته.
في اللحظة نفسها امتدت يدها نحو كتفها المصاب عندما عاد الألم يضربها بقوة، فارتسم الوجع على ملامح شاهين أكثر مما ارتسم على وجهها هي. انحنى نحو كتفها بحذر شديد وقبل موضع الجرح قبلة خفيفة، كأنها اعتذار صامت عن كل ما تعرضت له بسببه، ثم نهض واتجه نحو الباب.
فتح الباب ببطء، وما إن وقعت عيناه عليهم حتى أشار لهم بالدخول.
تحرك الثلاثة إلى الداخل بتردد واضح، بينما انعقدت ملامح رنيم فور أن رأتهم. لم تستطع إخفاء العبوس الذي ارتسم على وجهها تلقائيًا، وكأن جراح الماضي كانت أسرع من أي محاولة للمجاملة أو التسامح.
اقترب تامر أولًا، وكانت ملامحه تحمل قلقًا حقيقيًا عليها، ثم انحنى وقبل رأسها بحنان أبوي واضح وقال:
"ألف سلامه عليكي يا حبيبتي."
رفعت عينيها إليه للحظة قبل أن ترد بصوت خافت أنهكه التعب:
"الله يسلمك."
بعده مباشرة جلست جواهر بجوارها. كانت تبدو مختلفة عن كل مرة سابقة؛ أكثر هدوءًا، وأكثر انكسارًا أيضًا. مدت يدها تتحسس ظهرها بحنان افتقدته رنيم منها منذ وقت وقالت:
"ألف سلامه عليكي يا رنيم."
تأملتها رنيم طويلًا قبل أن تنطق. كان اللوم المتراكم داخلها أكبر من أن يختفي بسهولة، لذلك خرج سؤالها محملًا بكل ما اختزنته في قلبها خلال الأيام الماضية:
"ايه اللي حصل خلاكي تتنازلي وتيجي ليا؟ وعلى كده جوزك موافق ولا جايه من وراه؟"
اهتزت نظرات جواهر بالألم، لكنها لم تغضب. كانت تدرك أن لرنيم الحق في كل كلمة تقولها. لذلك أجابتها بصبر وحزن:
"مش وقته الكلام ده يا رنيم، انتي اختي الكبيره ومكانش ينفع اسيبك وانتي في الحاله دي."
ساد الصمت لثوانٍ قبل أن تتقدم ترنيم بخطوات بطيئة. كانت تراقب رنيم منذ دخولها، وكأنها تحاول الاطمئنان عليها بعينيها قبل كلماتها. بدت مرهقة هي الأخرى، لكن ذلك لم يمنعها من الابتسام ابتسامة صغيرة وهي تقول:
"ألف سلامه عليكي يا رنيم، أنا دلوقتي اقدر امشي وانا مطمنه عليكي."
وكالعادة، اختارت رنيم الهروب إلى الجهة الأخرى. أدارت وجهها بعيدًا عنها تمامًا ولم تمنحها حتى ردًا مقتضبًا.
شعرت ترنيم بوخزة قديمة في قلبها، لكنها ابتسمت رغم ذلك. اعتادت هذا الجدار الذي ترفعه رنيم بينهما كلما اقتربت منها. لذلك استدارت بهدوء واتجهت نحو الباب معتقدة أن الأمر انتهى كعادته.
لكنها لم تكد تخطو بضع خطوات حتى جاءها صوت رنيم من خلفها.
صوت متعب، متردد، وكأنه انتزع انتزاعًا من بين ضلوعها.
"شكرا."
تجمدت ترنيم مكانها. للحظة ظنت أنها توهمت.
استدارت ببطء شديد ونظرت إليها وكأنها تخشى أن تكون قد سمعت خطأ، ثم قالت بعدم تصديق حقيقي:
"انتي قلتي ايه؟"
لم تنظر إليها رنيم وهي تجيب. ظلت عيناها معلقتين بالجدار المقابل وكأن الاعتراف نفسه كان أصعب مما تحتمل.
"شكرا علشان انقذتي حياتي، بس للاسف هتقبل دمك اللي جوايا غصب عني."
اتسعت ابتسامة ترنيم تلقائيًا، وشعرت وكأنها ربحت معركة انتظرتها سنوات طويلة.
"أنا هعتبر اني سمعت الجزء الاول بس من كلامك، وده في حد ذاته إنجاز في علاقتنا أنا وانتي زي أول مره اتقابلنا مع بعض زمان."
ازدادت ابتسامتها اتساعًا بينما عادت رنيم للصمت وكأنها ندمت أصلًا على تلك الكلمة التي خرجت منها.
تدخل شاهين سريعًا قبل أن يعود التوتر من جديد وقال:
"خليكي معانا شويه، وانا هبقى اوصلك."
هزت ترنيم رأسها بالرفض فورًا وأجابت:
"يا دوب ألحق ارجع تاني المستشفى عند أروى علشان ابقى جنبها."
ثم التفتت نحوه للحظة، وأخذت تتأمله بنظرة بدت مختلفة هذه المرة؛ نظرة شخص أعاد تقييم إنسان كان يحمل عنه صورة مسبقة.
"أنا مش عارفه ليه مرتاحه ليك؟ يمكن علشان شفت خوفك عليها بجد، أو يمكن حبك لرنيم بالطريقه دي بيفكرني بالماضي، أنا مش مصدقه انك انت تبقى ابن الشيطانه مريم، عمومًا أنا بدعم علاقتكم، حافظ على حبكم لبعض، وإياك تمل من عنادها أو تمردها، علشان أنا خسرت كتير اوي زمان بسبب العناد والتمرد."
أنهت كلماتها وربتت على كتفه بحنان صادق، ثم وجهت لرنيم ابتسامة هادئة حملت أشياء كثيرة لم تقلها، وغادرت الغرفة.
تابعها تامر بعينيه قبل أن يقول:
"هروح انا معاها علشان متروحش لوحدها في وقت زي ده."
ثم التفت نحو جواهر وسألها:
"هتيجي معانا ولا قاعدة يا جواهر."
بدت جواهر شاردة للحظات، قبل أن تهز رأسها بالرفض وهي تنظر إلى رنيم.
"لا هقعد هنا مع رنيم."
لم يعجب ذلك رنيم، ليس لأنها لا تريدها بجوارها، بل لأنها كانت تعرف الثمن الذي قد تدفعه جواهر بسبب وجودها هنا. لذلك قالت:
"لا متشغليش بالك بيا، روحي انتي معاهم علشان ميحصلش مشكله بينك انتي وجوزك بسببي."
أخفضت جواهر رأسها للحظة، ثم تنهدت وكأنها تحمل فوق كتفيها عمرًا كاملًا من الخيبات.
"حصلت المشكله خلاص واللي كان كان."
ثم رفعت عينيها إليها وأضافت بإصرار واضح:
"أنا مش هتحرك من هنا يا رنيم متحاوليش."
أومأ تامر بتفهم، ثم اقترب مودعًا:
"هجيلك تاني يا حبيبتي."
وبعدها نظر إلى شاهين وقال:
"خلي بالك منها."
غادر المكان أخيرًا، وعادت الغرفة إلى هدوئها من جديد.
جلس شاهين بجوار رنيم على حافة السرير، وأمسك يدها بين يديه كأنها أغلى ما يملك في الدنيا. رفعها إلى شفتيه وقبلها بحب عميق، ثم رفع عينيه إليها.
كانت متعبة، شاحبة، وعنيدة كما عرفها دائمًا، ومع ذلك، لم يرَ في حياته كلها شيئًا أجمل منها.
 

تعليقات