رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الرابع
صعد الأسطى إبراهيم سلالم المنزل يحمل "لينا" وهو ينهج من التعب وثقل الموقف، وما إن فتح الباب ليدخل سريعاً ويضعها على أقرب كنبة في الصالة، حتى سمع صوت زوجته سعاد قادمة من المطبخ وهي ترتدي مريلة الطعام الملطخة بالصلصة.
*سعاد:*
- "أنت جيت يا إبراهي..."
لم تكمل الكلمة! انفتحت عيناها على وسعهما، وسقط فكها لأسفل بصدمة وهي ترى زوجها "وقار الحارة" يضع فتاةً شديدة الجمال ذات شعر أحمر ناري على الكنبة. لطمت سعاد صدرها:
*سعاد:*
- "مين دي يا إبراهيم؟!"
ولم تنتظر رد، صرخت على طول وقالت:
- "يا مصيبتي! يا خراب بيتك يا سعاد!"
- "أنت اتجوزت عليا يا راجل؟! بعد كل السنين دي؟ بعد ما استحمّلتك وعشت معاك على المُر!"
- "يوم ما اتجوزتني مكنتش لاقي تمن سندوتش فول، وفي الآخر تجيب لي ضرة قد ولادك؟!"
*إبراهيم:*
- "جواز إيه ونيلة على دماغك؟! هو اللي يتجوزك يفكر يعيدها تاني؟!"
*سعاد:*
- "تصدق عندك حق برضو.. هي دي ترضى بيك أصلا؟!"
أخذت تولول مرة أخري:
- "يا مصيبتك يا سعاد! روحتي في داهية يا سعاد!"
- "هتروحي اللومان يا سعاد وتاكلي عيش وحلاوة يا سعاد!"
إبراهيم اتنرفز ورد عليها بغضب:
*إبراهيم:*
- "يا دي الطين على سعاد! في إيه تاني؟!
سعاد- " ماهو مادام مش متجوزها يبقى خاطفها؟!
ابراهيم : يخربيتك هتودينا فى داهية ، خطف إيه؟!
اكتمي بقى خلاص كده أنا جبت آخري!"
سعاد سكتت لحظة وبعدين قربت من لينا تتفحصها
*سعاد:*
- "طب مالها؟ إيه اللي حصل لها؟"
- "جبتها معاك ليه؟" استنى!!!
- "إيه ده يا إبراهيم؟!هو الشعر ده صبغته بصلصة طماطم ولا إيه؟"
- "دا ناقص تحط عليه رشة كمون وفصين توم وتبقى أحلى تسبيكة مسبكة في الحارة!"
وفي سرها، بدأت سعاد تعقد مقارنة مريرة ومضحكة؛ نظرت لشعر لينا الحريري، ثم لمست طرف منديلها المربوط ببنس صدئة، وقالت في نفسها بحسرة:
_يا خيبتك يا سعاد، البت شعرها عامل زي الحرير، وأنا شعري بقى زي سلك المواعين!_
ثم نقلت نظراتها لجمال وجه لينا وبشرتها البيضاء الصافية وجسدها الممشوق، فبرطمت بغيظ أشد: (والنعمة دي مش بشرة، دي قشطة بلدي ساقطة في عسل! وجسمها مرسوم رسم كأنها مانيكان في فاترينة محلات وسط البلد، وأنا من كتر المحشي والبطاطس بقيت شبه كابينة التليفونات القديمة!).
وفجأة، وأثناء تفحصها الدقيق، انتبهت سعاد للمجوهرات التي تبرق في عنق لينا ومعصمها وخاتمها الماسي النفيس الذي خطف الضوء في الصالة المتواضعة. تسمرت سعاد مكانها، وبدأت عيناها تتسعان مجدداً لكن هذه المرة ليس من الغيرة، بل من الصدمة المادية!
انحنت أكثر حتى كاد أنفها يلمس يد لينا، ولمست الخاتم بطرف إصبعها وقالت بذهول وصوت مرتفع:
- "يا حلاوة يا أولاد! دا ألماظ حر بيبرق يا حاج إبراهيم!"
- "الخاتم اللي في صباعها الصغنن ده يشتري العمارة بالحارة بالسوبر ماركت بتاع عمى محمود اللي على ناصية الشارع!"
ابراهيم ـ "يا ولية اتهدى بقى احنا فى ايه ولا فى ايه، البنت كانت هتتهرس تحت عجل العربية لولا ستر ربنا ، شوفى حاجة تفوقها.
وفجأة، توقفت سعاد عن الانبهار، وضيقت عينيها وهي تنظر لإبراهيم بريبة:
*سعاد:*
- "استنى هنا.. أنت مش بتقول كانت تحت عجل العربية؟"
- "طب هي فين آثار الحادثة؟ لا دم، ولا خدش صغير حتى؟!"
- "بس فستانها متغبر وريحته تراب!
يا إما دي جنية بتختفي من الأذى يا إما في حاجة غلط!"
تراجعت سعاد للخلف مذعورة، ثم صرخت وهي تشير بإصبعها نحو لينا:
*سعاد:*
- "آيوه أنا قولت كده من الأول! دي مش شكل إنسية!"
- "دي بقى جنية.. شعرها أحمر نار كده؟ دي 'ندّاهة' من بتوع الصحراوي!"
- "ظهرتلك مخصوص عشان تلبسك وتستدرجك، وأنت زي الأهبل جبتها لحد بيتنا!"
قالت سعاد وهي تضرب كفاً بكف:
*سعاد:*
- "أكيد أم عبده اللي فوقنا هي اللي عملالنا عمل بسحر أسود عشان تخرب بيتي!"
رد إبراهيم بزهق وهو يلطم وجهه:
*إبراهيم:*
- "والنعمة انتي اللي معمولك عمل في مخك!"
- "أم عبده إيه؟ دي بنت غلبانة ومغمى عليها!"
هرعت سعاد للمطبخ وأحضرت "رشاشة الملح" وبدأت ترش في الهواء، لكنها توقفت حين أنَّت لينا بضعف.
فجأة تغير وجهها تماماً وقالت:
- "استنى.. هي الجنية بيبقى وشها محمرّ كده من التعب؟"
- "لأ..... دي بتتنفس زينا.. يبقى هي أكيد مش جنية، دي إنسية!"
اقتربت سعاد من لينا بلهفة وهي تربت على خدها:
*سعاد:*
- "يا عيني عليكِ يا بنتي.. مين اللي رماكى في الشارع كده؟"
سكتت ثانية كأنها تذكرت شيئا ثم قالت:
_يا نهار مش فايت! يا رب ما تكونش البت سمعتني وأنا بقول عليها تسبيكة ونداهة!_
*سعاد:*
- "واقف كده ليه؟!"
- "هات لها مخدة بسرعة!"
*لينا:*
- "أنا.. أنا فين؟"
- "ومين حضراتكم؟"
*سعاد:*
- "يا حبيبتي حمد لله على السلامة.. اسمك إيه يا حبيبتي؟"
- "وجاية منين في وقت متأخر زي ده؟"
*لينا:*
- "أنا.. أنا مش فاكرة.."
- "كان في ضوء.. صوت فرامل.. وبعدين كل حاجة بقت سودة."
*لينا:*
- "أنا.. أنا مش عارفة.."
- "مش قادرة أفتكر أي حاجة تانية غير إني كنت خايفة.."
- "كنت بجري.. بس مش فاكرة كنت بجري من إيه.."
- "ولا حتى.. ولا حتى عارفة أنا مين!"
*سعاد:*
- "مش فاكرة اسمها يا إبراهيم؟"
- "دي كارثة.. دي باين عليها وقعت من الذاكرة مش بس من عربية!"
*إبراهيم:*
- "يا سعاد سيبي البنت تاخد نفسها!"
- "البت يا عيني تايهة.. ومش فاكرة حتى هي مين!"
