رواية اشتد قيد الهوي الفصل الرابع والاربعون
ترتفع نبضات قلبها بذعر فيما جسدها يرتجف تلقائيًا في ترقّبٍ قاتل لروحها... فكلما مرت الدقائق في هذا الصمت المهيب وتحت تلك النظرات الغاضبة من والدها ازدادت الخطورة على كليهما. تعلم أن الأمر هذه المرة لن يمرّ مرور الكرام... وربما يعاقبهما والدها بفسخ الخطبة....~/
كانت تقف كالمذنبة الجانية في حقّ نفسها وهي كذلك بالفعل... تقف أمام والدها مطرقةً رأسها أرضًا في حرجٍ شديد تدعو الله أن يُخرجها من هذا الموقف بأقلّ الخسائر.
عضّت على باطن شفتيها بغضبٍ من نفسها وندمٍ شديد... ليتها لم تستمع لنداء قلبها ليتها ظلت في غرفتها تنعم بالسلام والأمان دون مشاكل.
بطرف عينيها نظرت إلى ياسين الواقف مثلها لكنه كان ينظر إلى عمه مترقّبًا بوادر تلك العاصفة الآتية لا محالة....
مسكين ياسين... من خلف رأسها سيواجه عاصفة غضب أبيها.
هل سيصمد للنهاية معها؟
أم سيلوذ بالفرار...؟
"اي اللي طلعك هنا؟!...."
سؤال متوقع نطقه صالح بملامح غاضبة على وشك الانفجار...
ومع انتظار والدها إجابة لسؤال فلم يجدي صمتها نفعًا بللت شفتيها وقالت بتوتر شديد وبخجل...
"كنت... كنت طالعة أدي لياسين الزلابية..."
بنظرة أشد خطرًا وعنفًا استهجن صالح تصرفها وردها جعله يغضب أكثر...
"ز... زلابية... مبعتهاش مع ملك ليه؟ ليه تطلعي هنا تديهاله يا محترمة...؟"
أصابتها الكلمة في مقتلها فامتلأت عيناها بالدموع ثم شعرت فجأة بالوجع يجتاح جسدها كله...
لم تستطع الرد فانحنى رأسها في خزي لتبتلع تلك الكلمة كمن يبلع جمرًا ملتهبًا...
تدخل ياسين يكبح غضبه بصعوبة بعد أن رأى انعكاس الألم على وجهها ليقول لعمه برجاء..
"عمي بلاش الكلام ده... أبرار فعلًا محترمة ومتربية أحسن تربية..."
قال صالح بغضب أشد...
"مفيش بنت محترمة تطلع شقة خطيبها... عشان الزلابية..."
آخر كلمة نطقها بسخرية وغيرة أب فتمتم ياسين سرًا بتهكم...
"لو كانت عملت حاجة غيرها مكناش اتقفشنا... ماله عصير الرمان..."
سأله صالح متجهمًا....
"بتقول إيه...؟"
رفع ياسين عيناه عليه ليجيب بسرعة بديهية:
"بقول إنها فعلًا غلطت ومينفعش... بس أهم حاجة النية..."
التوى فك صالح بضيق وبعد نظرة طويلة منه قال
بتحفز....
"نية بنتي عارفها كويس...بس نيتك مضمنهاش يا باشمهندس..."
انتفض ياسين مصدومًا من هذا الهجوم العدواني
"ليه كده يا عمي... ما احنا كنا حبايب من شوية..."
ثم استأنف حديثه بصدق....
"وبعدين دي بنت عمي قبل أي حاجة معقول أعمل حاجة من اللي جت في دماغك...؟"
لم يعقب صالح على حديثه الوقح فهو يزيد الطين بلة وزع النظرات عليهما بالتساوي سائلاً في ما يعنيه أكثر...
"شكلكم مش أول مرة تتقبله من ورايا... مش كده...؟"
صاح ياسين...
"لا دي أول مرة..."
سمع صالح هذه الإجابة دون اقتناع حقيقي منه لكنه لم يكذب أحد فحرك عينيه الخضراء النارية في اتجاه ابنته منتظر الرد المماثل منها لكنها أقرت فجأة باندفاع واضح وضيق مكتوم من نفسها...
"مش أول مرة يا بابا... كنا بنخرج من وراك بس في أماكن عامة..."
أغلق ياسين عينيه بقوة يلعنها سرًا بينما أضافت أبرار وكأن ضميرها استيقظ من مرقده...
"وفي مرة قعدنا فوق السطح... لوحدنا..."
فتح ياسين عينيه مصعوقًا من هذا الجنون الذي تلبسها لينظر إليها قائلاً من بين أسنانه بحنق...
"الكلام ده مش في صالحنا فوقي كده..."
استبد الغضب بـ صالح أكثر فهتف بحدة...
"واضح إني غلط من الأول لما وافقت على
الخطوبة دي..."
بهت وجه ياسين وشعر أن قلبه سقط من أعلى الجبال لتعلو أنفاسه مع تسارع خفقات قلبه خوفًا مما هو آتٍ...
"عمي... عمي بالله عليك متقولش كده... أنا تعبت على ما وصلت للمرحلة دي... مش هعيد من الأول..."
قال صالح بصلابة محتدة...
"انتوا اللي جبتوا لنفسكم... الخطوبة ملغية طالما مفيش سمع كلام... أي رأيك يا دكتورة؟"
في انحنائها نطقت أبرار بصوت محايد...
"الرأي رايك يا بابا..."
توسعت عينا ياسين في صدمة وكاد أن يصاب بأزمة قلبية بعد هذا الرد الجامد...
لم يستطع السكوت بعد ذلك فصاح فيها بغيظ محتدم...
"نعم ياختي...دا بدل ما تقولي كلمتين يهدوا... طب اتمسكي بيا لو بالكدب حتى..."
ثم رفع سبابته يلقي اللوم عليها بعتاب...
"كل اللي بيحصل ده بسببك...ومش مسامح..."
انكمشت ملامحها في إزعاج واضح وقد شعرت بالتعب من كل هذا راغبة في الفرار من أمام والدها حتى وإن كان فسخ الخطبة سينهي الأمر... فليفعل ما يشاء وبعدها سنجد حلًا حيالها وتعود الأمور إلى نصابها...
أرادت العودة إلى الطابق الثالث حيث غرفتها لتغلق الباب على نفسها وتبكي على سريرها كما تشاء لعنت نفسها وغباها على هذا الموقف المهين الذي وضعت نفسها فيه...
تحدث ياسين في محاولة منه لرأب هذا الصدع..
"عمي عمي بلاش تعمل كده... أنا ما عملتش حاجة لكل ده... ليه تلغي الخطوبة؟ عقبنا أي عقاب تاني غير ده..."
لم يرأف صالح بحالهما وهو يقول بنبرة صارمة..
"مفيش عقاب ينفع معاكم انتوا الاتنين...
أنا جبت أخري منكم ومن قلة أدبكم... مفيش سمع كلام ليا ومش عارف أفصلكم عن بعض وعشان محدش فيكم يقع في غلط الخطوبة ملغية..."
ثم بعد ثانيتين ختم كلامه بقنبلة موقوتة..
"وكتب كتابكم الأسبوع الجاي..."
الصمت الذي تلى بعد تلك الجملة الأخيرة كان ثقيلًا له وقعٌ غريب على قلبيهما ما بين صدمةٍ أربكتهما وذهولٍ سمرهم في مكانهما كتماثيل من الشمع..
تسمّرا في مكانهما يتبادلان النظرات في
صمتٍ متسائل كأن كلاً منهما يحاول أن يقرأ في ملامح الآخر تأكيدًا ما سمعاه... والحقيقة واضحة كشمس ظهرت من بين الغيمات.....
عادت أعينهما إلى صالح ليروا الجدية المرتسمة على محيّاه ونظرته الثابتة المستقرة عليهما... نظرةٌ قوية مهيبة لا تحتمل نقاشًا....
تساءل ياسين بصوتٍ خافت تختلط فيه الدهشة بالسعادة...سعادة مفاجئة لا يسعها قلبه الولهان
"ثواني....ثواني..اي اللي اتلغى واي اللي اتكتب.."
تنحنح صالح بخشونة وقال بنفاد صبر...
"مش هعيد كلامي مرتين....ولا تحب اسحبه خالص...."
ابتسم ياسين ببلاهه وسعادة عارمة تجتاحه
عاجزًا عن السيطرة عليها أمام عمه الحانق....
"لا متسحبهوش....بس انت بتكلم بجد....كتب
كتابي على ابرار الاسبوع الجاي.....بجد...."
توهجت وجنتاها خجلًا وحياءً مع ابتلاع ريقها بتوتر من سرعة الأمر بينما قال صالح بثبات..
"الكلام ده مفهوش هزار يا ابن أخويا... إنت ليك
رأي تاني؟"
هزّ ياسين رأسه نفيًا ثم اقترب من عمه وقبّل يده قائلًا بتملق واضح...
"مفيش رأي بعد رأيك يا عمي... يا أحسن عم في الدنيا.... "
قالت أبرار بخفوت...
"بس أنا معترضة يا بابا..."
ارتفع حاجبا ياسين عابسًا وهو ينظر لها فقالت أبرار بتلعثم وخفر...
"على المعاد... مش هلحق أختار فستان كتب الكتاب."
قال صالح بصبرٍ...
"قدامك أربع أيام... مش كفاية؟!"
هتف ياسين بلسانها...
"طبعًا كفاية... كفاية أوي."
نظرت إليه ابرار بانزعاج من تلك اللهفة الغريبة لكن لا غرابة في الحب رغم شعورها بالضيق وتوترها من المفاجأة وسرعة عقد قرانهم إلا أنها كانت تشعر أيضًا بالسعادة.. وفي ذروة خجلها اشتدت رغبتها ألحاحًا في الصعود إلى الأعلى والاختباء منهم....
حدق صالح في صمتها الطويل وفي الصراع الظاهر على ملامحها المشدودة....
ليتنهد بهدوء وهو يتفهم ما يدور في عقلها فهون عليها بصوته الهادئ قائلاً...
"اختاري المعاد اللي يناسبك وبلغيني بيه..."
نظرت إلى والدها فوجدته جادًا حول الأمر ومع ذلك كانت عيناها تلمحان فيه اللوم عما بدر منها...
..............................................................
انتفض قلبها بين أضلاعها وهي تسمع صوت باب الشقة يُفتح ثم يُغلق بعد دخوله...
أغمضت عينيها بتحفز وبدأت العد التنازلي لتُهدئ نفسها وتنتظم خفقات قلبها...
لكن كيف سيحدث ذلك والشيخ هنا قريب منها لا يفصل بينهما سوى بضع خطوات...
وضعت يدها على مقبض باب غرفتها وأدارته لتفتح الباب وتخرج وحين فعلت وقفت أمامه وكان هو قد جلس على الأريكة ليستريح والسبحة بين يديه يتحرك بها بتأني وخشوع في الذكر...
"كنت فين كل ده؟! ... وإزاي تخرج كده وانت لسه جرحك ما نشفش..."
امتنع عن الرد وتحاشى النظر إليها فقالت شروق بحنق...
"صالح مش بترد عليا ليه؟ ... أنا بكلامك..."
ظل ينظر إلى حبات السبحة وهي تتحرك بخفة بين أصابعه دون إرادة منها كما يخفق قلبه الآن أمام الغزالة دون إرادته...
أغلق على تلك المشاعر المتأججة بوجه جامد خالٍ من التعابير وأجابها بتحفظ...
"معنديش رد على أسئلتك... ومبقاش في بينا حاجة عشان تسأليني كنت فين وبعمل إيه..."
قالت شروق بلوعة...
"أنا بسألك عشان خايفة عليك... جرحك مـ..."
قاطعه بجفاء...
"حتى دي مبقاش ليكي حق فيها..."
صفع قلبها بذلك الرد فقالت...
"أنا لسه مراتك على فكرة..."
رد بنفس الجمود...
"مؤقتًا لحد ما تولدي زي ما اتفقنا..."
لسعت الدموع عينيها فجأة وأصابها الرد في مقتلها ففتحت فمها بذهول....
"وكأنك ما صدقت..."
استنكر بسخرية...
"بالعكس أنا بريحك من العذاب..."
حركت أهدابها بحرج لتقول بتلعثم...
"بس أنا مكنتش أقصد إن جوازنا عذاب..."
التوى فكه بسخط...
"يمكن....في النهاية النتيجة واحدة يا أم ملك..."
عقدت حاجبيها متجهمة ومتشدقة...
"أم ملك؟!... أي أم ملك اللي بقت على لسانك ده كل ما اتكلمت معاك..."
رفع عينيه الخضراء إليها يسألها بفتور...
"عندك مشكلة في ده كمان؟..."
اعترضت بعصبية وعينيها وجسدها يصرخان باحتياج إليه...احتياج أنثى لزوجها وحبيبها..
"أيوا ناديني باسمي... مالو أسمي..."
اسمًا إن نطقت به انفلت مع أحرفه صبري وانكشف ضعفي !
تنهد صالح بغيظٍ شديد وعيناه تجريان عليها على منامتها الحريرية الناعمة وعلى شعرها المسترسل على ظهرها في تموجاتٍ تشبه بحرًا هائجًا في ليلةٍ مظلمة كظلام عقلها وهي تترك كل شيءٍ خلفها وترحل عنه... متخليةً عنه وعن التوأم....
توقفت عيناه لبرهةٍ عند بطنها البارزة قليلًا فكلما مرت الأشهر وازداد حملها وضوحًا أدرك أن النهاية بينهما تقترب أكثر فأكثر....
كأنها ساعةٌ رملية موصولة بمهلةٍ محددة ما إن تنقضي حتى ينهار كل شيء !...
أجاب صالح عن سؤالها بهدوءٍ متعمّد...
"لازم اعود نفسي من دلوقتي إنك.... ام ملك.."
استفزها رده فقالت بعنفوان...
"وام ولادك كمان....ولا دي نسيتها...."
أومأ صالح برأسه وبجمودٍ عبر...
"أكيد المهم انتي متنسيش لما يحصل اللي انتي عيزاه......"
ترددت شروق قليلًا قبل أن تقول...
"يعني لما يحصل اللي اتفقنا عليه....هتخليني اشوفهم...."
"لا..."
رأى أثر الكلمة الناهية على ملامحها المصدومة صدمة تحولت إلى وجعٍ انتشر على محياها بصورةٍ مؤلمة فأسبل صالح جفنيه رافضًا المتابعة حتى لا يزيد ألمها...
كان يعلم جيدًا أنها ليست من أولئك النساء اللواتي يتركن أبناءهن خلفهن ويرحلن بحثًا عن انفسهن يعلم أن أمومتها أقوى من حبها له... بل ومن حبها لنفسها...ويعلم أنها لن تقدر على الابتعاد عنه ما دام التوأم في حوزته....
ومع ذلك كان يجاريها حتى النهاية... حتى تكتشف هي الحقيقة بنفسها....
وعندها...
سيكون لكل حدثٍ حديث....
قالت بغصة حزينة...
"متنساش إن أنا أمهم..."
بقسوة رد...
"مفيش أم بتتخلى عن ولادها..."
ارتجفت بوجع والندم يزحف إليها...
"بس أنا ليا أسبابِي..."
رد صالح بصلابة...
"أنا كمان ليا أسبابِي اللي تخليني أقولك لا..."
هربت من عينيه القاسيتين الغير متهاونتين مع ذلة لسانها فاستأنف صالح قائلاً....
"عامة الكلام ده سابق لأوانه... وقتها هنتكلم في كل حاجة... ييجوا بالسلامة الأول... وتقومي انتي كمان بالسلامة... دي عندي الأهم..."
ثم سألها...
"ملك فين صحيح؟"
أجابته بصوت خافت...
"اتعشت ونامت... تحب أحطلك العشا؟"
رفض بغلاظة...
"محبش...... شكرًا..."
قالت بضيق مكتوم...
"لازم تاكل عشان العلاج اللي بتاخده فيه مضاد حيوي..."
لم يهتم بكلامها وقال...
"بلاش تشغلي بالك بيا... اهتمي بنفسك... وباللي في بطنك..."
دبت الأرض بقدميها منفعلة...
"على فكرة.... انت لسه جوزي وليك حق عليا..."
رد بصوت عميق...
"انتي ضيعتي الحق ده من إيدك خلاص..."
قالت بتشنج والدموع تلمع في عينيها...
"انت بتعاقبني... بتعاقبني على اللي قولته..."
استنكر صالح...
"عقاب؟!..... فين العقاب ده؟!"
قالت شروق بوله...
"مش عايزني أعملك أي حاجة... حتى الأكل اللي بعمله رافض تمد إيدك فيه..."
بنبرة ونظرة عميقة ارتجف معها قلبها قال...
"ده مش عقاب... أنا بأعود نفسي على حاجة فرضتيها علينا..."
"صـالـح....."
تلاقت أعينهما في حوارٍ طويلٍ حميمي لزوجين حرما نفسيهما من بعضهما أشهرًا بفعل خلافاتٍ تراكمت فوق بعضها حتى أصبحت جبلًا ثقيلاً جاثمًا على صدريهما يخنق أنفاسهما....
اشاح صالح بوجهه عنها قائلاً بضيق...
"روحي نامي الوقت اتأخر... وأنا عندي شغل
الصبح بدري..."
ارتفع حاجباها بدهشة...
"شغل؟!..... شغل إيه وانت لسه تعبان..."
لم يرد عليها ولم ينظر إليها كأنها تتحدث إلى نفسها. لكنها راته بعدها يستلقي على الأريكة فقالت بحنو
"انت هتنام هنا؟... برد عليك..."
وعندما تجاهلها مرة أخرى اقتربت منه أكثر قائلة بضيق....
"صالح أنا بكلمك..."
تسللت إليه رائحتها الأنثوية الناعمة فأغمض عينيه بانزعاج قائلاً بنفاد صبر...
"يالله يا ولي الصابرين... ممكن تروحي تنامي... أنا جاي تعبان من برا ومصدع..."
زمت شروق شفتيها بضيق بالغ وهي تنظر حولها ثم إلى نومه هكذا...ثم تحركت في صمت إلى غرفتها.
حينها فتح صالح عينيه وأطلق زفرة طويلة تعبًا وغضبًا من نفسه ومن قلبه الذي يعلن عليه الحرب كلما تلاقى بعينيها البنية... عيني الغزلان...
أغمض عينيه فور سماعه باب غرفتها يُفتح من جديد ثم بعد ثوانٍ شعر بالغطاء الثقيل يُوضع على جسده...دثرته جيدًا بالغطاء ثم تحركت لتعود إلى غرفتها... وقتها فتح عينيه وقال ما نسي إبلاغها به...
"عشان يكون عندك علم كتب كتاب ياسين وابرار....اخر الاسبوع ده حضري نفسك عشان تحضري المناسبة معانا قدامهم على الأقل يعرفوا ان احنا امورنا تمام.....مش عايز حد يلاحظ غير كده.."
التفتت شروق إليه بدهشة واضحة مما سمعته
للتو..
"كتب كتابهم؟!... بجد.....امتى حصل ده انا كنت لسه مع ابرار الصبح مقلتش حاجة يعني....."
قال بغموض....
"هي لسه عارفه من كام ساعة بس...."
بحيرة كبيرة تساءلت
"إزاي يعني؟!.... وآخر الأسبوع كده مش هنلحق..."
رد صالح عليها....
"هتبقى عائلية قريبنا بس... وإن شاء الله هنلحق إحنا لسه في أول الأسبوع..."
ابتسمت بسعادة وامتنان ومن أعماق قلبها قالت بتمني...
"ربنا يتتمم لهم على خير ويسعدهم... دول بيحبوا بعض أوي..."
عبس وجه صالح فجأة فتوسعت ابتسامتها بجمال يفوق أبيات الشعر وصفٍ وقالت بمناغشة حلوة...
"أنا على كده لازم أبخرك... عشان رضيت عنهم ووفقت يكون في بينهم حاجة شرعية... عقبال ما تشيل عيالهم..."
تأفف بغضب مكتوم قائلاً باستهجان...
"لما أشيل عيالي أنا الأول... أبرار لسه صغيرة ولسه بدري على الجواز والخلفة..."
لم تغيب ابتسامتها وهي تقول بوئام...
"بدري من عمرك انوي إنت بس يا شيخ... أبرار جدعة وتقدر تشيل المسؤولية... وياسين كمان معاها.... أطمن..."
أراد أن ينهي هذا الحديث معها فقال...
"ربنا يسهل..."
قالت بإصرار غريب وكأن الأمومة تنبع منها تلقائيًا نحو ابرار وياسين....
"فرحهم بالله عليك.... وبلاش تاخر فرحهم اكتر من كده...يعني على الاقل خالص خليها في اجازة الصيف....يكونوا خدوا وقتهم بعد كتب الكتاب وجهزوا لشقتهم...دا رايي يعني والرأي رأيك برضو....."
تلعثمت في آخر جملة بعد ان لمحت نظرته الصارمة المحذرة من تماديها في الحديث حول الزواج فقال لها بوجوم.......
"هنشوف.....هنشوف كل حاجة في وقتها بتبقى أحسن الصبر.....الصبر يام ملك...."
"أم ملك؟!...."
قالتها بحدة واستياء وقد ارتسم الضجر على محياها...
حينها تسلل إليه شعور غريب بالراحة بعدما لاحظ انزعاجها الواضح فابتسم ببرود مؤكداً في نفسه أن هذا الاسم بات يروق له أكثر من ذي قبل....
نطق صالح الإسم مؤكدًا.....
"أم مـلـك....."
ألقت عليه نظرة حانقة ومشحونة بالغضب ثم توجهت إلى الغرفة بخطوات غاضبة وأغلقت الباب خلفها غائبة عن عينيه لكنها لن تنجح في الابتعاد عن قلبه كثيرًا !.....
.............................................................
في نهاية الأسبوع وتحديدًا في موعد عقد القِران....
لم تتوقع أن تمضي الأيام بهذه السرعة وسط الاستعدادات والتحضيرات لتلك المناسبة الغير
متوقعة...
لحظة طال انتظارها رغم انها كانت تظهر امتناعٍ ودلالٍ زائد على ياسين إلا أنها في أعماقها كانت تترقب هذا اليوم بشغفٍ خفي....
اليوم الذي ستكون فيه زوجته أمام الله والناس أجمعين.....
كانت تنتظر اليوم الذي لا يكون فيه تردد من النظر إليه أو التحدث معه أمام أحد ويصبح زوجها...
ابن عمها..وصديق طفولتها منذ الصغر..حافظ أسرارها وساتر كوارثها..سيحمل صفةً أخرى الآن صفة أعمق وأبقى صفةً ستلازمها للأبد زوجها... زوجها وحبيبها....
تلونت وجنتاها بحمرةٍ الخجل وهي تتأمل انعكاس صورتها في المرآة...فكانت جالسة
أمام منضدة الزينة ترتدي ثوبًا أبيض أنيقًا
يشع كالقمر في سماه وكأنه خُلق ليليق بها عروسًا....وقد انتعلت حذاءً يضاهيه أناقةً ورقيًا...
وتزين رأسها بحجابٍ لُفّ بأسلوبٍ عصري محتشم في آنٍ واحد وزُين وجهها بمسحةٍ رقيقة من الزينة أبرزت ملامحها التي تجمع بين بقايا طفولتها الشقية ووهج أنوثتها التي تتسلل إليها على مهل...
أنهت الفتاة المختصة بتزيين وجهها عملها وكانت صديقة مقربة من (ندى)
فابتسمت بإعجابٍ صادق بعد ان منح جمال
أبرار الطبيعي لعملها تألق جذاب.....
"بسم الله ماشاء الله زي القمر.....احلى عروسة
والله...."
قالت ابرار بسعادة...
"تسلم ايدك انتي ياموني المكياج ولفه الحجاب حلوة اوي....."
قالت منى بجذل....
"انتي عشان جميلة كل حاجة لايقه عليكي..."
صاحت نهاد من خلفهما بشقاوة وكانت تجلس هي وتوأمها ندى على حافة الفراش في غرفة إبرار بعد أن وصلا إلى هنا منذ الصباح الباكر ليكونا بجوار إبرار في هذا اليوم كما وعداها....
"قولي ما شاء الله... هتحسديها كده يا موني..."
ضحكت منى وقالت بمناغشة...
"ما شاء الله يا ست نهاد... عقبال ما أعملك ما
امكياجك بأيدي..."
تلاشت بسمة نهاد وازداد عبوسها من تلك السيرة فقالت ندى بقنوط...
"ادعيلها يا موني إن ربنا يهديها... الخطاب كتير بس هي اللي فقر..."
قالت منى بضيق...
"عارفة يا نهاد إنتي عايزة إيه بجد... واحد من بتوع ذئاب الجبل الناس اللي ليها هيبة دول... يبصلها البصة تجيب ورا علطول..."
ضحكت إبرار قائلة بلؤم...
"لو من ذئاب الجبل هيبقى قتال قتله... إنتي عايزة البت تروح مننا..."
لوت منى شفتيها ساخرة...
"ونبي هو اللي هيروح فيها... دي قادرة ومفترية دا لو قتال قتله هيتوب على إيديها..."
أكدت ندى بمزاح...
"نهاد للتأديب والإصلاح..."
تاففت نهاد متبرمة من ثقل مزاحهن...
"خفي تعومي... إنتي وصاحبتك لو ملهوفين على الجواز أوي كده اعملوها انتوا الأول..."
رفضت منى بمشاكسة...
"مش قبل ما نخلص الجامعة... وبعدين أهي إبرار أول من دخل المصيدة تبقى تدينا فكرة عن الجواز وحلاوته..."
نظرت إليها إبرار في شك..
"تفتكري حلو يا بت ياموني؟! ..."
وضعت منى كلتا يديها على كتف إبرار ثم مالت عليها قائلة بصوت خافت لئيم...
"بعيدًا عن إنك هتغسلي وتطبخي وتمسحي كل يوم..."
قالت ندى مكملة عنها..
"وتجيبي عيال وتسهري طول الليل..."
شاركت نهاد معهم مضيفة بخبث...
"والبامبرز سرب..."
قالت ندى...
"والحقي الواد تعبان..."
أومات منى متذكرة...
"الواد عنده تطعيم..."
أكملت نهاد...
"الواد سخن..."
ثم بخشونةٍ متعمَّدة قلَّدت ندى صوت الرجال...
"فين الأكل يا إبرار... أنا جاي من الشغل تعبان..."
نهضت إبرار مفزوعة بعد حديثهن فقالت بتجهم..
"أنا كده هغير رأيي..."
تعالت ضحكات الفتيات ثم قطعتها منى سريعًا مستدركةً الأمر بنبرةٍ حالمة....واضعةً يدها على قلبها في مسحةٍ شاعرية.....
"استني بس اسمعي للاخر بعيدًا عن كل ده كفاية انك خدتي واحد بيحبك وبتحبيه.....في ميزة احسن من كده....."
ابتسمت إبرار بخجل والهيام يطفو على ملامحها الجميلة لترد ندى بمناغشة....
"حتى الواد اللي بامبزة بيسرب ده هتحبيه عشان ياسين يبقى أبوه..."
دخلت شروق على هذه الجملة فعبست ملامحها وقالت بتساؤل فضولي...
"إيه... مين ده اللي بامبزة بيسرب؟!"
ضحكت الفتيات وفي هذه المرة شاركتهن إبرار الضحك بشعورٍ مختلف وكان قلبها يخفق على إيقاع تلك الصورة التي نسجها خيالها....
تتخيّل هذا الصغير نسخةً من ياسين وتتمنى لو كانت له خدودٌ ممتلئة لتغمرها بالقبل كلما وقعت عيناها عليه... طفلٌ يحب الحلوى مثلها وتشاركه إياها ببراءةٍ تُذيب القلب.....
قالت ندى بوشايةٍ....
"دا ابن ياسين وابرار اللي لسه مجاش...."
لمعت عينا شروق أكثر وهي تتخيل الشيخ جد... لتضحك غامزة لإبرار....
"يا اختي إن شاء الله كل حاجة في أونها أحلى...متقلقيش يا إبرار... أنا هبقى أغيرله البامبز هاتيه إنتي بس..."
تحركت إبرار عدة خطوات لتُظهر انزعاجها من هذا الحديث...
"جرالكم إيه يا جماعة... على فكرة ده كتب كتاب... والفرح لسه متحددش ويا عالم..."
هتفت شروق بحرارة...
"إن شاء الله يبقى قريب... متقطعيش..."
ضاقت عينا إبرار نحوها لتقول بنبرة غيورة...
"إنتي عايزة تخلصي مني ولا إيه يا شروق... أنا قاعدة على قلبك... مش هسيبك تستفردي بأبو الكباتن لوحدك..."
ارتفع حاجب شروق بدهشة من تلك الظالمة ثم لم تلبث إلا وابتسمت ابتسامة حزينة مبهمة مثل ردها...
"اطمني هو ليكي لوحدك... بس ابقي خدي بالك منه رعاية في غيابي..."
قطبت إبرار جبينها باستغراب معقبة...
"غيابك؟!... غيابك إزاي يعني..."
لم ترد عليها شروق ووجهت نظراتها وحديثها للفتيات بوئام
"عقبالكم يا بنات... المرة الجاية تكون عندكم بقى... عشان نعمل معاكم أحلى واجب..."
قالت نهاد بلطف....
"تعيشي يا شروق... عقبال ما تقومي بالسلامة..."
سألتها ندى
"هانت ولا...؟"
مسحت شروق بيدها على بطنها البارزة قليلًا لتقول بعد تنهيدة....
"أهوه... لسه شوية... ادعولي..."
قالت إبرار فجأة وهي تقف أمامها وتدور بثوبها البراق عدة مرات بسعادة....
"إيه رأيك في الفستان يا شروق..."
ابتسمت شروق بمحبة وهي تتأمل طلتها...
"زي القمر يا حبيبتي... يجنن عليكي... عقبال
فستان الفرح..."
جاء صوت الجدة من خلف الباب قبل أن تفتحه..
"إبرار..."
قالت إبرار وهي تقترب منها بلهفة ..
"إيه يا تيته... تعالي شوفيني أنا خلصت..."
حين رأتها الجدة ترقرقت الدموع في عيناها بسعادة وهي تقرأ المعوذتين سرًا قبل أن تقول...
"ما شاء الله يا حبيبتي... جميلة... ربنا يسعدكم..."
ضمتها الجدة إلى صدرها لتبارك لها فلمعت عينا إبرار بالدموع وغمرها شعورٌ مرير بالفقد فجأة متمنية على أثره لو كانت أمها هنا لكانت أسعد الناس في هذا اليوم....
فصلت الجدة العناق بينها وبين حفيدتها لتنظر إلى شروق بشيء من الندم...
"كل حاجة جاهزة يا شروق..."
أومات شروق قائلة بحنو...
"أه يا خالتي... كله تمام... اطمني... ارتاحي إنتي بس... وبلاش تتعبي نفسك..."
زاد الشعور ثِقلاً على صدرها فقالت بخجل
"إنتي اللي لازم ترتاحي عشان حملك..."
قالت شروق بمحبة وهي ترسل لإبرار قبلة في الهواء...
"أنا لو تعبانه هقولك... أنا كويسة... وبعدين أنا هعمل لأغلى من إبرار يعني... ربنا يتمملها على خير... أحلى عروسة والله..."
إبتسمت لها ابرار ثم أرسلت لها قبلةً في الهواء مثلها....
بينما مدت الجدة يدها لتربت على كتف شروق بمحبة قد نستها حينما جرحتها بنفس السكين التي جرحت نفسها به.....
لم تتوقع أن تظلمها يومًا أو تلقي عليها اللوم لكنها فعلتها في لحظة غضب وخوف على ابنها الوحيد المتبقي لها بعد أن فرق الموت بينها وبين باقي عائلتها...
قالت الجدة بغصةٍ من الأسف...
"أصيلة يا بنتي... أصيلة... وبنت أصول.. زي أمك تمام..."
ثم سمعا طرقًا على الباب فتذكّرت الجدة سبب دخولها إليهما وقالت على عجل....
"صحيح نسيت ابوكي واقف برا وعايز يدخلك..."
بدا الارتباك جليًا على وجه إبرار فمنذ آخر مرة رأته فيها عند باب شقة ياسين لم يتحدثا قط عمّا جرى...
على استحياء استأذنت الفتيات للخروج من الغرفة وقالت نهاد بلسانهنّ جميعًا...
"هنستناكي برا يا عروسة...."
أومأت لهنّ دون تبسم وقد استبدّ بها القلق من لقائها بوالدها وخشيت أن يجرحها بكلمة قاسية أو تقسو عليها نظراته....
خرجت الجدة خلفهن وتبعتها شروق لكن إبرار تعلّقت بذراعها بقلق وقالت...
"شروق خليكي انتي معايا... "
استغربت شروق طلبها فمدت يدها الأخرى تربت بها على كفها الممسك بذراعها وقالت برفق...
"مش هينفع ياحبيبتي باباكي عايز يباركلك... وأكيد عايز يتكلم معاكي شوية...."
قالت إبرار بنبرة تثير الريبة...
"يتكلم عادي وانتي واقفه...."
تعجبت شروق من ردّ فعلها وسألتها بشكّ...
"ازاي بس....انتي خايفه من إيه... في حاجة حصلت انا معرفهاش....."
أسرعت إبرار بالنفي وعيناها تهربان إلى مكان آخر
"هيكون حصل ايه.....عادي يعني...."
تنهدت شروق بارتياح وقالت بمحبة...
"خلاص الشيخ مش هياكلك يعني... دا ابوكي ومفيش أطيب من قلبه ربنا يخليكم لبعض..."
تحركت شروق لمغادرة الغرفة وفي تلك اللحظة شرع هو بالدخول فتقابلا عند عتبة الباب وتشابكت نظراتهما في لغة صامتة لا يفهمها سواهما....
مرر عينيه الخضراوين على قوامها المتواري خلف عباءة ملكية أنيقة من الطراز المغربي الشهير بلونها الأخضر وتطريزها الذهبي البراق تليق بها وبأساورها الذهبية الرنانة.....
بعد لحظة صمت نسيا فيها أنفسهم قال صالح...
"ارتاحي وبلاش تجهدي نفسك...عشان اللي في بطنك..."
لم ترد وظلت تحدق فيه ببعض الضيق فقال
هو بحزم
"سمعاني يام ملك...."
ومن بين أسنانها المطبقة بغيظ أجابت...
"سمعاك يابو ابرار....اومرك.....اومرك ياشيخ...."
ثم تحركت مغادرة من أمامه وأغلقت باب الغرفة خلفها وقلبها يحترق من هذا الحب المكنون داخلها والملتاع بالفراق وقساوة
قلبه عليها.....
رفع صالح عينيه نحو ابنته العروس فارتجف قلبه على حين غرة تزامنا مع ترقرق الدموع في عينيه بدهشةٍ صادقة من سرعة الأيام
متى كبرت إبرار؟
ومتى خلعت ثوب الطفولة لتصبح آنسةً جميلة ترتدي ثوبًا أبيض تتأنق فيه وبعد دقائق ستمضي على قسيمة زواجها فتصبح زوجةً لرجلٍ يكون مسؤولًا عنها وتكون مسؤولةً منه؟
كبرت تلك الصغيرة المحبة للحلوى كبرت لتأكل وتبيت في مكانٍ آخر بعيدًا عنه خرجت من تحت ولايته لتكون تحت ذمّة رجلٍ آخر....
مخادعة تلك الأيام حين تمر مسرعة فتاخذ أبناءك منك وتتركك واقفًا تراقب خطاهم وهم يكملون طريقهم بعيدًا عنك.....
لكن عزاءه الوحيد أن قلب تلك الصغيرة قد اختار مكانًا قريبًا منه فلن تبتعد عنه سوى بضع درجات لا أكثر....
ابتسم صالح وهزّ رأسه متعجبًا من تلاقي النصيب مع القدر فقد ظل طوال حياته
يفصل بينهما في سنوات مراهقتهما ثم تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن فيجتمعان في نهاية المطاف زوجين غير آبهين بأوامره في تحدٍّ صريح وجرأةٍ منهما....
لذلك لم يلبث كثيرًا للوضع واستسلم أمام مشاعرهما الفتية فمنحهما الفرصة ليرتبطا ارتباطًا رسميًا وشرعيًا تمهيدًا لما هو آتٍ....
جلس صالح على حافة الفراش وأشار إليها أن تقترب منه مُربّتًا على الفراغ بجانبه.
اقتربت إبرار من والدها باستحياء وقلبها يقرع كطبول الحرب....
حين جلست ظلت مطرقة برأسها أرضًا متحاشية النظر إليه صامتة ومنتظرة أن
يبادر هو بالحديث وبالفعل تكلم...
"شكلك حلو بالفستان...إمتى كبرتي كده؟"
نمت غصة من البكاء في حلقها فظلت على وضعها صامتة هاربة من نظراته...
أضاف صالح بصوت عميق وبعيد مثل نظراته التي شردت مع ذكرياته...
"لسه فاكر لما شيلتك أول مرة على إيدي وكبرت جنب ودنك...وقتها كنتي بتعيطي
ولما شيلتك سكتي وقعدتي فترة كده.. حتى جميلة كانت هتجنن منك... اشمعنى تسكتي معايا أنا وتنامي في حضني... "
انسابت الدموع من عيني إبرار وابتسامة باهتة تشق طريقها إلى ثغرها....
قال صالح ببعض الضيق والغيرة...
"زاد تعلقك بيا يومًا بعد يوم لحد ما كبرتي شوية ورجلك شالتك... ساعتها بقى ياسين بيطلع يقعد معانا ويلعب معاكي... وشوية شوية اتعلقتي بيه وبقيتي مش بتفارقيه... وراه في كل حتة وهو كمان..."
نطقت ابتسامتها الحزينة حياءً لتسمع والدها يقول بقنوط....
"حاولت كتير أبعدكم عن بعض... خصوصًا لما كبرتوا شوية... وأنتم استحالة... كنتوا عاملين زي التوأم الملتصق..."
نظرت إليه إبرار بعينين لامعتين بالدموع مجددًا فتبادل صالح معها النظرات وقال بصوت يشوبه الحزن...
"ماكنتش فاهم وقتها إنكم مش توأم ولا أخوات... وإن اللي كنت عامل حسابه حصل... وخدك ياسين مني وإنتي صغيرة... ولما كبرتي..."
هبطت عبراتها متأثرة لتقول باندفاع...
"متقولش كده يا بابا... أنت هتفضل حبيبي الأول والأخير... محدش هيقدر يخدني منك..."
رمقها صالح بشك...
"الأول يمكن... لكن الأخير معتقدش..."
"بـابـا..."
تجهشت بالبكاء وهي تلقي نفسها بين ذراعيه فتلقفها بين ذراعيه مربّتًا على ظهرها بحنو
وهو يقول بعتاب...
"أنا أيوا كنت زعلان منك وحلفت مش هتكلم معاكي في حاجة... بس إنتي عارفة إنك غلطتي..."
قالت من بين دموعها بحرج...
"عارفة... أنا آسفة..."
تجاهل صالح اعتذارها وأضاف بجدية...
"وكمان عارفة إني عملت كده عشان أعفيكم إنتوا الاتنين من أي تجاوز... بس دا مش معنى إنكم متجوزين... إنتوا لسه في حكم المخطوبين... وكلام ده تأكدي عليه... وتعرفي البشمهندس بيه..."
خرجت من بين ذراعيه لتقول بخشونة...
"أطمن يا بابا... أنا عارفة حدودي كويس..."
ارتفع حاجب صالح بنظرة مستنكرة فأسلَبت إبرار جفنيها بوجه ممتقع بالحرج...
فابتسم صالح ومد يده يمسح دموعها برفق قائلاً
"مينفعش تعيطي في يوم زي ده... إنتي عروسة ولازم تفرحي... وتفرحي أهلك وصحابك معاكي..."
قالت إبرار..... "وياسين..."
زجرها بضيق...
"طب ما يفرح... أنا مسكه..."
ضحكت إبرار وقالت لتوضيح...
"مش قصدي... قصدي مش زعلان منه..."
رد صالح بتهكم...
"يعني لو زعلان هحدد كتب كتابكم ليه؟!"
بشقاوة قبلت إبرار والدها لتقول...
"إنت أحسن أب في الدنيا... بحبك أوي يا شيخ..."
عقب صالح....."شيخ..."
قالت بمناغشة...
"مش شروق بتقولك كده..."
قال صالح بلهجة جادة بينما تعثرت خفقات قلبه على سيرتها...
"هي حلوة... بس من شروق... أم إنتي فأنا أبو الكباتن زي ما عودتيني..."
لوت إبرار شفتيها وهي ترمقه بضيق فضحك صالح بانتشاء وكأنه ينتقم منها بهذا الرد.
فقالت إبرار على مضض...
"ماشي يا أبو الكباتن... بس خد في بالك مراتك فيها حاجة... مش حاسة إنها طبيعية اليومين دول... ابقى شوف مالها..."
أومأ براسه متغاضيًا عن الأمر...
"هشوف.... خلينا فيكي إنتي بس... انتي العروسة.... "
ثم قبل رأسها مهنئًا إياها بمحبة...
"مبروك يا حبيبتي..."
...............................................................
كانت جالسةً بين الحضور من أهلها وأصدقائها هذا يحدثها بمزاحٍ لطيف وذاك يمدح في ثوبها وطلتها البهية.....وآخر يبارك لها متمنيًا لها السعادة...
ناولتها إحدى صديقاتها منديلًا حين رأت الدموع تتكوّن في عينيها وقدمت لها شروق كوبًا من العصير لتسترخي قليلًا....
وكانت نهاد تقف خلف مقعدها تضع يديها على كتفيها في دعمٍ حنون...بينما كانت ندى توثّق تلك اللحظة الخاصة بهاتفها لتحتفظ بها وتُرسلها لها لاحقًا.....
امتزج توترها بسعادتها وخجلها فرفعت عينيها إليه لتراه يردد خلف المأذون ويده في يد والدها....
والدها الذي تأنق بحُلّةٍ زادته هيبةً ووقارًا يجلس بين الجميع هادئًا بشوشًا غير أنّ عينيه كانتا تعكسان تأثره العميق بتلك اللحظة.... وكلما التقت عيناها بعيني والدها داهمتها رغبة شديدة في البكاء ثم تترقرق في عينيها وتنهمر الدموع على خديها.
ربتت نهاد على كتفها ومسحت شروق دموعها هامسةً بكلماتٍ شقيةٍ فكاهية حتى ارتسمت ابتسامة خجولة على شفتيها متجاهلة هذا الشعور الثقيل...
إنها رهبة الإحساس بأنك لم تعد صغيرًا تغادر ظلّ والدك وبيت أسرتك لتواجه الحياة بعباءة الكبار تتحمل المسؤولية وتبني أسرةً تكون أنت عمادها وأساس استمرارها دون غيرك....
ستقيم في مكانٍ آخر وتصبح في بيت عائلتك ضيفٍ يأتي ويرحل....
أسبلت جفنيها وخفقات قلبها تتسارع بتوله حتى خُتمت مراسم الزواج بالقول الشهير...
"بارك الله لكما وبارك عليكما.....وجمع بينكما في خير...."
فتعالت الزغاريد من كل مكان وانهمرت التهاني وتلقفتها الأحضان والقبل من الجميع بمحبةٍ صادقة...
لم تفارقها عيناه العاشقتان قط كان غارقًا وسط الزحام وعبارات التهنئة من الأصدقاء والعائلة هذا يحدّثه وذاك يمازحه بخشونة الرجال بينما هو لا يصرف نظره عنها لحظة غير مصدق أنه فاز بها أخيرًا.....
هي حبّ العمر ولم يعرف الفؤاد سواها يومًا ولم يلتفت لغيرها أبدًا....
عندما إنتهى الجميع من التهنئه وجاء دورهما ليتبادلا التهاني أبعد المقعد من أمامهما حتى لا
يعيق وصوله إليها ثم قدم لها باقة الورد الحمراء. وعلى شريطها الحريري كتب هذه المرة كلمتان مختصرتان لكنهُما كانتا في نفس الوقت شقيّتين متملكتين تمامًا كحبه لها....
(بحبك يا مراتي...)
ضحكت ابرار وهي تقرأها واندفعت حمرة الخجل إلى خديها وسط الحضور الذين تبادلوا الهمسات والابتسامات .....
كان أجمل وأغلى لقب نالته يومًا بعد الطبيبة زوجة...زوجة ياسين الشافعي... يا لهنائها....
في اللحظة التالية وقد توقعتها منه وجدت نفسها ترتفع في الهواء بين ذراعيه القويتين ليدور بها مرات عدة وسط صيحات من الفرح وتصفيقٍ حار من الجميع....
لمعت عينا شروق بالدموع وهي تصفق مع الجميع بمحبة وفرح وقد لمحَت من بعيد صالح يقف يراقب المشهد بصمت وهدوء غير أن عينيه الخضراوين كانتا تلمعان بالدموع...
دموع الأبوة وتأثرها ودهشتها من عمرٍ مرّ سريعًا وان الطفلة الشقية ذات السنة المكسورة من فرط أكل الحلوى الان
عروسٌ بين يدي زوجها....
مسح صالح طرف عينيه قبل ان يلمحه أحد ثم تحرك مبتعدًا نحو الشرفة فلم تنتظر شروق ثانية واحدة ولحقت به وقلبها يسبقها إليه قبل عينيها....
تعلقت بعنقه بخجل تخفي وجهها في كتفه بينما همس ياسين في أذنها بنبرة دافئة متلهفة تنضح سعادةً....
"بحبك يا أبراري... بعشقك...بعشقك يا مراتي..."
عضت على شفتيها بقوة حتى كادت ان تُدميهما وكانت الكلمة حلوةً تُسكر حواسهما معًا لتنطق
هي اسمه بعدها بخجلٍ بالغ...
"ياسيييين..."
"قلب ياسين وروحه وحياته كلها احلوت لما بقيتي فيها... بـحـبـكـ.. ..."
فصل العناق بينهما قليلًا لتنظر هي إلى عينيه بخفر فتراهما تبرقان كالألعاب النارية من فرط سعادته.
ضحكت أبرار بخجل وهمست برقةٍ مشبعة باندفاع الحب...
"أنا كمان بحبك أوي..."
ابتسم لعينيها الجميلتين ثم مرت عينيه على ثوبها البراق كأنه مقتبس من ضوء القمر يليق بها تمامًا فكل ما عليها كان يحمل طابع الحُسن.....
مال عليها وقبل رأسها مباركًا لها كما ينبغي أن يكون...
"مبروك يا حبيبتي..."
فردت بخفوتٍ وحياء....
"الله يبارك فيك..."
وقفت شروق خلفه على بُعد خطوات تنظر إلى ظهره العريض وهو يقف في الشرفة مستندًا بكفّ يده على السور وبالأخرى يمسك هاتفه ويُقلّب فيه...
اقتربت منه ووقفت بجواره وعيناها تلتقطان شاشة هاتفه المنيرة بصور إبرار في فترات عمرية متباعدة من حياتها...
نظرت إلى عينيه ثم إلى الشاشة مجددًا محاولةً قطع الصمت بينهما فقالت
"ما شاء الله... شكلها هنا مختلف عن ما كبرت... شبهك أوي هنا."
أشارت إلى تلك الصورة فابتسم صالح بحنين قائلًا
"كانت لسه هنا تلات سنين... في الأول كانت شبهي بس بعدين بقت شبه جميلة أكتر."
ابتلعت شروق غيرتها وخفضت عينيها حتى لا تفضحها أمامه لتقول بوئام...
"في الحالتين زي القمر... ربنا يحفظها ويخليكم لبعض... "
وحين ظل صامتًا بنفس الملامح الحزينة قالت بمناوشة لطيفة...
"اللي يشوفك يقول إن ياسين هياخدها ويطير... دي هتبقى ساكنة فوق منك... فرق بينكم كام درجة سلم..... "
رد صالح بجدية وهو يضع الهاتف في جيبه...
"ولو هتعيش في الأوضة اللي جنبي هحس بنفس الإحساس... إنتي متعرفيش إبرار بالنسبالي إيه."
ابتسمت شروق وهي تقول...
"عارفة... عارفة والله ومن أول يوم كمان... سبحان الله البنات بالذات ليهم مكانة خاصة عند الأب."
أومأ صالح مؤكدًا معقبًا بتأثر...
"ده حقيقي... الرسول صلى الله عليه وسلم من حبه الشديد لابنته فاطمة قال فاطمة بضعةٌ مني يؤلمني ما يؤلمها ويسرّني ما يسرّها."
انعقد حاجبا شروق قليلًا وهي تسأله...
"عليه أفضل الصلاة والسلام... بس يعني إيه بضعة؟"
أوضح صالح...
"يعني حتة منه... وده تعبير مجازي عن محبته وارتباطه الشديد بيها..."
ذابت نظرتها عليه كما ارتجف فؤادها وقالت بلوعة
"يا بخت إبرار بالحب ده كله..."
رفع صالح عينيه عليها لأول مرة منذ وقوفها خلفه فاضطربت ملامحها وانتفض قلبها يناديه بعذاب. همست بوله...
"صالح... أنا كنت عايزة أقولك حاجة..."
جاء رده قاسيًا متوقعًا...
"مبقاش في حاجة ينفع تتقال بينا... يلا بينا عشان محدش يحس بغيابنا."
تحرك مبتعدًا فنادته
"صالح... متعملش كده..."
التفت إليها ليقرأ الندم في عينيها وتراجعها الآتي لا محالة... فأراد أن يسترد بعضًا من كرامته ويُلقنها درسًا....
أن ما نفرط فيه اليوم بكامل إرادتنا قد لا يعود غدًا مهما حاربنا لأجل استرداده !.....
قال بخشونة واضحة...
"إنتي اللي عملتي مش أنا... وده اختيارك اللي بنفذه...."
تحرك صالح مبتعدًا عنها تاركًا إياها تتجرّع كأسًا مريرًا سكبته بيديها على أمل النجاة فإذا به هلاكٌ يُنغّص حياتها...
................................................................
أطلق تنهيدةً طويلةً وهو يُغلق باب الشقة خلفه..لم يبحث عنها كما اعتاد عند عودته بل اتجه بخطىً ثقيلة إلى الغرفة ثم جلس على الفراش يفكّ أزرار قميصه واحدًا تلو الآخر فيما كان عقله يدور في دهاليز قاتمة.....
توقفت نغم عند الباب المفتوح ترمقه بنظرةٍ معاتِبة تراقب جلسته الكئيبة وقد ارتسمت على ملامحها الدهشة... فقد كان عند قدومه من العمل يأتيها مفعمًا بالشغف والحب مُلقيًا بأعباء العمل خلفه...
أما الآن ومنذ أن سُرقت تصاميم المسابقة أصبح في عالمٍ آخر أكثر صمتًا وشرودًا قليل الكلام حتى ابتسامته باتت نادرة لا تظهر إلا بمعجزة.. لم تكن تدرك أنّ تلك المسابقة تعنيه بهذا القدر ....
تحركت نغم تقطع المسافات بينهما لتجلس بالقرب منه حينها انتبه أيوب إليها فقال بنبرة أجش...
"عاملة إيه؟..."
لم تكن باردة بقدر ما كانت كئيبة حزينة لتقول هي بنبرة معاتِبة رقيقة...
"مش كويسة خالص... طالما حبيبي بالشكل ده..."
سألها واجمًا...
"ماله شكلي؟"
قالت وهي تعد على أصابعها بجزع..
"كئيب..... حزين... بائس."
ابتسم أيوب دون مرحٍ حقيقي قائلًا...
"كل ده؟....ده إنتي شايلة في قلبك ومعبية."
ضاقت نظراتها وهي تقول بتبرم...
"مش بالظبط... بس زعلانة إنك أول ما دخلت دخلت الأوضة ومدورتش عليا... هو أنا مش بوحشك؟!"
مد يده يلامس خصلات شعرها الناعمة بحب قائلًا بنبرة صادقة اختلطت بعاطفته نحوها...
"وحشاني حتى وانتي جنبي."
مطت شفتيها في استنكار...
"كـلام..."
قارعها أيوب قائلًا بخشونة....
"إنتِي عارفة إنه مش كلام... بس أنا اللي مش
رايق النهارده."
تنهدت في ضيقٍ حقيقي معقبة...
"ولا امبارح ولا أول امبارح... إنت مش في المود من ساعة حريق المخزن..."
لم يُنكر أيوب وهو يقول بغضبٍ مكتوم وعقلٍ مشتّت...
"هتجنن يا نغم نفسي أعرف مين بيعمل معايا كده."
قالت نغم بغيرة...
"اللي مشغلها معاك... ومديها الثقة والأمان
ده كله...."
أجاب أيوب بصبر....
"مش حكاية ثقة وأمان... أنا مش عايز أظلم حد عشان كده لازم أتأكد."
في تهكم سألته...
"وهتتأكد إزاي بقى؟"
ظهرت الحيرة جلية على وجهه وهو يقول..
"مخي واقف بقالي كام يوم بفكر ومش لاقي
دخلة ليها..."
بنظرة خبيثة لمعت في عيني نغم قالت...
"واللي عنده الفكرة اللي هتجيب رجل ليان..."
أعطاها كل تركيزه وهو يسألها ببطء...
"فكرة إيه؟"
ابتسمت نغم برقة وهي تقول بنبرة حلوة...
"مش هقول دلوقتي بعد الغدا... أنا من الصبح واقفة في المطبخ عشان أعملك أكلة مصرية... وأخيرًا عملتها..."
رفع أيوب حاجبيه ونظر إليها مليًّا سائلًا
باستغراب...
"أكلة مصرية؟!.... من إيدك إنتي؟!"
أومأت برأسها في ابتسامة واسعة فخورة وهي تجيب....
"آه والله كنت مطبقة على فيديوهات نادية
السيد... وعجبتني وصفة من وصفاتها."
سألها عابسًا...
"مين نادية دي؟"
أجابت بحماس...
"شيف مصرية... المهم حزر فزر.... عملتلك إيه."
نظر إليها بقلقٍ حقيقي وهو يتمتم سرًا...
"استرها يا رب..."
ثم ابتسم سائلًا باهتمامٍ مبالغ فيه...
"إيـه؟"
قلبت الطاجن أمام عينيه في الطبق الزجاجي الفاخر ثم وضعت حصة في طبقه الصغير..
في الحقيقة لم يكن يأكل في بيته إلا من تلك
الأطباق المعدنية اللامعة فأمه لا تفضل الطعام في الزجاج وكان جميع أفراد العائلة يمدون ملاعقهم مباشرة إلى الطبق الكبير مستمتعين بالمشاركة ولذة الطعام
أما مع ابنة الذوات فلكل شخص طبقه الخاص... شوكة وسكين لا تفارقان يديها معتقدة أن تناول الأرز بالشوكة وحدها كفيل بأن يُشبع المعدة...
بينما هو على العكس كان يُمجد الملعقة فهي
في نظره تسهل عملية الشبع....
تنهد أيوب مدعيًا الأسى وهو ينظر إليها بطرف عينيه مشاكسًا إياها....
"معاكي نمرة الإسعاف الأول عشان لو حصل أي حاجة كده ولا كده..."
جلست نغم بجواره على مقعد السفرة وهي تقول بشغف....
"متبقاش رخم يا أيوب...دوق وقولي رأيك
أنا لفاها بإيديا..."
كانت ترفع كف يدها الرقيق بتلقائية وهي تتحدث فمسك يدها برقة ثم قبلها قائلاً بمداعبة...
"بقا الصوابع الولي دي لفت عشاني ورق عنب..."
ابتسمت بخجل ثم أشارت إلى شرائح اللحم الناضجة وقالت...
"باللحمة... طاجن ورق عنب باللحمة..."
عاد يقبل كفها بعينين تفيضان بالعاطفة...
"يا وعـدي...دي بركة دعوات صفصف...
قالتلي روح يا بني ربنا يكرمك بواحدة
حلوة ولهلوبه...'"
سالته ضاحكة
"يعني أنا لهلوبه..."
قال بلؤم مستمتع
"لا أنتي الحلوة.. لسه فاضل بقا اتجوز الهلوبة..."
غابت الضحكة عن ثغرها وظهرت لمحة من الضيق في عينيها لتتسرب بعد لحظات إلى محياها بأسره.
"واللـهِ؟!..."
ظهرت التسلية في عينا أيوب العابثة بفطرته...
"أنا قلبي عليكي على فكرة.. هجيبها تساعدك
بدل ما تقفي في المطبخ..."
تبرمت ساخرة...
"يسلام؟!.... طيب مانجيب شغالة..."
كبح ضحكته قائلاً...
"وليه تغرميني مرتب كل آخر شهر..."
صاحت والغيرة تتأجج في صدرها كجذوة نار بعد حديثه الفارغ ومزاحه الثقيل...
"إييييوب..."
انفجر أيوب من الضحك بعد رؤية وجهها المحتقن بالغضب والغيرة...
"خلاص بهزر... بلاش تقفشي... هاتي معلقة..."
مدت إليه الشوكة قائلة بنظرة متسلطة...
"ورق العنب بيتاكل بالشوكة..."
أخذ الشوكة منها على مضض قائلاً بقنوط..
"يعني هي المعلقة اشتكت... عليكي تقلعي..."
أخذ أيوب لفة ورق العنب في قضمة واحدة وبدأ يمضغها بتركيز وكل حواسه تتفاعل مع الطعم...
ظلت نغم تراقبه بعينيها الرماديتين المتلألئتين بالشغف وحين لم يظهر على
وجهه أي تعبير سألته نغم بلهفة...
"إيه رأيك؟!.... عجبك؟!..."
ابتسم أيوب ابتسامة واسعة مبالغة وقال بمجاملة
"تسلم إيدك يا حبيبتي... تـحـفـة..."
نظرت إليه بريبة قائلة بشك...
"حساك بتبالغ... عجبك بجد؟!..."
أكد أيوب وهو يمد يده لها بلفة من ورق العنب لتتذوق صنع يديها...
"رهيب بجد... حتى دوقي..."
نظرت إلى لفة ورق العنب بتردد ثم نظرت إلى عينيه فعقب أيوب بمزاح...
"دوقي... دوقي عشان تتأكدي بنفسك..."
فتحت فمها وتناولت اللقة منه ثم انكمشت تعبير وجهها واتسعت عيناها بصدمة وهي تقول بخيبة أمل...
"طعمه... طعمه في حاجة شايطة... ومالح شوية..."
غلبه روح الدعابة فعلق بمزاح ساخر...
"شوية... اتقي الله دا ولا كأنك عملاه بمية البحر..."
زمت فمها في إحباط...
"أنا بقالي خمس ساعات بعمله... وفي الآخر يطلع كده..."
خفف عنها أيوب بالقول الحاني...
"زي الفل مفهوش حاجة... أنا هاكله..."
رفضت نغم...
"لا هيتعب معدتك دا مالح..."
وضع لفة من ورق العنب في فمه قائلاً...
"أنا متعود آكل الحاجة طعمها مالح شوية..."
قالت بتوجس...
"طب وريحة الشياط اللي فيه..."
أجابها مبتسمًا...
"بسيطة مقدور عليها... خدي دي من إيدي..."
أخذتها منه ثم مضغتها على مضض لتقول برفض جاد بعدها وهي تبعد الطبق عنه...
"كفاية جبر خواطر لحد كده... متاكلش..."
وافقها أيوب الرأي قائلاً بمرح طريف...
"آخر مرة تطبقي على فيديوهات نادية السيد... عايزة تتعلمي الأكل على أصوله اتعلمي من صفصف... ملكة المحاشي بلا منازع..."
لم تتجادل نغم معه حول الأمر وقالت باستياء
"بما إن ورق العنب باظ وكده كدا هنطلب دليفري خليني أقولك على الفكرة اللي ممكن تحل مشكلتك وترجع تصاميمك..."
نظر أيوب إلى عينيها الجميلتين شتاء ياتي في كل الفصول وقال...
"قولي يا بنت الذوات سمعيني أفكارك الجهنمية..."
...............................................................
خرج محمود من بوابة الورشة بعد أن انتهى العمل كعادته كلَّ يوم... وقف عند الرصيف ينتظر سيارةً تُقِلّه إلى منزله وحقيبةُ ظهره معلّقةٌ على كتفه يحملها أينما ذهب مستغلًّا
أيَّ وقتٍ ولو كان يسيرًا ليفتح كتبه ويذاكر....
انتفض محمود فزعًا حين وضع أحدهم يده على كتفه من الخلف فالتفت مسرعًا وحين راى وجه سلامة تنفس الصعداء وارتسم الارتياح على وجهه...حينها ابتسم له سلامة ابتسامة شقية
"عم سلامة..."
قالها محمود وهو يلقي بنفسه بين ذراعيه باشتياق محمود الصبي ذو الخامسة عشر عامًا الذي توسط له سلامة عند أيوب ليعمل هنا كي يساعد أسرته ويكفي احتياجات دراسته... ومنذ ذلك اليوم وهو يكنّ له كلَّ التقدير والامتنان....
ابتسم سلامة ابتسامةً عميقة وربت على كتف محمود مشجعًا إياه....
يالهي الزمن يعيد نفسه من جديد ولكن بوجوهٍ مختلفة فكما أحسن إليه الحاج (عبدالعظيم) يومًا وعامله كإنسانٍ يستحق فرصةً اخرى للحياة ولم يتركه لظلمة نفسه فعل سلامة المثل مع محمود.
سرح سلامة بخاطره عائدًا إلى ذلك اليوم قبل أشهر حين رأى محمود. كان يعرفه من قبل بحكم عمله السابق في السوق فهو ابن أحد بائعي الخضار. وكانت والدته امرأةً كادحة تعمل منذ الصباح الباكر حتى قُبيل الغروب لتوفر لأبنائها متطلبات المعيشة والدراسة
قدر المستطاع...
وفي إحدى الليالي بعدما أنهى سلامة سهرته في مقهى السوق وهمّ بالمغادرة عائدًا إلى
بيته رأى محمود جالسًا في أحد الأزقة بصحبة بعض المراهقين من سنه يشربون
شيئًا ذا رائحةٍ نفّاذة كريهة شيئًا كان سلامة
قد جرّبه كثيرًا في الماضي لكنه أقلع عنه حين أحبّ الدكتورة وأراد التغيير بصدق... لكن الظروف والقدر كان لهم رأي اخر في حكايتهم المعقدة فاستسلم للفراق باكرًا...
عند ظهور سلامة أمامهم انتفض الجميع فزعًا وكان أكثرهم هلعًا محمود الذي يعرفه جيدًا ويعرف أن الخطر الأكبر هو معرفة والدته بالأمر فهو حتمًا سيخبرها بما رآه هنا....
(انتوا بتعملوا اي هنا.....)
صاح بها سلامة بصوتٍ جهوريٍّ أرعبهم ففروا جميعًا بجبنٍ دون أن يلتفتوا خلفهم تاركين محمود يواجه مصيره وحده....
ابتلع محمود ريقه في خوف وعيناه معلقتان بسلامة وهو يتقدم نحوه بخطواتٍ غاضبة...
وقف سلامة أمامه وكان محمود يقاربه طولًا تقريبًا فكانت مواجهة العينين قاسيةً ساحقة نظرةٌ اختلط بها الاستهجان وخيبة الأمل... خيبةُ أملٍ في الدكتور
فأمّه لا تناديه إلا بهذا اللقب الدكتور يا لحسرة قلبها إن رأت دكتورها الذي تكابد العناء وتعمل ليلًا ونهارًا لأجله لينفق المال هنا على تلك الاشياء السامة...
(اي اللي بتشربوا ده يادكتور.....بضيع فلوس أمك على الحشيش.....)
رد محمود بكذبٍ متهربًا...
(مفيش حاجة من دي... دي سجاير عادية.)
فارت الدماء في عروق سلامة فمدَّ يده يمسك ياقة قميص الفتى هادرًا بعصبية...
(إنت هتستغفلني يالا... إيه القرف اللي إنت بتعمله ده إنت حمار أمك طفحه الدم عشانك إنت وإخواتك وفي الآخر تضيع نفسك في القرف ده؟!)
أبعد محمود يده عنه بعنفٍ يضاهيه وهو يقول بتمرد...
(وإنت مالك أعمل اللي أعمله؟ كنت من بقية عيلتنا؟!)
(اظبط لسانك يالا واتكلم عدل..)
ضربه سلامة على رأسه من الخلف بإهانةً وتقليلًا لم يقبل بهما الصبي فاحتقن وجهه بحمرة الغضب وهو ينهره بإهانةٍ مبطنة...
(مبقاش غيرك إنت كمان اللي هتنصحني شوف نفسك وتعالى كلمني...)
ارتفع حاجب سلامة بصدمة متعجبًا من هذا الوقح الذي يوصمه بالعار ساخرًا من نشأته كالجميع.
كور سلامة قبضته إلى جواره وتمالك أعصابه وهو يقول بغضبٍ مكتوم...
(أنا شايف نفسي وفوقت لنفسي بدري... الدور والباقي عليك إنت.... على الأقل أنا ما كانش عندي اللي يخاف عليا من نفسي ولا كان ليا أم بتتعب وتشقى عشان تطلعني حاجة... جيت الدنيا لقيت نفسي في الشارع لوحدي فبقيت كده...
إنت بقى بتعمل ده كله ليه سايب دراستك وأمك وإخواتك وقاعد هنا مع الصيع؟ بتضيّع شقى أمك على القرف ده؟... ده بدل ما تشتغل وتساعدها!)
انتفخت أوداج الصبي بالغضب فقال بخشونة..
(كده كده هشتغل وهسيب المدرسة خالص)
رفع سلامة إصبع التحذير...
(أوعى..هتندم. دي فرصتك الوحيدة عشان تتعلم.)
سخر الصبي وهو يلوح بيده مستهينًا...
(يعني اللي اتعلموا خدوا إيه.. كلها محصله بعدها)
تسللت مرارة موجعة إلى عيني سلامة بعد هذه الاستهانة ليقول بصوتٍ بعيد اختلط به القهر على فترةٍ مضت ولن تعود...
(اسمع من واحد ما دخلش مدارس وبيعافر دلوقتي على كبر عشان يقرا بس ويكتب... التعليم أهم حاجة في الدنيا... ويا بخت أي واحد جت له الفرصة إنه يكمل حتى لو في الآخر هتعلق الشهادة على الحيطة...)
نظر إليه محمود بحيرة...
(أنا مش فاهم حاجة...)
(مش هتفهم... عشان إنت مش في مكاني.)
ثم وضع يده على كتفه يهزه بخشونة قائلًا بجدية ينصحه كأنه ينصح نسخته المصغرة...
(اسمع يا محمود... السكة اللي إنت ماشي فيها دي نهايتها معروفة... سواد...سواد عليك وعلى أهلك قدام الناس.
(واللي واهمك إن الرجولة بشرب السجاير والحشيش يبقى صاحب عرة عايزك زيه
خايب وفاشل وحشاش....
الرجولة مش في شنبك ولا في صوتك ولا حتى لما تشرب مع الصيع دول... الرجولة بجد إنك تراعي أمك وتحقق لها حلمها يادكتور.. أنا مستغربك يا جدع... يبقى عندك أم زي دي وتعمل فيها كده؟!..)
أطرق محمود برأسه غير قادرٍ على الرد فقال سلامة بنبرةٍ يائسة كمن يطلب ما لا يُنال...
(ياريت أعرف لي أم ولا أب... كنت هافضل تحت رجليهم العمر كله. يا غبي إنت مش عارف قيمة النعمة اللي في إيدك...)
ظل محمود صامتًا ينظر إلى الأرض مستشعرًا بشيءٍ ثقيل يطبق على أنفاسه... وشعور الأسف والندم يتسلل إليه.... لم يتوقع أن يصل إلى تلك الحالة... وعلى يد من؟ سلامة؟!
أثناء سيرهما في الشارع وعند اقترابهما من مسكن محمود في العقار القديم توقف محمود في مكانه ليسأل سلامة فجأة بقلق...
(إنت هتقول لها... صح؟)
رمقه سلامة بنظرةٍ جافة وقال بصرامة...
(مش هقول لها... بس بشرط تبطل القرف ده وتبعد عن العيال الصيع دول وتفوق لنفسك ولمذكرتك.)
انصاع محمود لأمره...
(حاضر...)
تحدث سلامة بأمرٍ قاطع..
(مش حاضر بالكلام يا حلو... أنا هتبقى عيني عليك. خد بالك بقى هتلاقيني قدامك في أي وقت.)
وقبل أن يردَّ محمود جاءت شقيقته الصغرى مهرولةً من العقار القديم بعدما رأته من الشرفة لتقول بأنفاسٍ لاهثةٍ وعينين تذرفان الدموع بانهيارٍ
مفجع...
(محمود الحق... ماما تعبانة أوي... مش عارفة أعمل لها إيه...)
شحب وجه محمود واتسعت عيناه بصدمة وهو ينظر إلى سلامة ثم إلى شقيقته المنهارة...
وما لبث إلا أن تحرك مسرعًا نحو العقار ينادي على أمه بذعر طفلٍ يخشى الفقد وقد لحق به سلامة بقلق....
وبعد مرور بعض الوقت نُقلت والدته إلى المشفى بمساعدة سلامة حيث خضعت للفحوصات اللازمة وبدأت في تلقي العلاج....
ربت سلامة على كتف محمود مؤازرًا قائلًا...
(حمد لله على سلامتها... بكرة إن شاء الله هتتحسن الدكتور قال لي كده.)
ظهر الحرج الشديد جليًا على وجه محمود وهو يقول بامتنان دون أن ينظر إليه...
(أنا مش عارف أقول لك إيه يا عم سلامة... كتر خيرك على اللي عملته معايا... والفلوس اللي دفعتها...)
قال سلامة بصلابة...
(الفلوس اللي دفعتها لازم تتسدد بكرة يا بعده بالكتير....)
رفع محمود عينيه إليه مصعوقًا من رده فهزَّ سلامة رأسه بنفس الثبات والجمود مؤكدًا...
(مش بهزر... أنا بتكلم جد.)
بلع محمود ريقه وهو يقول بعجز...
(أسدّدها إزاي؟ أمي تعبانة ومش هتنزل الشغل دلوقتي... يعني قدامها أسبوع زي ما قالوا...)
قال سلامة بغلظة...
(بس أنا مش عايز فلوس من أمك... أنا عايزها منك إنت...)
قال محمود بضيق..
(مني إزاي؟..... أنا مش بشتغل.)
قال سلامة بلؤمٍ....
(طب ما تشتغل... هو إنت صغير دور على شغلانة وسدّد اللي عليك.)
قال الصبي بتوتر...
(أشتغل فين يعني؟... والمدرسة؟)
تنهد سلامة بضيق وهو يقول بتهكم...
(دلوقتي افتكرت المدرسة؟... ماشي خليني أزق معاك زقة... إيه رأيك تيجي تشتغل معايا في ورشة أيوب؟ منها تشتغل وتساعد أمك ومنها تسدّد اللي عليك....)
أعاد محمود بتردد..
(طب ومدرستي؟)
قال سلامة بصبرٍ هذه المرة..
(هظبط لك المواعيد مع أيوب... اطمن هو مش هيقول حاجة....)
----
ناوله سلامة كوبًا من عصير القصب أخذه
منه محمود وهمَّ بالجلوس على أحد المقاعد وبجواره جلس سلامة الذي سأله بهدوء...
"وعامل إيه في الشغل يا حودة؟"
أجابه محمود وهو يأخذ رشفة من عصير القصب
"الحمد لله كله تمام يا عم سلامة."
نظر إليه سلامة بطرف عينيه ثم قال بهدوء...
"سمعت باللي حصل في المخزن..."
تغيرت ملامح محمود وظهر الارتباك جليًّا في عينيه وهو يقول...
"أه كنت هناك يومها... بس إنت مكنتش موجود ساعتها."
ردّ سلامة وهو يحدّق فيه بقوة..
"كنت في مشوار تبع الشغل وعرفت اللي حصل واللي إنت عملته كمان..."
ارتعد الفتى ليقول...
"بس أنا معملتش حاجة يا عم سلامة..."
زجره سلامة بغيظ...
"أمال ليه اتوترت لما جابوا سيرة الحكومة؟"
جراء هذا السؤال ازدرد محمود ريقه وأشاح بوجهه إلى الناحية الأخرى...
حينها فارت الدماء في عروق سلامة ومدّ يده ليدير وجه الفتى إليه بعنف هادرًا بانفعال...
"في إيه يالا انطق.... أوعى تكون إنت اللي ورا الموضوع..."
انتفض الفتى في مكانه ليهدر نافيًا...
"والله أبدًا أنا هستفاد إيه لما أحرق مخزن عم أيوب؟!.....دي هي اللي ورا كل حاجة..."
قطب سلامة جبينه متجهمًا ثم سأل بغضب..
"هي مين؟!.... انطق وبلاش تنقطني بالكلام..."
قال محمود بارتياع....
"الست اللي شغالة مع عم أيوب... اسمها ليان."
جحظت عينا سلامة بالصدمة وظل يحدّق في وجه محمود بعدم تصديق فهزّ الفتى رأسه ينطق اسمها مجددًا مؤكدًا...
"ليان؟!...... إنت متأكد؟!"
أومأ برأسه بسرعة...
"أه والله يا عم سلامة أنا شوفتها بعيني
وهي بتولع في المخزن....كان وقت استراحة العمال."
سأله سلامة بحاجب معقود...
"وإنت إيه اللي خرجك وقت الاستراحة؟"
ردّ محمود وهو يسرد ما حدث يومها بسلاسة...
"كنت رايح أذاكر في الحتة اللي بقعد فيها على طول قولت أستغل الساعة دي وشوفتها وهي بتكب بنزين جوا المخزن وبعدها ولعت فيه وخرجت
على طول بتتلفت حوالين نفسها..."
سأله سلامة بذهول...
"وعلى كده هي شافتك؟"
هزّ محمود رأسه نفيًا فاسترسل سلامة مستفسرًا..
"وليه ما قولتش الكلام ده لأيوب؟"
أطرق الفتى برأسه أرضًا بحرج ليقول بقلة حيلة..
"خوفت يكدبني ويصدقها هي ويروح طاردني من الشغل... ولا هي تحطني في دماغها وتلبسني مصيبة فوقلت أسكت أحسن..."
ظلل الغضب والتوعد قسمات وجه سلامة وعندما رأى الفتى ذلك فقال بخوف....
"ما تقولش حاجة يا عم سلامة مش هيصدقوني..."
نظر إليه سلامة لبرهة ثم قال بحمائية...
"خليك إنت برا الموضوع ده... مني أنا
لأيوب... "
..............................................................
جلست على حافة الفراش تراقب أختها المتلصصة بنظراتها نحو الخارج تتابع ما
يجري هناك حيث يجلس أيوب مع رجلٍ
تقدم لخطبتها بعد أن منحته موعدًا تحت إلحاح والدتها المتواصل.
كانت قد رضخت لأمر والدتها ووافقت على الإقدام على تلك الخطوة على أن تكون في إطار زيارة تعارف فحسب لكنه يجلس الآن بالخارج مع أخيها بينما يغمرها هي شعورٌ طاغٍ بالرفض والضيق من نفسها لأنها تسرعت في الإقدام على خطوة مصيرية كهذه.....
قالت ندى بإعجابٍ شديد وهي تتأمل خطيب أختها المستقبلي من خلال شق الباب المفتوح...
"بس عيني عليه باردة يابت يانهاد طول بعرض بدقن...صفصف دعيالك من قلبها
عقبالنا يارب.."
مرَّرت نهاد يدها على ذراعها الأخرى شاعرةً بالبرد يسري في أوصالها من كثرة الخوف... الارتباك...الرفض...
حاولت مقاومة تلك المشاعر العنيفة التي تعصف بصدرها وهي تسخر من أختها
"أوام كده غيرتي رأيك ما كنتي رافعة شعار لا للجواز..... لا للحب..."
قالت ندى بحذق...
"لو جواز صالونات بالحلاوة دي أنا معنديش مانع..."
سألتها الأخرى واجمة...
"والحب؟..."
قالت ندى بلا مبالاة...
"أكيد هييجي بعد الجواز..."
جاء صوت نهاد شديد الإحباط...
"وإن مجاش؟..."
عبست ندى وهي تغلق الباب وتقترب من شقيقتها قائلة بصدمة....
"نهاد متهزريش... أوعي تكوني لسه بتفكري في الزفت ده!"
هزّت رأسها نفيًا وهي تغلق على مشاعرها الحقيقية بكبرياء لتقول بخفوت...
"مش بفكر فيه... بس أنا مش قادرة أدخل في علاقة دلوقتي..... مش مستعدة يا ندى..."
تعجبت ندى من ردها فقالت بتقريع...
"طب وليه اديتي للراجل معاد وخليتيه ييجي لحد هنا؟..... بتحرجينا وبتحرجي نفسك كده..."
استبدَّ بها الغضب وهي تتأفف بنزق قبل أن تقول بقنوط...
"أمك قعدت تلح عليا في الرايحة والجاية لدرجة إنها قالتلي إني معمولي عمل وهتروح تفكه وبدأت تبخّر البيت وتعمل حاجات غريبة كده... فلقيت نفسي بتنيل وأقولها هحدد له معاد وييجي تشفوه... "
نصحتها ندى بصبر...
"طب ادي لنفسك فرصة... فترة خطوبة حتى."
رفضت نهاد وقد زاد شحوب وجهها وغصّة البكاء تتكون في حلقها تخنقها حتى الموت...
"مش عايزة... ومش حابة أكمل مع حد وعقلي وقلبي في مكان تاني..."
صاحت عليها ندى بغضب...
"نـهـااااااد"
تراجعت نهاد بخوف من أن تجرح كبرياءها مجددًا بذكرى من هان عليه الحب وهانت هي على قلبه فصححت خطأها الفاضح قائلة...
"مش قصدي حب... قصدي على كل اللي حصل ليا الشهور اللي فاتت... أنا مش مستعدة يا ندى وكده هظلمه."
ارتفع حاجبا ندى فوق ملامح حانقة من حديث أختها والوهم الذي ما زالت تعيش داخله ولا ترغب في الخروج منه.
استرسلت نهاد وشعور الذنب يقتلها....
"أنا شكلي اتسرعت لما اديته معاد يقابل أيوب... محمد ما يستحقش مني كده."
سألتها ندى ببعض الفضول عن هذا الخاطب...
"هو اسمه محمد؟!"
أومأت برأسها بنفس الملامح الشاحبة الحزينة وكأنها تخطو إلى موتها...
في نفس اللحظة كان يجلس ذلك الشاب الوسيم في صالون الشقة يجيب بهدوء على سؤال شقيق نهاد الأكبر....
"محمد سلمان الغازي... من جنوب سينا بس بدرس هنا....وآخر سنة ليا في الجامعة بإذن الله..."
"ما شاء الله... بالنجاح إن شاء الله."
نطقها أيوب وهو يرمقه عن كثب شاب عضلي البنية أسمر البشرة كرجل يكافح بجهد نظرته كالصقر حادّة لكنها مهذبة في حضرته.....
تابع محمد بصوت أجش...
"الحمد لله من اول سنة في الجامعة اللي وانا
بجيب امتياز وناوي السنة دي إن شاء الله..."
رد أيوب بوئام...
"إن شاء الله على خير."
تنحنح محمد محاولًا كسر حاجز الصمت بينهما بسلاسة...
"أنا كنت جاي أتعرف عليكم وأتأنّس بيكم وكلي شرف والله... "
ابتسم أيوب بأريحية لهذا الشاب المهذب...
"الشرف لينا يا دكتور... إن شاء الله متكنش الزيارة الأخيرة."
تحدث محمد بنبرة صادقة...
"أنا بتمنى ده... الدكتورة نهاد مثال للأدب والأخلاق في الجامعة وأي حد يتشرف بيها وبيكم طبعًا."
رد عليه أيوب بنفس الأسلوب الودود...
"الله يخليك... إنت كمان باين عليك محترم وابن ناس... كلمني عن أهلك شوية من عيلة مين؟"
رأى أيوب لمعة عينيه والفخر يتجلى منهما وهو يجيب...
"إحنا من عشيرة آل غازي من أكبر العائلات في جنوب سينا..."
عبس أيوب قليلًا...
"من البدو؟..."
قال محمد بفخر واعتزاز...
"إي... من البدو أبًا عن جد."
رحب به أيوب لكن بتحفظ بعد الشيء......
"أهلًا وسهلًا..."
ابتسم محمد يرد التحية...
"أهلًا بيك."
رأى أيوب نغم تشير إليه عند الباب المفتوح أن يأتي ففعل وهو يستأذن من الشاب الذي غض بصره فور رؤيتها من بعيد....
"عن إذنك ثانية..."
"إيه يا نغم محدش دخل العصير ليه؟ فين نهاد؟"
سألها أيوب بعدما وقف معها بالخارج بعيدًا وقد جاءت أمه لتقف بينهما بملامح متجهمة ونظرات غير راضية....
ردّت نغم..
"نهاد جوه مش عايزة تخرج..."
استنكر أيوب تصرفها...
"ليه؟ هو أنا اللي مدي معاد للعريس ده ولا هي؟"
تدخلت الأم في الحديث بقلبٍ ملتاع...
"أختك فيها حاجة يا أيوب... دي رافضة من قبل ما تقعد معاه... دي بتعيط جوه ومش عايزة تخرج."
قطّب جبينه بقلق...
"ليه كل ده؟..... أنا هدخل لها وأشوف مالها..."
بالغت الأم في ردة فعلها وقالت بحسرة...
"أكيد حد عملها حاجة!.... لما بخرت البيت وشغّلت الرقية الشرعية جت وقالتلي خلاص يا ماما أنا هديله معاد يقابلكم وتقولوا رأيكم فيه... معرفش إيه اللي قلب حالها تاني كده فجأة... "
حاولت نغم أن تخفف من وطأة الوضع...
"اهدي يا طنط أكيد متوترة شوية أو مكسوفة..."
لوّحت الأم بيدها في استنكار متحسّرة...
"كسوف وتوتر إيه؟... ما كلنا حواليها وبعدين ده عريس يتترفض؟... أدب وأخلاق مفيش بعد كده... عيلته شكلها عيلة أكابر ودكتور زيها... إيه عيبه حد يقولي... "
قالت نغم ببعض الضيق من حماتها..
"معلش لازم على الأقل يكون في بينهم قبول... ده جواز ولازم تختار شريك حياتها بعقلها وقلبها."
لم يعجب صفية هذا الرد المائع فالزواج لا يُقام على الحب فقط فهناك أساسيات عمرها أطول وصلابتها تزداد مع مرور الوقت....
قالت نغم بتعاطف...
"ادخل لها إنت يا أيوب وشوفها... يمكن تقولك مالها...."
حين دلف أيوب إلى الغرفة تلاقت عيناه بعيني نهاد ثم ندى ليقول بأمرٍ حاسم...
"ندى سيبيني مع نهاد شوية لوحدنا..."
ترددت ندى في تنفيذ الأمر وهي تنظر نحو أختها بقلق...
"يلا يا ندى واقفة ليه؟!"
ألحَّ أيوب بقلة صبر فتحركت للخارج على مضض وهي تدعو الله أن يُلهم شقيقتها القوة والإقناع في الرد حتى لا يشك أيوب في شيء.
اقترب أيوب من نهاد وجلس على حافة الفراش بجوارها منتظرًا أن تبادر بالحديث أو بالرفض الذي كان يتوقعه منها لكنها لم تفعل. ظلت صامتة واجمة وعيناها محمرتان قليلًا من آثار دموع ذرفتها منذ قليل....
"نغم بتقول إنك مش عايزة تخرجي وبتعيطي... ليه دا كله؟"
بللت شفتيها وقد علت وتيرة أنفاسها وقالت ببعض الانفعال....
"أنا شكلي اتسرعت يا أيوب لما جبت محمد لحد هنا... أنا مش مرتاحة للخطوة دي وحاسة إنها مش أوانها..."
زاد عبوس وجهه في سؤالٍ متوقَّع...
"هو ده بس السبب اللي مخليكي مش عايزة تخرجي؟"
أكدت بنبرة ثابتة....
"أيوه حتى لو خطوبة ده ممكن تأثر عليا وعلى دراستي...."
تجهم أيوب قليلًا مستفسرًا...
"وطالما الموضوع كده ليه اديتيله معاد وخليتيه ييجي؟.. عشان يترفض من قبل ما تقعدي معاه؟"
أسبلت جفنيها بحرج وهي تدرك خطأها فأضاف أيوب بتقريع حاد بعض الشيء...
"حركة بايخة يا نهاد ومفيش راجل يقبلها على نفسه..."
تململت نهاد في جلستها بعصبية مكتومة وقالت بنزق...
"يعني أوافق عليه جبر خواطر وأنا مش مرتاحة؟"
استنكر ردها وقال...
"الجواز مفهوش جبر خواطر... طالما مش مرتاحة ورافضة قوي كده خلاص أنا بتكلم في الطريقة...."
تنهدت نهاد بضيق واضح وقالت...
"عايزني أعمل إيه يا أيوب؟... أنا عارفة إني غلط واتسرعت بس أنا مش عايزة أخرج... مش عايزة لا جواز ولا خطوبة... أعمل إيه؟"
أمرها أيوب بخشونة ممزوجة بالحزم...
"تطلعي بالعصير وتقعدي معانا عشر دقايق على الأقل وبعد كده ترجعي أوضتك."
سألته بتردد...
"طب وانت هتعمل إيه؟"
رد على سؤالها....
"هقوله اديني وقت أسأل عليك وبعدين هرد."
ارتفع حاجباها بحيرة....
"وهترد بإيه؟!"
رد أيوب بضيق مكتوم...
"بإيه يا نهاد؟..... بأن كل شيء قسمة ونصيب."
بلعت ريقها وقالت بارتياع..
"طب وماما هتقولها إيه؟... هتعرف إن أنا اللي رفضته؟"
لانت ملامحه قليلًا بإشفاق عليها...
"متقلقيش هجيبها من ناحيتي إني مش موافق إنك تتجوزي بعيد عننا وإنه عرباوي ومعروفة العرب وطباعهم... يعني هقعد أعقدها في النسب ده بطريقتي وهي بنفسها هتقول اصرفي نظر عن العريس ده."
تهللت أساريرها وسرى الارتياح في أورِدتها فقفزت بسعادة وألقت بنفسها بين ذراعي أخيها بامتنان..
"بجد يا أيوب..... أنت أحسن أخ في الدنيا."
ضمها ايوب اليه في حنان.....
"اطمني يا نهاد. مفيش حد يقدر يغصبك على
حاجة طول ما أنا عايش... أنا في ضهرك."
مسكت نهاد يده وقبلتها وقالت بمحبة وفخر
"يا رب دايمًا في ضهري سند وحماية... بحبك يا أيوب... "
"وأنا أكتر يا دكتورة."
ثم استرسل بأمرٍ حانٍ وهو ينهض...
"يلا بينا زي ما اتفقنا اخرجي اقعدي عشر دقايق معانا وبعدين ارجعي هنا تاني... خلي الموضوع يمشي طبيعي قدام صفصف اتفقنا؟"
أومأت برأسها بالموافقة وقد تبدد حزنها وقلقها وحلّت السعادة والارتياح محلّهما بعد أن أزاح
أيوب عنها ذلك الهم الثقيل....
دخلت وهي تتقدّم بصينية العصير بين يديها ثم اشار لها اخيها ان تقدمها للضيف..
اقتربت نهاد بخطواتٍ حريصة وملامح متحفظة وكانت ترتدي ثوبًا جميلًا مع حجابٍ يلائمه. لم تضع في عينيها سوى الكحل وملمّع شفاه دون تكلفٍ أو مبالغة فبشرتها البيضاء وقسمات وجهها الخلّابة لا تحتاج إلى أي إضافاتٍ خارجة.
رفع محمد عينيه إليها في ثوانٍ معدودة وفي نفس اللحظة رفعت هي الأخرى نظراتها نحوه فهالها ذلك البريق القوي المنبعث من عينيه القويتين...
انه يكتسحها بنظراته؟!
يا إلهي... لم تكن تخشى العيون يومًا فقد اعتادت الجرأة والقوة أمام الجميع لكن أمام تلك العينين تحديدًا شعرت برهبة غريبة رهبة تسللت إلى داخلها وأثارت في نفسها مشاعر عديدة كلها مبهمة وغير مريحة....
«محمد الغازي»... اسمٌ تردّد على مسامعها
منذ يومها الأول في الجامعة.... بدأت أولى المصادفات بينهما حين أشار إليها أحد أصدقائه قائلًا إنها النابغة القادمة وإنها ستنافس محمد الغازي في الامتياز رغم فارق السنوات بينهما وعدم كونهما في العام الدراسي ذاته... لكن تميزها وتفوقها جعلا الجميع يشبهها به....
هكذا لفتت انتباهه بامتيازها ثم بعدها لفت نظره جمالها وأخلاقها وهدوؤها أشياء كثيرة نسجت في قلبه إعجابًا خفيًا بها قبل أن يفاجئها بطلب يدها.
ورغم تهربها ومراوغتها وعدم استجابتها في البداية فإنها وافقت في النهاية لتضع نفسها في تلك الحالة المربكة....
"تسلم إيدك......"
قالها محمد بخفوت وقد بدا عليه الحرج من وجود شقيقها فأرخى جفنيه وهو يأخذ رشفةً من كوب العصير...
بينما تحركت هي لتضيف شقيقها لكنه رفض
قائلًا...
"حطيها عندك يانهاد.....وتعالي هنا....."
امتثلت لأمره وجلست بالقرب منه وبدا عليها الارتباك والحرج من الموقف برمّته...
عندها بدأ أيوب بسلاسةٍ يفتح الحديث مع محمد محاولًا أن يتعرف إليه أكثر وإلى عائلته.....
ادعت نهاد اندماجها في الاستماع بينما كانت في الحقيقة تلهو عقلها عن النظر إلى محمد مجددًا.
لكنها فعلت دون قصد رفعت عينيها إليه لتجده يطوقها بنظراتٍ غامضة أربكتها وخنقتها....
اخفضت نهاد رأسها في وجوم وقد تعالى
نبض قلبها عن المعتاد من رهبة الموقف وجدية الزيارة وتأثيرها عليها في المستقبل القريب !...
..............................................................
دلفت ليان إلى المكتب لترى أيوب جالسًا خلف مكتبه البسيط يميل للأمام مستندًا بمرفقه على سطحه يبدو شاردًا مهمومًا...بالطبع فبعد حريق المخزن وعدم وصول التحريات لأي أدلة أصبح مشوَّشًا خصوصًا أن سرقة التصاميم جاءت في التوقيت نفسه...
لكنها كانت متعجبة من صمته حيال الأمر ومن كونه لم يخبرهم باختفاء التصاميم وكأنه يخطط لشيء ما أو ينتظر شيئًا ما....
وهو الأمر الذي جعلها أكثر حذرًا في تصرفاتها سواء هنا أو في شركة الموجي حتى لا ينكشف أمرها...
أصدرت ليان نحنحةً رقيقة وهي تقترب منه بخطى ثابتة وفي يدها أحد الملفات....
رفع أيوب عينيه إليها وطالت نظراته نحوها على غير المعتاد مما جعلها ترتبك في مشيتها وتتورد كمراهقة...
رغم رغبتها في الانتقام منه إلا أن هناك جزءًا في قلبها أضعف من أن يرى الحزن في عينيه بهذا الشكل....
ليته اختارها هي ولم يفضل ابنة الموجي عليها...
ناولته الملف قائلةً بعملية....
"أيوب في حاجات عايزاك تبص عليها هنا..."
أخذه منها وبدأ يتفحصه بصمت كئيب...
"مالك يا أيوب؟...... شكلك مضايق..."
سألته بنعومة الأفاعي وهي تقف بالقرب منه لتَميل عليه بطريقة أنثوية مدروسة....
رد عليها واجمًا دون أن يرفع عينيه عن
الملف...
"وإيه اللي يفرح يعني..."
قالت ليان بخبث...
"لسه مضايق عشان اللي حصل في المخزن؟ يعني أنا شايفة إن الموضوع مش مستاهل..."
رفع عينيه كرصاصتين حادتين إليها متشدّقًا...
"مش مستاهل؟!..."
اهتزت حدقتاها بارتباك وهي توضح مقصدها
"قصدي يعني إن ماكنش فيه بضاعة جواه والخساير مش كبيرة..."
قال أيوب على نحوٍ مفاجئ...
"بس التصاميم بتاعت المسابقة اتسرقت مني.... "
رسمت الدهشة على محياها ببراعة وهي
تقول بصدمة...
"تصاميم؟!..... تصاميم إيه؟..."
لمعت عينا أيوب بشكلٍ مخيف أثار ريبتها
ثم أجابها بهدوء وصبر...
"تصاميم المسابقة اتسرقت في نفس التوقيت اللي المخزن اتحرق فيه."
ارتفع حاجبا ليان كتعبيرٍ صريح عن عدم معرفتها بالأمر لتقول بعدها بفضول خفي..
"طب وليه ما قولتش الكلام ده للنيابة وقتها؟..."
ظلت عيناه معلّقتين بها تلاحقان أدق الانفعالات التي تمر على محياها ليقول أثناء ذلك بصوتٍ غليظ...
"حاسس إن اللي عمل كده حد بينا..."
بهت لون وجهها خوفًا وتسلل الفزع إلى صدرها لتزدرد ريقها بارتياع قائلة...
"بينا؟!.... تقصد مين.... مين ليه مصلحة
يعمل كده فيك؟"
أبعد أيوب عينيه المشحونتين بتعابير عدة لم تستطع بعدُ تفسيرها ثم قال وكأنه يفكّر معها..
"فكري معايا كده... أصل أنا مخي وقف من كتر التفكير... "
قالت بتهدّج...
"يمكن... يمكن حد من العمال..."
أومأ برأسه موافقًا رأيها...
"آه يمكن..."
شجعها رده على القول....
"ويمكن صاحبك سلامة..."
نظر إليه باستغراب قائلًا...
"معقول؟.....ده صاحب عمري... معقول يعملها؟!..."
وجدت أنها فرصتها لتُبعد عنها الشكوك
أكثر...
"وليه لا؟.... في الزمن ده ما ينفعش تثق
وتدي الأمان لأي حد..."
رمقها بنظرة ذات مغزى لتقول بسرعة تثير الشكوك.....
"باستثناء أنا طبعًا... ولا إنت شاكك فيا؟!"
هز رأسه نافيًا مبتسمًا نصف بسمة...
"بالعكس إنتي الوحيدة اللي واثق فيها... تعرفي إن نغم مصممة إنك ورا كل حاجة؟..."
شهقت قائلة بذهول...
"وإنت صدقتها؟!"
وبنظرة محتدة مشحونة بالكثير قال..
"أنا ما بصدقش غير اللي بتشوفه عنيا..."
ثم أعطاها الملف قائلًا...
"كملي شغلك إنتي يا ليان..."
قالت ليان بمسكنة...
"لو في أي جديد عرفني.. خليني أتابع معاك..."
هز رأسه مبتسمًا ابتسامة لم تصل إلى عينيه ليقول...
"أكيد لو في أي حاجة هقولك..."
عند تحركها خانتها خطواتها وتعثّرت فجأة في شيءٍ ما فتوقفت مكانها وهي تطلق صرخة ألم حادة....
"اه رجلي....."
أقترب منها أيوب بملامح قلقة....
"انتي كويسه....مالها رجلك...."
قالت وهي تستند على ذراعيه بميوعة مستغلة تلك الفرصة النادرة الحدوث....
"مش عارفة مالها حساها اتلوت من الكعب اسندني يا أيوب...."
"ما تسندها يا أيوب...... مستني إيه؟ ..."
هتفت بتلك العبارة بحدة وخشونة نغم التي وصلت لتوها ووقفت عند الباب تراقب ذلك المشهد المبتذل بعين ساخطة...
باغتته رؤيتها فتصلب مكانه للحظة قائلاً بدهشة...
"نـغـم؟!..... إيه اللي جابك...."
ظهر الانفعال جليًا في عينيها وهي تضغط على أسنانها بعنف قائلة بازدراء...
"هو ده كل اللي شغلك؟....إيه اللي جابني إنت بتعمل إيه في حضن الحرباية دي...؟"
رمقتها ليان بغضب بينما رد عليها أيوب
بفتور...
"ليان اتكعبلت ورجليها بتوجعها..."
صاحت هي بوحشية كنمرة تحتضر...
"إن شاء الله تكسر... انت مالك ومالها..."
حاول تهدئتها وهو يساعد الأخرى على الجلوس...
"اهدي يا نغم.... قعدي ياليان استريحي..."
"بتوجعك منين؟"
سألها باهتمام واضح وهمّ أن يفحص كاحلها بيده لكن نغم أوقفته بحدة وهي تقول بغيرة نارية....
"انت هتقعد تحت رجليها؟...قوم هنا كلمني"
تأفّف أيوب وقد فقد صبره مع صوتها العالي وغضبها غير المبرر....
"إيه يا نغم؟... متكبريش الموضوع دي تعبانه وبساعدها..."
عقدت نغم ذراعيها أمام صدرها وهي ترمق ليان بسخرية لتقول بانفعال...
"هي فعلاً تعبانا... بس مش محتاجة مساعدة لحد إمتى هتفضل مغمي عينك عن حقيقتها؟ إحنا كنا بنتكلم في إيه إمبارح واتفقنا على إيه...."
اعترض أيوب بعناد....
"انسِ الاتفاق وكلامنا....ليان مستحيل تعمل كده.... أنا واثق فيها..."
جراء هذا الرد رفرف قلب ليان في سعادة وألقت ابتسامة متشفية نحو زوجته....
نقلت نغم عينيها بينهما في اتهام صريح..
"واثق فيها؟!... دا الموضوع بقى مش موضوع تصاميم اتسرقت في حاجة بينكم"
نفخ أيوب في نفاد صبره قائلاً بحنق...
"يوووه بطلي غيرتك المجنونة دي مفيش حاجة بينا....اعقلي واهدي...."
التوى ثغرها في ابتسامة باردة قاتمة..
"اهدي؟!... اهدى إزاي وأنا شايفاك ملهوف عليها بالشكل ده..."
هز رأسه يائسًا وهو يقول بشق الأنفس..
"مفيش لهفة ولا حاجة... دي أوهام في
دماغك انتي... "
انفعلت أكثر بعد رده فقالت بتهدج...
"الأوهام طلعت حقيقة والدليل قدامي أهوه أنا كنت بكدب قلبي وإحساسي بس كل حاجة باينة....مش مستنية تفسير أكتر من كده..."
جاء سلامة على صخب أصواتهم الحادة
ليرى شجارًا محتدمًا بينهما وجوههما محمرة ونظراتهما متقدة بالغضب ويقف كلٌّ منهما
في مواجهة الآخر بجسارة كأنهما في ساحة معركة بينما كانت ليان تجلس بينهما على المقعد منحنية الكتفين بأسى....
"في إيه يا جماعة؟... صوتكم عالي كده
ليه؟..... دا واصل لحد برّا..."
اتكأ أيوب على أسنانه بغيظ ليلقي عليها
اللوم...
"اتفضلي....سمعتي بينا العمال عجبك كده..."
توسعت عينيها بصدمة...
"والله....هو ده كل اللي فارق معاك..."
اشتعل صدر أيوب كمرجل ناري وهو يهدر بقساوة....
"أمال إيه اللي هيفرق معايا؟...دا شغلي
دا المكان اللي بدأت منه في الوقت اللي
انتي مكنتيش معايا فيه..."
أخذت خطوة للخلف بملامح مبهوتة وكأنه صفعها على حين غرة لتقول بانفعال...
"عشان كده بتفضلها عليا... ومش عايز تمشيها..."
زمجر أيوب بضيق...
"وتسيب الشغل ليه...هي معملتش حاجة..."
رمقته باستخفاف معقبة...
"بجد بعد كل ده معملتش حاجة ؟!..."
بادر سلامة بالتدخل ليضع حدًّا لنزاعهما متعجبًا من التحول الغريب الذي طرأ على علاقتهما....
"اهدى بس يا صاحبي...وفهمني مالكم إيه
اللي قلبكم على بعض كده فجأة؟ أنا عمري
ما شوفتكم كده..."
انفعل أيوب أكثر دون مبرر حقيقي ليقول..
"لا احنا علطول كده من ساعة ما عرفتها... شكلها كانت غلطة من الأول..."
اتسعت عينا نغم مصعوقة من هذا الرد المهين لتقول باستنكار...
"غلطة ؟!...إنت بتقولي الكلام ده قدام دي..."
أشارت إلى ليان التي لم تستطع تحمل المزيد فوقفَت على ساقيها متحاملة على نفسها لتقول بكبرياء زائف...
"أنا مش هقدر أسمع أكتر من كده أنا ماشيه"
هدرت نغم بجنون..
"في ستين داهية..."
رفض أيوب رحيلها هكذا فمسك ذراعها قائلاً بغرابة...
"استني ياليان راحة فين... مش هتمشي انتي هتفضلي هنا....انتي معملتيش حاجة عشان تمشي..."
تعجب سلامة من رد فعل صديقه وبدأ ينظر إلى سقف المكتب مرتابًا فربما يتم تصوير مقلب فيه...
ما يحدث أقرب للخيال أو العبث...
شعرت بطعنة غدر تصيب قلبها ففغرت فمها مشدوهة من وقع الصدمة...
"انت ماسك ايديها قدامي..."
أشار أيوب لها بالرحيل قائلاً...
"لينا بيت نتكلم فيه يانغم....مش هنتكلم
هنا...كفاية فضايح لحد كده..."
قالت نغم بنظرة خزي...
"الفضايح دي انت اللي بتعملها... والنتيجة أهيه قدامي...مبروك عليك يا أيوب نهايتنا كتبتها بايدك... "
تحدث سلامة مجددًا في محاولة منه لرأب هذا الصدع بينهما...
"إيه الكلام ده بس يانغم هانم أيوب ما يقصدش... ما تهدي الدنيا يا صاحبي..
دي مراتك..."
لكن نغم لم تهتم بكلام سلامة وتحركت مغادرة المكتب بخطوات غاضبة....
"استني بس يانغم هانم...استني..."
بادر سلامة باللحاق بها بعد أن رأى أيوب مصوب تركيزه على ليان وكاحلها المصاب...
