رواية عهد الدباغ الفصل الثالث والاربعون
بتلك الشقة
لم تمتثل القطة لتحذير كنان، بل بقيت تدور حول غزال وهي تُحضر الطعام، تتلقى منها بين الحين والآخر قطعة طعام صغيرة تدللها بها، بينما ترتسم على شفتي غزال ابتسامة خفيفة كلما نظرت إليها...
بعد وقت انتهت غزال من إعداد الطعام حتى التفتت نحو القطة، تلمع عيناها بمكر طفولي وهي تتذكر أوامر كنان الصارمة...
وضعت يديها حول خصرها وقالت بمرح:
إيه رأيك يا ونيستي خلاص خلصنا تجهيز الأكل… هنسيب كنان يتحكم فينا كده.. ولا إي.
أطلقت القطة مواءً قصيرًا وكأنها تفهم حديثها تمامًا، فغمزت لها غزال ضاحكة وقالت:
أهو ده الكلام… يلا بينا.
تحركت القطة سريعًا نحو غرفة النوم، بينما تبعتها غزال بخطوات هادئة وهي تكتم ضحكتها، تتوقع تمامًا ما ستفعله ونيسة..
توقفت غزال عند باب الغرفة، تراقب المشهد بصمت…
وقف القطة للحظة جوار الفراش، تحدق في كنان النائم وكأنها تفكر بخبث قبل تنفيذ خطتها، ثم فجأة قفزت مباشرة فوق صدره...
انتفض كنان مفزوعًا من نومه، يفتح عينيه بصدمة، بينما دوى صوت ضحكة غزال في أرجاء الغرفة...
شهق كنان وهو يعتدل بفزع، يحدق أمامه بعدم استيعاب، بينما كانت ونيسة جالسة فوق صدره بكل برود، تهز ذيلها وكأنها حققت انتصارًا عظيمًا...
ضغط كنان على صدره يلتقط أنفاسه ثم صاح بحدة:
يا نهارك إسود... إنتِ فى مرة هتقطعي خلفي.
وقعت عيناه على غزال الواقفة عند الباب تضحك حتى ضيق عينيه بشك قائلًا:
إنتِ… إنتِ اللي حرضتي القطة.
حاولت غزال التماسك، لكن ضحكتها خانتها، فوضعت يدها فوق فمها وهي تقول بصعوبة:
والله… هي اللي نطت لوحدها... هي متعودة تنام عالسرير.
رمقها بنظرة مستنكرة ثم أشار للقطة الجاثمة فوقه قائلًا بسخرية:
تنام عالسرير... دي ناقص تتكلم وتقول صباح الخير يا كنان بيه.
موأت ونيسة في تلك اللحظة، فشهقت غزال ضاحكة أكثر، بينما أغمض كنان عينيه لثواني يتمتم بضيق:
مزعجة.
اقتربت غزال بخطوات هادئة وهي ما زالت تبتسم، ثم حملت القطة بين ذراعيها قائلة بدلال متعمد:
مالها ونيسة، مزعجة دي مش بتعمل كده غير معاك، بتحبك وبتحب تناغشك
نظر لها ببرود ساخر:
تنناغشني... خلى الحب ده بعيد عني أحسن… كنت هموت من الرعب... كويس إنك حامل متفكريش فى الخلف تاني.
ضحكت غزل، رفعت حاجبها بمشاكسة قائلة:
معقول... دي قطة صغيرة.. مش معقول تخاف منها.
تصلبت ملامحه فورًا وقال بسرعة دفاعية:
أنا.. أخاف من دي.. أنا بس كل مرة بتفاجئ بها زي عفريت العلبه.
همهمت غزال وهي تكتم ابتسامتها ثم مالت نحوه قليلًا قائلة بخبث:
مممم… واضح فعلًا.
ثبت عينيه عليها للحظات، يراقب لمعة التحدي والمرح بعينيها، قبل أن تمتد يده فجأة ويجذبها من معصمها نحوه، لتشهق بخفة وتسقط فوق جسده... بينما أفلتت القطة نفسها وقفزت هاربة...
داعب كنان وجه غزال بأنفاسه قائلًا بنبرة منخفضة تحمل وعيدًا خفيفًا:
طالما عاجبك تستفزيني يا غزال… يبقى تستحملي النتيجة بقى.
اتسعت عينا غزال وهي تحاول النهوض.. لكنه كان أسرع، أحاط خصرها بذراعه يمنعها من الهرب، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة أربكتها أكثر.
حاولت التظاهر بالثبات وقالت بعناد:
وأنا عملت إيه يعني...
دي ونيسة اللي هاجمتك… روح حاسبها هي.
رفع كنان حاجبه ساخرًا ثم دفس برأسه بعنقها قائلًا:
آه… وونيسة كمان هي اللي كانت واقفة عند الباب وبتضحك عليا.
عضت شفتها تمنع ابتسامتها، لكنه لمحها رغمًا عنها، فضيق عينيه أكثر وهمس:
أخيرًا… بقيتي تضحكي براحتك.
خفت المرح تدريجيًا من ملامحها للحظة، وكأن كلماته لمست شيئًا بداخلها، بينما ظل ينظر إليها بهدوء غريب لم تعتده منه...
ابتلعت ريقها ثم قالت محاولة تغيير الحديث: سيبني… الأكل عالسفرة فى المطبخ هيبرد.
لكن كنان لم يتركها ، بل ظل محتفظًا بها فوقه منه، يراقب ارتباكها الواضح، قبل أن يقول بنبرة أهدأ:
خلي الأكل يستنى شوية.
تسارعت دقات قلبها دون إرادة، خاصة حين اقترب أكثر حتى شعرت بأنفاسه تلامس شفتيها ، ب تحولت نظراته لشيء أكثر دفئًا وأقل شراسة من المعتاد...
كاد يُقبلها لكن فصل بسبب دوى مواء ونيسة، فجأة، وكأنها تحتج على تجاهلهما لها...
أغمض كنان عينيه بضيق وتمتم:
أقسم بالله القطة دي متعمدة... القطة دي عقاب ليا.
انفجرت غزال ضاحكة رغماً عنها، مستغلة انشغاله لتفلت سريعًا من بين ذراعيه وتهرول نحو الباب، لكنه التقط طرف عباءتها قبل أن تختفي، لتلتفت إليه بصدمة خفيفة.
ابتسم أخيرًا ابتسامة كاملة نادرة وقال:
رايحة فين لسه حساب المقلب ما خلصش.
ضيقت غزال عينيها وهي تنظر إلى يده المتشبثة بطرف عباءتها، ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها قائلة بتحدٍ خفيف:
طيب… نتحاسب بقى بالعقل.
مال كنان برأسه مستمتعًا بعنادها:
نعم.
اقتربت منه بخطوات بطيئة، ثم جلست على طرف الفراش مقابله وقالت بجدية ترفع إصبعها تحذره:
أنا عايزة أشتغل.. من غير استغلال نفوذك يا كنان بيه..
اختفت ابتسامته تدريجيًا، وكأنها ألقت شيئًا لم يكن يتوقعه، بينما تابعت هي بنبرة أخف:
عايزة أعمل حاجة لنفسي… أحس إني ليا قيمة.
ظل صامتًا للحظات يراقب ملامحها، يلتقط تلك الجدية الحقيقية خلف صمتها المعتاد، قبل أن يسأل بهدوء قائلًا بنبرة ثابتة:
شغل إيه...سبق و..
ترددت للحظة ثم قاطعته.:
عمو محي موافق أشتغل فى الحسابات تحت التمرين
عقد كنان حاجبيه قليلًا قبل أن يجيب بصرامة هادئة:
الشغل مش لعبة يا غزال… خصوصًا في الحسابات.
رفعت ذقنها بعناد فورًا قائلة:
أنا دارسة محاسبة، وسبق واشتغلت يعني مش صعب عليا، وأكيد هاخد خبرة من الموظفين اللى فى الحسابات.
تبادل الاثنان النظرات لثواني طويلة، قبل أن يزفر كنان ببطء ويقول:
ولو وافقت… هتلتزمي بكلامي؟.
لمعت عيناها بسرعة وهي تقترب منه بلهفة:
يعني موافق.
رفع يده يوقف اندفاعها وقال بتحذير:
لسه ما وافقتش.
أنا بس بفكر… وده فرق كبير.
ابتسمت بخبث وهي تميل نحوه قليلًا:
عمو محي موافق.
نظر إليها مطولًا، ثم قال بنبرة تحمل استسلامًا خفيفًا:
واضح… للأسف.
ساد الصمت للحظات، بينما كانت غزال تراقب ملامحه بترقب، تخشى أن يغلق الحديث كعادته بكلمة حادة أو أمرٍ لا يقبل النقاش.
لكن كنان فاجأها حين مرر يده فوق وجهه بتنهيدة خافتة ثم قال بصوت أهدأ:
يمكن… أنا فعلًا ضغطت عليكِ زيادة الفترة اللي فاتت.
رمشت غزال بدهشة، وكأنها لم تتوقع منه اعترافًا كهذا أبدًا...
أبعد نظره عنها قليلًا قبل أن يُكمل بنبرة صريحة:
من أول ولما دخلتي حياتي حسيت شيء جوايا إتهز،معرفش سبب إني أقاوم الاحساس ده بقيت أتعامل معاكِ بطريقة جافة
لانت ملامحها تدريجيًا وهي تستمع إليه، بينما تابع هو:
بس كان جوايا ببقي مضايق من نفسي... أنا آسف.
اتسعت عيناها أكثر، حتى إنها نسيت الرد لثوانٍ، فابتسم كنان بسخرية خفيفة:
مالك... مستغربة إني بعرف أعتذر.
خرجت منها ضحكة صغيرة قبل أن تهز رأسها قائلة بخفوت:
أكيد.
تنهد بخفة ثم اعتدل في جلسته وقال بجدية:
موافق إنك تشتغلي يا غزال.
رفعت رأسها بسرعة، غير مصدقة:
بجد!
أومأ هذه المرة دون تردد:
بجد... بس بشروطي.
ضيقت عينيها بحذر:
قول.
ضحك بخبث قائلًا:
هتشتغلى بس تحت إدارتي... هيعرفوا فى الشركه إنك مراتي.
_مراتك...
قالتها بذهول.
ضحك قبل أن يرد بهدوء:
أيوه… مراتى... لو عندك إعتراض يبقى..
سريعًا أجابت:
موافقة.
ثم تسللت حرارة غريبة إلى وجهها رغمًا عنها، بينما أكمل هو:
بس خدي بالك الشغل تحت إدارتي مش سهل.
رفعت ذقنها بعناد قائلة:
وأنا هثبتلك إني متمكنة.
ضحك مد يده نحوها قائلًا:
اتفقنا يا متمكنة.
نظرت إلى يده للحظة ثم وضعت يدها بيده بابتسامة واسعة لم يستطع تجاهلها.
وما إن تشابكت أصابعهما حتى قال بخبث مفاجئ:
بس حساب المقلب لسه موجود بالمناسبة.
شهقت غزال وهي تسحب يدها بسرعة.. ابتسم كنان تلك الابتسامة النادرة التي جعلت قلبها يضطرب دون إرادة، ثم قال وهو ينهض من فوق الفراش:
أبدًا… خصوصًا مع واحدة مجنونة زيك.
خرجت غزال من الغرفة بخطوات خفيفة تكاد تقفز من فرط سعادتها، بينما بقي كنان مكانه لثواني طويلة يحدق في الباب خلفها.
اختفت ابتسامته تدريجيًا، وحل محلها شعور ثقيل يجثم فوق صدره...
أراح ظهره للخلف وأغمض عينيه بتعب، لتتردد داخل رأسه كلمات زوج عمتها القديمة…
اتهاماته المستمرة لها، وطريقته الخبيثة وهو يؤكد له أن غزال لا ترى فيه سوى رجلٍ ثري يمكنها الاحتماء به واستغلال اسمه ونفوذه.
وقتها… صدقه.
بل وتعامل معها على هذا الأساس منذ البداية
تذكر بروده معها، شكه الدائم في كل تصرف تقوم به، طريقته القاسية كلما اقتربت منه بعفوية...
زفر بقوة ومرر يده فوق وجهه بضيق، يشعر لأول مرة بمدى الظلم الذي أوقعه عليها دون أن يمنحها فرصة حقيقية.
غزال…
تلك الفتاة التي كانت تفرح بأبسط الأشياء، وتبتسم له رغم جفائه، وتحاول إثبات نفسها في كل مرة كأنها تخشى أن يراها عبئًا عليه.
حتى طلبها للعمل…
لم تطلب مالًا، ولا نفوذًا، ولا حياة مترفة كما أوهموه...
كل ما أرادته أن تشعر بقيمتها.
قبض كنان يده بقوة، وقد بدأ الغضب يتصاعد داخله… لكن هذه المرة لم يكن غضبًا منها، بل من نفسه.
_كيف سمح لرجلٍ حاقد أن يزرع تلك الصورة بعقله
_كيف كان أعمى إلى هذا الحد.
فتح عينيه ببطء، ثم التقط هاتفه فجأة، ينظر إلى رقم زوج عمتها للحظات طويلة قبل أن يرمي الهاتف جانبًا بعنف مكتوم.
لا…
هذا الرجل سيتحاسب لاحقًا.
أما الآن… فكل ما كان يشغل فكره هو تلك النظرة التي ظهرت بعيني غزال قبل قليل عندما وافق على عملها…
نظرة فرح صادقة، خالية تمامًا من الطمع أو التصنع.
ابتسم بمرارة وهمس لنفسه:
ظلمتكِ… أكتر مما تستحقي يا غزال.
❈-❈-❈
_عهد سافرت يا فاروق.
كلمات ما زالت تتردد داخل أذنيه حتى بعد مغادرته شقة والد عهد.
غادر بهدوء غريب، حتى إنه لم يسأل إلى أين سافرت... ربما لأن جزءًا داخله لا يريد معرفة مكانها، وربما لأنه شعر أن ابتعادها الآن هو الحل الأفضل لهما معًا...
الشيء الوحيد الذي سأل عنه كان ياسين.
لكن ياسين أجابه بنفسه:
أنا هنا يا بابا.
التفت إليه فاروق، اقترب منه واحتضنه بحنانٍ موجوع، بينما قلبه يمتلئ بقسوة لم يعهدها من قبل.
تركت ياسين...
ألم تكن متمسكة به
كيف استطاعت أن تتركه هو الآخر
شعور غريب ينهشه...
لو قال إنه ضياع فلن يكون كافيًا،
ولو قال إنها هزيمة، فلن يصدق أنه تلقاها منها هي بالذات.
مشاعر متضاربة تعصف به...
الحب وعكسه... الكره.
القسوة وعكسها... اللين.
الاشتياق وعكسه... الجفاء.
ووسط كل ذلك، كان هناك قرار واحد فقط يدور بعقله بإصرار
الطلاق... نهاية حاسمة تُنهي كل تلك الفوضى...
دلف إلى غرفة النوم، توقفت عيناه على الفراش...
وفي لحظة، هاجمته الذكريات بقسوة...
قبل أيام فقط كانت بين ذراعيه،هائمة معه في لحظات عشق ظنها حقيقية، جمعتهما كزوجين لا يفصل بينهما شيء...
فهل كان كل ما شعر به كذبًا..
هل كانت تخدعه فقط بدافع الانتقام..
هل تخلت عن طفلهما لأجل أن تؤذيه...
انتقام...
منه هو تحديدًا... لماذا
صحيح أنه لم يعترف لها يومًا بحبه، لكن هل كان ذلك مبررًا لكل هذا الخراب...
همس لنفسه بصوتٍ مختنق:
كله كدب يا عهد... كدب. إحنا انتهينا.
وفي لحظة غضبٍ عارمة، قرر إنهاء ذلك القيد الذي ما زال يربطهما.
لا داعي لاستمرار علاقة انتهت بالفعل.
أخرج هاتفه، وعقله قد حسم الأمر...
سيتصل بها... سيخبرها أن كل شيء انتهى..
ضغط على رقمها، وأنفاسه تتصاعد بعنف، وكأنه يحاول تثبيت قراره داخل صدره...
بعد هذه المكالمة، لن يعود هناك ما يربطه بها... ولن يكون الألم بعدها أقسى مما يشعر به الآن.
انتظر ردها...
لكن لا شيء.
لا رنين، فقط ذلك الصوت البارد:
الهاتف المطلوب غير متاح حاليًا.
ألقى الهاتف فوق الفراش بعنف، ثم مرر يده في شعره بعصبية، يشعر برغبة عارمة في تحطيم كل ما حوله.
عهد نجحت...
انتقمت منه فعلًا...
حتى النساء كلهن بات يراهن بوجهها هي.
همس بغضبٍ حارق:
بكرهك يا عهد...
....****ـــــــــــ
وعلى الجانب الآخر...
في إحدى مدن البحر الأحمر، كانت عهد تقف بشرفة واسعة تطل على البحر البعيد.
النسيم الدافئ يمر حولها، لكنها كانت تشعر به كلسعات باردة تخترقها...
انسابت دموعها بصمت وهي تتذكر حديثها مع والديها قبل قليل...
وياسين، بعفويته، أخبرها أن فاروق جاء ليسأل عنها.
سأل عنها... ثم عرف أنها سافرت.
لكن ما قتلها حقًا، أنه لم يسأل إلى أين ذهبت...
هي الآن في نفس المكان الذي جمعهما منذ فترة قصيرة...
حينها كان الطقس باردًا، لكنها كانت تشعر بدفءٍ يكفي العالم كله لأنها كانت معه...
أما اليوم...
فالجو دافئ، بينما قلبها يرتجف من البرد.
ضمت ذراعيها حول نفسها، وكأنها تحاول احتضان ما تبقى منها، ثم أغمضت عينيها بألم
همست بإعتراف لأول مرة
بحبك يا فاروق.
❈-❈-❈
بعد مرور عِدة شهور…
بشقة محسن
كان الحمل شاقًا منذ بدايته، لكنها الآن تحتضن صغيرها بين ذراعيها، تتأمله وكأنها تراه للمرة الأولى...
ابتسمت له بحنان غريزي، ثم تهكمت على نفسها بصمت…
قبل شهور قليلة، كانت تظن أن إنجابها لولد سيُعزز مكانتها داخل العائلة، وسيمنحها ذلك الشعور بالأهمية …
أما الآن، وهي تنظر إلى ملامحه الهادئة، أدركت أن الأمر لم يعد صراع إثبات قيمة أو مكانة...
لقد أصبحت واثقة من مكانتها الحقيقية…
مكانتها في قلب محسن، وذلك كان أثمن من أي شيء آخر.
اتسعت ابتسامتها حين دلف محسن إلى الغرفة، تتبعه طفلتاهما اللتان اندفعتا فورًا نحو الصغير، وكل واحدة تحاول الفوز بحمله أولًا.
لكن الصراع انتهى قبل أن يبدأ، حين سبقتهما يدا محسن وحمل الطفل قائلًا بحزمٍ مرح:
مش عاوز خناق على مين تشيله… كفاية صداع، المفروض تخدموا ماما.
ضحكت رابيا بخفة وقالت:
والله الاتنين بيتسابقوا مين تشيله وناسيين مامتهم.
نظر محسن إلى ابنتيه بنظرة متعمدة قبل أن يقول بجدية مصطنعة:
عقاب بقى… هتفضلوا جنب ماما، واحدة تجيبلها العصير والتانية تدلعها… وأي حد يزعلها هحرمُه من "محي" يوم كامل.
شهقت الصغيرة فورًا وهي تقترب من رابيا بسرعة:
لااا… أنا هقعد جنب ماما أدلعها.
بينما الأخرى فتعلقت بذراع محسن وهي تنظر إلى أخيها بغيرة طفولية:
بس محي واخدك مننا أصلًا.
ضحك محسن بصوتٍ دافئ، ثم
اقترب من رابيا وجلس جوارها، يناولها الطفل برفق وهو يهمس بالقرب منها:
واخدنا كلنا… بس إنتِ لسه أحلى نعمة في البيت ده.
احمرّ وجهها بخجل، بينما تسللت الطمأنينة إلى قلبها أخيرًا…
طمأنينة المرأة التي لم تعد تخشى خسارة مكانتها، لأنها أصبحت تُحب دون قيود.
❈-❈
بعد مرور فترة
هولندا
من مكان إلى آخر، أصبح نديم يتنقل منشغلًا بحل مشكلات المصريين المغتربين، يحمل فوق كتفيه مسؤوليات لا تنتهي، ، لكن لا ينسي خلق وقت لعائلته الصغيرة...
أما يارا...
من كانت تشتكي الفراغ والوحدة، تبدلت حياتها بالكامل.
ها هو صغيرها يحتل عالمها كله، حتى ساعات نومها القليلة أصبح يبخل عليها بها، يستيقظ باكيًا كلما أغمضت عينيها، وكأنه يخشى أن يغيب حضنها عنه للحظة...
ورغم الإرهاق الذي ينهشها، كانت تنظر إليه أحيانًا وتبتسم بصمت...
مدركة أن ذلك الكائن الصغير، الذي سلب راحتها، هو نفسه من أعاد لقلبها الحياة...
دلف نديم إلى الغرفة وهو يفك أزرار كُم قميصه ببطء، ملامحه مرهقة، لكن حين وقعت عيناه عليها توقف مكانه تمامًا...
كانت تجلس نصف مستلقية فوق الفراش، تحمل الصغير بذراع.. وبالأخرى تحاول تهدئته بعدما دخل في نوبة بكاء جديدة، بينما عيناها حمراوان من السهر...
رفع حاجبه قائلًا بخفوت:
إيه الكائن اللى مش بينام ده.
نظرت له بملل قاتل وقالت:
ده من ساعة ما اتولد وهو عامل عليا ورديات تعذيب.
اقترب أكثر وهو يمد يديه نحو الطفل قائلًا:
طب هاتيه.
ضمته إليها أكثر تلقائيًا وهي تتمتم:
لا... أول ما يروح مع حد يصرخ أكتر.
نظر لها باستنكار خفيف قائلًا:
مع أي حد..
ثم أشار لنفسه بثقة قائلًا:
بس أنا باباه على فكرة.
رغم تعبها خرجت منها ضحكة قصيرة، بينما أخذ نديم الصغير بحذر، وما إن استقر بين ذراعيه حتى خف بكاؤه تدريجيًا...
اتسعت عيناها بصدمة مصطنعة: تلوم طفلها كأنه يفهمها
لا والله... ده سكت معايا بيعمل حفلة، ومعاك هادي كده.
نظر نديم للصغير بتفاخر متعمد:
أصل الراجل لما يشوف راجل بيفهموا بعض.
رمقته بنظرة متعبة قائلة:
آه طبعًا... شوف الذكورة الطاغية.
ابتسم بخفة، ثم جلس جوارها وهو يحرّك الطفل برفق:
بقالك كام ساعة صاحيه.
تنهدت وهي تُرجع رأسها للخلف:
مش فاكرة... يمكن من امبارح أصلًا.
ثم نظرت له بلوم مرح قائلة :
وإنت طبعًا مشغول بإنقاذ المصريين هنا وسايبني أغرق هنا لوحدي.
زفر بندم خافت وهو يشيح بنظره عنها للحظة:
الشغل غصب عني.
قاطعته سريعًا:
عارفة.
صمتت ثانية ثم أضافت بصوت أهدأ:
بس أنا كمان تعبت يا نديم...
التفت ينظر إليها مباشرة، لأول مرة يلاحظ فعلًا كم تبدلت ملامحها... الإرهاق ظاهر حتى في طريقة جلوسها...
ضحكت بسخرية خافتة قائلة:
هبقي اتصل عشان تيجي من نص اجتماع دولي تغيّرله.
ابتسم رغمًا عنه، ثم قال:
ممكن عادي... عندي مواهب مخفية.
رفعت حاجبها بسؤال:
إنت طب ايه بقى...
ده إنت أول مرة شلته كنت ماسكه كأنك كنت شايل قنبلة موقوتة.
ضحك بخفوت، ثم نظر للصغير بين ذراعيه قائلًا:
ما هو فعلًا قنبلة... صغيرة بس خطيرة.
ساد الصمت لثواني لم يُسمع فيها سوى أنفاس الطفل الهادئة...
مال نديم برأسه ناحيتها قائلًا بصوت منخفض:
نامي شوية وأنا موجود..
همست بإرهاق:
و نمت هصحى ألاقيه بيعيط تاني.
نظرت له مطولًا، كأنها تحاول قياس صدقه، ثم قالت بخفوت:
إنت تعبان أنت كمان.
ابتسم ابتسامة صغيرة متعبة قائلًا:
أهون من إني أشوفك بالحالة دي.
ارتجف شيءٌ خفيف داخلها مع كلماته، بينما مدّ هو يده الحرة يزيح خصلة شعرٍ التصقت بوجهها من شدة الإرهاق، ثم قال بنبرة دافئة: واضح إن ألامومه طلعِت شرسة جدًا.
أغمضت عينيها للحظة وهمست بابتسامة باهتة:
وأنا اللي كنت فاكرة إن أصعب حاجة بالحياة الوحدة... طلع الأصعب إنك تحب حد للدرجة دي وتخاف عليه حتى من الهوا.
نظر نديم إلى صغيره طويلًا، ثم إليها...
ولأول مرة منذ شهور شعر أن هذا البيت، بكل فوضاه وتعبه وسهره، صار يشبه الحياة فعلًا...
ظلّت مغمضة العينين لثوانٍ، كأن جسدها يحارب كي لا يستسلم للنوم، بينما كان نديم يتابعها بصمتٍ طويل.
ثم قال بخفوت:
إنتِ آخر مرة كلتي إمتى.
فتحت عينًا واحدة بصعوبة وهمست:
مش فاكرة.
عقد حاجبيه فورًا قائلًا::
يعني إيه مش فاكرة.. ناسية إنك بترضعي، يعني محتاجة تغذية.
هزّت كتفيها بإهمال متعب قائلة:
كل ما أعمل حاجة يبتدي يعيط.
نظر لها للحظة، ثم نهض حاملًا الصغير بين ذراعيه وقال بجدية:
قومي.
رمشت باستغراب سائلة: على فين.
أجابها:
على المطبخ... هتاكلي.
أطلقت ضحكة واهنة قائلة:
الساعة داخلة على اتناشر بالليل يا نديم انا عاوزه أنام.
_ولو داخلين على السنة الجاية حتى... هتاكلي.
راقبته بدهشة وهو يتحرك في الغرفة والطفل فوق صدره، يربّت عليه بحذر، وكأنه يتعلم دوره الجديد خطوة بخطوة...
تحدثت وهي تراقبه بعينين نصف ناعستين:
إنت متأكد إن ده ابنك.
ضحك سائلًا:
ليه.
أجبته:
أصل أول أسبوع كنت بتبصله كأنك مستني حد يشرحلك طريقة استخدامه.
ضحك قائلًا.:
ما أنا فعلًا كنت مستني كتالوج..
ضحكت هذه المرة بصدق، ضاقت عيناه وهو يراقب ضحكتها، كأنه افتقدها دون أن يشعر.
ثم قال فجأة:
وحشتيني على فكرة.
تلاشت ضحكتها تدريجيًا، ونظرت له بصمت.
أكمل وهو يشيح بعينيه قليلًا:
البيت بقى كله صريخ ورضاعات وخناق مع النوم... وإنتِ بقيتي أم طول الوقت.
ثم ابتسم بخفة:
حتى وأنا داخل لقيتك باصة ليّ بنفس نظرة الممرضة المناوبة.
تنهدت وهي تهمس:
وأنا كمان وحشتني نفسي.
اقترب منها ببطء حتى جلس جوارها مجددًا، ثم قال بنبرة أكثر هدوءًا:
الحمل والولادة زادوكي جمال على فكرة.
تبسمت تهز رأسها بسعاده
هزّت رأسها بخفوت، قبل أن تسأله فجأة:
إنت خوفت.
نظر لها بعدم فهم سائلًا:
من إيه.
اجابته بتوضيح:
لما شوفت ابنك أول مرة... خوفت.
صمت لثواني، وكأن السؤال أعاده للحظة ولادته، ثم اعترف أخيرًا:
جدًا.
اتسعت عيناها قليلًا.أكمل وهو ينظر للصغير:
خوفت أبقى أب وحش... أو ماعرفش أحبه بالشكل الكفاية.
ابتسم بسخرية خافتة:
أنا أصلًا كنت يادوب بعرف أتعامل مع نفسي.
انبسط وجهها شيئًا فشيئًا وهي تستمع له، بينما تابع هو بصوت منخفض:
بس أول ما مسكت إيده... حسّيت إن فيه حاجة جوايا اتغيّرت غصب عني.
ساد الصمت بينهما للحظات، صمت دافئ هذه المرة.
ثم فجأة...
ارتفع صوت الصغير باكيًا مجددًا.
أغمض نديم عينيه باستسلام وقال:
لا ده بيسمعنا وإحنا بنتكلم عنه وبيدلع.
ضحكت هي بقوة أكبر هذه المرة، بينما نظر نديم للصغير بتضييق عينين قائلاً:
بص يا حبيبي... الرومانسية دي نادرة، فإما تهدى... يا إما هسلمك لأمك تاني.
شهقت بصدمة مصطنعة قائلة بمرح:
الله! بسرعة كده خنت القضية.
مال ناحيتها يضحك هامسًا بمكر:
أنا كنت بلطف الجو بس... إنما ده واضح إنه واخد عناده منك إنتِ.
رفعت حاجبها قائلة:
ماشى عناده مني أومال العصبية دي منين.
نظر لها بثقة قائلًا بمرح:
أكيد مش مني.
ضحكت وهي تهز رأسها بيأس، بينما كان نديم يراقبها بهدوء...
مدركًا أن هذا التعب، وهذه الفوضى الصغيرة، صنعت بينهما قربًا لم تصنعه سنوات كاملة من الراحة.
❈-❈-❈
بعد مرور فترة أخري
رفع فاروق رأسه عن حاسوبه حين دلف توفيق ومعه ياسين الذي هرول نحوه، نهض فاروق يستقبله بحنان أبوي..
تبسم توفيق قائلًا:
سمعني وأنا بكلم الخاج محي وبنتفق نتقابل هنا فى الشركه شبط وجه معايا.
إحتضن فاروق ياسين قائلًا:
مش مشكله يا عمي.
لحظات وغادر توفيق ترك ياسين مع فاروق الذي رافقة طوال اليوم حتى المساء...
وهما الإثنين سعداء...
مساءًا توقف فاروق بسيارته أمام بناية والد عهد ترجل من السيارة،ثم ذهب للناحيه الأخري أنزل ياسين،ثم جذب بعض الحقائب الخاصة ببعض الألعاب الذي إشتراها ياسين...كاد يعطيها له كي يذهب الى شقة توفيق،لكن توقف ياسين قائلًا:
بابا شوفت... توفيق
إنحني عليه قائلًا بتوجيه وحنان:
عيب تقول توفيق من غير جدو ... ده جدك زي جدو محي.
نفي ياسين قائلًا:
لا يا بابا مش جدو توفيق، أنا بحب جدو توفيق هو جدو محي زي بعض. انا مش بنادي حد بإسمه غير عهد..
انا قصدي توفيق إبن عهد
ضيق فاروق عينيه بإندهاش، حين أكمل ياسين بتوضيح:
عهد رجعت ومعاها بيبي... شبهك يا بابا.
إنصدم قاروق غير مستوعب، لكن حدثه ياسين بتحريض:
تعالي معايا وشوفه عشان تصدق.
بقبول من فاروق وافق، وصعد مع ياسين، فتح لهما توفيق... مرحبًا... بينما جذب ياسين يده الى غرفة عهد قائلًا:
تعالي معايا يا بابا عشان تشوف توفيق.
ذهب معه حتى توقف على باب الغرفة، شعر بتصلب فى جسده، وهو ينظر نحو الفراش... عهد غافية تضع كف يدها بخفه على صدر طفل صغير مولود حديثًا
إقترب بخطوات بطيئه، حتى توقف جوار الفراش... شعور غريب عليه غير مستوعب... وهو ينظر الى ذلك الطفل الذي يلعق شفتيه بلسانه، ربما يستعد للبكاء، بتلقائيه حمله من جوارها... لكن هي شعرت به فتحت عينيها، ونظر الى فاروق الذي أخذ الطفل، تحدثت بشوق:
فاروق.
تفوه فاروق بسؤال يُشبه نبرة
لوم... عتاب
_ليه كدبتي عليا يا عهد.
