رواية عهد الدباغ الفصل الرابع والاربعون
_ ليه يا عهد.
سؤال... عتاب.. أم لوم
الحقيقة الثلاث معًا بمشاعر متباينة
نظر لها فاروق فى اللحظة كل ما يشعر به نحوها مشاعر متعددة لكن الطاغي
الغضب... الكُره.
_هل وصل لتلك المرحلة...
هكذا ظنت عهد من نبرته... ظلت صامته، الى أن تفوه مره أخري بصوت أعلى بغضب واضح..
ارتجفت ملامحه للحظة قبل أن يشتد صوته أكثر، كأن السؤال لم يكن مجرد كلمات بل شبه صفعة مؤجلة:
ليه يا عهد.
تراجعت خطوة للخلف لا إراديًا، لكن عينيها بقيتا ثابتتين عليه، رغم أن بداخلها ينهار بصمت... الهواء بينهما صار منصهرًا أكثر من أن يُحتمل، وكأن الغرفة نفسها تحبس أنفاسها...
أعاد السؤال، لكن هذه المرة لم يكن سؤالًا فقط… كأنه محاكمة كاملة:
ردي… إيه اللي خلاكي توصلي لكده.. كدبتي ليه... وإزاي وليه.. وكلام الدكتورة ليا، كله كان كذب كان غرضك منه إيه يا عهد تعذبيني... براڤوا نجحتي وبإمتياز.
ابتلعت ريقها بصعوبة. عقلها يصرخ أن تبرر، أن تدافع، أن تقول أي شيء يخفف من حدة عينيه، لكن الكلمات كانت تتكسر قبل أن تخرج...
قالت أخيرًا بصوت منخفض، متهدج:
أنت مش عايز تسمع إجابة… أنت عايز تحكم عليا وخلاص.
اشتعلت نظراته أكثر، خطوة واحدة اقتربها كانت كفيلة بأن تُشعرها أن المسافة بينهم لم تعد مسافة جسدية فقط، بل هوة كاملة من الخذلان... تحدث بإحتداد:
أنا عايز الحقيقة يا عهد… مش تبرير.
ضحكت ضحكة قصيرة بلا روح، وكأنها لا تصدق جرأته:
الحقيقة لو وجعتك... هتسمعها ولا هتتهمني بيها كمان.
ساد صمت ثقيل.
في تلك اللحظة، لم تُعد مشاعر فاروق مجرد غضب… بل مزيجًا مضطربًا من شك قديم، وخيبة لم تُغلق، وجرح لم يلتئم... أما هي، فكانت تقف على حافة قرار واحد... أن تصمت وينتهي كل ما بينهما للأبد… أم تفتح بابًا للوجع قد لا يُغلق بعده شيء كما كان.
توقّف فاروق في مكانه، غضبه لم يختفِ تمامًا… لكنه تراجع خطوة، وكأن شيئًا اصطدم بداخله. نظر إليها بحدة أقل، لكن بارتباك واضح لا يريد الاعتراف به... قائلًا:
ساكتة ليه ردي على سؤالي.. الولد ده إبني...
ولما واجهتك بكلام اللدكتورة قولتي إنك أجهضتي إنتقام مش عاوزة شئ يربطنا...
مش فاهم.. إنتِ كان هدفك إني أتوجع، طب والدكتورة ليه قالت لى كده.
صمتت عهد تتنفس بقوة... دموع تتجمع فى عينيها.. كبرياء مازال يتحكم بها... تعصب فاروق قائلًا:
مش عاوزة تردي... تمام يا عهد إنتِ....
إنقطع بقية حديثه حين سمع صوت والدة عهد وهي تجاوبه:
عهد كانت مريضة يا فاروق.
_مريضة!
خرجت الكلمة منه كأنه يتذوق مرارتها لأول مرة...
رفعت عهد عينيها نحوه بصعوبة، ملامحها لم تكن قوية كما تحاول أن تبدو... الإرهاق كان واضحًا في وجهها، في وقفتها، في أنفاسها غير المنتظمة... تفوهت أخيرًا بتبرير:
أيوه…كنت مريضة.
صمتت لحظة، ثم أضافت بصوت أخف:
وكنت فاكرة إنك هتفهم… أو على الأقل تستني قبل ما تحكم.
انطفأ جزء من حدته فجأة، لكن مكانه لم يملأه الهدوء… بل ارتباك ثقيل... كأن كل ما بنى عليه غضبه بدأ يتشقق... سائلًا:
مريضة بإيه... ومن إمتى.
سؤاله هذه المرة لم يحمل أمرًا ولا لومًا مباشرًا، بل شيء أقرب إلى القلق الذي خرج رغمًا عنه...
أطرقت رأسها قليلًا، كأن الإجابة مؤلمة أكثر من السؤال نفسه.. قائلة بنبرة لوم:
مش مهم من إمتى… المهم إنك ما حاولتش تعرف... بعدت ولا إهتميت حتى تسأل أنا سافرت فين، أوحتى حاولت تتصل عليا طول الفترة اللى فاتت... كل اللى كان يهمك هو ياسين وتبعت مصاريفي أنا و ياسين، ياريتك حتي كنت إتصلت تنهي..
صمتت للحظة تبتلع ريقها وإستطردت حديثها بوجع:
ياريتك حتي إتصلت تطلب تنهي إرتباطنا.. لكن إنت كمان غلطت زيي، يمكن وقتها أنا مكنتش قادرة أتحمل ضغط نفسي، لكن إنت كمان محاولتش تفهم غير إني بكرهك.
اقترب خطوة أبطأ هذه المرة، لكن صوته ظل مشدودًا:
وأنا كنت المفروض أعرف إزاي وأنا شايف كلامك وبعدها سفرك بيترجم لحاجات تانية.
رفعت نظرها له أخيرًا، وفي عينيها مزيج تعب وعتاب:
اوقات البُعد بيكون راحة… أوقات بيكون وجع.
ساد صمت مختلف الآن… ليس صمت مواجهة، بل صمت إدراك متأخر، بدأ فيه كل طرف يرى الصورة من زاوية لم ينتبه لها من قبل...
تبدل الهواء في الغرفة بالكامل، كأن الجملة نفسها سحبت كل الحدة من المكان دفعة واحدة.
توقف فاروق تمامًا...
الغضب الذي كان يملأ ملامحه قبل لحظات لم يختفي فورًا، لكنه تجمد… لم يعد قادرًا على الحركة بنفس الشكل... عينه ثبتت عليها، لكن النظرة هذه المرة لم تكن اتهامًا، بل صدمة بطيئة الفهم حين سألها:
وإيه المرض اللى بسببه قررتي البُعد.
_ ورم عالرحم... بس كان ورم حميد.
-ورم… حميد
كررها كأنه يحاول ترتيب الكلمة داخل عقله أولًا...
ثم، قبل أن يجد تفسيرًا، خرجت الكلمة الثانية لتسقط أثقل من الأولى:
ورم مع الحمل كان ممكن الجنين فعلًا ينزل فى اي وقت.
سكت...
هذه المرة لم يكن صمت غضب، بل صمت فراغ...
عهد لم تتحرك... كتفها المنهك انخفض قليلًا، وكأنها كانت تحمل هذا السر وحدها لفترة أطول مما ينبغي لأي إنسان أن يحتمل... عيناها لم تبحثا عن تعاطف… فقط لم تعد تحتمل المزيد من المواجهة.
ماكنتش عايزة أقول… لأن مفيش حد كان هيفهم إزاي حاجتين عكس بعض كده في نفس الوقت.
تحركت شفتيه، لكن الصوت تأخر في الخروج... بدا وكأنه يحاول استيعاب أن كل الصورة التي بناها عنها قبل دقائق فقط كانت ناقصة… ناقصة بشكل مؤلم...
_ليه ما قولتيش.
خرج السؤال أخيرًا، لكن نبرته كانت مختلفة… أهدأ، وأثقل.
ضحكت عهد ضحكة قصيرة، مرهقة، بلا أي فرح قائلة:
مكنتش هتحمل نظرات شفقة يا فاروق، عارف إيه اللى زود ألم "فرح"... كان الشفقة اللى بتشوفها فى عيون اللى حواليها، الشفقة فتكت بقلبها سرعت بموتها، وأنا كان ممكن أموت أختارت ابعد عشان أبقي سايبه فراغ لو حصل والمرض إتغلب مني... البُعد يقلل من ألم اللى حواليا، محدش كان يعرف غير أنا وبابا وماما.. وأنا اللى قولت لهم محدش يعرف غيرهم.
تراجع خطوة للخلف، هذه المرة ليس غضبًا… بل كأنه فقد توازنه الداخلي للحظة...
نظراته نزلت للأرض، ثم عادت لها ببطء، وكأن ما يراه الآن ليس نفس الشخص الذي كان يواجهه منذ دقائق.
انا مكنتش هنظر لك نظرة شفقة يا عهد.. كنت هبقي سند.
جملة بسيطة، لكنها في هذه اللحظة كانت اعترافًا متأخرًا بكل ما لم يُسأل عنه في وقته الصحيح...
أما عهد، فبقيت واقفة… بين تعب جسدها، وثقل سرها، وهدوء مفاجئ جعل الغرفة لأول مرة أقل قسوة، لكنها لم تصبح آمنة بعد.
غص قلبها بوجع جلست على مقعد، عادت بذاكرتها قبل شهور
بالمشفي
غادر فاروق لجلب ثياب نظيفة لـ عهد بعدها بوقت قليل، دلفت الطبيبة الى الغرفة... قامت بإجراء معاينة طبية تفوهت عهد بسؤال:
إيه سبب النزيف اللى جالي.
اجابتها الطبيبة فى عندي شك ظهر على شاشة السونار... ونتايج الأشعة أكدت الشك.
تحفزت عهد وضعت يديها متشابكتان فوق بطنها كأنها تحاول حمايته من خبر لا تعرف شكله بعد... عيناها تفضحان قلقًا مكتومًا، بينما الأوراق أمام الطبيبة تصدر صوتًا خفيفًا وهي تُقلب نتائج السونار.
رفعت الطبيبة نظرها بهدوء، ثم أغلقت الملف قبل أن تتكلم بنبرة ثابتة محسوبة:
فيه ورم حميد في الرحم… "ألياف رحمية".
تجمدت ملامح عهد بصدمة للحظة، ثم همست بارتباك:
وده خطر على البيبي.
ساد صمت قصير، كأن الطبيبة تختار كلماتها بدقة لا تسمح بالذعر...
_مش دايمًا بيكون خطر.
قالت وهي تشير إلى صورة السونار تستكمل حديثها:
كل حاجة بتعتمد على الحجم والمكان.
اقتربت خطوة من الشاشة، وأكملت:
لو صغير أو بعيد عن تجويف الرحم، الحمل بيكمل طبيعي جدًا، والجنين مش بيتأثر.
ابتلعت عهد ريقها، برعب ليس على صحتها بل على صحة جنينها... لكن صوت القلق لم يختفي من سؤالها:
ولو الورم كبير.
تنهدت الطبيبة بهدوء، ثم أجابت بصراحة مهنية:
لو كبير أو قريب من المشيمة أو داخل تجويف الرحم، ممكن يضغط على مساحة الجنين أو يغير وضعه. أحيانًا كمان يزود احتمالية الولادة القيصرية... أو الإجهاض.
انخفضت عينا عهد نحو بطنها، وكأنها تحاول تخيل ذلك الضغط غير المرئي...
تابعت الطبيبة بصوت ألين هذه المرة:
بس المهم تعرفي حاجة… أغلب الحالات بتمر بسلام... بنراقب الوضع بسونار دوري، ونطمن على نمو الجنين باستمرار.
سكتت لحظة، ثم أضافت:
في بعض الأحيان الورم نفسه بيكبر مع هرمونات الحمل، وده ممكن يسبب ألم للأم، لكنه مش شرط يأذي الجنين.
رفعت عهد نظرها ببطء، نظرة يشوبها لمعة خوف ممزوجة بالأمل قائلة:
يعني ممكن أكمل حملي عادي.
ابتسمت الطبيبة ابتسامة صغيرة مطمئنة: أيوه… لكن بمتابعة دقيقة. وإحنا هنكون معاكِ خطوة بخطوة لحد الولادة..
في تلك اللحظة، لم يعد الورم هو ما يشغل رأسها… بل ذلك الخيط الرفيع بين الخوف والاطمئنان، الذي بدأت الطبيبة تمسك به بثبات لتعيده إلى مكانه الصحيح.
إبتلعت غصة قلبها، أغمضت عينيها جال برأسها وجه "فرح"...
وقسوة المرض عليها... نظرات الشفقة التي كانت تجعلها أحيانًا تبكي، ليس بسبب قسوة الألم بل بسبب تلك النظرات التى تُشعرها أنها تحتضر حتى وإن كنت ما زلت تتنفس...
تذكرت فرح بأيامها الأخيرة... قبل أن تدخل غيبوبة الموت...
سمعتها يومًا وهي جالسة فوق سجادة الصلاة تبكي بصوتٍ مُنهك، تدعو الله أن يشفق عليها من قسوة المرض... لم تعد تتحمل لا وجعه الذى ينهش جسدها، ولا نظرات الشفقة حتى من الأطباء اللذين لم يبقي بأيديهم حل سوى المُسكنات والتي أحيانًا لا تُسكن الألم...
تذكرت لحظاتٍ أخرى...
تركيب المحاليل الطبية لـ فرح، كانت أوردة يديها تهرب دائمًا، بصعوبة يستطيع الطبيب إيجاد وريد يغرس فيه إبرة المحلول... كل مرة كانت تتوجع فيها فرح، كانت تشعر وكأن الإبرة تُغرس بقلبها هي الأخرى.
صعب...
صعب... بل مُميت ذلك الشعور...
وصعب أكثر أن تعيشه مرتين...
يبدو أن المرض لعنتها هي وأختها...
لم تخاف من الموت بقدر ما خافت على من حولها...
والدتها ذاقت قسوة المرض ذاته، وكذلك جدتها التي ماتت به...والدتها تجرعت ألم فُراق فرح، وربما تكون هي التالية...
عذاب من حولها هو ما جعلها تشعر بالاختناق... أن ترى الحزن بعيني أحبائها كل يوم، أن تسمع محاولاتهم الكاذبة للتماسك، أن تشاهد الخوف مختبئًا خلف ابتساماتهم المرتجفة... ذلك كان أقسى من المرض نفسه...
لهذا... كانت ترتعب...
ليس لأنها ربما تموت...
بل لأنها لا تريد أن يتحطم قلب أحدهم بسببها مرة أخرى...
لم يكُن هنالك إختيار آخر
اختارت البُعد...
ورأت أن أبشع كذبة قد تكون أرحم من حقيقة قد تُدمره معها...
لهذا اتفقت مع الطبيبة أن تخبر فاروق بأنها فقدت الجنين...
إجهاض متعمد، أزمة وانتهت...
أما الحقيقة... فستدفنها داخل صدرها وحدها...
بعد وقت
كانت تجلس فوق الفراش الأبيض بالمشفى، شاحبة الوجه، تعبث بأطراف الغطاء بأصابع مرتجفة، حين دلفت الطبيبة بعدما أنهت حديثها مع فاروق بالخارج...
رفعت عهد عينيها نحوها بسرعة، سألت بصوتٍ مرتعش:
قال إيه.
تنهدت الطبيبة بأسف قائلة:
كان مصدوم... بس حاول يتمالك نفسه.
أغمضت عهد عينيها بقوة، شعرت بشيء بداخلها يتمزق، لكنها تماسكت بصعوبة هامسة:
كويس... لازم يصدق.
نظرت لها الطبيبة طويلًا قبل أن تقول بعتاب خافت:
متأكدة إنكِ عايزة تعملي ده... جوزك من حقه يعرف الحقيقة.
ابتسمت عهد بسخرية موجوعة، بينما دموعها تجمعت بعينيها:
الحقيقة هتعمل إيه غير إنها تقتله بالبطيء...
هيعيش كل يوم خايف يصحى يلاقيني بموت قدامه... زي فرح.
صمتت لحظة ثم أكملت بصوتٍ أوهن:
أنا شوفت المرض بيعمل إيه فالناس اللي بتحب المريض أكتر ما شفته فالمريض نفسه...
مش عايزة فاروق يعيش نفس العذاب.
ارتجف صوتها باللحظة الأخيرة رغم محاولتها الثبات:
يكرهني بسبب إجهاض... أهون عندي من إنه يفضل متعلق بواحدة مستنية الموت.
وقبل أن ترد الطبيبة...
انفتح باب الغرفة فجأة.
رفعَت عهد عينيها بصدمة...
لتجده واقفًا أمامها.
وجهه جامد بصورة مخيفة... وعيناه مثبتتان عليها بطريقة جعلت الدم يتجمد بعروقها.
لا تعلم...
منذ متى وهو يقف بالخارج.
ولا كم كلمة سمعها...
بالنهاية لم يسمع ذلك... واضح جدًا من ملامح وجهه.. وبعدها كان الصدام الذي حدث بينهما وتركها بالمشفي ولم يعود.
مرت أيام تسحبها شهور تخضع لرعاية مكثفة وحدها بأحد مشافي البحر الاحمر كان توفيق رفيقها... وكانت ميرفت مع ياسين التي تعذبت عهد بإبتعادها عنه، لكن فكرت أن ذلك تمهيدًا كي يستغني عن تعلقه بها، تحسبًا لو زاد الورم وإنتهت حياتها هي الأخري...
مرحلة شهور كاملة عاشتها بين الخوف والألم...
بين جلسات العلاج، ونوبات الإنهاك الحادة، وبين لحظة وأخرى كانت تشعر أن جسدها قد يخونها ببطء...
أحيانًا تتحسن قليلًا فتتشبث بالأمل...
وأحيانًا أخرى كانت تستيقظ فجرًا على ألمٍ مفاجئ... فتظن أن النهاية اقتربت بالفعل.
لكن أقسى ما كان يقتلها...
لم يكن المرض....
بل ذلك الفراغ الذى تركه فاروق في قلبها، إعترفت أخيرًا...
فاروق تسلل إلي قلبها ببطء حتى امتلكه بالكامل، دون أن تشعر متى حدث ذلك تحديدًا...
والمؤلم أكثر... أنها أصبحت تفهم فرح الآن...
كم كانت تلومها سابقًا على نظراتها، على شرودها حين يُذكر اسمه، على ذلك الضعف الذى كان يظهر بعينيها كلما اقترب فاروق منها...
كانت تظنها أوهام فتاة متعلقة برجل لن يكون لها يومًا...
لكنها الآن تحمل المشاعر ذاتها...
بل ربما بصورة أقسى...
لهذا فهمت أخيرًا حقيقة لم تستوعبها من قبل...
هي لم تأخذ مكان ولا مكانة فرح يومًا...
ولم تستطع أن تكونها...
هي... كانت مجرد محاولة من الحياة لترميم حياته.. هي من فرضت نفسها عليه بإرادتها..
والمشكلة أنها صدقت للحظة أنه أحبها فعلًا...
ضحكت بمرارة وهي تستلقي فوق الفراش الطبي، عيناها مثبتتان بالسقف الأبيض البارد، بينما عبر خاطرها سؤال موجع:
هل ما عاشته معه كذبً...
أغمضت عينيها سريعًا، كأنها تهرب من الإجابة...
لأنها للمرة الأولى... تخشى الحقيقة أكثر من المرض نفسه... أنها بلحظة قد تسمع خبر إرتباطه بأخري حتى لو لم يُنهي زواجهم.
مرت مرحلة كانت مليئة بالمرض النفسي أكثر من العضوي
وها هي بأمر من الطيب تلد قبل ميعاد ولادتها قيصريًا، ورحمة من الله
خرج الطبيب يُبشر توفيق الذي يرتعب خوفً:
الأم والبيبي بخير.. ولادتها كانت معجزة.. الحمد لله الورم كان فى جدار الرحم الخارجي... بعيد عن عُنق الرحم والمشيمة... إستئصالنا الورم بس نصيحة المدام تاخد فترة راحة قبل ما تفكر تحمل تاني.
أومأ له توفيق بفرحه قائلًا:
حتى لو مخلفتش غيره الحمد لله، متشكر يا دكتور على تعبك معانا الفترة اللى فاتت.
أومأ الطبيب ببسمه قائلًا:
ده واجبي، وحمد الله على سلامة المدام.. المدام هتفضل هنا للرعايه كام يوم.
اومأ توفيق... بنفس لحظة خروج عهد من غرفة العمليات كذالك طفلها الذي تحمله إحد المُمرضات وإقتربت به منه قائلة:
رغم الدكتور بيقول إنه مولود قبل ميعاده بس الحمدلله صحته كويسه، الدكتور قال يتحط فى الحاضنة بس للاطمئنان.
إرتجفت عينا توفيق وهو ينظر للصغير بذهول، شعر بشيء يضغط قلبه بعنف... ملامحه كانت تحمل شبهًا واضحًا من فاروق بصورة مؤلمة...
مد يده بتردد يزيح طرف الغطاء عن وجه الطفل قليلًا، فتنهد براحة خافتة يتمتم:
الحمدلله يارب.
بنفس الوقت صدح رنين هاتفه... شعر بغصة حين رأي إسم ميرفت، فتح الإتصال وتحدث إليها مُطمئنًا حين سألته:
عهد يا توفيق قلبي مش مطمن من ناحيتها، حتى كنت بتصل عليها من الصبح مش بترد عليا، أنا هحجز وأجيلكم، أنا خلاص مبقتش قادرة أتحمل وجع أكتر من كده، ليه ربنا بيختبرني الإختبار الصعب ده فى بناتي...
شفق قلب توفيق وقاطعها قائلًا بتطمين:
عهد ولدت يا ميرفت، وهي والبيبي بخير... الدكتور طمني عليهم.. والدكتور إستئصل الورم الحمد لله.
بفرحة قلب لكن مازال هنالك شعور بالقلق تنهدت ميرفت تود التأكيد قائلة:
يعني خلاص كده عهد بقت كويسه،أنا هحجز وأجيلكم... أنا لازم أشوفها بعنيا فلبي مش هيطمن غير لما أشوفها قدامي.
تنهد توفيق قائلًا:
صدقيني الدكتور قال هتفضل كام يوم هنا للرعاية والدكتور لما يكتب لها على خروج أنا هجيبها وأجي القاهرة، كفاية كده بقي.
أيام مرت تحسنت صحة عهد ليس بصورة كاملة لكن تستطيع الخروج من المشفي والعودة الى القاهرة..
عادت
لتجد والدتها فى إستقبالها بشوق ولهفة... تنظر اليها بتدقيق... لاحظت وهنها ونُقصان وزنها رغم أنها فقط وضعت من أيام كان لابد أن تكون زائدة فى الوزن... لكن زال بؤسها حين سمعت بكاء ذلك الصغير الذي يحمله توفيق.. تركت عهد وتوجهت نحوه حملته بفرحة كبيرة... بنفس الوقت خرج ياسين من غرفته.. وقف قليلًا مشدوهًا بطفوله... ثم سرعان ما هلل بفرحة:
عهد رجعت أخيرًا.. تبسمت له وهو يندفع عليها، شعرت بألم من إندفاعه وإصتطدامه بجسدها لكن تبسمت وهي تضمه بحنان، إستغرب ذلك الصغير التى تحمله ميرفُت، ترك عهد وتوجه نحو ميرفت التي جلست على أحد المقاعد، نظر له نظرة مُبهمة سائلًا:
مين ده.
أجابته عهد:
ده توفيق أخوك الصغير.
نظر له وتبسم بطفولة قائلًا:
ده شبة بابا.
أومأت عهد ببسمة، بينما تعلق ياسين بأخيه سريعًا.
تنهد توفيق حين رأي إنشغال ياسين بأخيه قائلًا:
هتعملى إيه دلوقتي،أظن كده كفاية...فاروق لازم يعرف بإبنه التاني.
تبسمت عهد وأومأت قائلة:
أيوه لازم يعرف،بس مش هيعرف مني.
ضيق توفيق عيناه لكن سرعان ما تبسم حين أشارت عهد رأسها نحو ياسين.
وبالفعل ياسين هو من نفذ قرار عهد.
عادت من تلك الذكريات المريرة على صوت بكاء صغيرها الذي مازال فاروق يحمله...
بتلقائية أعطاه لها.. أخذته منه وهي تنظر الى ملامح فاروق تنتظر رد فعل منه، داخلها تود نسيان ما مضى والبدء من جديد بلا لوم ولا عتاب و بلا أوجاع الماضي التى التهمت جزء كبير من قلبيهما...
لكن فاروق خيب ذلك الصمت كله.
قال ببرودٍ موجع:
تمام.
كلمة قصيرة... جامدة... كأنها سُدت بها كل الأبواب في وجهها...
تجمدت ملامحها للحظة، وانخفضت نظراتها نحو طفلها وكأنها تبحث فيه عن توازنها المفقود..
ابتلعت غصتها بصعوبة، بينما حاولت أن تُقنع نفسها أن "تمام" لا تعني النهاية...
لكن قلبها كان يفهم جيدًا أن بعض الكلمات، رغم بساطتها، تُغلق فصولًا كاملة من الحياة دون رجعة.
وقف فاروق للحظة، عيناه ثابتتان عليها وعلى الطفل بين ذراعيها، ثم استدار دون كلمة إضافية.
خطواته كانت بطيئة في البداية، كأنه يقاوم شيئًا داخله، ثم ازدادت ثباتًا مع كل خطوة يبتعد بها.
لم يلتفت خلفه.
ظل صوته الوحيد هو وقع خطواته وهو يغادر المكان، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا يضغط على صدرها أكثر من أي عتاب.
تابعته بعينيها حتى اختفى تمامًا، ثم خفَتت ملامحها تدريجيًا وهي تضم طفلها أقرب إلى صدرها، كأنها تحتمي به من الفراغ الذي تركه رحيله.
وبينما كانت واقفة وحدها...
أدركت أن كلمة "تمام" لم تكن نهاية كلام فقط.
كانت بداية غياب جديد.
توقفت لثواني وهي تراقب الفراغ الذي تركه خلفه، كأن عقلها يرفض تصديق أنه مشى بهذه البساطة.
شدّت طفلها إلى صدرها بقوة، حتى كاد بكاؤه يخفت بين ذراعيها، لكنها لم تنتبه إلا لارتجاف يديها.
تقدمت خطوة للأمام، ثم توقفت فجأة، كأنها كانت ستلحق به بلا وعي ثم أدركت استحالة ذلك.
ارتجفت شفتاها وهمست بصوتٍ مكسور:
مشي... كده.
نزلت دمعة ثقيلة، تبعتها أخرى أسرع،
جلست على أقرب مقعد وهي تحتضن طفلها، وكتفها يهتز بصمت موجع، كأنها تحاول كتم صوت الانكسار فلا يخرج...
كانت تتنفس بصعوبة، وكل نفس يذكرها أنه لم يصرخ، لم يعاتب، لم يقاتل لأجلها... فقط قال "تمام" ومشى.
مسحت دموعها بسرعة بظهر يدها، لكنها كانت تعود فورًا، أكثر إصرارًا...
وفي لحظة ضعف صادق، همست لنفسها بصوت متهدج:
ـ أنا عملت كده عشان كنت خايفة من نظرات الشفقة.
ثم أغمضت عينيها بقوة، كأنها تحاول أن تُقنع قلبها قبل عقلها، بينما طفلها بين ذراعيها يهدأ تدريجيًا، وكأن بكاءه هو الشيء الوحيد الذي يربطها بالحياة في تلك اللحظة.
نظر لها توفيق قائلًا:
قولتلك نعرفه من بدري، دلوقتي هتعملى إيه.
رغم غصة قلبها لكن تبسمت قائلة:
هرجع فاروق يا بابا،ومعايا بدل الكارت إتنين.
هز توفيق رأسه يعرف عهد حين تضع برأسها هدف.
****_______
بينما فاروق لم يستطيع البقاء أكثر يقاتل بين كرامته التي تنزف، وقلبه الذي لم يتوقف عن التعلق بها... كان داخله صراعٌ عنيف يكاد يمزقه.
لابد من قرار... هذه المرة بلا تردد.
إما أن يتركها للأبد كما قال لنفسه منذ لحظات، ويغلق هذا الباب الذي أنهكه حيًّا...
أو يعود، ويكسر كل ما بناه من جدار صمتٍ وبرود، ويعترف أن رحيله لم يكن قوة، بل هروبًا من وجع لا يحتمله...
والأفضل الآن الهروب حتى لا يأخذ قرار خاطئ
بعد قليل وصل الى منزل الدباغ ترجل من السيارة.. دلف الى المنزل لكن تقابل مع محي الذي نظر له، تأكد من صرامة ووجوم ملامحه أنه بالتأكيد علم بشأن عودة عهد ومعها طفل صغير، رفع يده بابوة واضعًا يده فوق كتف فاروق قائلًا:
مبروك ما جالك يتربي فى عزك ودلالك... أنا فكرتك هتجيب عهد وياسين معاك.
نظر له بذهول قائلًا:
إنت كنت عارف إن عهد منزلتش الجنين.
أجابه محي بتوضيح:
عرفت من فترة صغيرة وكانت صدفه بكلم توفيق وبسأله عن عهد فقالي.
_طب ليه مقولتليش.
أجابه:
توفيق حلفني، وان دي رغبة عهد.
_رغبة عهد.. وأنا كده ماليش أهمية.
هكذا تحدث فاروق بحدة وصوت مرتفع... تنهد محي قائلًا:
دي بنتهم يا فاروق متنساش سبق فقدوا فرح بالمرض... ربنا ما يدوقها لحد أصعب فراق هو فراق الضنا.. والخوف اتملك منهم خلاهم خايفين على عهد فطاوعوها كنوع من الدعم...
وكمان لو ركزت أنا كتير لمحت لك وقولت له ـ اتصل على عهد، شوف حل لحياتكم... حتى لو بالانفصال.
تنهد فاروق ببطء، كأنه يبتلع كلامًا أثقل من قدرته على التحمل...
رفع عينيه نحو النافذة، صمت طويل مرّ بينه وبين ياسين، قبل أن يقول بصوتٍ منخفض لكن حاد:
وإنت شايف إن الانفصال هو الحل.
أجابه محي بهدوء ثابت:
أنا شايف إنكم واقفين بتوجعوا بعض أكتر ما بتكملوا مع بعض.
ساد الصمت مرة أخرى شد فاروق على الهاتف في يده، ملامحه متحجرة، لكن عينيه كانتا تفضحان اضطرابه.
تنهد محي بصوت خافت:
ليه ترجعوا لنقطة الوجع... لازم تتفاهموا.
أبعد فاروق نظره، كأنه يهرب من الحقيقة، ثم قال بنبرة أخف قليلًا:
عهد مش سهلة… وأنا كمان مش قادر أبعد.
اقترب محي خطوة، وصوته أكثر صراحة:
يبقى لازم قرار واضح يا فاروق.
يا تكملوا صح… يا تسيبوا بعض بوضوح، من غير ما تفضلوا معلّقين بعض في نص طريق.
ظل فاروق صامتًا للحظات طويلة، ثم أطلق تنهيدة ثقيلة كأنها خرجت من أعماقه.
وضع الهاتف على الطاولة ببطء، دون أن يحسم أي شيء... لكن داخله كان يدرك أن الكلام لم يعد كافيًا، وأن المواجهة الثانية مع عهد قادمة لا محالة.
❈-❈-❈
بعد مرور أيام
ظهرًا
ترجلت عهد من السيارة داخل مزرعة الخيول الخاصة بـ فاروق، ثم أرسلت له رساله على الهاتف:
ارسلت رسالة الى فاروق.
أنا فى مزرعة خيل لازم نتكلم ضروري.
ارسلت ذلك وأغلقت الهاتف...
بضجر تعصب من رسالتها فليست الرساله الأولى... لكن هذه المرة تخبره أنها بإستراحة المزرعة...
قرر الذهاب إليها والحديث معاها بشأن قرار إتخذه ولابد أن تنفذه. فلن تبقي حياتهم هكذا كل منهم فى مكان.
بعد وقت قليل
خفق قلبها بشوق حين رأت فاروق يترجل من السيارة
تبسمت حين رفع وجهه نحوها كان يبدوا عابسًا بوضوح، تركت الستائر وجلست تنتظر دخوله الى الاستراحة..
دلف نظر نحوها تنهد بضجر قائلًا:
إيه اللى جابك المزرعة يا عهد.
سارت نحوه بخطوات متهادية متعمدة الدلال قائله:
أنا مجتش بمزاجي دول ضغطوا عليا.
لم يؤثر دلالها وتسأل بحنق:
ومين بقى اللى ضغطوا عليكِ.
أصبحت قريبه منه خطوتين تبسمت بدلال:
ولادك اللى ضغطوا عليا وقالوا عاوزين نلعب مع الخيل.
نظر لها بنزق قائلًا بنبرة إندهاش مصطنع:
ولادي، ويا ترا مين فيهم بقي اللى ضغط عليكِ أكتر.
تبسمت وهي ترفع إصباعيها السبابة والوسطي قائلة بإصطناع:
الاتنين، أنا مغلوبة على أمري معاهم.
نظر لها بإندهاش مُصطنع قائلًا:
مغلوبة يا حرام.. ومين فيهم اللى كان له تأثير أقوي.
إقتربت وإنعدمت المسافة شبه مُلتصقة به رفعت إحد يديها تغبث بأزرار قميصه قائلة بغنج:
اللى له تأثير أكتر... توفيق.
نظر لها بنزق قائلًا:
توفيق اللى مكملش شهرين هو اللى عاوز يلعب مع الخيل.
أومأت رأسها ببراءة قائلة:
أهو عندك جوه إسأله.. أنا بس طاوعتهم إنت عارف إنى ماليش فى الخيل، بس واضح إن ولادك زيك بيحبوا الخيل.. وأنا أُم يهمها راحة ولادها... ولا إنت عندك إعتراض، لو عندك إعتراض ولادك نايمين جوا لما يصحوا قولوا لهم.
تحدثت وهي مُستمرة فى الدلال كذالك العبث بأزرار قميصه حتى أنها فتحت أكثر من زر، وتسللت يدها الى صدره...
شعر فاروق بملمس يدها على على صدره كذالك انفاسها قريبه من عُنقه
زفر نفسه أغمض عيناه يحاول التماسُك أمامه، رفع يديه وضعهما حول عضديها وكاد أن يدفعها لكن تفاجئ حين رفعت يديها وضعتهما حول عُنقه بنفس اللحظة كانت شفتيها تلتصق بشفتيه بقُبلة مُترقبة....
شوقه إليها جعله فى البداية يستمتع بالقُبلة لكن مجرد لحظات وتجمد، كاد يدفعها لكن عهد ثبتت يديها حول عنقه، زفر قائلًا:
عهد...
قاطعته:
أنا بحبك يا فاروق... الجميلة وقعت فى حب الوحش وهي اللى رجعت له بنفسها.
نظر لها وتهكم للحظة، وكاد يتفوه يذكرها بما قالته سابقًا... أن ذلك فى الحكايات الخيالية
لكنها وضعت يدها على فمه تمنعه... ثم قالت:
فاروق، بعترف إني كنت غلطانه بس وقتها سيطر عليا خوف أرجوك خلينا ننسي ونتلم بعيالنا سوا.
نظر لها لوهله كاد يعترض لكن فكر بمكر قائلًا:
الرجوع له شروط يا عهد.
بلا تفكير قالت:
موافقة على كل شروطك...
