رواية اشتد قيد الهوي الفصل الخامس والاربعون
تسير بخطواتٍ غاضبة نحو الخارج وصدرها يضيق بما لا يُحتمل من غيرةٍ وقهر... قلبها لا يطاوعها على الرحيل لكن عقلها يدفعها إلى الابتعاد وكرامتها تثور بعنفوان....
وحين صلت الى سيارتها وجدت من يعترض طريقها واقفًا أمام بابها....نظرت إليه بضيقٍ من خلف نظارتها السوداء.....
"عايز إيه ياسلامة...."
قالتها بحدةٍ تكشف عن انزعاجها وغضبها الشديد من ترك زوجها خلفها بتلك البساطة
مع تلك الحيّة
بادر سلامة بالكلام في محاولةٍ لرأب الصدع بينهما
"أيوب أكيد ما كانش يقصد اللي فهمتيه... صدقيني هو بيحبك..."
التفتت تنظر إلى مبنى الورشة من خلفها وشيطانها يحثّها على العودة أن تجرّ تلك الحية من شعرها إلى خارج المكان طاردةً
إياها شرَّ طريدة...
وفي الوقت نفسه كان عقلها يحثها بالتريث فهي من حكمت على نفسها وعليها أن تقبل بما هو أتي لا محالة.
عاد سلامة يقول محاولًا التخفيف عنها...
"أيوب بجد بيحبك... أنا مش عارف ماله."
قالت بنبرة بعيدة....
"يمكن بطل يحبني..."
استنكر سلامة مدافعًا...
"مظنش... مفيش حد داق الحب يقدر يبطله. مش بمزاجنا..."
تبرمت قائلة بغباء...
"عادي يعني لو حب غيري... كله حب..."
عقب سلامة مستهجنًا...
"بس مفيش واحدة تيجي مكان واحدة... ولا ينفع تحبها بدل التانية..."
حدقت فيه نغم باستغراب ودفعها الفضول لطرح سؤال غير مباشر....
"بتكلم وكأنك حاولت تعمل كده... حساك بتقولها من قلبك أوي..."
امتنع سلامة عن الرد ونظر في مكان آخر فقالت
نغم بنفس الفضول...
"أنا أعرف من أيوب إنك اتجوزت..."
أومأ سلامة مبتسمًا نصف ابتسامة...
"آه الحمد لله... اتجوزت واحدة بنت حلال..."
سالته باستطلاع...
"وبتحبها على كده؟..."
رد مباشرة...
"هي بتحبني..."
تعجبت نغم وتضايقت من الردمتعاطفة تلقائيًا مع تلك الزوجة...
"وأنت؟..."
أومأ برأسه مدركًا خطأه...
"آه أكيد بحبها... دي مراتي..."
ثم غير مجرى الحديث بالقول...
"تحبي أوصلك... أسوق العربية مكانك..."
رفضت نغم...
"لا شكرًا..... أنا كويسة..."
ألح سلامة مجددًا...
"اسمعي مني يا نغم هانم مش هينفع تسوقي كده..."
نظرت إليه نغم بتجهم...
"بلاش هانم دي... كفاية نغم..."
قال باحترام...
"المقامات محفوظة يا هانم..."
قالت بانزعاج..
"بس أنا بقولك يا سلامة مش بقوله يا بيه ولا يباشا..."
ابتسم بسخرية معقبًا...
"عشان أنا لا بيه ولا باشا... بس انتي هانم..."
جادلته نغم محتجة...
"أنا مرات صاحبك... يعني عادي لو نادتني باسمي. وعلى فكرة هانم دي بقت قديمة أوي..."
برقة عينا سلامة بشقاوته الفطرية...
"خلاص هاناديكي بأم رُبى... لحد ما تيجي..."
ارتفع حاجبا نغم في صدمة وتسللت إلى شفتيها ابتسامة ذاهلة...
"دي كمان أيوب قالك عليها؟!"
أومأ برأسه مؤكدًا بزهو...
"صاحبي وأخويا وبختار معاه أسماء عياله..."
التوت شفتيها في ابتسامة باردة تقطر تعاليًا وعنجهية يصعب محوها من شخصيتها فهو
جزء منها... من ابنة الذوات.....
"أختار... المهم التنفيذ هيبقى عند مين..."
تمتم سلامة سرًا...
"واضح إن أبو الصحاب مش مسيطر..."
سألته بهدوء...
"بتقول إيه..."
قال سلامة ببديهية....
"بقول لازم أوصلك... عشان ميحصلش حاجة في السكة..."
رفضت نغم وهي تستقل سيارتها ببساطة...
"مش هيحصل حاجة. ارجع لايوب... متسبهاش معاه كل ده..."
تعجب من رد فعلها البارد غير المبالي ورحيلها
هكذا فسألها بشك....
"أنا حاسس إنكم مخبين عني حاجة... انتوا بتخططوا لإيه بالضبط..."
أدارت محرك السيارة وقبل أن تتحرك قالت بهدوء مبهم...
"اسأل صاحبك..."
انطلقت بسيارتها أمام عينيه لتشق الطريق وتختفي عن أبصاره. عندها عقد سلامة العزم متمتمًا قبل أن يعود للورشة....
"اسأل صاحبي؟!... هسأل صاحبي ماهو مش طبيعي يسيبك ويروح لها... وانتي تمشي كده من غير ما تعملي حاجة..."
.................................................................
جلس أيوب بجوارها على الأريكة يسألها باهتمامٍ مبالغ فيه بعدما ظل إلى جانبها تاركًا زوجته تغادر هكذا دون أن يلتفت إليها...
"قادرة تدوسي عليها؟...."
أومأت ليان برأسها مؤكِّدة وهي ترمقه بنظرةٍ يملؤها الشكّ مما حدث للتو أمامها....
"نغم أكيد اضايقت من اللي حصل....كان
لازم تروح وراها...."
تأفف أيوب بملامح حانقة...
"متشغليش بالك هي كده طول الوقت شكاكة... ونكدية... العيشة معاها بقت صعبة..."
عقدت ليان حاجبيها بعدم استيعاب...
"غريبة... من كام يوم بس كانت أموركم تمام... وباين عليكم الحب والانسجام..."
دار أيوب حول المكتب ثم جلس على المقعد قائلًا بشجن...
"ده اللي ظاهر للناس... لكن الحقيقة غير كده..."
نهضت ليان من مكانها تخطو باتجاه المكتب حتى جلست على المقعد المقابل له والتطفل والمكر يشعان من عينيها...
"وإيه هي الحقيقة؟!..."
نظر إليها أيوب قليلًا ثم أجاب...
"مش عايز أصدعك بمشاكلي..."
هتفت بلهفة مريبة...
"أنا حابة أسمعك.... يمكن نحلها سوا..."
أطرق أيوب برأسه والقلم يتحرك بين أصابعه بصورة ثابتة تزامنًا مع رده عليها...
"ياريت ليها حل... أنا عملت كل حاجة عشان الجوازة دي تستمر بس للأسف...هي من عالم وأنا من عالم تاني خالص..."
بدت الصدمة أكثر وضوحًا على وجه ليان فقالت باستنكار...
"معقول لدرجادي؟!... إنت أكيد بتهزر..."
رد عليها بصلابة...
"ودي حاجة ينفع أهزر فيها؟..."
مالت إلى الخلف في مقعدها قليلًا مقطِّبةً جبينها وهي تقول باستغراب...
"مش قصدي... بس إنت بتحبها..."
تبرم أيوب وهو يمضغ الحديث كمن يمضغ الحصى وهو يجيب...
"كتر المشاكل اللي بينا نستنا الحب ده... حتى هي كمان نسيته..."
صمتت ليان لحظةً تفكّر في الأمر لكنه لم يمنحها فرصةً للتفكير وقال بأسلوبٍ لبقٍ لطيف...
"سيبك إنتي... أنا بعتذرلك عن أسلوب نغم معاكي امسحيها فيا..."
وكأنها لم تسمع اعتذاره لتقول على نحو مفاجئ...
"طالما في بينكم مشاكل ليه مطلقتهاش؟..."
بهت وجه أيوب من سؤالها فتبادلا النظرات لوهلةٍ معها بمشاعر متوجسة. سألها بغضب مكتوم...
"وانتي مهتمة كده ليه بالنقطة دي؟!..."
ظهر الارتباك والاضطراب جليًا عليها لتقول بشيء من الحرج...
"عشان إنت مهم عندي... وأكيد تهمني راحتك. لو مش مرتاح معاها طلقها..."
كبح مشاعره بصعوبة وهو يقول بثبات...
"مش بسهولة دي... في حاجات كتير عني إنتي متعرفيهاش..."
سألته ليان متعجبة...
"زي إيه؟... إنك بتحبها مثلًا عشان كده مش قادر تسيبها؟..."
هتف أيوب بوجوم...
"مانا لسه قايلك إن كتر المشاكل اللي بينا نستنا الحب ده..."
تجردت من أقنعتها وقالت بوقاحة تعبر عن رغبتها المكنونة في الوصول إليه...
"طب خلاص طلقها... وإنت... إنت أي واحدة تتمناك... بص حواليك كويس هتلاقي الأحسن مستني إشارة واحدة بس منك..."
شعر أيوب بالتقزز منها حين انحرف الحديث بينهما إلى هذا الحد فتماسك قدر المستطاع ليقول بصلابة...
"حتى لو زي ما بتقولي... مش هينفع..."
قالت بضيق وغل...
"وليه بقى مش هينفع؟..."
قال أيوب بخشونة...
"عشان أنا مديون... مديون بمبلغ كبير أوي لباباها.... وكنت حاطط أمل إن فوزي في المسابقة هيغطي على الدين ده وآخد الخطوة وأصرحها إننا..."
اتكأ على أسنانه بعصبية وهو ينطق الكلمات بصعوبة...
"إن الحياة بينا مش هتكمل بالشكل ده..."
ثم استرسل بلؤم حين وجد انعكاس الكلمات
يبرق كالعاب النارية في عينا ليان من شدة الفرح....
"بس يا خسارة... التصاميم اتسرقت وكل حاجة وقفت... ومعنديش وقت أفكر أعمل غيرها ومش عارف اللي سرقهم هيعمل بيهم إيه ضدي..."
سألته بنظرة مترددة وكأنها بدأت تفكر في الأمر...
"يعني الموضوع كله واقف على التصاميم؟!..."
أومأ أيوب وفي تحفظٍ تام قال...
"على فوزي في المسابقة... بس برضه سرقة التصاميم مش حاجة هينة..."
أرجعت ليان خصلةً من شعرها خلف أذنها وبعينين هاربتين من نظرته الثاقبة نحوها قالت...
"أكيد هنلاقيها يا أيوب متقلقش... هندوّر تاني يمكن وقعت هنا ولا هنا..."
رسم الأسى على محياه ببراعة قائلًا...
"ياريت يا ليان... ياريت نلاقيها... هتحل مشاكل كتير أوي عندي..."
عضت ليان على باطن شفتيها وهي تنظر للأمام بتفكير بينما وجّه أيوب نظراته الغاضبة نحوها متوعّدًا لها...
..............................................................
كلما تحركت عقارب الساعة أمام عينيها ازداد فتيلُ صبرها احتراقًا بينما اعصابها تنهار من طول الانتظار وكثرةُ التفكير في عواقب خطّتها الوضع الراهن يجعل منها فريسةً
سهلةً للغضب والغيرة...
كيف سمحت لنفسها أن تضع مثل تلك الخطة الغبية وتدفع زوجها إلى تنفيذها بعد الحاح فيما تقف هي من بعيد تشاهد امرأةً تأخذه منها؟
امرأةً فتحت لها الطريق بيديها ومنحتها الإذن لتقترب منه !...
عضت على قبضتها بعصبية وهي تشتعل داخليا من كثرة التفكير والندم.....
تذكرت حين تحدثا حول الأمر وكيف وضعت هي الخطة واثقةً من نتيجتها كما كانت واثقةً من حبّ أيوب لها رغم ما كان يعتريها من خوفٍ وغيرةٍ وترقّب....
نظر أيوب إلى عينيها ثم سألها بهدوء تام.....
(قولي يا بنت الذوات سمعيني أفكارك الجهنمية...)
برقت عيناها بنشوة الانتقام لتقول...
(الحاجة اللي هترجعلك تصاميمك من تاني
إنك تكسب ليان في صفك...)
سألها بعدم فهم...
(أكسبها في صفي إزاي؟...)
قالت نغم بترقب...
(تحقّق لها المستحيل... إنك تبعد عني عشانها...)
ارتسم الاستهجان على وجهه معقبًا ...
(إنتي بتهزري.... صح؟...)
هزت رأسها نفيًا بجدية تامة...
(أكيد مش بهزر...)
تأفف أيوب قائلًا بانزعاج واضح...
(يبقى بتختبريني؟... ليان مين دي اللي أبعد عنك عشانها وبتحطي نفسك ليه معاها؟... إنتي مش عارفة إنتي بالنسبالي إيه؟... مش واخدة بالك إن اللي بينا أكبر من كده؟...)
تفاعل قلبها مع كلماته فمدت يديها وأحاطت وجهه بهما قائلة بوله...
(عارفة يا حبيبي كل ده... ومتأكدة إن لا هي
ولا غيرها هيبعدونا عن بعض بس دي محاولة... محاولة نكشفها على حقيقتها وترجع تصاميمك...)
أزاح أيوب يديها برفق ثم أمسك بهما بين كفيه متكئًا عليهما وهو يقول بشرود...
(التصاميم ممكن أعيد رسمها تاني مش صعب... الفكرة بس في مين سرقها وهيعمل بيها إيه؟ وده ليه علاقة بالمسابقة.... ولا عشان حاجة تانية؟...)
قالت نغم بإلحاح...
(الإجابات دي كلها عندها... اسمع كلامي وخلينا ننفذ...)
رفض أيوب بشدة...
(مستحيل أعمل كده...ده مش مبدئي إني ألعب بمشاعرها عشان أوصل لحاجة لسه مش متأكد إنها هي اللي وراها ولا لأ...)
ثم نظر إليها بحيرة مسترسلًا...
(وبعدين إنتي هتقبلي بحاجة زي دي... ده إنتي غيرتك نار يا حلاوة... نار بتحرقي نفسك بيها قبلي...)
أسبلت جفنيها تُخفي خلفهما حقيقة رفضها لتلك الخطة وهي تنطق بكلمات لا يطاوعها عليها قلبها...
(لازم نعمل كده يا أيوب... هو ده مفتاح ليان إنك تسيبني وتبقى معاها...)
رفع يديها إلى فمه يلثمهما بقبلٍ حانية دافئة وهو يتحدث بعاطفة تحتويها بقوة...
(أنا مش عايز حد غيرك... تغور المسابقة وأي حاجة ممكن تبعدنا عن بعض...)
حاولت نغم مجددًا...
(يا أيوب اسمعني...)
رفض أيوب بشتى الطرق...
(مش هعمل كده يا نغم... أكيد في سكة تانية
غير السكة دي...)
قالت نغم باستياء...
(دي السكة الوحيدة اللي هتوصل بيها...)
ألقى أيوب نظرة سريعة على شاشة هاتفه والاتصال الوارد قبل أن يلتفت إليها قائلًا...
(استني أرد على سلامة شكله في حاجة في الشغل...)
فتح الخط أمام عينيها وبدأ يسمع حديث سلامة على الطرف الآخر لتتسع عيناه بصدمة ويتصلب فكه بتشنج وهو يعلق بعدم تصديق...
(بتقول إيه؟...)
نظرت إليه نغم بقلق ليضيف أيوب بنفس الصدمة وقد بدا الغضب يستبد منه...
(هو قالك كده تمام؟.....شوية وهنزل أقابلك...)
عندما أغلق الخط سألته نغم باهتمام...
(في إيه؟...)
تلاقت عيناه بعينيها بملامح مشدودة منفعلة بالصدمة وإحساس لاذع بالخيانة والغدر...
(كنا ظالمين محمود...)
بدت عليها الحيرة وهي تفكر ...
(محمود مين؟....ده الولد الصغير اللي شغال معاكم؟...)
أومأ أيوب برأسه قائلًا...
(طلع خوفه ده كله عشان شاف ليان بتولع في المخزن وقت استراحة العمال.. وبعدها خرجت
منه قبل ما حد يشوفها...)
عقبت نغم باستغراب...
(وليه ما قالش؟.... وليه كان خايف وقتها؟...)
أجابها أيوب بجزع...
(خاف ما نصدقهوش ونقطع عيشه... عشان كده سكت...)
أوغرت صدر نغم بالغيظ والغضب وهي تقول بنبرة محتدة...
(عرفت إنها تستاهل كل اللي هيجرالها... أكيد شغالة لحساب حد...)
شردت نظرات أيوب مفكرًا في الأمر بملامح متيبسة يتوارى خلفها غضب مهول كبركان ثائر على وشك الانفجار...
عادت من هذا الحدث إلى حدثٍ أقوى وهو دخول أيوب من باب الشقة بعد أن تركها تغادر من الورشة ليبقى مع ليان كما اتفقا...
بعد مشادّةٍ كلاميةٍ مُزيّفة حدثت بينهما... ورغم زيفها الواضح لهما كانت قاسية بقدر الحب الذي يكنّه كلٌّ منهما للآخر....
تبادلا النظرات بمشاعر من الرهبة والخوف على هذا الحب خشية أن ينقلب السحر على الساحر ويخونهما ذكاؤهما...
لم يتحدث أيوب كل ما فعله أنه فتح ذراعيه لها بصمت يناديها بعينيه أن تأتي وتُشبع هذا الاحتياج الذي يناديها هي دون غيرها....
لم تنتظر كثيرًا فهي كانت بأمسّ الحاجة إلى عناقٍ منه يطمئنها أن ما بينهما باقٍ... وأن الباقي منه لا ينفد ولا ينتهي !...
استنشقت رائحته وهي تُمرمرغ وجهها في صدره بينما هو احتواها بكل حب فهي كل الحب..... وأجمل ما في الحب...
"حضن مطارات ده وكاني كنت مسافر ورجعت..."
خرجت نغم من أحضانه تنظر إلى عينيه بغضب والغيرة كجذوةٍ مشتعلة في صدرها....
"قولتلها إيه؟ وقالتلك إيه؟... اتكلمتوا عني؟"
ابتعد أيوب عنها نازع سترته عنه ثم ألقى جسده بإنهاك على الأريكة ليقول بسخرية قاتمة....
"السيرة كلها كانت عنك يا حبيبتي..... ليان طلعت بتعزك أوي...."
التوى فمها بقرف....
"متهزرش...."
ابتسم أيوب باستهزاء قائلًا....
"أكيد بهزر ما العكس صحيح... مستنية بفارغ الصبر اليوم اللي نسيب بعض فيه.... شوفتي بتعزك إزاي..."
تمتمت نغم بشرود....
"عشان تتجوزك...."
وحين لم تجد منه ردًا قالت بضيق....
"ساكت يعني؟...."
قال بتفكير....
"بفكر...."
توسعت عيناها بصدمة معقبة بصيحةٍ عالية....
"تتجوزها؟!...."
انتفض أيوب في مكانه بعد صرختها المباغتة فقال بتهكم....
"إنتِ عايزة توقعيني في غلط وخلاص.... بفكر في الفكرة بتاعتك هتنجح ولا باين إننا بنمثل عليها."
تبرمت نغم بغيظ وهي تعاتبه بعينيها....
"لا اطمن إنت ممثل هايل وقدرت تقنعها إنك مش طايقني...."
وبنفس أسلوبها المعاتب قال....
"وانتي كمان أكدتي للكل إن بينا مصانع الحداد...."
أشارت نغم إلى نفسها بذهول....
"إنت جاي تعاتبني يا أيوب؟...."
اشتعل صدره كمرجلٍ ناري وهو يقول بحنقٍ مكتوم....
"عارفة يا نغم أنا نفسي في إيه؟...."
نظرت إليه بتساؤل فتابع بنبرة حادة منزعجة....
"أضربك وأضرب نفسي بالجزمة إني وافقتك...."
بادرت نغم بالقول الجاد....
"بس الخطة هتنجح يا أيوب طالما قولت اللي اتفقنا عليه هتنجح...."
أطلق أيوب زفرةً ثقيلة من صدره....
"حتى لو منجحتش... ليان لازم تمشي من الشغل بعد اللي عملته...."
أومأت نغم بتأكيد متوعدة لها....
"هيحصل... بس لما نعرف التصاميم فين وبتشتغل لحساب مين...."
استهزأ أيوب قائلًا بازدراء....
"وهي هتقول كل ده يا حلاوة؟.... دي بنت خبيثة... ومش سهلة...."
قالت نغم بعد تفكير....
"حتى لو مقالتش لو رجعت التصاميم هتبقى خطوة كويسة في صالحنا...."
بملامح مقتضبة أردف أيوب....
"هنشوف.... كل حاجة هتبان.... بس أنا مش هطول في اللعبة دي كتير... إحنا متفقين يا نغم...."
وافقته نغم بإيماءة سريعة....
"أسبوعين مش أكتر... اطمن...."
أرجع أيوب ظهره للخلف ناظرًا إليها قليلًا ثم قال باحتياج....
"أنا جعان... إنتي طبخة إيه؟...."
دغدغ قلبها طلبه البسيط فقالت بابتسامة واسعة حنونة....
"الغدا جاهز.... عملالك وصفة مكرونة على الطريقة الإيطالي... هتاكل صوابعك وراها...."
بملامح عابسة قال بسخط....
"طب والطريقة المصرية قصرت معاكي في حاجة؟...."
تبرمت نغم بعدم رضا....
"قبل ما تتريق جرّب الأول يمكن تعجبك...."
أطلق أيوب تنهيدة طويلة ثم قال بوجوم....
"أنا من ساعة ما تجوزتك يا نغم وأنا بجرب... هناكل إمتى بقى؟...."
رفعت حاجبيها للأعلى في ضجر....
"واللي أنا بعمله ده ايه....مش أكل؟!...."
أكد أيوب بأسلوب فظ....
"لا ده تسليك زور.... الأكل الحقيقي بقى هينزل إمتى؟...."
امتقع وجهها بالغضب وتجلى الاستياء في عينيها الشتويتين فنهضت من مكانها تنوي الابتعاد عنه....
"تصدق إنك غلس.... مش كفاية اللي عملته في الورشة جاي تكمل هنا...."
هتف أيوب من خلف ظهرها....
"لا إله إلا الله.... مش إنتي يا بنت الحلال اللي طلبتي أعمل كده؟...."
قالت بنظرة ونبرة محتدة....
"وإنت بقى ما صدقت.... عامة بما إن أكلي مش عاجبك اطلب من بره...."
أومأ أيوب بغلاظة....
"ما ده اللي بيحصل في الآخر...."
اتكأت على أسنانها غضبًا وأمام نظراته الفاترة وكأنه لم يقل شيئًا ضربت الأرض بغيظٍ بنعلها البيتي الرقيق الذي لا يفارق قدميها....
"تمام... بس هتاكل لوحدك المرادي...."
حين استدارت لتغادر وجدت نفسها ترتفع عن الأرض بفعل ذراعيه القويتين اللتين حملتاها كأنها لا تزن شيئًا....
تعلقت بذراعيه بتلقائية ثم سألته بضيق....
"بتعمل إيه؟...."
نظر إلى عينيها الحانقتين ثم قال بنظرة وقحة....
"هصالحك... إحنا مش متعاركين ومقطعين بعض...."
رفضت متحججة....
"الأكل يا أيوب؟!...."
لمعت عيناه أكثر من ذي قبل فقال باحتياجٍ سرت معه رجفة ضعف في سائر جسدها....
"إنتي عارفة إني بحب أحلي الأول... والحلو نزل قبل الأكل...."
دلف بها إلى غرفة النوم ثم وضعها على الفراش مقتربًا منها وعيناه تكتسحانها
كلمسة يديه....
همس أيوب بالقرب من أذنها بصوتٍ أجش عميق سلمت معه حصونها....
"دلوقتي هعلمك الحب بس على الطريقة الإسكندراني... يعني اعتبريني البحر... وانتي عروسة البحر...."
ابتسمت نغم بنعومة وهي تغرق معه في بحرٍ ثائر بالعاطفة تتشبث به بضعف وسط أمواجٍ عاتية....
برقة نادته....
"أيييوب...."
وعند جيدها همس بضعف كمن وقع عليه السحر فأصبح تحت التأثير....
"بـحـبـك...."
لم ترد... أغلقت على الكلمة محتفظة بها في صندوقها الثمين ثم أغمضت عينيها مستقبلة تلك المشاعر بنهم بقدر الحب وبقدر الخوف من القادم... في محاولةٍ منها لإخماد تفكيرها وغيرتها ولو قليلًا....
................................................................
أحيانًا تظن أنك قبطان سفينتك قادر على العودة والذهاب متى شئت..... وكيفما شئت....
لكن حين تضعك الأقدار في مواجهة الإعصار تدرك أنك بسفينتك لست سوى ريشة في مهبّ الرياح.
تفقد قدرتك على السيطرة فلا أنت قادر على العودة ولا على المضي قدمًا فتصبح أسير لحظة العجز... أسيرًا حتى ينقضي الإعصار......
لكن إن انتهى الإعصار فهل تعود سفينتك صالحة للإبحار؟
أم أنك ستظل عالقًا في منتصف الطريق حيث تصبح نسبة النجاة لديك هي التأقلم مع الوضع
لا محاولة العودة؟
هكذا هي مشاعره الآن... وهكذا حاله منذ أن عادت عزة إلى غرفته البسيطة وفرضت وجودها فيها بصفتها زوجته كما اختارها يومًا.
لم يرَ في عزة عيبًا يدفعه إلى النفور منها فقد كانت وما زالت تحتل مكانة خاصة في قلبه....
لكن قلبه متعب ينهشه المرض وعلاجه عند امرأة أخرى قهرها بأخرى... وخان ثقتها.
فهل سيظل واقفًا في عرض البحر لا يعرف طريق العودة وليس لديه الرغبة في الوصول للضفة الأخرى؟
إنه يريد ركيزة يستند إليها...يريد سببًا قويًا يدفعه إلى المضي قدمًا دون أن يلتفت إلى تلك المشاعر.
يعرف أن عزة ليست كافية للنسيان...
لكنها كانت الدفعة التي جعلته يتغير إلى الأفضل.
هل يحبها حقًا؟
أم أن المسؤولية وحدها هي التي فرضت عليه البقاء كما جعلت منه نسخة أفضل من كل ما
سبق؟!....
أسئلة كثيرة تعصف برأسه كزوابع عنيفة وهو جالس في الخارج على السطح فوق تلك الأريكة الخشبية....
لم يدخل الغرفة بعد وكعادته كل ليلة يجلس هكذا... يفكر ويفكر حتى ينهكه التفكير....
خرجت عزة من الغرفة فرأته هناك يجلس على الأريكة كما توقعت وكما سمعت خطواته عند عودته من العمل...
لانت نظراتها بالحب نحوه وهي تتأمله بينما قلبها الحزين يئن بعذاب فلا فكاك من قيد الهوى مهما أردنا وحاولنا إذ يشتد بنا وعلينا...
تحركت لتجلس بالقرب منه فشعر بوجودها ورفع عينيه إليها... فرأت الصراع على وجهه ككل يوم وكأنه لا يكف عن التفكير...
قالت عزة بنبرة حانية....
"حمدلله على سلامتك مدخلتش ليه جوا علطول ليه قاعد هنا...."
رد سلامة باقتضاب...
"كنت بشرب سجارة.....اي اللي خرجك؟...."
قالت باستحياء وهي تناظره بعيني عاشقة وكأنه أجمل ما رأت...
"شوفتك من الشباك فطفيت على الأكل وطلعت..
مالك ياسي سلامة انت لسه زعلان مني...."
رفض التحدث حول الأمر....
"اللي عدى عدى ياعزة مش هنتكلم تاني.."
قالت عزة بترجي وهي تضع يدها على
ذراعه.....
"طب حقك عليا والله ما هتكرر تاني عمري ما هخبي عليك حاجة ولا هكسر كلمتك أبداً.."
ربّت سلامة على يدها ثم أبعدها عن ذراعه برفق قائلًا بهدوء...
"حصل خير....خالتك عامله ايه؟... روحتي زي ما قولتي؟..."
قالت بابتسامةٍ حزينة بعد تلك الحركة التي تحمل ألفَ معنى ومعنى...
"ايوا بتسلم عليك وبتدعيلك.....خالتي بقت بتحبك أوي.....سبحان مُقلب القلوب...."
لم يُعقب وظل الصمت قائمًا بينهما للحظات قطعه حديث عزة الخافت المتردد...
"عايزة أسألك سؤال ومش عارفة أنا بسألهولك ليه... مع إني عارفة إجابته أو حاساها من قبل ما تقولها..."
التفت سلامة إليها..... "سؤال إيه؟"
أسبلت جفنيها أرضًا والنار تستعر في صدرها بالغيرة والقهر...
"عدى على جوازنا أكتر من خمس شهور مفيش مرة فيهم حسيت إنك... إنك بتحبني؟!"
دون أدنى تردد أجاب وعيناه في عينيها
"أنا مرتاح معاكي يا عزة... ودي عندي أهم
من الحب..."
لكمت كلماته قلبها كانت تتوقع كلمة أخرى أو كذبة تصدقها... فقالت بحاجبٍ معقودٍ بألم
"ما ترددتش تجاوب..."
ازدرد ريقه ثم قال بجمود
"لو قولت غير كده هبقى كداب."
هتفت عزة بغضب مكتوم...
"هي السبب مش كده؟"
سألها عابسًا... "هي مين دي؟"
صاحت عزة على نحو مفاجئ
"اللي ما تتسماش.... اللي مش مخلياك شايف غيرها على فكرة دي عاملالك عمل أنا خالتي بتقول إنه أكيد عمل سفلي معمول تحت الأرض..."
أجفلته بهذا الرد فقال بحنق مكتوم...
"ملوش لازمة الكلام ده يا عزة... ومندخلهاش بينا الله يسهلها... "
صاحت بحرقة.... "الله لا يسهلها"
لفظ اسمها بتحذير..... "عزة..."
لم تتوقف وتابعت بضغينة....
"لا تكسب ولا تربح البعيدة"
زجرها سلامة بقلة صبر
"خلصنا يا عزة..."
لم تهابه تلك المرة وظلت تدعو بحسرة وقلبها يستعر بنيران الغيرة والكراهية
"اللهي ما تشوف يوم عدل في حياتها..."
اندفع الغضب في رأس سلامة كعاصفة سوداء اجتاحت جسده فاستدار إليها رافعًا كفه فوق وجهها على وشك أن يصفعها وهو يهدر
"ما تخرسي بقى"
صمتت بخوف ناظرة إلى كفه المرفوع في الهواء بصدمة ثم إلى عينيه وابتلعتها الدهشة للحظات حتى قالت بوجيعة
"هتضربني عشانها يا سي سلامة؟!"
بعصبية صاح عليها...
"لسانك عايز قطعه... بتدعي عليها ليه؟ عملتلك إيه هي؟"
ضربت على فخذيها باهتياج قائلة بعداء....
"وهي بعد كل اللي أنا فيه ده معملتش؟!"
باستنكار جادلها بقسوة
"عملت إيه أنا ليكي لوحدك؟..... شايفاها وسطنا؟"
عقبت بنظرة باهتة
"وهي لو وسطنا... هتختارها هي؟!"
هز سلامة رأسه نفيًا وقلبه يشتعل بنيران أشعلها بيده ثم ترك نفسه يموت بداخلها ببطء
"بس أنا معاكي مش معاها... ومعروفة كده أنا اخترت مين."
قالت بتبرم..... "بس قلبك مش معايا..."
رد عليها بشق الأنفس....
"مع الوقت هيبقى ليكي لوحدك... إنتي مراتي."
نظرت عزة إلى عينيه بثباتٍ وتحدٍ لتقرّ بحقيقة فرضت نفسها بينهما ورباط لن يُمحى بسهولة
"بس أنا مش بس مراتك... أنا بكرة هبقى أم ابنك."
وضعت يدها على بطنها مؤكدة وضعًا جديدًا أصبح واقعًا ملموسًا... هز سلامة رأسه في حيرة وقد ارتسمت على وجهه علامة استفهام كبرى
"مش فاهم؟؟..."
قالت بابتسامة واسعة...
"أنا حامل يا سي سلامة... حامل في شهرين.."
ظل الإنكار يهيمن عليه وهو يسأل مجددًا
"حامل؟ حامل إزاي؟"
ظهرت بوادر الضيق على وجه عزة لتقول بانزعاج
"إيه السؤال ده؟ حامل منك..."
"مش قصدي... بس اتأكدتي؟"
ازدرد ريقه ولم تطرق الفرحة بابه بعد وكأن الخبر لا يحمل أي دلالة على السعادة بل يرمز إلى مزيد من القيود... لم يكن بحاجة إلى سِلسالٍ حديديٍّ ليُقيده فقد كان مقيدًا بفكره وقناعته بها وإن غاب عنه قلبه معها... يكفي ما يجده من راحة بقربها...
لكن طفلًا يعزّز تلك العلاقة وينمّيها بالحب... هذا ما لم يكن في حسبانه... كأنه جاء في وقته أو جاء في التوقيت الخاطئ... لا يدري في الحقيقة... فمشاعره اضطربت وتداخلت حتى أصبح عاجزًا عن تمييز الصواب...
أجابت عزة عن سؤاله وقد انطفأت ملامحها إثر ردة فعله الباردة
"أيوه طبعًا... مال وشك اتغير كده ليه؟ أنا افتكرت إنك هتفرح بخبر حلو زي ده..."
نفض عنه غبار الصدمة والحالة التي تلبسته ثم أجبر نفسه على التبسم قائلًا
"فرحان طبعًا... بس مكنتش متوقع جت بسرعة..."
قالت عزة بجذل
"مش بسرعة أوي... ده في ناس بتشيل من أول شهر."
دون مقدمات كثيرة أو افتعالٍ زائدٍ للفرح مال على رأسها وقبلها ثم جبر خاطرها بالتهنئة التي تنتظرها
"مبروك يا عزة..."
ابتسمت عزة وهي ترضى بالقليل منه طالما كله ملكًا لها.....
"الله يبارك فيك يا أبو يوسف..."
عقّب متعجبًا وعيناه تنتقلان من بطنها إلى عينيها
"يوسف؟"
توسعت الابتسامة أكثر وهي تمسد على بطنها بحنان قائلة بتمنٍّ.....
"لو جه ولد هسميه يوسف... ولو بنت سميها إنت... تحب تسميها إيه صحيح؟!"
شعر أن السؤال فخ نُصب له فتغاضى عن الرد رافضًا كشف هويتها.....
"معرفش... ولد أو بنت ابقي سميهم إنتي..."
أشاح بوجهه عنها وكأنها ستقرأ اسمها في عينيه...
ضغطت عزة على باطن شفتيها بغيظ ناظرة إلى الجهة الأخرى مثله وبداخلها نار كمرجل لا تهدأ...
في صباح اليوم التالي وجد نفسه في مكان لم يتوقع أن يعود إليه مرة أخرى ومع ذلك كانت
ساقاه تنساقان به إلى هناك بلا وعي...
وجد هانيا تجلس باريحية على مقعدها تنظف آلة التصوير الخاصة به بعناية واهتمام كما تعتني الأم بصغارها.... ذكرته بأيوب في تعامله مع القماش والملابس فالهواية التي يحصل عليها الإنسان بالفطرة وينميها مع الوقت تصبح شغله الشاغل يتعامل معها وكأنها جزء منه لا يطيعه قلبه إن أهملها وإن فعل ترافقه وخزات الضمير؟! ...
يشعر هكذا أمام عدسات التصوير بالاندماج معها بانه مرئي ومهم... أحب يومًا إشادة هانيا له حين أخبرته بأنه أشبه بعارض أزياء مشهور... وربما سيحب مدح الناس له فيما بعد...
عاش طوال حياته لم يسمع سوى الذم بنسبة المجهول فهل سيأتي اليوم الذي يمدحه فيه الجميع على طلته ووسامته؟....
وسامة مجهول النسب... وهل سيقبلون به ويحبونه كما أحبته العدسات؟
قال بصوتٍ حازم...
"أنا موافق أشتغل معاكي..."
اجفل هانيا بهذا الرد حتى وجوده أمامها صدمها للوهلة الأول تزامنا مع نهوضها عن المقعد
ضمت الكاميرا إلى صدرها خوفًا من أن تسقط بعد تلك المفاجأة المفزعة....
قالت بدهشة...
"أي الدخله دي ياسلامة... لو الكاميرا وقعت كنت هدفعك تمنها..."
نظر إلى الكاميرا ثم إلى عينيها بوجوم وقال
"كويس إنها ما وقعتش...شكلها غالية ومش هقدر على تمنها..."
ابتسمت هانيا ابتسامة خبيثة وقالت...
"بكره يبقى معاك اللي يشتري العمارة كلها
مش كاميرا بس..."
سألها بعدم اقتناع..
"بالشغل معاكي...؟"
أكدت بغرور...
"طبعا... أنت مستقل بيا لا إيه؟"
سألها ووجومه يكسو وجهه...
"يعني انتي موافقة...؟"
أومات برأسها دون تردد وبثقة قالت...
"وبتسأل كمان؟ أكيد موافقة وكنت مستنياك كمان..."
بصلابة قال...
"وأنا كمان جاهز في أي وقت..."
أراد سلامة أن يجازف بشيء غير مقتنع به فليست هذه أول مرة يفعلها فهو يخطو مغمض العينين كالعادة فاتحًا ذراعيه أمام أمواج عاتية ! ...
...............................................................
تأنّقت بشكلًا مبالغٍ فيه وكأنها بعد لحظات ستخطو فوق السجادة الحمراء وتترصدها عدسات الكاميرات من كل جانب....
الوضع بالنسبة إليها حدثًا تاريخيًّا لا يمكن ان تغفل عنه فبعد عامٍ كامل من رؤيتها لأيوب ثم تعاملها معه في إطار العمل ووقوعها لاحقًا في حبّه سرًّا لم يخطر ببالها حتى في أكثر خيالاتها الحالمة أن يصبح لها دون مجهود يذكر منها وقريبًا سيبادلها المشاعر فهي
تسعى لتحقق ذلك....
عادت تستدير يمينًا ويسارًا تتفحّص هيئتها لتقيم
نفسها قبل أن تحمل حقيبتها الباهظة على كتفها وتغادر الشقة بأكملها....
وأثناء خروجها من المصعد صدح رنين هاتفها وما إن وقعت عيناها على الاسم حتى تبدلت ملامحها إلى وجومٍ ثقيل وزفرت بضيق قبل أن تفتح الخط بفتور....
"ايوا يا جاسر....."
جاء صوته عابسًا مستنكرًا...
"محدش سامعلك حس يعني بقالك كام يوم... أنا حضرت الفلوس."
أوقفت سيارة أجرة ثم صعدت إليها وهي ترد بمللٍ واضح...
"بعدين... بعدين يا جاسر نتكلم."
سألها جاسر...
"إنتي بره ولا إيه؟"
أجابت...
"آه في الشغل...."
عقّب عابسًا...
"بس النهارده إجازة!"
أجابت بسأم...
"عندي مشوار."
جاء صوته حانقًا...
"إنتي بتخططي لإيه من ورايا يا ليان.. أوعي تكوني رجعتي في كلامك وناوية تدي التصاميم لحد تاني"
أرجعت خصلةً من شعرها خلف أذنها وهي تنظر إلى زجاج السيارة بضجر...
"لحد تاني ولا حد أولاني بصراحة أنا مش هبيع التصاميم ليك يا جاسر... لا إنت ولا غيرك."
سألها بشك...
"أمال إيه......فهميني."
أطلقت زفرةً ثقيلة وقالت بعدها...
"مش لازم تفهم... كان عرض وانتهى."
عند تلك النقطة انقلب جاسر مئةً وثمانين درجة ليصيح باهتياج...
"هو إيه اللي كان عرض وانتهى؟! لا اسمعي... أنا
لو قلبت هخربها عليكي وهعرف أيوب إنك سرقتي تصاميم المسابقة وعايزة تبيعيها وتاخدي تمنها..."
ابتسمت ابتسامةً ملتوية ساخرة وقالت...
"على كده هتقوله إنك إنت اللي هتشتريها؟"
اشتد الغضب في نبرة صوته واختلط بالحقد والغيرة..
"طبعًا هقوله هيعملي إيه يعني؟!...ده حتة جربوع ولا يسوى... مش هيفضل ينافسني طول الوقت هيختفي زي اللي قبله وهفضل
أنا زي ما أنا في مكاني..."
ثم استرسل بتهديدٍ صريح...
"هتبعتِي التصاميم وأحولك المبلغ ولا أعرف أيوب مين اللي حرق المخزن وسرق تصاميمه؟"
ازدردت ليان ريقها واتسعت عيناها وقالت برهبة
"وإنت عرفت منين حرق المخزن؟"
بابتسامةٍ ماكرة ونبرةٍ مماثلة قال...
"مفيش حاجة بتستخبى... وأنا لما جمعت الخيوط ببعضها عرفت إنك ورا الحكاية دي."
تسارع نبض قلبها بالخوف وشعرت بأن الأمور تنفلت من بين يديها وأنها إن لم تستغل فرصة انفصاله عن زوجته سيعود كل شيء إلى ما كان عليه وربما يصبح أسوأ إن أفشى جاسر أمرها.
حينها قد تكون تلك نقطة التحول في حياة أيوب وبداية ابتعاده عنها...
وهي لا تريد أن تظهر بتلك الصورة ولا أن يعلم أيوب أنها تقف خلف كل ما حدث.
قالت ليان بنبرةٍ خافتة اختلط فيها الخوف بالرجاء
"أيوب لازم يكسب في المسابقة دي يا جاسر...
مش هينفع يخسر."
أجابها بقسوة والضغينة تملأ صدره...
"المسابقات جاية كتير يا قطة... بس دي بالذات تخصني لوحدي. شهرتها أكبر وفلوسها أكتر وانتي أدرى بشغلنا."
قالت بتهدج...
"إنت مش فاهم حاجة..."
صاح بحدة غير مبالٍ إلا بشيءٍ واحد...
"ومش عايز أفهم لو مبعتِيش التصاميم كمان ساعة هبلغ أيوب بوفائك وجدعنتك معاه..."
ساد الصمت المشحون للحظات بينهما... أخذت تفكر وتفكر في مخرجٍ حقيقي لكنها لم تجد حلًا سوى تنفيذ ما طُلب منها....
قالت أخيرًا...
"بس أنا مش هبعت التصاميم قبل ما تحول لي المبلغ اللي اتفقنا عليه... "
ابتسم جاسر بسخرية ثم قال بانتشاء...
"كده تعجبيني... اعتبريه في حسابك."
ترجلت من سيارة الأجرة ثم تحركت بخفة إلى حيث المقهى الأنيق المكان الذي اختارته لمقابلة أيوب بحجة التحدث معه والاطمئنان عليه... وعلى عكس المتوقع لم يرفض بل وافق فورًا على طلبها وتقربها منه...
ابتسمت ليان بسعادة بعدما رأته يجلس على إحدى الطاولات في انتظارها.... نظرت إلى ساعة يدها متعجبة من وجوده هنا قبل الموعد المتفق عليه بدقائق ظنّت أنها جاءت مبكرًا وأن الشوق ألقاها قبله لكن يبدو أنه أكثر لهفةً منها لمقابلتها....
سارت باتجاهه بأناقة وزهوٍ أنثوي وكأنها تسير على السحب من فرط سعادتها ولهفتها عليه غير مباليةٍ بمن تقف بعيدًا تراقب اقترابها وكل خطوة تخطوها نحوه تدب في قلبها بحذاءٍ مسنن...
تنهدت نغم بالم مكتوم وقلبها يئنّ بين أضلعها قهرًا وهي ترى أخرى تقترب من زوجها وتلقي شباكها حوله...
هي من أصرت على أيوب أن يحضر إلى هنا قبل الموعد ثم لحقت به دون أن يعلم لترى ما يحدث من بعيد...
هي واثقة من زوجها أكثر من نفسها لكنها لا تثق في نوايا تلك الأفعى....
جلست ليان أمام أيوب الذي أستقبلها بإبتسامة جذابة ونظرة عميقة مبهمة اربكتها قليلا.....
"عامل إيه...."
رد عليها أيوب بهدوء....
"الحمدلله.... تشربي إيه....."
قالت بحياء....
"اي حاجة...."
قال بايجاز....
"شاي ماشي...."
أومأت له بعذوبة فالتقط إشارتها سريعًا ولوح للنادل قائلا....
"اتنين شاي سكر برا....."
دوّن النادل الطلب باستغراب بينما ارتسمت على شفتي ليان ابتسامةٌ مرِحة وقالت بخفة...
"شكلك بتحب الشاي...."
أومأ برأسه بفتورٍ واضح...
"مين مش بيحبه... المهم اي أخبارك..."
قالت ليان بنبرةٍ رقيقة...
"الحمدلله احسن... بذات لما وافقت تقبلني..."
نظر إلى عينيها بقوة وقال بصلابة...
"هو انا بصراحة استغربت طلبك... بس بيني وبينك لو مكنتيش اتصلتي وطلبتي تشوفيني كنت هعمل كده..."
سألته بارتباك...
"ليه..."
رد أيوب بنبرةٍ غامضة...
"متسألنيش عشان في حاجات كتير الفترة الأخيرة مش عارف ليها إجابات... ومن ضمنهم إنك بتخطري على بالي كتير..."
تعالى نبض قلبها ورفرفت بأهدابها بتوترٍ أمام عينيه ثم قالت ببسمةٍ جريئة...
"بخطر على بالك؟!... غريبة مع إنك علطول في بالي..."
سألها أيوب مدّعيًا الدهشة...
"معقول.....من امتى ده.؟!..."
بجرأةٍ لم يتوقّعها منها مدت يدها ووضعَتها فوق يده المستريحة على سطح الطاولة...
في تلك اللحظة اتّسعت عينا نغم بصدمة وشعرت بلهيبٍ حارقٍ يندلع في صدرها فأدارت لهما ظهرها عاجزةً عن الاستمرار في مشاهدة ما يحدث عن بُعد...
مسحت دمعةً انزلقت على وجنتها بعصبية ثم
عادت تنظر إليهما لترمق ليان بنظراتٍ شرسة كنمرة على وشك ان تنقض عليها فلولا تماسكها وتحلّيها بالصبر لاندفعت نحوها واقتلعت عينيها بيديها ثم بترت يدها... تلك اليد التي تجرأت ولمست حبيبها.....
حبيب لن تناله حتى في أحلامها...
نظر أيوب إلى يدها ثم إلى عينيها بملامح متجهّمة فوجدها تقول بحرارة بعد أن أتاح لها الفرصة...
"من زمان اوي يا أيوب....بس انا مش قادرة اخبي اكتر من كده ويمكن بتسرع باللي هقوله ده بس دي مشاعري ناحيتك.....انا....انا بحبك."
سحب أيوب يده عنها فورًا كمن لُدغ بعقرب ثم قال دون مقدمات بعد أن طفح الكيل...
"اللي بيحب حد مش بيأذي يا ليان مهما كانت أسبابه..."
عقدت حاجبيها متعجبة من هذا الرد فقد كانت تتوقع شيئًا آخر...
"أذية؟!..... أذيت إيه.... مش فاهمة!"
تأفف أيوب وقد استبد به الغضب ولم يعد للصبر أو الهدوء مكان معه بعد أن وصل الأمر إلى هذا الاعتراف الصريح الذي بلغ حد الوقاحة...
"أنا مش قادر أكمل في التمثيلية السخيفة دي أكتر من كده... ليه سرقتي التصاميم يا ليان؟"
بهت وجهها وهوى قلبها من أعلى ارتفاع محطمًا وهي تقول بتوتر...
"تصاميم إيه يا أيوب؟.... هترجع تشك فيا تاني؟"
"أنا مش شاكك... أنا متأكد. واللي شافك وانتي بتحرقي المخزن أكد التهمة عليكي."
قالت ليان بمكابرة...
"كمان هحرق المخزن؟....! لا إنت أكيد اتجننت.. "
ثم بكبرياء محطم نهضت لتحمل حقيبتها رافضة النظر إليه....
نهض أيوب مثلها ليقف أمامها رافضًا مغادرتها...
"إنتي رايحة فين؟"
ردت بحنق..... "همشي."
هتف أيوب بازدراء...
"لااا... مش بسهولة دي. هاتي تليفونك."
كان هاتفها في قبضة يدها فأبعدته سريعًا عن مرمى بصره قائلة بتوتر يدعو للشك....
"تليفوني؟..... عايز تليفوني ليه؟"
"هتعرفي دلوقتي."
رفضت أن تعطيه الهاتف وقالت بحدة
"لا..... مش من حقك تاخد تليفوني مني."
أمسك أيوب ذراعها مصممًا على أخذ هاتفها
"وانتي مش هتمشي غير لما تديهولي."
نظرت ليان حولهما بقلق بعد أن بدأت الأنظار تلتفت إلى المشادة بينهما....
"الناس بتبص علينا يا أيوب..."
بدأ أيوب يهددها بعد أن فقد آخر ذرة صبر وتحضر يمتلكها في تلك اللحظة...
"هتجيبي ولا أبلغ إنك إنتي اللي حرقتي المخزن والشاهد اللي شافك هيأكد على كلامي."
تشدقت بصدمة تقطر ألمًا....
"هتحبسني بعد كل اللي عملته معاك؟ ووقوفي جنبك أول ما فتحت مشروعك؟"
برقت عينا ايوب بقسوة وازدت ملامحه صلابة...
"أنا كنت شايلك ده لآخر لحظة يا ليان... كنت بكدّب الكل عشان جدعنتك معايا في الأول... جدعنة أنا ما طلبتهاش بس طلع كل ده عشان توصلي لحاجة في دماغك... ولما ما حصلتش قررتي تخوني الثقة وتسرقي مجهودي عشان تنسبيه لحد تاني... "
ثم أضاف بحيرة اختلطت بالغضب...
"وأنا عايز أعرف الحد ده مين... ولا هتنسبِيه لنفسك؟..... فهميني..... "
"أيـوب..."
انتبه أيوب إلى هذا النداء المميز من امرأة ميزها قلبه واختارها من بين الجميع..... ارتفع حاجباه بدهشة حين رأها تقترب منه بخطوات سريعة وعينين قلقتين...
طال التقاء أعينهما وهو يسألها بصوت أجوف رغم أنه يعرف الإجابة مسبقًا... فهو قد أخبرها سابقًا أن غيرتها نار ستحرقها قبل أي أحد آخر.
"نغم... إنتي إيه اللي جابك هنا؟!"
أسْبلت نغم جفونها بحرج ولم تستطع الرد بينما نقلت ليان عينيها بينهما وقد صاحت بحدة فاح منها الغل...
"كانت لعبة بينكم انتوا الاتنين... بتخدعوني..."
قالت نغم بشراسة...
"هتعيش دور الضحية... ليها عين تكلم..."
في لحظة تشتت من ليان خطف أيوب هاتفها وحين صرخت معترضة سلطه نحو وجهها ليفتح الهاتف.
"التليفون يا أيوب..."
في اللحظة التالية كان أيوب يفتح سجل المكالمات ليجد آخر مكالمة مسجلة باسم شخص آخر توقع أن يكون شريكها...
"جاسر... جاسر العبيدي مش كده؟"
فغرت نغم شفتيها وهي ترمق ليان بقرف... امتقع وجه ليان وأشاحت ببصرها بعيدًا عنه متمنية لو تتلاشى من أمامه كأنها لم تكن....
صاح أيوب عليها وملامحه الموحية بالخطر
أرعبتها...
"ما تكلمي... كل حاجة انكشفت خلاص... هتلفي وتدوري تاني..."
حينها جلست ليان على المقعد مجددًا بعد أن شعرت أن ساقيها لم تعد تتحملها فهي قد خسرت نفسها وكرامتها... حتى عملها ومكانتها عند أيوب.
اعترفت بنظرة جامدة دون تعبير واضح...
"أيوا... بعت التصاميم لجاسر... وحرقت المخزن عشان الهيك واخدهم من غير ما حد يلاحظ..."
ثم أضافت بشعور ميت...
"بس كنت ناوية ما أعملش كده... لما قولت إنك هتسيبها وعشمت نفسي إنك هتبقى ليا... جاسر هددني إني لو ما بعتش التصاميم زي ما اتفقنا هيقولك على كل حاجة..."
تبادل هو ونغم النظرات بصمت ثم تلقائيًا مسك أيوب ذراع نغم فهو يشعر بذبذبة غضبها عن قرب.
عقب أيوب بجمود...
"أنا عرفت كل حاجة... بس شوفتها بعيني... محدش قالي غلك وحقدك عموكي وخلوكي تغيبي عن الحقيقة..."
سألته...
"حقيقة إيه؟!"
رد وهو ينظر إلى زوجته...
"إن الحب مش بالعافية... وإن كل شيء قسمة ونصيب... حتى الحب نصيب..."
ثم عاد إليها قائلاً بنبرة تملك مسَّت قلب نغم وأثارت مشاعرها...
"إنتي متعرفيش اللي بينا ياليان... مش بسهولة دي هسيبها حتى لو هي اللي طلبت..."
ادعت نغم التلقائية...
"ومين يطلب يبعد عن روحه..."
نظرت بلؤم إلى غريمتها لتجز ليان على أسنانها قائلة بوجوم....
"هتبلغ عني صح..."
نظر إليها أيوب قليلًا بشفقة فهي ضحية نفسها وحقدها....
"أنا مش قليل الأصل... ولا اتربيت اعض الايد
اللي سندتني في يوم... روحي ياليان الله يسهلك ويعينك على سواد قلبك... مش عايز أشوف وشك تاني..."
نهضت ليان وكأن عبءً ثقيلاً قد زال عنها هكذا كان شعورها وهي تتحرك مطرقة رأسها بخزي رافضةً النظر إلى أيٍ منهم حتى جاء صوت نغم من خلفها
على مضض...
"ليان..."
توقفت ليان مكانها في بغض منتظرة باقية الحديث فقالت نغم بحزم....
"ياريت بكرة تقدمي استقالتك في الشركة عشان تاخدي بقيت حسابك..."
أطلقت ليان زفرة حادة وهي تتابع سيرها بخطوات عنيفة إلى أن اختفت عن أعينهم....
.............................................................
تقف أمام صنبور المياه تغسل كومةً من الأواني بعد أن انتهت المناسبة ولم يبقَ
سوى أفراد العائلة...
لم تُتح لها الفرصة لتبديل ملابسها فارتدت المِريول فوق العباءة الخضراء الفخمة وأساورها الذهبية ترنّ مع كل حركة
تصدر منها...
دلفت الجدة إليها فوجدتها كما هي تغسل الأواني دون توقف... أنهت كميةً كبيرة منها، ولم يبقَ سوى القليل.
قالت الجدة بحرج... حرجٌ أصبح يرافقها منذ أن جرحت شروق في المشفى وقست عليها كحماة لأول مرة...
وهي التي كانت تستنكر هذا التعامل من الحموات أصبحت في لحظة غضب وخوف على ابنها واحدةً منهن...
"برضو غسلتيهم يا شروق... مش قولتلك صالح قال محدش يحط إيده في حاجة والصبح هيجيب اللي ينضف ويلِمّ الدنيا دي؟"
قالت شروق وهي تفتح الماء على الأواني لتزيل عنها الصابون....
"وإحنا لسه هنستنى للصبح يا خالتي؟ بذمتك إنتي هيجيلك قلب تسيبي مطبخك مقلوب كده للصبح؟"
قالت الجدة
"أعمل إيه طيب... غصب عني صحتي مبقتش زي الأول..."
قالت شروق بمحبة...
"عارفة وعشان كده أنا موجودة وأعمل لك..."
ابتسمت الجدة وقالت بحنو...
"إنتي حامل يا شروق وفي اتنين مش واحد... ريحي نفسك وحافظي عليهم..."
أومأت برأسها بطاعة تزامنًا مع انتهائها من غسل كمية كبيرة من الأواني...
"حاضر... متخافيش عليهم..."
استنكرت الجدة ردها وقالت بانزعاج...
"هو أنا خايفة عليهم هما بس؟!... ما أنا خايفة عليكي إنتي كمان... ما إنتي زي صالح عندي.."
أسبلت شروق جفنيها تخفي حزنها وعتابها ثم قالت بخفوت....
"كتر خيرك يا خالتي... عارفة اللي عندك..."
ترقرقت الدموع في عيني الجدة وقد آلمها قلبها وهي تراقب رأسها المنحني وكأنها تخفي عنها حزنها وقهرتها منذ ذلك اليوم...
قالت الجدة باندفاع عاطفي...
"بت يا شروق تعالي في حضني..."
لسعت الدموع عيني شروق وهي ترفض بوجع
"هبلّك يا خالتي..."
قالت الجدة بعتب...
"هتبليني؟!..... إنتي زعلانة مني عشان كده مش عايزة تيجي في حضني؟"
أومأت شروق برأسها مؤكدة...
"بصراحة آه... بس عشان بحبك والله زعلت..."
قالت الجدة بشجاعةمعترفة بالخطأ الواقع عليها
"وأنا ما يهونش عليّ زعلك... اللي قولته كان غصب عني ومن ورا قلبي والله... خوفي على صالح خلاني ما أشوفش قدامي..... وجت فيكي..."
أمسكت شروق يد خالتها وقبّلتها وهي تقول بصدق نابع من اعماق قلبها....
"فداكي أي حاجة يا خالتي... إنتي عندي زي أمي... ربنا يديكِ الصحة وطولة العمر... وأنا عمري ما أزعل من أمي مهما قالت لي..."
ضمتها الجدة إلى صدرها ثم ربّتت على كتفها بحنان...
"أصيلة يا شروق وبنت أصول... وكان اختياري ليكي في محله..."
خرجت شروق من بين ذراعيها تنظر إليها بشك فقالت الجدة بنبرة صادقة...
"مش بقول ليكي كده عشان أصلح اللي عملته... إنتِ تستاهلي الخير كله وأنا وابني لو لفّينا الدنيا كلها مش هنلاقي واحدة جدعة وبنت ناس وطيبة زيك يا شروق..."
ابتسمت شروق بعدما أرضتها تلك الكلمات الطيبة وأراحت قلبها...
قالت الجدة وهي تربت على كتفها بود...
"إنتِ تعبتي أوي معانا النهاردة يا شروق... شيلتي الليلة كلها من أولها لآخرها..."
قالت شروق بحنو...
"مش بعمل لحد غريب يا خالتي... دي أبرار وإنتي عارفة غلاوتها عندي..."
"ربنا يخليكم لبعض..."
ثم سألتها الجدة باستغراب...
"هو صحيح أبرار وياسين فين؟ من ساعة ما الناس مشيت محدش شافهم..."
قالت شروق بهدوء..
"في أوضة الصالون... بيتغدّوا... أنا رادة الباب عليهم كده..."
قالت الجدة عابسة...
"إزاي؟... أنا لسه معديه والباب كان مقفول..."
فغرت شروق شفتيها باستنكار وقد برقت عيناها بالغضب.....
"مقفول؟!... آه يا قلالات الأدب...انا قولت لياسين وأنا باديه صينية الأكل ما يقفلش الباب... صالح هيطلع في أي وقت ولو شافه مقفول هيطين عيشتهم..."
لوّحت الجدة بيدها متبرّمة بعدما سئمت من قلة تهذيبهم....
"الاتنين متربوش... خليهم هما حرين مع صالح وقلبته..."
تنهدت شروق تنهيدة تحمل أكثر من معنى..
"هو أصلًا مقلوب خلقة يا خالتي..."
ارتفع حاجب الجدة في تساؤل قلق..
"مقلوب ليه؟... إيه اللي جرا بينكم يا شروق؟ حالكم مش عاجبني بقالكم فترة..."
جلست شروق على أقرب مقعد في المطبخ ثم نكّست رأسها بحرج قائلة بصعوبة..
"لو قولت لك يا خالتي هتزعلِي مني... ويمكن تضربيني باللي في رجلك... وإحنا متفقين ما
نقولش لحد..."
سألتها الجدة بترقّب.....
"ما تقولوش إيه؟"
خرجت الكلمات كقذائف نارية في وجه الجدة المصدومة...
"إننا هنطلق... وهسيب العيال معاه..."
لولا تماسك الجدة وصلابتها لأُصيبت بأزمة قلبية بعد هذا الاعتراف الناري...
"إيه طلاق؟! يا ستار يا رب... ليه؟ وعشان إيه؟"
أجابت شروق على مضض...
"عشان المشاكل اللي عملها ممدوح ورقدته في المستشفى... قولت له عشان نخلص من كل ده طلّقني.... واتنازل لك عن اللي في بطني..."
لاح الانزعاج الشديد والعتب على وجه الجدة وصوتها.....
"وده كلام يتقال من واحدة كبيرة والمفروض انها عاقلة؟...... ويتقال لمين؟!....... لصالح الشافعي؟!"
سالت الدموع من عيني شروق والندم يمزّقها من الداخل...
"اللي حصل يا خالتي... كلامك وجعني يومها... وحسّيت إني ما أستاهلش أكون مراته وإني هأذيه طول ما أنا على ذمته..."
لكزتها الجدة قائلة بضيق...
"بطّلي هبل... اللي حصل حصل وربنا نجّاه من الموت والزفت ده غار في داهية... وإن شاء الله مش هنشوف وشه تاني ولا هيستجرأ يقرب منك إنتي وبنتك لما يخرج من السجن..."
جففت دموعها وهي تقول بلوعة
"عارفة وندمت على اللي قولته... بس الشيخ مش عايز يسمعني... قلبه بقى حجر عليّا..."
قالت الجدة بعد تنهيدة فهي تعلم أن جفاء ابنها وابتعاده عقاب زوج لزوجته... عقاب لن يدوم مهما طال !...
قالت الجدة بخبث خفي.....
"حقه... هو ده كلام يتقال؟ وبعدين الحجر ممكن يلين في إيدك ويرجع يصفالك تاني... لو اتحلحلتي إنتي..."
رفعت شروق عينيها نحو الجدة فوجدتها تنظر إليها نظرةً ذات معنى لا تفهمها إلا النساء...
فقالت شروق عازمة النية على فعل المستحيل لإرجاعه إليها ورضاه عنها...
"هحاول يا خالتي... هحاول عشان أنا مش هقدر أبعد عنه ولا عن ولاده..."
تهللت أسارير الجدة وسألتها بدهشة
"هما ولاد؟!....... ولاد يا شروق؟!"
أومأت برأسها باستحياء... فقد تأكدت من تلك المعلومة من طبيبتها منذ أيام قليلة ولم تخبر
صالح بعد...
باركت لها الجدة بحرارة فسعادتها بهذا الخبر لا توصف... سترى ولدًا لصالح بل اثنين... كرم الله وفضله عليهم كبير...
"الحمد لله... ربنا يبارك فيهم ويجوا بالسلامة... ويهدي سركم يا رب..."
"ألف مبروك يا شروق... ربنا يكملك على خير يا بنتي... الفرحة مش سيعاني... عقبال ما أشيل ولاد ياسين وأبرار يا رب..."
ابتسمت شروق بارتياح وهي تضع وجنتها على كتف والدته التي تغمرها بعاطفةٍ لا حدود لها...ولا تكفّ عن الدعاء والمباركة لها....
.............................................................
مشاعرها في حالةٍ من الفوضى... فوضى قد تبدو مقبولة حين تتعلّق بمن نهوى.
امتزجت سعادتها بخجلٍ جديد خجلٍ لم تعرفه من قبل وقد باغتها لأول مرة بالقرب من ياسين ابن عمها ورفيق طفولتها.
اليوم عُقِد قرانهما... وأصبح زوجها.
زوجها ! يا إلهي... إنها نفس المشاعر المرتبكة التي اجتاحتها حين اعترف لها بحبه يومًا واكتشفت هي بعدها أنها تبادله نفس الإحساس...
كانت تجلس على الاريكة مطرقة برأسها بينما اظافرها تحفر في قماش ثوبها الأبيض حتى كادت ان تمزقه في محاولةً منها لإشغال عقلها وصرف عينيها عنه لكنها لم تستطع مقاومة رغبتها طويلًا فرفعت بصرها إليه بتردد.
فالتقت بعينيه تحدقان فيها بنظرة لم تعهدها منه من قبل نظرة أربكتها وأثارت في داخلها رهبةً خفية....
ابتلعت ريقها مع تسارع خفقات قلبها بعنف كأنها تخوض سباقًا لا نهاية له....
"انت بتبصلي كده ليه....."
رد بشقاوة...
"معجب؟!"
مطت شفتيها الوردية للأمام وقالت بمناكفة...
"الله يحنن عليك... مش عايزين دلوقتي!"
قال بسعادة تتوهج في عينيه وكأنه نال جائزة كبرى لن يأخذها أحد سواه....
"مبقاش يجي منه الكلام ده يا برتي...أنا بقيت جوزك خلاص...."
قالت بجدية تستفزه...
"بابا قال إنها لسه خطوبة... وتتعامل معايا على أساس كده."
التوى فمه بامتعاض ثم لوح بإبهامه بضيق...
"هو لحق أداكي التعليمات... دا حتى الحبر لسه ما رحش..."
لم تعقب أبرار وأخذت هاتفها من أعلى الطاولة قائلة بتذكر...
"بقولك إيه... ما تيجي نتصور؟"
غمز لها بعبث ثم قال بمناغشة محببة..
"وماله... تعالي نعمل سيشن كتب الكتاب... تعالي قعدي هنا."
أشار على فخذيه بجرأة فجة لتنظر هي إليه بصرامة هادرة...
"احترم نفسك... إحنا هنصور إيدينا بس."
رد بصفاقة صدمتها...
"عادي... صورة لإيدينا... وصورة وانتي في حضني."
تبرمت...
"يسلام... سهلة كده!"
ابتسم بعينيه المتلألئتين وهو يتحدث ببهجة...
"دي أسهل وأبسط حاجة بين الراجل ومراته."
أنهكها الحصار الذي ينسجه حولها فقالت بارتباك..
"ولو... لازم يكون في بينا حدود."
صاح ياسين معترضًا...
"حدود مين يا هبلة... بقولك إنك بقيتي مراتي... أغنيهالك."
تململت أبرار في جلستها والحرج يفترسها وهي تقول...
"الوضع لسه جديد عليا... وإنت قولتلي الكلمة دي مية مرة...."
رد بتهكم...
"ما عشان فهمك بطيء بكررها كتير."
رمقته شزرًا فأبتسم لعينيها قائلاً بحب...
"ممكن تفكي كده... عشان عايزك في موضوع."
سالته بتوجس...
"موضوع إيه؟"
رفع ياسين عيناه على الباب الموارب ثم إليها وقال وهو ينهض...
"مش هينفع... والباب مفتوح."
"نـعـم..."
صاحت وهي تقف مثله مراقبة بعينيها إغلاقه للباب ثم العودة إليها...
"كده نتكلم على روقان."
رفعت كفها معترضة في إشارة حازمة...
"اتكلم من بعيد."
رمقها ياسين ببراءة
"خايفة من إيه يا حبيبتي... إحنا هنتكلم بس."
سألته بشك...
"كلام بس؟!"
أومأ برأسه في صمت واقترب منها ثم رفع الهاتف أمام وجهيهما متخذًا وضعية تصوير بسيطة بالوقوف بجوارها دون لمسها حتى لا ترتاب منه..
"كلام بس... بس قبل الكلام خلينا نتصور سوا... فكي التكشيرة.... واضحكي يا مراتي.... "
ظهر الارتياح على وجهها قليلًا لتبتسم وهي تنظر للكاميرا ثم بعد عدة صور اطمأنت أكثر واتتها الجرأة أن تضع يدها على كتفه...
توسعت ابتسامة ياسين وتلألأت السعادة في عينيه كالشُّهُب وهو يلتقط لها أجمل الصور بالقرب منه..
بعد أن التقط الصورة نظر إلى جانب وجهها وهي لا تزال تدقق في تفاصيل الصورة باعجاب فلم يقاوم رغبته الملحة في تقبيلها فمالى عليها يسرق عدة قبلات حارة من خدها وعلى امتداد فكها بالقرب
من شفتيها.
صاحت وهي تبعده عنها بصعوبة...
"ياسييييين... يا قليل الأدب!"
ضحك ياسين بانتشاء...
"أي يا برتي... دي حاجة تفريحي كده... متتحسبش."
تراجعت للخلف مستنكرة...
"متتحسبش يعني إيه... ناوي على إيه؟"
ارتفع حاجب ياسين مستغربًا رهبتها المبالغ فيها..
"إيه البصة دي؟ انتي بجد خايفة مني... خايفة من سينو حبيبك؟"
توردت وجنتاها وهي تعترف بخجل صارخ..
"مش خايفة... أنا بس مكسوفة."
بمزاح غليظ علق...
"مكسووووفة... طلعتي زي البنات يعني وبتكسفي."
رمقته بحدة..
"وانت مش شايفني زيهم؟"
هز رأسه وبعينين تتلألأ بالعشق اقترب منها وقال..
"لا... انتي ستهم."
أخذت أبرار خطوة للخلف عاقدة حاجبيها بارتياب..
"بتقرب ليه... خليك من بعيد."
لم يهتم بتحذيراتها وقال وهو يقف بالقرب منها ونظراته الشقية تداعبها بحب..
"انتي عليكي عفريت اسمه من بعيد... دا وقت القرب يا حلوفة."
"متقولش حلوفة..."
لكزته في كتفه فالتقط يديها الاثنتين وأطبق عليهما بامتلاك لا يخلو من رِقّة المحب ثم قال بعاطفة جياشة...
"ما لو مش حلوفة... كنتي حسيتي بيا وباليوم اللي عشت طول عمري أحلم بيه... ولحد دلوقتي مش مصدق إنك بقيتي مراتي... بذمتك انتي مصدقة؟"
تخضبت وجنتاها أكثر وهي تهز رأسها نفيًا بخجل..
"لا... يمكن عشان كده فرحتي متلغبطه."
سالها بعينيه اللتين تومضان بعشقها الخالص..
"فرحانة بجد يا أبراري؟"
رفعت عينيها الكحيلة إليه وبرقتها وجمالها وثوبها الأبيض الرائع قالت...
"وبتسأل كمان يا ياسينو... هات واحدة عاقلة متفرحش يوم كتب كتابها على حبيبها."
سألها بصدمة مضحكة.ظظ
"على إيه؟!"
ضحكت بخفوت ثم قالت بعد تنهيدة ناعمة..
"على حبيبها... مش انت حبيبي وجوزي."
تنفس بارتياح وتضاعفت السعادة في صدره كفيضان من المشاعر بينما كانت عيناه تنظران إليها بهيام... هيام يربكها....يخجلها ويسعدها في آن واحد.
"وأخيرًا قولتيها..."
أسبلت جفنيها وسرى الدفء بين أورديتها وهي تسمع اعترافه الصادق المليء بالحب... حب يكنه
لها وحدها ولم تصل إليه امرأة قبلها....
"تعرفي إنك العوض الجميل من الدنيا... أمي وصاحبتي ومراتي وحبيبتي وبنتي... انتي نصي الحلو وكل حاجة حلوة في حياتي... أنا بحبك... بحبك أوي يا أبرار."
وجدت ياسـين يسحب يديها التي بين راحتيه لتصبح بعدها بين ذراعيه يضمها إلى صدره دافنًا وجهه في جيدها أعلى حجابها مستشعرًا دفئها وعطرها الناعم جسدها الغضّ ووجودها فوق صدره...
ليست المرة الأولى التي يضمها لكنها لن تكون الأخيرة بعد... سيتذكر دومًا هذا العناق ومشاعره الفياضة حينها...
حاولت مقاومته برفق وخجل هامسة...
"ياسين... حد يدخل..."
رفض ابتعادها عنه وشدد على ضمها بحنان غير مصدق أنها بين ذراعيه بعد صبر عظيم معها ومع والدها...
"انسي الناس والمكان... وافتكري إنك في حضني... في حضن حبيبك...."
لم تقاوم أبرار كثيرًا وسكنت بين ذراعيه كعصفور صغير عاد إلى عشه الآمن... أغمضت عينيها بنعومة مستسلمة إلى سلطان الهوى....
تعلقت ذراعيها في رقبته كما يتعلق هو في خصرها الناعم... أذنها ترهف السمع إلى خفقات قلبه العالية كأنها مضخة عنيفة...
همست أبرار بنبرة ضعيفة ضائعة في لذة الشعور المتبادل بينهما...
"أنا إزاي حبيتك الحب ده كله؟!"
ابتسم ياسين بحب بعد اعترافها البريء وضمها أكثر إليه يكاد يخفيها بين أضلعه وهذا ما يتمناه لتبقى قريبة من قلبه للأبد...فقال هو لها...
"تقريبًا أنا من ساعة ما وعيت عليكي وأنا مبطلتش أحبك...."
لم تجد ردًا يوفي مشاعرها الآن فسحبت جسده أكثر إليها وهو فعل المثل. فأصبحا ملتصقين بشكل حميمي وهو المتيم بها يضمها أكثر هامسًا لها بكل حب وكأنها ملاذه الأخير... وهي كذلك بالفعل....
..........................................................
بعد دقائق قليلةٍ لمحت شروقُ صالح يدلف
من باب الشقة هوى قلبها من الخوف ولم يكن أمامها فرصةٌ لتنبيه زوجي الكناري... فبسرعةٍ بديهيةٍ منها أسندت يدها إلى ظهر المقعد وبدأت تسعل بعنفٍ....
غير صالح اتجاهه ناظرًا نحو باب المطبخ ثم تحرك بقلقٍ باتجاه صوت سعالها....
"مالك..... اي اللي حصل....."
اقترب منها بلهفة ومن شدة سعالها احمر وجهها احمرارًا ملحوظًا ومقلقًا...
"اهدي طيب....مش قادرة تاخدي نفسك؟...."
أومأت برأسها موافقة مدعيةً عجزها عن النطق بينما في أعماقها قد احبت الوضع فالقلق والاهتمام في عينيه احتويا قلبها بسعادة لا توصف..
لذلك زادت من حدة سعالها.... تحرك صالح بعجلةٍ نحو صنبور الماء وملأ لها كوبًا ثم ناولها إياه...
أخذته منه وبدأت تشرب الماء على مهلٍ وهي تنظر إليه بطرف عينيها...
لكنها تجمدت في اللحظة التالية حين شعرت بكف يده يمر بحنانٍ على ظهرها...
سرت رجفةٌ في سائر جسدها... رجفةٌ من نوعٍ خاص رجفةُ امرأةٍ هجرها زوجُها منذ أشهر وما زال على هجرانه...
"خدي نفس...... بقيتي أحسن....."
رفعت عينيها بضياعٍ إلى هاتين العينين الخضراوين القادرتين على إذابة عظامها
بنظرةٍ عابرةٍ منهما....فكيف بقلبها الضعيف
ان يصمد ولا ينهار من لمساتٍ بريئة؟
"الحمدلله ياشيخ..... أحسن...."
انتبه صالح إلى مكان يده فسحبها سريعًا كمن أدرك خطأه وتراجع عنه...
ازدرد ريقه مبعدًا عينيه عنها بصعوبة يحاول أن يلهي عقله في مكان آخر فانتبه لما حوله حيث المطبخ النظيف المرتب.
عقد حاجبيه وهو يعود إليها متجهمًا...
"مين اللي نضف هنا؟!"
أجابت بسلاسة متوقعة
"أنـا..."
نظر لها بحدة مستنكرًا...
"وليه عملتي كده؟ أنا مش قولت هجيب
حد الصبح؟!...."
"وهو المكان هيفضل مقلوب كده للصبح؟!"
أثار ردها الفاتر حنقه فزفر بغيظ مكبوت
وقال...
"يالله يا ولي الصابرين... هو إنتي ليه مش بتسمعي الكلام؟.... ناسيه إنك حامل؟"
قالت شروق بهدوء بينما عيناها هائمتان في جاذبيته الطاغية...
"مش ناسية... بس أنا مش تعبانة الحمد لله كويسة.... وربنا قدرني ونضفت المكان."
شملها صالح بنظرة هادئة فانتبه إلى كاحلها المتورم قليلًا....
"رجلك ورمه؟..."
نظرت الى كاحلها مثل وانتبهت هي أيضًا لهذا التورم الذي لم يكن لديها صباحًا....
"يمكن من الوقفه..."
ثم استرسلت متذكرة...
"ليها أسباب كتير... ممكن من الحمل أصلاً حصل معايا كده في ملك."
أشار لها صالح بالخروج والقلق بادٍ عليه...
"خلينا ننزل عشان ترتاحي في سريرك...
هي فين ابرار؟"
توسعت عينيها بصدمة بعد أن رأته يبحث عن ابنته عند باب المطبخ وعلى وشك منادتها.
انسابت منها آهة خافتة...
"آه..."
التقطها صالح فالتفت إليها واقترب يسألها بلهفة لا تخطئها العين...
"مالك في إيه؟"
حين وقف أمامها وضعت كلتا يديها على صدره ثم مالت نحوه تستنشق عبير العود بشوق يحيي فؤادها كزهرة ترتوي بندى
الحياة فتزهر....
"مش عارفة مالي.... شكلها دوخه..."
نظر صالح إلى وجهها عن قرب عينيها الغزلان الساحرتان الجريئتان بالفطرة وملامحها الأنثوية الشامخة وشفتاها الفاتنتان كثمرتان ناضجتان تهمسان بشيء لم ينتبه له بعد...
"أنا دايخة أوي... اسندني..."
بميوعة ألقت جسدها عليه فأسندها تلقائيًا وهو يقول بصعوبة...
"هنديلك ابرار..."
رفضت وهي تتشبث في عنقه بدلال...
"بس ابرار ضعيفة... عندها أنيميا مش هتعرف تسندني..."
همست بنعومة ويدها تتحسس لحيته الكثيفة بينما كانت عيناها تمارسان سحرهما عليه...
"اسندني انت ياحبيبي... أقولك شلني..."
أبعد يداها عن لحيته قائلاً بنظرة حازمة..
"انتي بتدلعي..."
زمت شفتيها بحزن قائلة...
"هو فين الدلع ده؟... انت بنفسك شوفت رجلي ورمه...."
التقت نظراتهما محملة بالعتاب وعاطفة متقدة لا يجرؤ أي منهما على الإفصاح عنها...
وفي اللحظة التالية وجدت نفسها ترتفع عن الأرض في لحظة غابت فيها عن الدنيا أمام
عينيه لتجد نفسها بين ذراعيه....
تشبثت فيه تلقائيًا ونظرت إلى جانب وجهه وهو يسير بها للخارج ثم قالت باستحياء..
"تقيله عليك...زادت من الحمل على الفكرة..."
دون النظر إليها قال بأسلوب فظ...
"انتي زايدة من قبل الحمل مش أول مرة أشيلك..."
تعمد أن يستفزها بهذا الرد وكما تعمد ذلك تعمدت هي أيضًا أن تستفز رجولته بردها الوقح...
"بس مكررتهاش من ساعتها..."
لم يعقب اكتفى بنظرة حادة تحذرها من التمادي معه على أثرها أخفضت جفنيها ملتزمة الصمت بأدب....
وعندما وصلا إلى باب الشقة قال بخشونة..
"لم ندخل شقتنا... هكلم الدكتورة اللي متبعة معاها نشوف حاجة للورم ده..."
دخل بها من باب الشقة ومنها إلى غرفتهما ليضعها على الفراش برفق....
لم تحل وثاقها حول عنقه بعد فنظر إليها بعينيه الخضراوين مستنكرًا حركاتها المكشوفة....
همست شروق بعذاب..
"صالح أنا آسفة... سامحني... عمري ما هكرر الغلط ده تاني لو على موتي..."
أبعد ذراعيها عنه بانسيابية وهدوء بينما كان صدره يعصف بجنون اشتياق ولهفة إليها....
ماذا تفعل الغزالة به؟
وماذا يفعل هو أمامها؟
قلبه لن ينصره عليها وعقله مشتت بقربها
حتى كبرياؤه وغضبه يتراجعا أمام أشواقه لها...
تحلّى بالصبر والثبات أمام تلك المتلاعبة...
ثم أشرف عليها بطوله المهيب قائلاً ببرود...
"أسامحك على إيه يا ملك... انتي عمرك قولتي حاجة غلط أو تزعل..."
نهضت شروق بسرعة قبل أن يخرج من الغرفة لتقف أمام الباب المغلق وتبادر بالقول...
"كانك ما صدقت..."
أومأ براسه بجمود دون أن يرف له جفن...
"بالضبط خليكي قد كلامك وكملي اللي بدأتيه..."
مدت يدها تتعلق بياقة قميصه بقوة وهي تميل عليه قائلة بلوعة...
"صالح هتجنن... مش قادرة على بعدك..."
تبادل معها النظرات ولمستها وحرارة كلماتها تفعلان به العجب لكن كبرياؤه وقف بينهما بالمرصاد.....
طال الصمت وظلت النظرات معلقة فهما لم يستطيعا إنكار انجذابهما الفطري لبعضهما حتى في خضم خصامهما....
همست بعذاب...
"قول حاجة عشان خاطري..."
من جديد أبعدها عنه برفق غير مهين لكنه مؤلم...
"عشان خاطرك... هنفذ اللي طلبتيه مني..."
صاحت بشراسة...
"بس أنا مش هسيب ولادي..."
هز رأسه مستاءً فهي تلعب دور الضحية بامتياز.....قال بسخرية قاتمة...
"والله محدش طلب تسبيهم انتي اللي حكمتي على نفسك..."
ازدردت ريقها وبدأ الغضب يجتاح جسدها وهي تفكر في النهاية التي اختارتها لنفسها بحماقة....
قالت باهتياج...
"ورجعت في كلامي... كنت مخنوقة وكرهه نفسي وقتها..."
لم تلين قسمات وجهه الصلبة وعقب بخشونة..
"فقولتي توجعيني... عشان ترتاحي مش كده..."
هتفت تلقائيًا...
"أوجعك؟!......اوجعك إزاي وأنا روحي فيك..."
استفزه الرد وفقد هدوءه وصبره أمام عبارتها المتكررة والتي لم يجد لها صدى في أفعالها...
فقال بغضب مكتوم...
"كدابة لو روحك فيا عمر ما هيخطر في بالك تقولي حاجة زي دي... مش تقوليهالي ببساطة كده..."
بهت وجهها بعد هذا الرد ولم يكن لسانها حليفها أمام عاصفة غضبه التي هبت فجأة دون مقدمات....
أضاف صالح بنبرة محتدة..
"انتي عديتي كل حدودك معايا من أول ما بنتك اتخطفت وكلمتيه من ورايا وروحتي لحد بيته من غير ما تبلغيني بأي حاجة... وكأني مش مالي عينك ولا شيفاني راجل
في نظرك... لحد الكلام اللي قولتيه في المستشفى....كأني مفرقش عندك..."
صاحت شروق مدافعة عن نفسها والدموع تتجمع في عينيها...
"بس انت فارق... ومالي عنيا وقلبي... راجل وسيد الرجالة كمان..."
تشنج فكه ومرت لحظة ضعف عليه وغضب تراكم بداخله نحوها حتى أصبح جبلاً ثقيلاً على صدره خلق رغبة قاتمة في صفعها وإيذائها...
ولولا قوة إيمانه وصبره غير المحدود لاستسلم لشيطانه وفعلها.
استعاذ بالله من نفسه وهو يصبر رغم الغضب الذي يجتاحه كنيران ملتهبة...
"مش بالكلام... مش بالكلام يا بنت الناس... أفعالك كلها قالت عكس اللي بيقوله لسانك..."
"تعرفي الغريبة؟ إن بعد كل عمايلك السودا دي... لسه ساكت وصابر عليكي... بس مش عشانك..."
أشار إلى بطنها ببساطة واعترفه طعنها في قلبها...
"علشان اللي في بطنك..."
عقدت حاجبيها بألم مصدومة من الحقيقة التي احاطت عنقها كقيد من نار...
"وهو ده بقى كل اللي بيربطك بيا... اللي
في بطني؟!"
أبعد عينيه عنها بعد أن لمح الدموع تتجمع في عينيها مجددًا....
فأجاب بنبرة صادقة...
"كان فيه حاجات كتير وانتي اللي بوظتيها بأفعالك وقلة احترامك لجوزك..."
قالت بحسرة...
"بس أنا اعتذرت وعرفت غلطي..."
نظر إليها بملامح لا تلين وقسوة اكتسبها على يدها...
"وأنا لسه هاخد وقت على ما أصفى وروق من ناحيتك... اللي اتقال مش سهل يتنسي..."
بذهول وانهيار عاطفي سألت...
"وقت؟!..... وقت قد إيه؟"
رد بجمود ضايقها...
"معرفش بس أكيد أكتر من الوقت اللي خدتيه وانتي بتكسري كلامي وبتقللي في كل مرة مني..."
هتفت بوهن مرير..
"متزدش وجعي يا صالح..."
رد بغلاظة..
"سلامتك من الوجع يا ملك..."
تشرست نظراتها في لحظة وهي تصيح برفض.....
"متقولش يا ملك... أنا مراتك مش غريبة عنك..."
وضع يده على مقبض الباب وقبل أن يخرج قال بأمر حاني...
"ارتاحي عشان اللي في بطنك..."
خرج دون أن يلتفت إليها تاركًا إياها تتجرع مرارة أفعالها...
نزعت حجابها عنها بعنف ثم همست وهي تختنق كأن الحوائط تكاد تطبق على أنفاسها بعد خسارتها أمام محاولة إرضائه بكل الطرق:
"وبعدين... هنفضل على الحال ده لحد إمتى؟"
...............................................................
يقولون إن في العودة مغفرةً وبدايةً جديدة لكل امرئٍ ظلم وتجبر لكنني أرى في الحقيقة أن اذا فات أوان العودة ضاعت المغفرة وقست القلوب أكثر...
بعد ليلةٍ حافلة بالخمر والرقص والعري قضتها في صحبة زوجها الشاب تململت في فراشها بفتورٍ مائع مرتديةً أحد قمصانها الفاضحة.....
شعرت بأنها وحدها على الفراش فبدأت تفتح عينيها ببطءٍ وانزعاج بينما لا يزال عطر زوجها يملأ المكان...
نهضت جالسة تدفع شعرها المصبوغ إلى الخلف بضيق... قد صار الانزعاج والغضب رفيقين دائمين لها في الآونة الأخيرة منذ أن خرجت من شقة ابنها...
والغريب أنها لم تعد تفكر في صالح الشافعي كما اعتاد عقلها وقلبها معًا منذ أن أحبته سرًا فقابلها هو بالرفض العلني الممزوج بالكراهية...
بل أصبحت تفكر في ابنها الوحيد... ذلك الطفل الذي تركته يومًا يبكي خلفها يناديها بحرقة أن تعود لكنها أصرت بعنادٍ أن تمضي حتى لا تفني عمرها وجمالها الصاخب بين جدران شقة تكرهها في حياةٍ رتيبة مع رجلٍ تبغضه وابنٍ لم ترده...
تطلعت حولها بسخرية أهذه هي الحياة التي اختارتها لنفسها تاركةً الجميع يحترقون خلفها؟
زجاجات خمرٍ ملقاة على الأرض وملابس مبعثرة لها ولزوجها بعد ليلةٍ مبتذلة عاملها فيها كامرأة ساقطة
جاءت صورة فاروق في ذهنها فجاة للتذكر كم
كان رجلًا حنونًا يحترمها ويقدرها حتى في أكثر لحظاتهما الخاصة ولم يبخل عليها يومًا... لكنه لم يُشبع رغباتها كأنثى تتوهج تزداد أنوثةً وجمالًا يومًا بعد يوم...
أنثى تطمع في المزيد من الكلمات والأفعال ولم يواكب هو يومًا صخبها ولا اندفاعها فمالى قلبها إلى أخيه الاصغر كان أكثر شبابًا وحيوية... ورغم وقاره وهدوئه كانت تلمح حبه الجارف لزوجته تدليله لها ولمعة عينيه وهو ينظر إليها...
وفي إحدى المرات رأته خفيةً يقبل زوجته بحرارة فتمنت أن تكون مكانها... بلغت الأفكار حد الجنون واشتد حرمانها الجسدي والعاطفي فطلبت الطلاق خارجةً من ذلك البيت...
وحين علمت بموت جميلة اشتعل قلبها شوقًا متخيلةً نفسها في مكانها... في كل شيء...
عندها ساومت صالح على الزواج لتعود إلى ابنها الذي تركته يومًا... لكنه صفعها ورفضها فرحلت تبحث عمّن هو أصغر منه سنًا وأكثر شبابًا لتفني عمرها وجمالها من رجلٍ إلى آخر...
حتى ضاع العمر وذبل الجمال وأصبحت تشتري المتعة وكلمات الحب الرخيصة بمالها...
وخلال كل تلك السنوات لم تفكر يومًا في ابنها... كأنها لم تنجبه قط... كأن أمومتها قد نُزعت من قلبها أو أنها لم تُخلق فيها أصلًا... فصارت إلى ما هي عليه الآن...
والآن فقط... تفكر فيه بعد فوات الأوان... وإذا فات أوان العودة ضاعت المغفرة وقست القلوب أكثر...
لن تجد لها مكانًا في قلب ياسين... لقد أغلق كل الأبواب بعد أن كانت مواربة... أوصدها بإحكام.
لتصبح عودتها مرفوضة ومغفرته لن تنالها منه...
انتبهت عبلة إلى الخزانة المفتوحة أمامها وقد بدت رفوفها خاوية...
نهضت تتحقق بنفسها وقلبها يخفق خوفًا من أن يكون ما تتوقعه قد حدث بالفعل... وكان كذلك.
وجدت خزانة الملابس خالية من ثياب هيثم...
اندفعت نحو الخزنة التي تخفي فيها الأموال التي سرقتها من ياسين فوجدت بابها مفتوحًا على مصراعيه يُقر بالحقيقة التي تنكرها بشدة...
هزت رأسها نفيًا وهي تتراجع في هلع ثم ركضت إلى غرفتها والدموع تنهمر من عينيها...
أمسكت الهاتف بيدٍ ترتجف مثل جسدها من شدة الانفعال ومن نهاية تُسدل ستائرها عليها قبل الأوان...
وحين سمعت رنين الهاتف تنفست الصعداء وتمنت أن يكون كل ما حولها مجرد أوهام... ستتلاشى عندما يجيب زوجها ويخبرها أنه يمزح معها...
"انت فين ياهيثم....."
ردَّ بنبرة باردة....
(شوية وهبقى فوق في السما...)
ارتفع حاجبها إلى الأعلى باستنكار...
"سما؟!........ إنت مسافر؟!"
ابتسم بانتشاء وقال بنبرة لئيمة...
(طول عمرك بتفهميها وهي طايرة... أيوه مسافر.... جالي عقد عمل في دبي... شغل هيكسبنا كتير....مش ده اللي إنتي كنتي عايزاه؟)
صاحت بغضب...
"إنت هتستعبط؟..... فين فلوسي؟!"
ردَّ بهدوء صقيعي جمّدها في مكانها...
(خدتها... أصل خلصت بيها كام ورقة كده لزوم السفر والباقي خدته عشان المصاريف والذي
منه...إنتي عارفة الغربة صعبة قد إيه.)
علت وتيرة أنفاسها وشعرت أنها على وشك الإصابة بوعكة....
"بقولك إيه بلاش الشغل بتاعك ده معايا... فلوسي ترجع!"
صاح هيثم على نحوٍ مفاجئ أفزعها...
(ما تريحي دماغك بقى يا ولية يا عيبة إنتي...)
توسعت عيناها بصدمة شاهقة...
"أنا؟!..... إنت بتكلمني أنا كده؟!"
تابع بنفس النبرة الحانقة المشمئزة...
(هو في واحدة هنا شايبة وعيبة غيرك؟
قرفتيني يا ولية... مفكرة نفسك نُغّة؟
بصي لنفسك في المراية... ده إنتي وشك كرمش من كتر الـ**...)
سالت الدموع من عينيها وصاحت بانفعال..
"يا ابن ستين كلب.... والله لأحبسك وأوديك في ستين داهية.... "
أنزلت الهاتف عن أذنها بذهول بعدما أغلق الخط في وجهها منهيًا المكالمة....
"بيقفل السكة في وشي... يا ابن الـ**...!"
ظلت تسبّ وتلعن...تحطم كل ما تطاله يدها في الغرفة حتى أصبحت خرابًا لا يصلح لشيء... مثلها تمامًا....بيديها خربت حياتها وحولتها إلى فوضى غير قابلة للإصلاح....
صدح جرس الباب فارتدت مئزرها تخفي جسدها ثم تحرّكت بصعوبة نحو الباب في حالةٍ يُرثى لها والدموع تنساب من عينيها الحمراوان مُلطِّخةً وجهها بالكحل...
وحين فتحت الباب رأت حارس العقار أمامها فسألته بغلظة...
"في إيه انت كمان....."
قال الرجل بنفاد صبر...
"في ان ايجار الشقة متدفعش.....بقاله شهرين
وكل ما اكلم الاستاذ هيثم يقولي على اول شهر
وشهر يجر شهر اي الحكاية ياهانم...."
اتسعت عيناها بذهول ولم تستوعب بعد لذلك
رمقته باستنكار....
"شقة ايه اللي مدفعناش ايجارها يامخبول انت...
دي تمليك باسمي....."
قال الحارس عابسًا....
"كان تمليك ياست واستاذ هيثم بعها تاني لصاحب العمارة..."
سألت بصوتٍ مبحوحٍ اختنق بالصدمة.....
"تمليك أزاي دي بأسمي....اكيد في حاجة غلط..."
قال حارس العقار بجدية....
"معرفش كل اللي أعرفه الأستاذ هيثم مضى مع صاحب العمارة عقد بست شهور ايجار على ما يرتب اموره دفع أول شهر وبعدين بطل وانا بصراحة صاحب العمار باعتني اقولكم ان قدمكم يومين تفضوا الشقة ....... من غير شوشرة ....."
غادر حارس العقار من أمامها بينما ظلت في مكانها غارقة في التفكير تحاول استرجاع ذلك اليوم الذي احتال عليها فيه ودفعها إلى توقيع عقد بيع الشقة دون أن تعي ما تفعل.....
القصة التي قصتها على ياسين بالمشفى أصبحت تعيشها بحذافيرها الان لكن الوضع يختلف هذه المرة فلن تجد أحد يساندها......
لم يبق لها سوى أخيها فمهما قسا قلبه لا بد أن يفتح لها بابه .... ستبقى معه مكتفية بالعيش بين جدران بيته فقد سلمت حياتها بكل ما فيها من صخب وضجيج.....
