رواية اشتد قيد الهوي الفصل السادس والاربعون 46 بقلم دهب عطية


 رواية اشتد قيد الهوي الفصل السادس والاربعون 

في شقة فاخرة تطل على البحر مباشرة وقف محمد في الشرفة إلى جوار شاب وسيم في مثل عمره....//

قال الشاب باشتياق من نوع خاص...

"وحشني العروب وناسه... وأنت..."

انتبه محمد للتو أن الحديث موجه إليه رغم أن لا أحد يقطن في الشقة سواهم....

"بتقول حاجة...؟"

برقة عينا الشاب وفي شقاوة معهودة وقال بلؤم...

"حياك الله.... وين شارد....اللي واكل عقلك تتهنى بيه... شارد فيها ولا في الرد اللي اتأخر عليك..."

تنهد محمد تنهيدة طويلة وعميقة وقال بوجوم..

"الإتنين... الإتنين يا عبد الهادي..."

مالت ابتسامة عبد الهادي بخبث قائلاً...

"ولا وعرفت توقعك في غرامها بنت بحري... بقى تسيب بنات عشيرتك كلهم وتاخد واحدة غريبة عن أهلك وناسك..."

ظهر التجهم في عيني محمد وقال بعناد اهوج..

"مش أول واحد أعملها... ولا هكون الأخير في القرية... وبعدين نهاد زينة البنات... دا غير 
أخلاقها وعقليتها... هتفهمني وأكيد هفهما..."

بأسلوب مبهم وهو يعرف طباع صديقه الخشنة مع النساء منذ صباه...

"من ناحية هتفهموا بعض علميًا دي حاجة مقدور عليها لكن في لغات تانية هتبقى بينكم محتاج تتعلمها يا دكتور... ويارب تاخد امتياز فيها زي الطب..."

لم يعقب محمد على حديثه فهو يعرف إلى ماذا يشير....

فقال عبد الهادي بلؤم...

"صحيح خالتي كلمتني وقعدت تستفسر عن بنت بحري..."

برقة عينا محمد بتساؤل...

"وقولت لها إيه...؟"

رد عبد الهادي بمكر الذئاب...

"قولتلها الحقيقة هكدب يعني..."

صاح الآخر بنفاد صبر....

"عبد الهاااااادي..."

ضحك عبد الهادي باستمتاع شيطاني لكن نظرات محمد المخيفة جعلت الضحكة تنحسر على محياه حتى اختفت تمامًا... فرد عليه دون مرواغة أكثر...

"إنها زينة مؤدبة وكمان زيك بتجيب امتياز..."

ظهر الارتياح والرضا في عيني محمد قبل أن ينتشر على محياه....

استأنف عبد الهادي الحديث بالقول...

"بس واضح إن خالتي مش موافقة ... ورسلان ليه رأي تاني... وأنت عارف إنه ما بيطيق بنات بحري من أصله... بعد الـ..."

ترك الحديث بينهما مفتوحًا دون الدخول في تفاصيل يعرفانها جيدًا....

بملامح غامضة قال محمد بصلابة....

"بكرة همهد ليهم الموضوع... نهاد غير أي حد بس ترد واسمع الموافقة من أخوها ساعتها... ساعتها أجيبهم معايا ونتقدم رسمي ونتفاهم على كل شيء ..."

صدح هاتف محمد معلنًا عن اتصال... رفع عيناه على عبد الهادي قائلاً بابتهاج...

"ده رقم غريب... ممكن يكون أخو نهاد..."

تحرك ليدلف للداخل سأله عبد الهادي...

"وين رايح...؟"

رد محمد وهو يتجه نحو غرفته...

"هرد عليه... ساعة نچيك... ولع على الشاي..."

بعد دقائق معدودة عاد محمد إلى الشرفة ليقف نفس الوقفة لكن شتان ما بين وجهه قبل المكالمة وبعدها حتى أن بريق عينيه القويتين انطفأ فجأة فأصبح قاتمًا هائجًا كالبحر في ليلة مخيفة...

"راجع قالب وشك... إيه الاخبار متسرش؟"

أتى عليه عبد الهادي وكوب الشاي بين يديه...

رد محمد باختصار...

"رفضني..."

ارتسم التعجب على وجه عبد الهادي وسأل في حيرة...

"والسبب...؟"

هتف محمد بقرف...

"ما عايز أخته تعيش بعيد عنه..."

ابتسم عبد الهادي بسخط قائلاً...

"الغبي لو يعرفك زين ويعرف عشيرتك كان أدهالك وهو مغمض عينيه..."

ساد الصمت قليلاً بمشاعر غاضبة من محمد الذي قال فجأة...

"تفتكر نهاد رأيها من رأيه...؟"

هذه المرة تحدث عبد الهادي بحدة...

"وانت تريدها تعصي كلام أخوها؟! ... طالما مش موافق اصرف نظر عنها..."

هتف محمد بنزق...

"لما أسمعها منها..."

باستهجان قال عبد الهادي...

"متبقاش عنيد يامحمد... الدنيا مليانة بنات أشكال وألوان... يمكن اللي حصل ده اشارة ترجعك عن الجوازة دي وتجوز وحدة من عشيرتك... عارفة عاداتنا وأعرافنا..."

هاجمه محمد بالرد الضاري قائلاً...

"عبد الهادي نقطنا بسكاتك وتركني الحين... أنا مش فايق لنصايحك..."

ابتعد محمد عنه مجددًا إلى غرفته دون رغبة في الخروج... فهز عبد الهادي رأسه باستياء فهذا العنيد خشن الطباع وقع في مصيدة العشق ويبدو أن ابنة بحري مراوغة كبيرة هي وعائلتها.....

رفع عبد الهادي الهاتف وحين فتح الخط قال بعد السلام....

"رسلان طلع عندك حق... واضح إنهم عايزينه يجيب شقة هنا ويبعد عنا وعنكم... هاقولك اللي عرفته من شوي..."

تسير برشاقة مع بعض صديقاتها في ساحة الجامعة قاصدة الخروج بعد انتهاء اليوم الدراسي... ظلت عيناه معلقة بها قليلًا غير قادر على إزاحتها عنها مثل قلبه المعلّق بحواف ثيابها كطفل يناشد الحب!

"آه يا دكتورة جلبي معك مثل الهجين في الصحاري يجري ليكي بلا راحة..."

وصف خفقات قلبه بتلك الجملة العاصفة بالمشاعر والعاطفة تتأجج في عينيه نحوها...

غريب أمره معها وهو الذي لم يلتفت لأي امرأة من قبل أمام ابنة بحري خَر صريع الهوى دون مجهود يذكر منها !

ارتجفت نبضات نهاد فجأة بعد أن ظهر أمامها محمد الغازي بملامحه الخشنة وتعابيره الهادئة رغم غموض نظراته وحدتها الفطرية....

ازدردت ريقها وهي تتبادل معه النظرات متوجسة ثم نظرت إلى صديقاتها...

قال محمد وهو يتدارك الموقف بفطنة...

"بعد إذنك يا دكتورة محتاجك في مسألة مهمة بخصوص ***..."

نطق بأحد الأمور الخاصة بالدراسة وعلوّ الجدية على وجهه مع صدق لا يمكن إنكاره فاستأذنت من صديقتيها وتحركت معه تسأله

"عايز تسأل عن إيه بالضبط؟"

قال بلا مقدمات...

"عندك خبر إن أخوكي رفضني..."

أومات برأسها ببعض الحرج..

"أيوا عارفة... وأكيد قالك أسبابه..."

قال محمد بنبرة خشنة حانقة...

"أسبابه إنه مش عايزك تبعدي عنه... إنتي رأيك إيه؟"

لم ترق لها تلك النغمة المتسلطة في الحديث فجمعت همامها وقالت بتأييد..

"أنا رأيي من رأي أيوب... معتقدش إني هتأقلم في العيشة هناك في سينا..."

ثم استأنفت بصدق...

"أنا بس سمعت عنها بس عمري ما رحتها..."

قال محمد بفخر غريب...

"وجتلك الفرصة تعيشي فيها... سينا محافظة جميلة وهتحبيها..."

ابتسمت نهاد موافقةً فكل قطعة من الوطن تحكي قصة جميلة أبدع الخالق في تشكيلها.

"في أماكن مهما كان جمالها تحب تكون فيها سائح مش أكتر... وأنا اتعودت على إسكندرية أهلي وصحابي هنا... هناك ليا مين؟"

قال محمد بثقة....

"أنا أغنيكي عن الكل... معايا مش هتحسي بغربة وده وعد مني ليكي..."

لفحها عنف مشاعره وهو يتحدث بحرارة غير منفرة على العكس كانت مشبعة بصدق رجال الصحراء حين يحبون ويحترمون نساءهم....

سافر عقلها في مكان آخر بينما لسانها يقول ببغض واضح...

"بلاش وعود... مش كلنا نقدر نوفي بوعودنا..."

هتف محمد بصلابة...

"أنا أقدر أوفي... طالما وعدتك يبقى في استطاعتي أنفذ..."

بلعت نهاد ريقها بتوتر كارهة تلك المواجهة فهي ظنت أن مكالمة أيوب له ستوفر عليها مقابلته مرة أخرى وتوضيح الأمور لكنه فجاءها بتلك الجرأة والإلحاح الغريب...

"كل شيء قسمة ونصيب يا دكتور... وأنت إنسان محترم ومثقف وألف بنت تتمناك..."

علق محمد على الحديث ملحًّا في طلبه بلهجته الأم....

"وأنا ما شوفت من الألف غيرك... إيش تريدي؟ تعيشي هنا... شجة على البحر كفيل بيها بس سمعيني الرضا.... الله يرضا عليكي..."

ابتسمت نهاد ابتسامة متفاجئة متعجبة يختلط فيها الإعجاب بتلك اللهجة المميزة التي لم تسمع مثلها من قبل فقالت دون تحفظ...

"لهجتك جميلة..."

رأى ابتسامتها فهبت الريح في لهيب صدره مخففة هذا الألم غير المحتمل !....

"يا زينها هالضحكة..."

أسبلت نهاد جفنيها مرتبكة وهي تنظر حولها غير راضية عن وقوفهما هكذا وتبادل الابتسامات والكلمات الخافتة بينهما...

قال محمد باعتداد بالنفس..

"وبكرة لم تعرفينا هتحبي النجع وناسه وأهلي وعشيرتي..."

نظرت إليه نهاد عابسة قليلًا فابتسامتها وإعجابها بلهجته أعطاه أملًا كاذبًا بموافقتها على الارتباط به لذلك عزمت أمرها وقالت بجدية صريحة...

"أنا مش عايزة ألف ودور عليك يا دكتور... الموضوع مش موضوع هنا أو هناك في الحقيقة أنا اتسرعت لما اديتك معاد تقابل أخويا..."

بهت وجه محمد وعقد حاجبيه وظلت عينيه تحمل نظرة قاتمة مهيبة....

فقالت نهاد بشجاعة متحاشية النظر في عينيه..

"ودي مش غلطتك... عارفة إنه غلطي بس أنا شايفة إن الارتباط دلوقتي هيعطل دراستي عشان كده..."

تابع محمد بنبرة خشنة باردة...

"عشان كده أخوكي رفضني وقال بسبب المسافة وإنه مش عايزك تخرجي برا محافظتك..."

قالت نهاد مدافعة عن شقيقها كي تحفظ ماء وجهه فكل هذا العبث حدث بسببها هي فقط...

"هو أكيد ده السبب بس مش الرئيسي..."

أومأ محمد برأسه بملامح جافية ونظرة قاسية غير متهاونة مع خداعها...

"عامة يا دكتورة أنا أتمنالك كل خير والجواز قسمة ونصيب بس على الأقل كنتي عرفيني نيتك قبل ما أجي وأخبط على بابك وكلم أهلي عنك..."

قالت نهاد بأسف...

"أنا حقيقي آسفة..."

رد عليها بجفاء...

"الحقيقة أسفك مش مقبول عندي..."

ارتفع حاجباها للأعلى بدهشة...

"عفوًا..."

لكنها كانت تكلم الهواء فقد تحرك بعد قول تلك الجملة مبتعدًا عنها ببرود...

"مجنون ده ولا إيه..."

ثم تنهدت في ارتياح رغم وخزة الندم في قلبها لتضع يدها على صدرها قائلة برضا 
تام...

"الحمدلله... هم ونزاح..."
............................................................. 
ظهرت الصدمة جلية على وجه سلامة بعد أن سمع الحقيقة كاملة من لسان صديقه...

"بنت الـ... يعني طلعت هي اللي ورا كل حاجة... مكنش باين عليها... والزفت اللي 
خد تصاميمك ده... هتعمل معاه إيه؟"

لمعت عينا أيوب بخبث وقال بتريث...

"لا دا أنا محضرله مفاجأة هتعجبه أوي..."

هتف سلامة دون تفكير...

"ناوي على إيه؟!.... ننط على بيته وناخد تصاميمك؟!"

رمقه أيوب بصدمة ثم زجره...

"هو اللي في داء ما بيبطلوش ولا إيه..."

هتف سلامة بجدية صادقة...

"انت فهمت إيه يا غشيم... أنا غرضي أساعدك..."

رفض أيوب بصلابة...

"مستغني عن مساعدتك... ركز في شغلك وفكنا من شقاوة زمان دي... أنا عارف أنا 
هعمل إيه كويس..."

تعالى رنين هاتف سلامة فنظر إلى الشاشة حيث سجل الاسم بيده (هنيا...)

ورغم أنه وصل الى مرحلةً جيدة في محو الأمية فانه ما زال يخطئ في بعض الحروف والكلمات.....

شهران كاملان أمضاهما يتعلم أساسيات القراءة الحروف وأشكالها ونطقها الصحيح عند القراءة إلى جانب بعض الكلمات 
البسيطة....

كان الوضع صعبًا وشاقًّا بنسبة له اصعب
من اي شيء مر به.. وفي أوقاتٍ كثيرة كان يتكاسل عن الاستمرار بضيق وغضب من
وضعه فهو يتعلم كطفلا في روضة بعد
ان وصل الى الثلاثون من عمره...

ثم يعود الى رشده ويداوم عليه مُصبِّرًا نفسه بأنّه أصبح أفضل من ذي قبل فعلى الأقل في عمله مع أيوب بات يقرأ أوراق كشف البضائع وأسعارها

ورغم ان الأمر يستغرق وقتًا طويلًا في قراءة كلمةٍ واحدة أو جملةٍ لا تتجاوز ثلاث كلمات لكن من علمه الاساسيات أخبره أنّ سرّ إتقان القراءة هو الاستمرار والمداومة حتى تألف العين الكلمات الصعبة والأسماء فتحفظها
مثل الأرقام التي تُدركها من النظرة الأولى.

انتهت المكالمة دون أن يرد سلامة عليها مما جعل أيوب يتعجب ويسأل بفضول...

"مين؟!"

رد باختصار...

"هانيا..."

ارتفع حاجب أيوب مع ابتسامة عابثة...

"الله... انت علقتها ولا إيه؟ والمدام عندها 
خبر ولا أبلغها أنا؟"

ابتسم سلامة دون مرح موضحًا...

"دماغك راحت بعيد... أنا بدأت أشتغل معاها في شغلها ده... تصوير وإعلانات... وصاحبك بقى وجهة..."

أومأ أيوب بنبرة صادقة مبهورًا بما سمع...

"مش هتريق في الحتة دي... الصورتين اللي اتصورتهم بتصاميم جابوا مبيعات كويسة ولسه الطلب عليهم... وشكلي هحتاجك تاني في الجاي..."

هتف سلامة بوئام....

"يا عم أنا رقبتي سدادة ليك... المهم تنجح وتبيع أكتر...."

رن هاتف أيوب تلك المرة فنظر إليه ثم أشار إلى سلامة بهدوء...

"استنى هرد على نهاد..."

تغيرت نظرة سلامة وتناثرت المشاعر في صدره كبركان انفجر فجأة فأسبل عينيه ليخفي حقيقة شعوره عن صديقه مرهف السمع لصوتها الغير مسموع...

مع الأسف لم يكن مسموعًا سوى كلمات أيوب لها...

"إيه يا دكتورة... عاملة إيه يا حبيبتي..."

نظر أيوب إلى سلامة ثم تابع بهدوء...
"إيوه لوحدي قولي... مالك؟....صوتك في حاجة؟"

رفع سلامة عينيه باهتمام على أيوب بملامح قلقة مرتقبة....

صمت أيوب قليلاً يستمع ثم علق ببعض
الغيظ والغيرة...

"وبتاع إيه أصلاً يوقفك؟.... أنا مش نهيت الموضوع معاه في التليفون..."

حدج سلامة في وجهه بعدم فهم وشعور حارق استوطن صدره...

تابع أيوب باهتمام...

"أوعي يكون قال حاجة ضيقتك..."

عند ردها تنهد أيوب بارتياح طفيف
قائلاً بحنو...

"متزعليش نفسك يا حبيبتي... ولو حصل أي حاجة تانية من ناحيته...بلغيني وأنا هشوف شغلي معاه..."

عندما أنهى أيوب الاتصال سأل سلامة...

"مين ده يا أيوب؟... وضايق نهاد في إيه؟"

رد باختصار...

"زميلها في الجامعة..."

صاح سلامة بصوت محتد والدماء تغلي في عروقه...

"وهو عشان زميلها في الجامعة يضايقها عملها إيه؟...... انطق..."

رمقه أيوب باستنكار متعجبًا من ردة فعله المبالغ فيها...

"اهدأ يا سلامة انت محموق أوي كده ليه؟
دي أختي أنا..."

عند تلك النظرة وهذا الرد ازدرد سلامة ريقه محاولًا السيطرة على نفسه وهو يقول بصعوبة....

"ما... ما عشان اختك مضايق..."

تنهد أيوب بضيق وهو ينظر إلى الملفات أمامه...

"الموضوع مش مستاهل... نهاد بس عشان حساسة شوية... حست بالذنب ناحيته عشان كده كلمتني تحكيلي..."

سأله سلامة بقلب ملتاع...

"حست بالذنب ناحيته... ليه؟"

رد أيوب بنبرة عادية...

"اتقدملها وهي وافقت إننا نشوفه... وبعد ما جه البيت على آخر لحظة قالت مش عايزة تخرج وإنها اتسرعت وعايزة تلتفت لدرستها..."

كانت النيران تتأجج في صدر سلامة قد وافقت أن يتقدم آخر لخطبتها... أحقًا طوت ما كان بينهما؟... تجاوزته ومضت لتبني حياتها مع من تراه أنسب لها؟

سأله سلامة بغصة...

"وانت اتصرفت إزاي؟"

رد أيوب بعقلانية..

"اقنعتها تخرج... الراجل جه لحد بيتنا... لو هتقعد معاه دقيقة.... وأنا هبقا ارفضه بالطريقة..."

أغاظ ذلك سلامة ولم يعي بنفسه وهو يصرخ

"وانت ليه تغصب عليها يا أيوب؟... ما قلتلك مش عايزة..."

لم ينتبه أيوب إلى احمرار وجه صديقه وتعرق جسده وتسارع أنفاسه الغاضبة كأنه يحتضر من مجرد خاطب تقدم إلى أخته !

قال أيوب بوجوم...

"وهي ليه قبلت من الأول إنه يجي زيارة تعارف؟... المواضيع دي مفهاش لعب... أنا حاسس إن نهاد فيها حاجة... بقالها فترة بعيدة وكأنها مخبيه حاجة عني..."

"حتى سألت ندى أكتر من مرة اتهربت من سؤالي... بس متأكد إنها عارفة كل حاجة عنها من يومهم مش بيخبوا حاجة على بعض..."

سأله سلامة بترقب...

"وانت شايف إيه... هو مناسب ليها؟"

قال أيوب بجدية...

"ان جيت للحق يا سلامة الشاب ممتاز... آخر سنة ليه في الجامعة.. الأول على دفعته طول السنين اللي فاتوا... مفيش حد سالته عنه غير وشكر فيه... السيجارة حتى مش بيشربها... ملتزم جدًا.... ووالده شيخ من شيوخ عشيرة الغازي ودي عيلة غنيه جدًا وليهم وضعهم في جنوب سينا..."

كانت الكلمات تذبح سلامة بسكين ثلم لذلك عنوة عنه تحول الغضب إلى حقد وكراهية في عينيه وهو يسأله...

"وانت جبت المعلومات دي منين؟"

رد أيوب دون أن يشعر بصراع صديقه..

"من زمايله اللي في الجامعة... بس بيني وبينك أنا مش عايز البنات يتجوزوا دلوقتي. هما لسه صغيرين تسعتاشر سنة... دراستهم أهم... وقرار نهاد ريحني أكتر... بس مش عارف ليه حساسة أوي من ناحية الدكتور ده..."

ثم استأنف بشك...

"مع إنه غريبة عنها...حاسس انها معجبه بيه"

دوى في صدره ارتطام عنيف كأن قلبه تحطم إلى أشلاء....

وماذا كان يتوقع حين تركها خلفه ومضى ليتزوج بأخرى أمام عينيها عاش معها أشهرًا متناسيًا الدكتورة وجرحها؟

لقد فعل الصواب حين تركها وسيعيد فعل المثل متمنيًا لها الخير سواء مع هذا الطبيب أو غيره المهم أن تكون سعيدة... 

والأهم أن تقع في الحب ولا تعيش معاناته
ولا تعيش النزاع والعذاب....

دعوتك قد تحققت يا دكتورة ورغم كل شيء جيد يحدث معي ما زالت الحياة منطفئة في داخلي كأني فقدتها مع فقدانك.... 

...........................................................
سار معها إلى داخل العقار حيث عيادة الطبيبة التي تتابع معها حملها... كانت تلك المرة الأولى التي يرافقها فيها بعد إلحاحٍ شديد منها....

في الحقيقة كانت تُلحّ في كل شيء تطلب منه الاهتمام والحب بعينيها قبل لسانها أحيانًا يلبي أبسط حقوقها وأحيانًا يعتذر متذرعًا بالعمل...

ما إن دلفت إلى العيادة حتى استقبلتهما الطبيبة بابتسامةٍ بشوشة رحبت بهما ثم دعت عزة إلى الاستلقاء على سرير الكشف... ساعدها سلامة على ذلك برفقٍ واهتمام يحمل في طياته حبًا لزوجةٍ وأمٍّ لطفله القادم....

بدأت الطبيبة عملها فوضعت سائلًا لزجًا على بطنها ثم مرّرت جهاز السونار لتظهر على الشاشة صورة الصغير...

قالت الطبيبة بملاطفة...

"النقطة دي.....البيبي زي القمر طالع لمامته...."

ابتسمت عزة قائلة بتمني....

"يارب يطلع نسخة من أبوه..."

نظرت إليها الطبيبة بدهشة....

"دا انتي بتحبي أوي؟!...."

أومأت برأسها وبرغم حيائها قالت وهي تنظر إلى عينيه....

"أوي....هو كل حاجة ليا ربنا يباركلنا فيه...."

رفعت الطبيبة نظرها نحو سلامة الصامت الذي يتنقل ببصره بينهما وبين الشاشة بملامح فاترة...

فسألته...

"انت اي رايك نفسك يطلع شبهك ولا شبه مامته.."

أجاب بفتورٍ معتاد...

"اي حاجة المهم يجي بسلامة...."

أمعنت الطبيبة النظر في الشاشة قائلة بجدية..

"الحمد لله نموه ممتاز جدًا... وباين أنه ولد."

لمعت عينا عزة بالدموع وابتسمت بسعادة قائلة..

"كان قلبي حاسس يوسف... يوسف بإذن الله."

ردت الطبيبة بلطف...

"باذن الله..... تقومي بسلامة ليه... دي بقا دقات قلب الاستاذ يوسف..... سامعين....."

ارتفع خفقٌ صغير في المكان كان له أثرٌ غريب على قلب سلامة... كأنه أذاب حاجزًا جليديًا حول قلبه وفتح بابًا لم يدخله أحدٌ من قبل....

تسللت إليه مشاعر غريبة مزيج من السعادة والدفء والترقب لوصول هذا الصغير...أهذا هو شعور الأبوة؟ جميل... غريب... ويحمل في طيّاته الكثير من التحديات....

نظر إلى عزة التي كانت تستمع إلى خفقات صغيرها وتتأوه بسعادة وانبهار فيما دموعها تنساب دون أن تشعر...

تلك المرأة التي قضت حياتها تعمل في الشارع على نُصبة شاي ولم يكن أقصى طموحها سوى أن تتزوج ممن تحب وتنجب منه...

وقد تحققت أمنياتها فأصبحت زوجته وأم ابنه فارتفعت مكانتها في قلبه وازدادت محبتها.

هي من علمته كيف يكون رجلًا يُعتمد عليه 
وربى أسرة لا يمكن الاستغناء عنه...واليوم تهديه شعور الأبوة طفلًا لم ينتظره لكنه في أمسّ الحاجة إليه.

قالت الطبيبة وهي تنهي عملها...

"مبروك عليكم هكتبلك على شوية فيتامينات 
تنتظمي عليها مع الأكل الصحي المفيد..."

ساعدها سلامة على النهوض برفق فنظرت إليه وقالت بخجلا....

"يتربى في عزك يا سي سلامة..."

ابتسم لها ثم انحنى يقبل قمة رأسها واحتواها بذراعٍ واحدة قائلًا...

"وفي وسطنا إن شاء الله يا أم يوسف..."

وعندها عقد العزم أن يمنح هذا الصغير وأمه ما حُرم منه يومًا... عائلة.....

عائلة...تلك الكلمة القيمة التي لا يعرف قيمتها إلا من حُرم منها..... مثله
..............................................................

...........................................................
(افتحي الباب وخذي الحاجة مني...)

قفزت من على الفراش بسرعة بعد أن 
قرأت رسالته وارتدت سريعًا إحدى إسدالاتها المحتشمة ولفت حجابها حول وجهها ثم خرجت إليه...

فتحت الباب نصف فتحة وهي تمد يدها لتأخذ منه الكيس...

لكنه لم يناولها شيئًا. بل طبع عدة قبلات على كفها الممدود فقالت بصيحة معترضة

"إنت بتبوس إيدي ليه؟!"

قال وهو يقبض على كفها بتملك مقتضبًا

"هو أنا شايف غيرها؟... افتحي الباب شوية خليني أشوف خلقتك..."

رفضت أبرار بنبرة مرتبكة

"مش هينفع يا سينو أخاف حد يشوفنا... هات الكيس مش انت قولت إنك جايب لي حاجة حلوة؟"

رد بغلظة..

"مش ببلاش الحاجة الحلوة دي..."

هدرت بغيظ... 

"خلاص مش عايزة من وشك حاجة..."

أوشكت على غلق الباب في وجهه لكنه وضع قدمه يمنع ذلك وهو يقول بمناغشة حلوة..

"استني بس الكلام أخد وعطا افتحي شوية أشوف وشك... ده إنتي مراتي حتى..."

فتحت الباب قليلًا وتشبثت بحوافه بقلق ليظهر جزء كبير منها يملأ عينيه وقلبه...

قالت بخجل هاربة من نظراته التي تفترسها

"بسرعة طيب... عشان مفيش حد في البيت..."

برقت عيناه بالنشوة أكثر من ذي قبل وهو يسألها بجذل....

"مفيش إيه؟ احلفي... راحوا فين وسبوكي لوحدك؟"

قالت أبرار بوجوم...

"تيته راحت المقابر سنوية جدك النهارده... وبابا طبعًا معاها... وملك في درسها وشروق قاعدة تحت في شقتها..."

سألها بلؤم...

"وليه مجتش تقعد معاكي؟"

قالت أبرار بهدوء

"ملك الصبح قالتلي إنها تعبانة من امبارح بليل..."

عقب ياسين بريبة...

"يمكن هتولد..."

هزت رأسها نفيًا وقالت بحيرة

"معرفش... بس هي في أواخر السابع... والولادة دلوقتي خطر عليها وعلى اللي في بطنها..."

أمعن ياسين النظر إليها وهو يسألها كأنه يستشف الإجابة قبل أن تنطق بها 

"إنتِ خايفة عليها... ولا على اللي في بطنها؟"

ردت أبرار تلقائيًا... 

"أكيد الاتنين.... مش أرواح؟"

سألها عابسًا... 

"عشان أرواح بس؟!"

أطلقت زفرة حانقة من حصار أسئلته لتقول بانزعاج...

"أيووه عليك... أكيد عشان هما عيلتي 
واللي جايين دول إخواتي... ارتحت؟"

رد ياسين برضا تام مع ابتسامة واسعة على محياه... 

"آخر راحة... ربنا يكملك بعقلك يا مراتي يا حبيبتي..."

قالت أبرار بتعجل وهي تنظر خلفه بقلق

"طب يلا بقى امشي... امشي قبل ما حد ييجي..."

أسند جسده على الحائط بجواره بينما عيناه تلتهمانها وهو يقول بهمسة أجش

"همشي متقلقيش... ادينا واقفين على الباب شوية وبملي عيني منك..."

هربت من حصار عينيه محاولة الحديث في شيء يطفئ تلك الشعلة المتقدة بينهما...

"صحيح يا ياسين نسيت أسألك هي مامتك مجتش ليه كتب كتابنا؟... إنت مقولتلهاش؟"

نجحت في إطفائها بجدارة... لقد تغيرت تعابير وجهه وأظلمت عيناه مع الرد عليها ببعض التجهم

"ولا عايز أقولها... انسيها... ومتعكريش مزاجي بالسيرة دي..."

ظهر الاهتمام في عينيها وهي تسأله بقلق...

"لدرجادي..... هي عملتلك إيه تاني؟!"

تأفف والانزعاج بدا عليه.... 

"أبرار..."

أخذت خطوتين للخارج لتكون بالقرب منه أكثر بينما امتدت يدها لتضعها على ذراعه قائلة بإلحاح بريء... 

"هتخبي عني؟.... مش أنا مراتك حبيبتك؟ مش إنت لسه قايل كده؟"

أكد وهو يقبض على كفها بامتلاك حانٍ قائلًا بثبات... 

"وحياتي كلها كمان... بس أنا مش عايز أحكي تفاصيل.... تفاصيل هتزود وجعي ووجعك... باختصار هي للمرة التانية اختارت حياتها ونفسها وأنا فات أوان إني أحتاج لها..."

ثم تابع وهو يرفع كفها ليطبع القبل داخله

"أنا مش محتاج لحد غيرك إنتي ..."

خفق قلبها على أوتار كلماته لتبث حرارة 
ما يعتريها بالقول...

"وأنا كلي ليك يا حبيبي..."

ابتسم ياسين والسعادة تنتشر في صدره كشمس تظهر من بين الغيوم... أطلق تنهيدة عميقة وهو يقول بمشاعر مضطرمة... 

"ما إحنا طلعنا بنقول كلام حلو أهو... أمال منشفه ريقي ليه بقى؟"

قالت بخجل... 

"الكلام الحلو ليه وقته..."

رد بعبث...

"والأفعال كمان ليها وقتها..."

سحبت يدها فجأة متوجسة... 

"تقصد إيه؟"

رد ياسين بنظرة معاتبة

"ولا حاجة... إنتي قلقانة كده ليه؟ أنا جوزك على فكرة..."

رمقته بتحذير قائلة بحنق...

"ياسين أنا هقفل... روح على شقتك..."

أومأ برأسه بانصياع غريب وهو يقول بارهاق

"رايح متزقيش.... هاتي بس كوباية مية لحسن عطشان اوي...الجو حر اوي...ربنا يعفينا...."

حدجت فيه بقوة لا تخلو من الشك فقال ياسين بإلحاح غريب....

"متنحة كده ليه؟... كوباية مية يا أبرار... 
إنتي بخيلة ولا إيه؟"

رفعت إصبعها بأمر قاطع قبل أن تستدير
عنه بحدة....

"مش بخيلة... بس متتحركش من مكانك لحد ما أجيب المية... سامع؟"

أومأ برأسه ببراءة وحين غابت عن عينيه تحولت الإيماءة إلى ابتسامة واسعة خبيثة منتشية من الفرصة التي أتت على طبق من ذهب...

وهو لن يضيعها هباءً...

أغلق ياسين الباب خلفه برفق ثم تحرك بأريحية وجلس على الأريكة ومد ساقيه
على الطاولة أمامه منتظرًا جنيته الصغيرة...

جاءت أبرار إليه فتفاجأت بوجوده على الأريكة والباب مغلق فدبّ الخوف في قلبها من أن يراهما أحد فقالت بغضب

"إنت إيه اللي دخّلك هنا؟!... إنت اتجننت"

رد ياسين ببراءة وهو يشير إلى ساقيه

"هريح رجلي من الوقفة... هاتي المية واقفة كده ليه؟"

نظرت إلى كوب الماء بين يدها ثم إلى عينيه الوقحتين في النظر إليها لتقول بنبرة مرتجفة مهددة....

"عارف لو بابا شافك هنا هيطين عيشتك..."

رد ياسين بتملّك...

"وعلى إيه ده كله؟.... ده إنتي مراتي..."

وضعت يدها في خصرها ثم زجرته بملل...

"إنت مش حافظ غير الكلمة دي من ساعة ما كتبنا الكتاب..."

تذوق الكلمة مرة أخرى وكأنها حلوته المفضلة
في كل وقتًا ومكان....

"هي في أحلى من الكلمة دي... يا...
يا مراتي..."

ارتبكت أكثر وقلبها ينتفض بين أضلعها مع كل نظرة وكلمة منه يتفاعل بجنون مطالبًا بالمزيد...

"يوووه يا ياسيين.... لمّ الدور وامشي بقا..."

صاح ياسين بجدية ونفاد صبر مثلها...

"مش لما أطفح؟ هاتي المية اللي في إيدك دي..."

الجدية على محياه جعلتها تقترب لتقدم له الماء على مضض.... "اتفضل..."

أنزل ساقيه عن الطاولة ثم اعتدل في جلسته ليأخذ منها كوب الماء الذي وضعه كما هو على الطاولة وقبل أن تسأله عن السبب وجدته يسحبها هي من يدها لتجلس على ساقيه
بين ذراعيه.... وفي أحضانه...

"يا قليل الأدب سبني..."

حاولت الإفلات منه لكنه أحكم وثاق ذراعيه حول خصرها فأعجزها عن الحركة وهو يقول باستمتاع...

"شكلك حلو وانتي قاعدة على رجلي... أخيرًا هنعمل سيشن كتب الكتاب..."

قالت بحنق ووجنتاها شديدة الاحمرار

"سبني يا ياسين.... واحترم نفسك..."

هتف ياسين... "مش قبل ما آخد بوسة..."

رفضت دون تفكير.... "بعينك..."

قال بشقاوة... "على خدي... مش في عيني..."

توقفت عن الحركة وسألته

"على خدك... وهتسبني؟!"

أومأ برأسه دون أن ينطق بحرف فمالت عليه في لحظة خاطفة لم يرتب لها وقبلت خده فقال ياسين بتجهم...

"إنتي بتراضي عيل صغير..."

تأففت أبرار وبنفاد صبر قالت...

"عايز إيه تاني؟"

نظر إليها بعينين تلمعان بالعاطفة ليقول...

"أشوف شعرك..."

توسعت عيناها غير متوقعة هذا الطلب لتهز رأسها بسرعة رافضة بخجلا شديد ويدها تتعلق بحجابها بذعر....

فابتسم ياسين وهو يمد يده يتحسس شعرها من فوق الحجاب هامسًا بصوت أجش ملح

"ما شفتوش من وإحنا عيال صغيرة... خليني أشوفه يا أبراري..."

تشبثت به أكثر رافضة بحدة..... "لااااا..."

أمسك يدها القابضة على الوشاح وهو يلحّ 
في طلبه بهمسة عاطفية

"وحياة سينو حبيبك..."

تبادلت معه النظرات لبرهة لترى فيهما رجاءه ولوعة قلبه في عشقها فأسبلت جفنيها مترددة تفكر لثوانٍ ثم ازدردت ريقها وبأصابع مرتجفة بدأت تنزع دبوسها الصغير فقال ياسين بحنو

"عنك إنتي ..."

أنزلت ذراعيها ليبدأ هو نيابة عنها بفك حجابها برفق ثم انسدل شعرها الحريري الأسود على ظهرها كليلٍ طويل لامع...

طار عقله بجمالها وظل يحدق فيها مبهورًا
لدقائق هائمًا بتلك الحورية الصغيرة... أما 
قلبه ففي تلك اللحظة كان يدق كمضخة
عنيفة لا تهدأ...

أسبلت أهدابها بخفر بينما أسنانها تتكأ على باطن شفتيها بارتباك أكبر بعد نظراته الجائعة تلك.... فقالت بوجه متخضب

"هتفضل تبص كده كتير؟..."

بعينين براقتين مبهورتين بجمالها همس لها سرًا... 

"يخربيت جمالك... حورية من الجنة... لسه طويل وناعم... أحلى من الصورة اللي رسمتها ملك..."

تناست خجلها وهي تجلس بين ذراعيه هكذا وشعرها مكشوف لعينيه لتعقد حاجبيها بتساؤل.... 

"ملك؟!..... مالها ملك ومال شعري؟"

رد ياسين، وأصابعه تتخلل خصلاتها الناعمة

"قالت إن شعرك طويل وناعم... ومن ساعتها وأنا نفسي أشوفه وأشمه..."

مال عليه يستنشق عبيره محققًا أمنيته وحين فعل شعر وكأنه شمّ باقة من الورد عطرها فواح لطيف وخفيف...

قالت أبرار متعجبة من حالة الهيام تلك...

"وكأنك عمرك ما شوفته... مين كان بيفك اي ضفيرة او كحكة ماما بتعملها عشان تلم بيها
شعري....مش انت....كنت علطول تقولي وهو
مفرود على ضهرك أحلى...."

ابتسم ياسين وهو يتبادل معها الذكريات بتلك النظرة الخاصة قائلًا 

"ولسه بقولها هو كده أحلى...لم نتجوز مش عايز اشوف توكه في شعرك...خليه مفرود كده... مفرود في حضني وعلى مخدتي..."

كلماته المداعبة غمرتها بالسعادة والغرور 
لكن خجلها في تلك اللحظة يفوق اي
شيء.....

رأته يميل عليها بملامح هائمة فامتنعت 
بخجل صارخ.... 

"ياااسين..."

لم يسمح لها بالرفض أو الهروب منه مجددًا فقال وهو يلصق جبينه بجبينها هامسًا بلوعة

"ارحمي قلبي يا أبراري وحني عليا... أنا بحبك.... بحبك أوي يا مراتي..."

مالَ عليها يسقيها حلاوة العشق وتروي هي قلبه برقتها وضعفها بين ذراعيه.... مشاعر غريبة تألفها لأول مرة معه...

بينما هو لا يكف عن بثها حرارة أشواقه وعشقه الجنوني لها فتذوب في أحضانه كقطعة سكر...

في تلك اللحظة شعر أنه امتلك قطعةً من الجنة فمن عشقها منذ الصغر أصبحت بين ذراعيه حبيبته وزوجته ولن يمنعه أحد عنها بعد الآن...

ارتفع رنين جرس الباب وكأن دلوًا من الماء البارد سُكب فوقهما فأطفأ فجأة حرارة اللحظة المتبادلة بينهما... فانتفضا معًا لتقف أبرار مبتعدة عنه وهي تصفع وجنتها بهلع...

وتنهت من فرط الانفعال العاطفي الذي عاشته للتو...

"يا لهوي... بابا... بابا جه... أخبيك فين دلوقتي؟!"

ازدرد ياسين ريقه بصدمة محاولًا تنظيم أنفاسه فلم يتوقع أن تنتهي تلك اللحظة
الخاصة نهاية مفجعة...

حاول أن يهدئها فقال برزانة

"اهدَي بس وشوفي مين الأول... يمكن مش هو..."

تحركت أبرار بساقين ترتجفان خوفًا نحو باب الشقة المغلق ثم نظرت من العين السحرية لترى شروق تقف أمام الباب تتلوّى من شدة الألم...

"دي شروق..."

أطلق ياسين زفرة ارتياح بينما فتحت أبرار الباب دون تفكير بعد أن سمعتها بالخارج تتأوه بصوت مكتوم...

"شروق.... إنتي كويسة؟.... مالِك؟"

حين فُتح الباب وضعت شروق يدها على ذراع أبرار تستند عليها وكأنها تستمد منها بعض الصبر والقوة على التحمل...

كانت عيناها تلمعان بالدموع ووجهها محتقن بالألم تعض على شفتيها بين الحين والآخر بينما جبينها يتصبب عرقًا...

قالت شروق بحلق جاف تخرج الكلمات منها بصعوبة

"الحقيني يا أبرار....شكلي بولد... أنا كلمت صالح وقال إنه جاي في السكة كمان نص ساعة.... بس أنا مش قادرة أستحمل..."

انتبهت شروق إلى وجود ياسين في الشقة يجلس على الأريكة وأمامه كوب ماء لم يمسه...

لكنه مس شيئًا آخر... دققت النظر إلى أبرار إلى شعرها المشعث وشفتيها المحمرتين بشكل ملحوظ...ثم عادت بعينين مذهولتين إلى ياسين وقميصه المجعد وملامحه المرتبكة...

"ياسين بيعمل إيه هنا؟! وليه قاعدين لوحدكم... آه..."

اشتد بها الألم فتوقفت عن الكلام وانحنت قليلًا واضعة يدها على بطنها...

أطلق ياسين زفرة حانقة ناهضًا من مكانه وبعد أن تنحنح بخشونة قال...

"خلينا نلحقك الأول وبعدين... نجاوب على أسئلتك..."

ثم أشار إلى زوجته بحزم

"روحي البسي يا أبرار وأنا هستناكم تحت
في العربية..."

سألته أبرار.... "هنروح على فين؟"

رد باختصار....

"على المستشفى... هبقى أكلم عمي تحت عشان يحصلنا هناك..."

حين رحل ياسين وأغلق الباب خلفه بهدوء قبضت شروق على ملابس أبرار من خلف عنقها وهي تصيح من بين أسنانها بتهكم

"يا قليلة الحيا... كنتوا بتعملوا إيه لوحدكم؟!"

نظرت أبرار إليها بتمرد..... 

"ولا حاجة... سبيني ماسكاني كده ليه؟"

تركتها شروق بقلة صبر فالألم يفتك ببطنها وليس لديها قدرة على الجدال لتعقب على ردها بسخرية....

"باين على شكلك على فكرة..."

وضعت أبرار يدها على وجهها ثم على شفتيها
تسألها بوجنتين متوهجتين بالخجل

"باين... باين إيه؟"

تبرمت شروق ثم قالت بامتعاض

"روحي بصي في المراية وانتي هتعرفي... وبالمرة اغسلي وشك.... ما تنزليش كده..."

سارت أبرار نحو الحمام بسرعة وشعرها الناعم
الذي جنّ جنون عاشقها به حين رآه يتطاير خلفها مع كل خطوة تخطوها وكأنه يشاركها الصدمة بجمالٍ يليق بتلك اللحظة...
...............................................................
يقبض بكلتا يديه على عجلة القيادة بينما تضغط قدماه على دواسة الوقود فتندفع السيارة بسرعة أكبر...

كانتا عيناه شاخصتان إلى الطريق يقود بصعوبة وعقله مشتت في حين يرتجف جسده من شدة الانفعال والضغط...

يشعر بخط من الالم في صدره وكل نفس يستنشقه يكاد يمزق قلبه إربًا.....

بجواره كانت تجلس والدته التي نظرت إليه متوجسة من انفعاله المكتوم.

حاول السيطرة على أعصابه قدر المستطاع لكن كل ذبذباته كانت تصلها منذ أن اتصل به ياسين وأخبره أنهما انتقلا إلى المستشفى بصحبة شروق بعد أن اشتد الألم عليها....

كانا في طريقهما للعودة بعد المكالمة التي تلقاها من شروق والتي استقبلها في البداية بجفاءه المعتاد...

"خير يا ام ملك....."

سمع تمتمتها الحانقة المعترضة فابتسم منتظرًا ما ستقوله بتسلية خفية فقالت بصعوبة...

(انا تعبانه اوي حاسه اني هولد....مش قادرة اتحمل التعب.....)

غابت البسمة عن محياه وضغط على أسنانه بغضب فهو كان يتوقع هذا بعد اعتراضها العنيد في صباح اليوم وإصرارها على البقاء في المنزل حتى عودتهما من المقابر...

"قبل ما اطلع من البيت قولتلك نروح المستشفى وانتي رافضتي وقولتي انك هتنامي شوية وتصحي كويسة.....اي العمل دلوقتي....قدامي ازيد من ساعة على الطريق على ما اوصلك....هتقدري تستحملي؟!...."

جاء صوتها وهو يجاهد الألم وقالت بانصياع...

(هستحمل....حاضر هستحمل....)

سقط عن وجهه قناع الجمود الذي ارتداه قسرًا
ولان فؤاده لها فهتف باسمها بنبرة عذبة فاضت بالحنان والشوق...

"شـروق....."

على نشيجها عبر الهاتف لتقول حينها بصوتٍ مرتجفٍ من الخوف...

(انا خايفه اموت وانت مش جمبي.....)

كانت جملتها الحارقة بمثابة رصاصةٍ استقرت في صدرٍ مجروحٍ يعاني الألم منذ اشهر طويلة فباغتته الان على غفلةٍ لتزيده وجعًا على وجعه....

اعتصر عينيه بقوة وثقلت أنفاسه وهو يجيب بصوتٍ معذب...

"لا إله الا الله....لي الكلام ده يابنت الناس انتي غاوية وجع قلب...."

سالت الدموع من عينيها وهي تقول باختناق
حزين....

(سلامتك من الوجع ياشيخ.....سامحني لو في يوم زعلتك او خرجت عن طوعك في كل مرة بعمل كده بيبقى غصب عني والله....)

تجهم صالح رافضًا ابتزازها العاطفي
ذلك...

"الكلام ده مينفعش في التلفون....."

قالت بشجن...

(يمكن ميبقاش فيه وقت نتكلم تاني....)

يقف بين القبور يُحادثها بينما تتحدث هي عن الموت ببساطة وكأنها تحكي عن تقس اليوم و كأنما لا يعنيها من ستتركهم خلفها...ومقدار الالم الذي تسببه له بهذا الحديث....

هتف صالح بشق الأنفس....

"شروق......متعذبنيش....."

بنفس النبرة الحزينة الموجوعة قالت بصوتٍ ضعيفٍ...

(مش قصدي اعذبك انا بس خايفه معرفش اقولك كده تاني......)

قال صالح بتعجل...

"سيبك من الكلام ده خلال نص ساعة هتلاقيني عندك....مش ساعة.....نص ساعة....استحملي شوية....."

اومات بطاعة وكأنه يراها وهي تقول...

(حاضر هستحمل وهطلع قعد مع ابرار لحد ما تيجي....سوق على مهلك....)

هز رأسه مبهوتًا مستهزئًا بالحالة التي وصل لها
بعد حديثها وبكائها الغريب والألم الذي داهمها وحدها دون وجوده بجانبها.....

"بعد كلامك ده معتقدش اني هسوق على مهلي.."

صرخت والدته فجأة منبهةً إياه إلى السيارة القادمة بعد أن شُرد ذهنه في تلك المكالمة....

"حاسب ياصالح....حاسب يابني...."

تجنب هذا الاصطدام بأعجوبة وانحنى بسيارته جانبيًا متوقفًا فجأة مما جعل السيارة تهتز بعنف.

وضعت والدته يدها على صدرها بألم ووجهها شحب شحوب الموتى بينما نظرتها جاحظة من الهلع ولسانها تلقائيًا يردد الذكر وبعض الآيات فلا تصدق أن النهاية كانت وشيكة لهما جميعًا...

فاق صالح من صدمته ونظر إلى والدته متفحصًا إياها بعينيه قبل أن يمد يده وسألها بلهفة مشوبة بالقلق...

"انتي كويسة ياحاجة؟.....حاسه بايه؟..."

أجابته والدته وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة 

"كويسه ياصالح كويسة يابني...."

ثم حاولت أن تلملم شتاتها وهي تنظر إليه قائلةً بمؤازرة ويدها تربت على كتفه برفق....

"هتبقا كويسه يابني.....خلي عندك ثقة وايمان بالله
مش انا اللي هقولك ياصالح......."

"ونعمة بالله....."

اوما براسه دون تعبير واضح فقالت والدته
برفق...

"سمي الله ودور العربية... بس على مهلك فاضل دقيقتين ونبقا قدام المستشفى....خلينا نوصل 
على خير....."

انصاع لأمرها فذكر اسم الله قبل أن يعيد تدوير السيارة وينطلق بها بالسرعة المناسبة....

وصلا إلى المشفى ثم ترجلا من السيارة حيث سبقها صالح بخطواته السريعة وعيناه تبحثان عنها في الاستقبال....

أشار له أحد الموظفين إلى الأعلى حيث غرفة العمليات....

استقل المصعد مع والدته ووصلوا إلى الطابق المنشود...

رأى ياسين وأبرار يجلسان جنبًا إلى جنب على المقاعد المصطفه وملك ايضًا جالسة بجانب أبرار مسندة رأسها على صدرها وتبكي....

ازدرد لعابه بصعوبة كمن يبتلع جمرًا ملتهبًا وهو يقطع المسافة بينهما سائلًا باقتضاب شديد...

"هي فين؟!..."

يبدو للوهلة الأولى هادئًا ثابتًا لكن ما إن تقع عيناك على عينيه الخضراوين حتى ترى فيهما بحرًا هائجًا يضجُّ بتقلّباتٍ عاصفة.... 

رد عليه ياسين وهو ينهض من جوار أبرار ليمسك بيد الجدة ويُجلسها في مكانه....

"دخلت اوضة العمليات...."

اضافة ابرار بنبرة متعاطفة.....

"الدكتورة قالت انها لازم تدخل حالا مش هينفع تستنى اكتر من كده...."

ثم مطت أبرار شفتيها تمنع نفسها عن البكاء... فمهما بلغت محبتها لشروق تبقى مكانتها في حياتها زوجة أبيها... وتلك المشاعر التي قد تحملها لها تُعدّ خيانةً لوالدتها الحبيبة ؟!....

"هي كانت رافضة تدخل قبل ما تشوفك.... بس كانت تعبانه أوي وبتتألم...... "

أدار صالح ظهره بعصبية عن ابنته يخفي عنها قدر الألم الذي ارتسم على وجهه والخوف الذي تسلل إلى نظراته....

مسح صالح على وجهه مستغفرًا يحبس دموعًا تكاد تفيض من عينيه مُجبرًا نفسه على التماسك على الاقل امامهم....

شعر بمن تلتفّ ذراعاها حول خصره وتبكي...

فأنزل يده عن وجهه ونظر إلى الصغيرة ملك المتشبثة به وهي تنتفض من شدّة البكاء هامسة من بين نشيجها المتصاعد... 

"ماما هتبقا كويسة صح؟.... هتخرج هي والنونو كويسين؟....."

السؤالان ليسا إلا أمنيةً يتمناها الجميع في تلك اللحظة.... 

تحسس صالح شعرها ثم أبعدها عنه برفق وانحنى إلى مستواها يمسح دموعها بحنان ثم تنحنح محاولًا كبح ارتجافة صوته ليبدو طبيعيًا 
وطمأنها قائلًا...

"هتبقا كويسه ياحبيبتي.... ماما هتخرج هي واخواتك بخير..... اطمني...."

ثم ربت على كتفها ونهض وحين التفت إلى أبرار والتقت عيناهما وجدها تقترب منه تلقائيًا وتلقي بنفسها بين ذراعيه داعمةً إياه بهذا العناق هامسةً له بعاطفة الابنة المحبة...

"اجمد يابو الكباتن.... هتبقا كويسه هي والكتاكيت ولادك....."

"اخواتك....."

صحح لها الكلمة بحزم.... ينبغي لها أن تدرك أن التوأم ليسا أبناء شروق زوجة أبيها فقط بل هما شقيقاها من صلب أبيها يحملان اسم العائلة ذاته وسيعيشان معًا للأبد... 

رفعت رأسها عن صدره ونظرت إلى عينيه بهدوءٍ ورضا تام...

رضًا لم يأتِ إلا بعد مجاهدةٍ مع النفس ومخاوفها حتى استسلمت للواقع وقبلته كما هو...

فلكلٍّ منا حقٌّ في الحياة ولا تتوقف لأجل أحد فهي عجلةٌ تمضي وتدور شئنا أم أبينا ؟!... 

"اخواتي....." 

ابتسم صالح راضيًا عنها داعيًا لها بالهداية...

"الله يرضى عليكي يابرتي...."

ثم تركها وابتعد قليلًا واقفًا في ترقّبٍ وخوف ينتظر خروج زوجته من غرفة العمليات...

لم يلاحظ أحدٌ انعكاس الحزن في عيني أبرار سوى ياسين فقد كان يدرك تمامًا تلك القوّة الجبارة التي تمارسها على نفسها لتبدو بهذه الصورة الناضجة...

رفعت عينيها بلا هدفٍ مسبق فالتقتا بعيني ياسين الشقيتين اللتين استقبلتاها بابتسامةٍ ذات مغزى وغمزةٍ عابثة مع نظرةٍ جريئة تكاد تضاهي ما كان بينهما...

تصاعد الأدرينالين في عروقها واحمرت وجنتاها وهي تستعيد ما حدث بينهما وتلك المشاعر الدافئة التي غمرت قلبها آنذاك...

اتسعت عيناها بصدمة حين رأته يرسل لها قبلةً في الهواء فرمقته بنظرة تحذير وهي تلتفت خفيةً نحو والدها الواقف خلفها مستندًا إلى الحائط...

لم يبالِ ياسين بتحذيرها وأعاد فعلته لكن هذه المرة أمسكه صالح متلبسًا وهو يضم شفتيه على وشك إطلاق قبلةٍ أخرى...

رأى ياسين تجهم صالح خلفه ونظرته الغاضبة فتسارع يتدارك الموقف فزم شفتيه اكثر ممتعضًا وهو ينظر إلى ساعة يده مدعيًا القلق متمتمًا....

"اتاخروا اوي جوا......ربنا يستر...."

أمر صالح ابنته بحزم...

"بلاش الوقفة دي روحي قعدي جمب جدتك..."

فانصاعت لأمره بوجهٍ مربد بحمرة الحرج متوعدة في سرها لذلك المتهور المجنون...

بعد فترة طويلة من الانتظار والترقب ارتفع صوت صغيرين يبكيان في آنٍ واحد...

تباد الجميع النظرات مبتسمين تغمرهم سعادةٌ وامتنان لله على عطاياه....

خرجت ممرضتان وكل واحدة منهما تحمل رضيعًا فاقترب الجميع بوجوهٍ تملأها السعادة... أخذ صالح أحد الأطفال بينما استلمت أبرار الطفل الآخر من الممرضة....

تطلعت أبرار إلى أخيها الصغير الذي يصرخ مناجيًا وكأنه خرج إلى عالمٍ غير آمن طالبًا الأمان حيث حضن أمه ورحمها !! ...

ترقرقت الدموع في عينيها وهي تتأمل تلك الملامح الصغيرة الحمراء بشدة والجسد الهش الرقيق..

في تلك اللحظة غلبتها مشاعر الحب والحماية

"الله دا حلو أوي....." 

همس ياسين سرًا من خلفها وهو يتطلع معها الى الرضيع.....

"عيالنا هيبقوا أحلى منه... " 

ضحكت وهي تهز راسها نفيًا بعينين تلمعان بالدموع....

"مفيش حد أحلى من اخويا...."

وبخها ياسين بغيرة قائلاً...

"بس دول ولادك ياهبلة....."

عادت تضحك بسعادة ودموع الفرح تنهمر من عينيها وهي تتأوه بجذل....

"بجد حلو اوي ياسين...."

اوما براسه موافقًا مع ابتسامة صغيرة...

"مفيش طفل وحش يا ابرار كلهم ملايكه....ربنا يحفظهم....."

نظرت إلى والدها الذي يكبر في أذني أخيها الثاني برفق وعيناه الخضراوان تشعّان بسعادة لا مثيل لها...

يتمعن صالح بالنظر إليه بينما صدره يشرق بالحب والعاطفة كما أشرقت قلبه والدتهما بدخولها حياته.

فرحته استثنائية فهي فرحة أب بعد أربعة وأربعين عامًا يحمل صبيين توأم من صلبه ودمه وهو الذي كان ظن أن الحياة توقفت بعد موت جميلة واكتفى من الأبوة بوجود أبرار فقط.....

لكن يبدو أن في قلبه الكثير من المشاعر التي يريد أن يفيض بها على هذين التوأمين.....

سالته ابرار برقة...

"بابا انت ناوي تسميهم إيه....."

نقل صالح عينيه بين الصغيرين بمحبة ثم قال 
بجذل....

"الحسن والحسين....باذن الله....."

ابتسمت أبرار وهي تتبادل النظرات مع ياسين ثم مع جدتها وكان الجميع راضيًا وسعيدًا بوجود التوأم وبالأسماء المختارة لهما بعناية...

"على اسم احفاد النبي صلى الله عليه وسلم...."

رد صالح مبتسمًا بحنوًا....

"عليه أفضل الصلاة والسلام... وإن شاء الله يبقوا من الصالحين في الدنيا والمعمرين فيها بالخير... "

طبع صالح قبلاته على قبضاتهما المضمومة ثم أخذتهما الممرضتان للفحص....

خرجت الطبيبة بعدها وطمأنتهما على صحة شروق وأخبرتهما بأنها ستُنقل إلى غرفة عادية بعد دقائق.

تنفس صالح أخيرًا بارتياح بعدما شعر وكأن روحه حشرت في مكان ما فتحررت بخروجها من غرفة العمليات سالمة هي والتوأم.... 
.............................................................
أولُ ما شعرتْ به كان أنفاسَها المترددةَ في صدرها ثم همساتٍ حانيةً من الذِّكر... تعرف تلك الهمسات حتى تلك اللمسة الناعمة على جبينها تحفظها عن ظهر قلب.....

هل عادت؟ وهل كتب الله لها عمرًا جديدًا... أم أنها تتوهم فرصةً أخيرة؟

لا تشعر بجسدها كأنها ما زالت تحت تأثير المخدِّر... كل ما تعيه أن الطبيبة أخبرتها بأنها ستدخل إلى غرفة العمليات لإجراء عمليةٍ قيصرية....

لم تدرِ بنفسها إلا وهي تدخل في نوبةٍ من البكاء فحين ولدت "ملك" كانت ولادتها طبيعية ولم تختبر هذا الخوف يومًا....

أما الآن فتلك الكوابيس التي راودتها طوال الأسبوع أنها ستموت بعد ان تلد تطاردها الآن بلا رحمة...

وحين أخبرتها الطبيبة بأنه سيتم شقُّ بطنها لإخراج التوأم شعرت انها إشارة النهاية...

وكان أشدُّ ما يؤلم قلبها أنها لن تراه قبل العملية...
غضبت منه وحزنت على نفسها ففي اللحظة التي كانت تتمنى فيها رؤيته أكثر من أي وقتٍ مضى حُرمت منه.... 

رمشت باهدابها عدة مرات قبل أن تفتح عينيها بشكل طبيعي... لترى صالح بجوارها على المقعد عينيه على عينيها. وابتسامته البشوشة تزين لحيته الكثّة....

"الحمد لله على سلامتك..."

قالت ما يجول بخاطرها دون تردد وعينيها نهر يغرقه العتب....

"وعدتني إنك هتيجي بسرعة واستنيتك كتير وماجتش..."

تسافر نظراته على ملامحها وقلبه يرنو إليها منجذبًا لكل ما فيها وكأنه يقع في حبها مرة أخرى... حبًا جديدًا ومختلفًا....

"غصب عني... الطريق كانت زحمة... دا غير إني كنت هعمل حادثة لولا ستر ربنا..."

اتسعت عيناها بصدمة...

"حادثة؟!...... انت كويس؟!.... آآه..."

تاوهت بعد أن حركت ذراعها فجأة فمسد على ذراعها قائلاً...

"متتحركيش عشان جرحك... أنا الحمد لله بخير طالما إنك بخير يا أم ملك..."

اختبأت في خضار عينيه التسلية وهو ينظر إليها بهدوء كابح ابتسامته بعد أن رأى ضيقها واعتراضها عليه...

"أم ملك تاني؟!..... انت قاصد بقى؟!..."

رد صالح بهدوء وجديّة...

"إنتي ليه محسساني إني بشتمك لا سمح الله... إنتي مش عندك بنت اسمها ملك..."

قالت بصيحة حانقة...

"وأنت عندك أبرار... أقولك يا أبو أبرار..."

أشرق وجهه بابتسامة جذابة امتدت إلى عينيه الخضراوين اللامعتين فأخذت عقلها بعيدًا وهي تتطلع إليه بتأني وعشق يشعل فؤادها....

قال صالح بجذل...

"قولي اللي عايزة تقولي... أبو أبرار... أبو الحسن والحسين كلهم ولادي... ومحبة على قلبي اتنادى بيهم..."

غاب العبوس عن وجهها وانعقد حاجباها متعجبة وهي ترمقه بتساؤل...

"الحسن والحسين؟!.... انت... انت سمتهم..."

اكتفى بإيماءة مؤكدة فلمعت عيناها بالتأثر وهي تقول بلهفة...

"انت شوفتهم يا صالح... شبهك صح..."

دخلت الجدة وخلفها حفيدتها وملك وقالت بمناكفة
بعد ان سمعت هذا السؤال...

"وهو هيبان لهم شبه دلوقتي..."

نظرت إليها شروق وابتسمت بخجل.... "خالتي..."

قالت الجدة بابتسامة سعيدة راضية...

"الحمد لله على سلامتك يا أم حسن وحسين... يتربوا في عز أبوهم وخيره..."

ردت شروق بوئام...

"الله يسلمك يا خالتي... الحمد لله إنهم بخير..."

قالت أبرار أيضًا بود...

"الحمد لله على سلامتك يا شوشو..."

ابتسمت لها شروق وقالت...

"الله يسلمك يا أبرار..."

سأل صالح...

"هو فين ياسين؟"

أجابت أبرار...

"واقف بره يا بابا... اتحرج يدخل... حضرتك عايزة..."

هزَّ رأسه نافيًا بملامح مقتضبة وهو ينظر إلى زوجته النائمة على الفراش متدثرة بالأغطية
حامدًا الله أن ابن أخيه لا يزال يعرف الأصول 
وفيه قدر من الحياء....

"ماما إنتي كويسة؟"

سألتها ملك بحنان وهي تقف بجوار والدتها عند الفراش....

مدت شروق يدها ومسحت على شعر الصغيرة
قائلة بخفوت..

"بخير يا ملك الحمد لله... شوفتِي أخواتك؟"

أومات برأسها ثم قالت ببعض الغيرة...

"أيوه شوفتهم... حلوين... بس ليه تيته بتقولك يا ام حسن وحسين مش أنا بنتك الكبيرة..."

ضحك الجميع بدهشة بينما قال صالح مبتسمًا وهو ينظر نحو زوجته...

"شوفي حتى ملك اعترضت..."

قالت الجدة برقة...

"الطبيعي يا ملك إن الأم لما يبقى عندها ولاد تتنادى بيهم حتى لو عندها بنات أكبر..."

سألتها ملك عابسة... "ليه يعني..."

قالت الجدة بحرج فهي لا تعرف كيف تصل لها المعلومة...

"عشان ده الصح... والأصول كده... وهتفضلي إنتي برضه بنتها الكبيرة أول فرحتها... متقلقيش مكانتك محفوظة عندها وعندنا..."

قال صالح بملاطفة..

"متزعليش يا ملك... وعد مني مش هناديها غير بأم ملك قدامكم وتبقي تعترض..."

رفضت الصغيرة وقالت...

"لا خلاص يا عمو... عادي هما أخواتي الصغيرين برضه..."

قالت الجدة بفخر..

"ربنا يكملك بعقلك يا ملوكة..."

بينما قالت أبرار باستهزاء...

"طب ما كان من الأول يا حلوة ولا لازم نثير الجدل..."

ضحكت الجدة ثم قالت لهن معًا...

"روحي يا ملك... روحي إنتي وأبرار وياسين اشتروا غدا من تحت... لحسان شكل القعدة مطوّلة... على ما البنج النصفي يروح وشروق تقف على رجليها..."

نظرت أبرار إلى والدها تستأذنه فأومأ على مضض فانطلقت مسرعة إلى الخارج وملك بين يديها.

بعد خروجهما سألتها شروق بلهفة أم...

"صالح هو أنا إمتى هشوف ولادي..."

تبادل صالح مع والدته نظرات مشوبة بالقلق لترد والدته بدلًا منه...

"مش هينفع دلوقتي يا بنتي... استني شوية على الأقل لم تقومي من على السرير ده..."

لم يرتاح قلبها بعد هذا الرد وشعرت أنهما يخفيا عنها شيئًا بخصوص التوأم...

"هو انتوا مخبّين عني حاجة؟.. ولادي كويسين؟"

نظرت إلى زوجها منتظرة سماع الحقيقة أيًّا كانت تريد أن تعرف ما الذي حدث لهما....

سحب صالح نفسًا خشنًا ثم أخرجه دفعة واحدة وهو يقول...

"نزلين أقل من وزنهم الطبيعي... فهما في الحضانة دلوقتي..."

شطرت الكلمة روحها نصفين فأي أم إذا وضعت صغيرها كل ما تتمناه ألا يمر رضيعها بهذا المكان وأن تخرج من هنا وهو بين ذراعيها...

قالت بتحشرج...

"حـ... حضانة..."

بخطوات أشبه بسلحفاة، تمشي شروق وهي تنحني بظهرها تلقائيًا من شدة الألم تخطو كل خطوة ببطء شديد تستند على ذراع صالح أثناء جولتهما القصيرة نحو التوأم...

الوجع ينبض في بطنها مع كل حركة صغيرة وحلقها جاف... جاف جدًا.... جسدها يؤلمها بشدة وكأنه مثخن بالطعنات في كل جزء منه الصداع يتفاقم في رأسها بسبب آثار حقنة التخدير....

ومع كل هذا الألم كان ألم قلبها ولهفتها كأمٍ حُرمت من النظر إلى طفليها يفوق كل أوجاعها...

وقفت أمام حضانة الرُّضَّع تستند إلى الحاجز الزجاجي بكل ما تبقى فيها من قوة وصبر...

من خلف الزجاج بدا المكان هادئًا على نحو خاص صفوف متراصة من الأسرّة الشفافة ينام فيها صغار حديثو الولادة....

توقفت شروق بجوار زوجها وأشار لها إلى سريرين متجاورين...

هناك... كانا هما.

توأمها يرقد كلٌ منهما في مهده يفصل بينهما مسافة ضئيلة....صغيران جدًا يملآن القلب حبًا ووجعًا في ان واحد...

تاوهت شروق بلوعة وعيناها تلمعان بالدموع ما بين الفرحة لرؤيتهما معًا والوجع لأنها عاجزة عن احتضانهما ولمسهما.....

من النظرة الاولى اليهما شعرت أن قلبها انقسم نصفين وكل واحد أخذ حصته منه...

لمست أناملها الزجاج وكأنها تتحسس ملامحهما من بعيد...... همست بتهدج....

"حاسة إن ربنا بيعاقبني بعد اللي قولته ليك وانا حامل.... إني هسيبهم معاك وهمشي..."

أطلق صالح زفرة ثقيلة على صدره وقال بصوت أجوف....

"هيبقوا كويسين يا شروق... هما هنا كأنهم لسه في بطنك..."

انسابت دموعها بصمت حزين مرير تسقط دون أن تمسحهما... لتقول بوهن....

"إزاي... بس أنا مش عارفة ألمسهم أخدهم في حضني اشم ريحتهم... بيقولوا إنهم هيقعدوا أسبوعين أو أكتر... إزاي هروح من غيرهم يا صالح... إزاي بس..."

قال لها...

"لازم تجمدي وتستحملي شوية.... فترة هتعدي..."

قالت بلوعة أم...

"أنا خايفة عليهم..."

رد صالح...

"خلي عندك حسن ظن بالله..."

أسلَبت إهدابها بحرج ثم تتمتم بخفر..

"ونعمة بالله... بس..."

قاطعها صالح برجاحة عقل..

"مش بس هيبقوا كويسين وانا هفضل أروح وأجي عليهم مش هسيبهم... هيرجعوا لحضنك تاني وينوروا البيت بإذن الله..."

رفعت عينيها إليه تسأله بأمل...

"معنى كلامك إنك سامحتني..."

تبادلا النظرات لبرهة بصمت مشحون بالعتاب اختلط به الشوق والألم....ثم وجدت أنه يبعد عينيه عنها قائلاً بعد نحنحة خشنة...

"الوقفة الكتير غلط على الجرح... انتي لسه خارجة من العملية..... خلينا نرجع وترتاحي في سرير..."

زمت شفتيها بأسى ثم استدارت تُحدّق في صغيريها قبل أن ترحل يعتصر قلبها ألم الفراق وكأنها تخشى أن يختفيا إن ابتعدت عنهما....

اشتد الألم في جرحها أكثر فنظرت بعينين حزينتين ذابلتين إلى صالح وأومات برأسها موافقة لتتحرك معه بخطى أبطأ تاركة قلبها معهما ودعواتها تصاحبهما....
.............................................................
تجلس خلف مكتبها العريق بأناقةٍ تفيض انوثة تشي منذ الوهلة الأولى بأنها ابنةُ ذوات.... ظهرُها مفرودٌ برشاقة وطلتُها طلةُ ملكة متوجة من أول تسريحتها المعقودة خلف رأسها إلى حلتها الفاخرة وعطرها الذي يفوح بأرقى النفحات...

حتى نظارة القراءة التي تضعها فوق عينيها أثناء تفحصها للملفات بدقة تزيدها حسنًا وجاذبيةً 
مضاعفة....

صدح الهاتف فتوقفت لترفع السماعة إلى أذنها. وما إن سمعت صوت الطرف الآخر يبلّغها بأمرٍ هام حتى تذكّرت أنها كانت قد أمرته سابقًا بإعلامها فور حدوثه....

وحين بلغها الخبر لمعت في عينيها شرارةُ انتقامٍ فقالت بابتسامة باردة...

"تمام.... دخلها امضالها على الاستقالة....."

أعادت السماعة إلى مكانها ثم تركت ما بيدها وأراحت ظهرها على المقعد متفرّغةً لمشاهدة هذا المشهد الجبار دخول غريمتها إلى عقر دارها...

فُتح الباب دون أن تطرقه ليان متعمّدةً التصرّف بقلّة تهذيب كما عاملوها بالأمس هي وزوجها بعد
أن خدعوها...

رفعت ليان عينيها نحو نغم لتراها جالسةً باسترخاء على المقعد تراقب اقترابها بابتسامة باردة شامِتة يقطر منها الغرور الذي تتميّز به....

أحيانًا يليق بها هذا الغرور وأحيانًا كثيرة تصبح لا تُطاق... ومنذ أن دخل بينهن أيوب وهي لا تُطاق. تكرهها بشدّة هي ومن أحبها حدّ العمى فلم يُبصر تلك العيوب....

وقفت ليان أمام مكتبها والورقة بين يديها وقدمتها بعنفوانٍ لا يليق بملامحها الشاحبة حزنًا ولا بعينيها المحمرّتين....

"عايز امضتك على استقالتي عشان اخد بقيت ورقي وحسابي...."

أخذتها نغم وبلمحةٍ سريعةٍ قرأتها ثم شرعت في التوقيع عليها وبعد ان انتهت قالت وهي تضغط زرّ القلم ليختفي السن إلى الداخل كما ستختفي تلك الخبيثة من حياتها إلى الأبد...

"ياريت ما نشوفش وشك هنا تاني....لا هنا ولا في الورشة...."

قالت ليان بأنفه....

"اطمني مبروك عليكي أيوب.....كسبتي في الاخر..."

استفزّها الرد وشعرت بصدرها يشتعل غيظًا متأجج
بالغيرة والغضب المتراكم تجاه تلك الليان...

"مش محتاجة اكسب أو اخسر لاننا مع بعض من الأول وانتي عمرك ما كنتي في باله...."

جادلتها ليان بكراهية.....

"لو كنتي كملتي في سكتك اللي اختارتيها مع جاسر
العبيدي كان زماني انا اللي مراته مش انتي...."

نهضت نغم بعينين متّسعتين تشتعلان غضبًا
لتلف حول المكتب بخطى مشدودة حتى وصلت إليها لتقف أمامها ثم قالت...

"بجد..... انا مش فاهمه اي البجاحة دي...."

قالت ليان بجسارة....

"دي مش بجاحه دي الحقيقة انتي عمرك ما هتحبيه زيي....وهو بكره يعرف ده ويندم عليا.."

شهقت نغم شهقةً حادّة كأن روحًا شرسةً قد
سكنتها بعد هذا الرد....

"يندم عليكي.... هو شايفك اصلا...."

تبرمت ليان وقالت بصفاقة وجه....

"كفاية انه شايفك انتي وواخدك سلمه عشان يوصل وبعد ما يوصل هيرميكي ويشوف غيرك...."

كأن روح أيوب عبد العظيم قد تجسدت فيها فجأة
لتَمُدَّ يدها فتقبض على حفنةٍ من شعر ليان بقسوةٍ وعنف...وهي تصيح بسوقية...

"مين دي اللي تترمي ياحلاوة...نغم الموجي بتتشال فوق الراس....تاج على رأسك انتي واي حد محروق
منها.....سااامعة....."

اتسعت عينا ليان بصدمة....

"انتي اتجننتي......سيبي شعري....."

ضاقت عينا نغم بشراسة وهي تهدر....

"اسيبك دا انا مستنياكي تيجي برجلك لحد عندي
وامسح بكرامتك الأرض دا لو عندك كرامة يعني....

" لولا ايوب كان بينا إمبارح كان زماني ارتكبت جناية معاكي....بس امبارح من النهاردة مفرقتش كتير....."

شحب وجهُ ليان فجأة وازدردت ريقها بتوترٍ وهي تتأوّه ألمًا متوسّلةً إليها أن تتركها...

لكن نغم رفضت وقد استبد منها الغضب وأعمى بصيرتها ومعه نفد صبرها أمام ذلك الاستفزاز الصريح فقالت وهي تهز رأس ليان بين يديها بعنف...

"قولتي من شوية اننا لو مكناش رجعنا لبعض كنتي انتي اللي هتبقي مراته؟!....."

.............................................................
لم تشعر بسعادة يومًا كما شعرت بها في تلك الأيام. انتهى كل شيء صديقة خبيثة استغلت سذاجتها ومحبتها فدفعتها كفريسة في قضية التحريض على الانتحار لتقع في شر أعمالها.. ورجل مجنون يثأر لابنه من الشخص الخطأ ثم ينكشف له غباء حكمه وظلمه....وموظفة لديها تطمع في أخذ حبيبها منها فينتهي بها الحال بين يديها تشفي غليلها منها

ثلاثتهم رحلوا عن حياتها، وانتهوا جميعًا في رحلة جامحة مليئة بالصراعات رحلة كانت تستنزف روحها ببطء...

لكن بظهور منقذها تحولت الرحلة إلى حكاية وردية لتقع في الحب وتختبر مشاعر كانت تتهرب منها طوال حياتها حتى باغتتها خلسة متسللة إلى قلبها وروحها فصارت في الهوى مقيدة وكلما حاولت الفكاك اشتد القيد إحكامًا...

فترضى ويرضى ويصبح القيد أجمل من الحرية التي تناشد بها...

تنهدت تنهيدة عميقة عالية فانتبه المنهمك في تصاميمه إليها أخيرًا....

رفع أيوب عينيه نحوها وكانت تجلس على الفراش ممددة الساقين عيناها عليه حيث كان يجلس على المقعد يرسم أحد التصاميم الخاصة بالمسابقة التي اقترب موعدها.... ولم يتبقَّ إلا القليل...

"مالك ياكل الحب.... انتي تعبانه ولا إيه...."

مطّت شفتيها بدلال وقالت بخفوت..

"لا بس زهقت... انت من بدري قاعد وسيبني لوحدي.."

قال أيوب..

"افتكرتك مشغولة في التليفون.."

قالت بتبرّم...

"زي ما انت مشغول في الرسم كده.."

رد أيوب بجدية...

"ده أكل عيش مش عايز أضيع وقت... كفاية اللي ضاع مني.."

قالت نغم بمؤازرة...

"اللي ضاع يتعوّض يا حبيبي... انت لسه مطمّنني وقولتلي على اللي ناوي تعمله مع الزفت ده.."

أغلق أيوب دفتره وهو يقول بوجوم..

"اللي ناوي أعمله متوقّف على الخطوة اللي هو هياخدها... بس هو لحد دلوقتي ما أعلنش عن حاجة.."

قالت نغم بعد تفكير..

"هو أكيد هيعلن... مش هيفضل محتفظ بيهم يعني... لازم يستفاد.."

"هنشوف.."

مدّت هي ذراعها قائلة برقة..

"ممكن تيجي في حضني... أنا سقعانة.."

ابتسم أيوب بانتشاء واقترب منها بحرارة وهو يقول....

"أدفّيكي يا حبيبي... تعالي... ندفّي بعض.."

انضم إليها في الفراش ثم ضمّها بين ذراعيهوقبّل وجنتها عدة مرات ثم وضعها على صدره النابض بقوة قربها متخلّلًا بأصابعه خصل شعرها الناعم..

"أيــوب.."

خرج اسمه من بين شفتيها مترددًا فكان رده همهمات وهو يضمها أكثر إليه..

أغمضت نغم عينيها وأخذت تعد من واحد إلى عشرة قبل أن تقول....

"أنا مش قادرة أخبي عليك أكتر من كده.."

عقد أيوب حاجبيه وأبعدها عنه برفق لينظر إلى وجهها بتساؤل...

"تخبي إيه بالظبط؟!"

تلاقت نظراتهما للحظة فازدردت ريقها قبل أن تطلق كلماتها دفعة واحدة..

"ليان جت قدمت استقالتها النهاردة... وأنا... أنا ضربتها... والسكرتيرة خلّصتها من إيدي بالعافية.."

اتسعت عيناه وارتفع حاجباه صدمة وبعد أن أنهت حديثها قال مستنكرًا...

"ده كلام يا نغم!.... إيه اللي يخليكي تنزلي لمستواها؟"

قالت بنظرة محتدّة ونبرة مماثلة...

"أنزل لمستواها عادي وأطلع تاني... انت مسمعتش قالت إيه؟ قالت إن لو مكناش رجعنا كانت هتبقى هي مراتك وإنك واخدني سلم وهترميني... وكلام عبيط كده... نرفزني.."

لم يُبعد أيوب عينيه عنها وهو يقول بتمعّن..

"الكلام العبيط ده أثر فيكي... باين على عينيكي.."

هزّت رأسها نفيًا بانفعال..

"مأثّرش طبعًا... مين دي اللي تأثر عليّا؟!"

نادى عليها بحزم..

"نـغـم.."

تسارعت أنفاسها بعنف وهي تصيح بغيرة وقهر..

"مأثرش يا أيوب... والله ما أثر... بس وجعني... وجعني أوي.."

ضمّ كفّيها بين راحتيه يطبِق عليهما وكأنه يضع قلبه بينهما ويغلق عليه معها....

"لو مأثرش فيكي مش هيوجعك... مش لازم أوضّح انتي إيه بالنسبة لي... عمرك ما كنتي سلّم ولا هتكوني.."

ثم واصل حديثه وعيناه تغرقان في رماديّتها شتاء يأتي في كل الفصول...

"كل حاجة حصلت بتدبير من ربنا... اللي حصلك في الأول القضية والانتحار كان عشان نتقابل وأحبك وتحبيني وفي نفس الوقت أشتغل معاكم في الشركة وأرجع للحاجة اللي وقفتها من سنين.."

"كنتي السبب إني أرجع للمجال اللي بحبه... كنتي السبب في حاجات كتير حلوة في حياتي... بس عمرك ما كنتي سلّم ولا هتكوني فبلاش كلامها العبيط ده يأثر عليكي أو حتى يوجعك زي ما بتقولي.."

ألقت نغم نفسها بين ذراعيه هامسة بلوعة...

"أنا بحبك أوي يا أيوب.."

ضمّها أيوب إليه أكثر وهو يقول بمزاح..

"وأنا بموت فيكي يا كل الحب... بس أنا زعلان منك إزاي متندهليش أشوف العركة؟"

ضاقت عيناها معقبة بسخرية...

"وبالنسبة للمستوى اللي كنت بتكلم فيه من شوية؟"

قال أيوب بهذر...

"ما هي طالما غلطت فيكي تستاهل اللي يجرالها... هقف معاكي وأشجّع كمان.."

خرجت من بين ذراعيه لترمقه بشك...

"بتتكلم جد؟"

هزّ رأسه نفيًا وهو يشير إلى أصابعها الرقيقة وأظافرها الوردية...

"أكيد لا... إيه اللي يخليكي تعملي كده؟ انتي مش أغلى حاجة عندك ضوافرك؟"

زمت نغم شفتيها للأمام بتذمر و رفعت أصابعها صوب عينيه بحسرة...

"والله وأنا بضربها اتكسر اتنين.."

تظاهر أيوب بالتأثر قائلًا...

"لا حول ولا قوة إلا بالله... ربنا يعوّض عليكي.."

باغتته بلكمة في صدره وهي تصيح بانزعاج...

"بتتريق حضرتك؟"

أومأ برأسه ضاحكًا...

"طبعًا بتريق... سيبك من الحوار ده وردّي عليّا في الأهم... مش ناوية تنسي إنك بنت ذوات وتطبخيلي طبخة حلوة بإيدك دي؟"

أحاطت عنقه بذراعيها وقالت بتغنّج..

"عمرك أطول من عمري يا حبيبي.."

ابتسم أيوب وعيناه تلتهمانها...

"اشجيني يا حبيبتي... أخيرًا هتدخلي المطبخ. بقالك أسبوع ما عتبتِهوش.."

أبعدت وجهها عن مرمى شفتيه وقالت بجدية..

"بطل بقى واسمعني... أنا عزمت مامتك وإخواتك بكرة على الغدا.."

توقّف أيوب وسأل بتعجب...

"غدا؟ ومين اللي هيطبخ؟ صفصف؟"

بملامح مستنكرة قالت...

"لا طبعًا... هو أنا قليلة الذوق؟ أنا اللي هطبخ.."

عقّب أيوب بعدم ارتياح...

"أنا من رأيي تطلعي قليلة الذوق وتسيبيهم هما يطبخوا... أو نروح ناكل عندهم أسهل.."

رفضت نغم بإصرار...

"مستحيل... هيأكلوا هنا ومن إيدي.."

قال أيوب بصرامة محذّرًا...

"اسمعي... أمي ملهاش في الأفوكادو بالسلمون ولا ليها في البطاطس البوريه ولا الخضار المسلوق على البخار... متفضحناش بالله عليكي.."

قالت بهدوء....

"ما أنا هعمل أكل مصري.."

ظهرت الصدمة على ملامحه مختلطة بعدم تصديق

"احلفي.."

أكدت بهدوء...

"والله مصري.."

خرجت منه تنهيدة قلقة من القادم على يدها..

"ربنا يستر... كده ضمنا غسيل المعدة.."

لكمته في صدره بضيق...

"انت بجد غلس.."

مسك يديها الاثنتين وقال وهو يميل عليها بخبث ممازحًا....

"ما تيجي أقولك حاجة سر قبل غسيل المعدة.."

تمتمت باعتراض رقيق متدلّل وقد تعلّقت ذراعاها بعنقه....

"أيــوب.."

مال عليها يرتوي من حسنها الندي ولسان حاله يتمتم بمزاح هازئ...

"يا شماتة صفصف فيا... ناوية تعرفيها إني لا 
دبحت قطة ولا كتكوت حتى... الله يسامحك
يا بنت الذوات ويسامح قلبي اللي مسوحني معاكي.."

ضحكت نغم بشقاوة فأسكت ضحكها بطريقته الخاصة كما تفضله دائمًا.. ...

........................................................
أعاد سماعة الهاتف إلى مكانها وارتسمت بسمة ظافرة على وجهه تزيده فخرًا بذكائه الفذ وسرعة بديهته في إنقاذ مؤسسته العريقة...

فبعد كل تلك السنوات من العمل والجهد وتكبد المشاق للوصول إلى ما هو عليه لم يكن من المقبول أن يعود إلى الخلف ويحقّق بائع على الأرصفة النجاح والتفوق عليه أمام الجميع.

شعر بالانتصار والراحة بعد أن استحوذ على تصاميم أيوب مستخدمًا تصميمين من بين ثمانية للترويج لهما قبل المسابقة فازدادت المبيعات بعد انتشار هذه التصاميم على حسابه وفتحت له أبواب الحجوزات.

يخطط لاستخدام بقية التصاميم في المسابقة ليضمن الفوز الساحق فتفتح له الطريق الى افاق أوسع.....

اقتحم المكتب أحد الموظفين فنظر جاسر إليه بغضب صائحًا....

"إزاي تدخل عليا بالشكل ده؟!"

اعتذر الموظف بتهذيب...

"أنا آسف يا فندم.....بس فيه مصيبة..."

سأله جاسر بترقب...

"مصيبة إيه؟"

قال الموظف بوجوم...

"بخصوص آخر التصاميم اللي أعلنا عنها على الصفحة....وجه من وراها حجوزات كتير..."

سأله بنفاد صبر...

"مالها؟...... اتكلم على طول... "

أخبره الموظف بقنوط...

"طلعت تخص أيوب عبدالعظيم..."

صاح فيه جاسر بعصبية....

"جبت الكلام الفارغ ده منين؟!... انت اتجننت؟ 
دي تصميمي..."

أجابه الموظف بتجهم...

"يا فندم مش أنا اللي بقول... الصحافة والدنيا مقلوبة وأيوب بذات نفسه رفع 
على حضرتك قضية..."

رد جاسر بمكابرة....

"قضية إيه؟!.... ده كلام فارغ... إيه اللي يثبت إنها تصاميمه؟!"

رد الموظف..

"حقوق الملكية يا فندم. هو مسجلهم من أسبوع بالظبط قبل ما نعلن عنهم..."

جحظت عينا جاسر بصدمة أكبر والخوف والقلق تمكن منه...

"إيه ده... حقوق ملكية؟..... إزاي؟!"

رد الموظف بوجوم...

"حقوق ملكية فكرية... وللأسف الموضوع بقى تريند على النت.....وأيوب وكل محامي عشان الإجراءات تمشي قانوني.... ولما تواصلت مع المحامي عرفت إنه طالب
تعويض كبير جدًا..."

احتقن وجه جاسر وشعر وكأنه على وشك الإصابة بأزمة قلبية فلم يحسب حساب شيء كهذا...

"يعني إيه موت وخراب ديار... يفضحني قدام الناس وياخد كمان تعويض ده؟! أنا... أنا مش هسكت..."

دخلت عليه السكرتيرة بملامح مرتابة وعيونها زائغة فسألها ببعض الانفعال....

"في إيه انتي كمان؟"

أجابته بتوتر...

"في ظابط برا عايز سيادتك..."

ظهر من خلفها ضابط الشرطة وأشار له بملامح شديدة الصلابة...

"جاسر العبيدي...... مش كده؟!"

أومأ جاسر برأسه بعينين مذعورتين...

أشار له الضابط بأمر قاطع...

"لو سمحت.... اتفضل معانا من غير شوشرة..."

وفي النهاية انتهت مسيرته المهنية بصفعة مدوية ليدرك أخيرًا أن الغرور والطمع قد يقتلان مسيرة كاملة من النجاح والسعي....

تعليقات