رواية اشتد قيد الهوي الفصل السابع والاربعون
دلف أيوب إلى المطبخ بعد أن غرق في نومٍ عميق امتد حتى قرب الظهيرة وقد أيقظته رائحة طعامٍ شهي... رائحة طعام مصري أصيل...يكاد لا يصدق أنها تنبعث من مطبخ شقته.
للحظةٍ عابرة ظنّ أن الرائحة تتسلل إليه من منور الجيران لكنه ما لبث أن تأكد حين أبصر
(ابنةَ الذوات) بنفسها تُخرج طاجن اللحم بالبصل من الفرن....
فصُعق واتسعت عيناه وارتسمت الدهشة على ملامحه وقد فتح فمه الى آخره
أمعقول أن تحدث المعجزة وتجيد طهي مثل
تلك الأصناف؟
"نــغـم...."
وضعت نغم يدها على صدرها مفزوعة ثم استدارت إليه وقالت بدهشة....
"أيوب..... خضتني يا حبيبي... معقول؟!"
هتف أيوب بتشكيك في كل ما يحدث حوله...
"هو اللي مش معقول اللي أنا شايفه بعيني ده... إنتي طبختي؟!.... طبختي طواجن إزاي؟!
وجبتي طواجن الفخار دي منين؟!"
قالت نغم بثبات غريب...
"اشتريتها... وبعدين صدق بقى مراتك ست بيت شاطرة جدًا... يعني في أكتر من إني أطلع الأكل من الفرن قدامك وإنت شامم الريحة؟!"
اقترب منها حتى وقف بجوارها وعيناه تتفحّصان رخامة المطبخ المكدسة بالأصناف المطهية التي أعدتها بنفسها...
"ما ده اللي صحاني... الريحة!"
أشارت نغم بكفها الرقيق في حركة انسيابية وهي تقول باعتداد....
"شوف الأصناف اللي عملتها... ده رز متأمر و"
بدا الاندهاش على ملامح أيوب ثم انفجر ضاحكًا. فتأملته نغم بعينين متعجبتين عاقدة حاجبيها باستنكار ومع ضحكته ابتسمت مستسلمة للوضع وهي تتأمله بهيام....
تمالك أيوب نفسه أخيرًا بعد نوبة الضحك تلك وقال.....
"استني بس... متأمر إزاي... ده رز معمر... معمر لبن وسمنة وبيتحط في الفرن... إنتي مش عملتي كده."
أومأت برأسها بسرعة...
"أيوه طبعًا أنا جايبة الوصفة من على النت."
استأنفت حديثها...
"ودي لحمة بصوص البصل..."
عقب أيوب بهدوء ساخر...
"صوص؟! ماشي صوص صوص... المهم إنه طاجن لحمة... وإيه تاني؟"
قالت...
"بسلة بالجزر واللحمة."
ظهر عليه بعض الرضا...
"حلو..."
استرسلت نغم بجذل...
"ومكرونة بشاميل وسمبوسة وحمام محشي... وملوخية...."
أشار أيوب إلى ذلك الطاجن الذي اختفت تفاصيله تحت طبقة التحمير....
"وإيه ده كمان؟"
قالت تلقائيًا...
"ده... معرفش... "
رمقها أيوب باستنكار...
"نَعـم؟!..... هو مش إنتي اللي عملاه؟!"
ازدردت ريقها وهي تقول بارتباك...
"آه صح... أنا اللي عملاه الأكل بس... بس عشان الأصناف كتير نسيت.... "
فتح أيوب الدرج وأخذ ملعقة ثم مد يده نحو الطاجن قائلًا بشك...
"نكتشف سوا... يمكن صنف جديد معرفوش..."
بعد أن غمس الملعقة في الطاجن وعرف هوية الصنف حدّج بها دون تعقيب. سألته نغم...
"إيه ده يا أيوب؟!"
سألها بلؤم...
"يعني برضه مفتكرتيش؟"
حكّت في رأسها وهي تتهرب من نظراته الثاقبة...
"الوقفة في المطبخ في الحر ده صعبة أوي... الله يكون في عون أي ست مضطرة تقف وتعمل الأصناف دي كلها... الموضوع صعب أوي بجد..."
جز أيوب على أسنانه بغيظ من إصرارها على الكذب....
"نغـم..."
رفعت عينيها بتردد فقال أيوب بنظرة حازمة ونبرة مماثلة...
"أنا عديت كل حاجة بمزاجي بس أقسم بالله دي ما هعدي ده... إنتي جايبة الأكل ده منين؟!"
بدأت تجادل بعناد...
"إنت بتقول إيه؟!..... أنا عملاه هنا... "
لم تعلو نبرة أيوب عن الطبيعي لكنه كان أشد جدية وحزمًا....
"يا تقولّي جايباه منين يا تقولّي الصنف ده اسمه إيه."
رفضت الإجابة وقد وضعت أصابعها في فمها تقضم أظافرها بتوتر.....
لكنها ما لبثت لحظات حتى استسلمت تحت وطأة نظرته....
"أنا غلطانة إني بحاول أشرّفك قدام أهلك..."
عقب أيوب بنبرة صادقة...
"إنتي مشرّفاني من غير حاجة... ليه بتكدبي؟"
مطّت نغم شفتيها قائلة بحزن...
"عشان إنت بتشتكي إني مش بعرف أطبخ الأصناف اللي بتحبها..."
قال أيوب بغلاظة الرجال...
"تتعلمي... بس مش بالغش."
ظهر الضيق عليها وهي تعترف بقنوط....
"أوف بقى... أنا عملت كده عشان مامتك تنبسط مني... وبعدين أنا ما بحبش المطبخ ولا الوقفة فيه والوصفات اللي بعملها مش بتيجي معاك..."
قال باختصار..
"بس باكلها."
تلألأت عيناها بالدموع وهي تقول برقة تليق بها فهي عنوان لكل ما هو رقيق وفاخر...
"عشان ترضيني... مش أكتر."
عقب أيوب مستنكرًا...
"ودي حاجة تزعلك؟!.... دي حاجة تفرحك... "
حين لم ترد عليه. سألها بخشونة...
"دفعتي كام في الأكل ده؟"
رفعت عينيها بدهشة...
"بتسأل ليه؟"
رد بأسلوب فظ..
"هحاسبك... هناكل على حسابك ولا إيه؟!"
أوغر صدرها بالغضب فقالت بعتاب حاد
"أيوب إنت ليه عامل فرق بينا؟!... وبعدين إنت بتديني فلوس أول بأول رغم إننا أغلب الأوقات بنطلب من برّه. ... وإنت برضه اللي بتدفع... "
رد بحمائية
"طبيعي أنا اللي أدفع... أنا جوزك وانتي مسؤولة مني...."
أدارت نغم وجهها عنه وهي ترمق الطاجن بضجر...
"نتكلم في تمن الأوردر بعدين... قولي إيه الصنف اللي كشفني ده."
رد مبتسمًا...
"دي كوارع."
زمت فمها بقرف قائلة بغضب مكتوم...
"بس أنا ما طلبتش في الأوردر كده هما بيجيبوا بمزاجهم ولا إيه؟!..... أنا هكلمهم..."
كادت ان تخرج من المطبخ لكنه أمسك ذراعها
قائلًا بتحذير...
"مش مهم...سبيه هيتاكل... المهم الطاجن ده ما يطلعش على السفرة... صفصف هتعرف اللي
فيها... "
فلتت من نغم تنهيدة ثقيلة وهي تقول ما يعتريها بوجل....
"بصراحة أنا متوترة من مامتك... خايفة الأكل ما يعجبهاش."
طمأنها أيوب بأسلوبه الساخر...
"الخوف مش إن الأكل ما يعجبهاش... الخوف إنها ما تصدقش زيي... "
سألته نغم بارتياع
"إنت اتكلمت عني؟!"
هزّ رأسه نفيًا موضحًا...
"إيه السؤال ده؟!.... أنا بتكلم عنك بالخير دايمًا... هما اللي عارفينك من أول يوم شافوكي فيه."
لاحظ أيوب شرودها المفاجئ وكأنها تفكر في شيءٍ هام وعيناها مثبتتان عليه.....
سألها بعينيه عمّا تفكر فقالت بابتسامة جميلة تحمل سعادة لا مثيل لها...
"أيوب أنا محضّرة لك مفاجأة حلوة أوي... بس مش هقولها غير قدام مامتك وأخواتك البنات."
"مفاجأة إيه؟!..... وإشمعنى قدامهم؟"
هزّت كتفيها برقة وقلبها يرتجف تأثرًا مما تخفيه عنه منذ أمس...
"يعني حابة أقولها وسطهم... عشان أحس بفرحتهم... وفرحتك معاهم."
وقبل أن يعلق أيوب أو يُلحّ في معرفة الأمر سمعا جرس الباب.... فقالت نغم على عجل وهي تنزع المريول عنها...
"الباب بيخبط... أكيد هما... افتح لهم على ما أغيّر هدومي."
فتح أيوبُ البابَ فرأى والدته تقف في المقدمة وخلفها التوأم من الجانبين يحملان ما اعتيد إحضاره في الزيارات من شوكولاتةٍ وفواكهة
متاحة في الأسواق وزجاجاتِ مياهٍ غازية...
فارتسم العبوس على وجه أيوب وقال بحنقٍ...
"اي اللي انتي جيباه معاكي ده ياصفصف... انا قولتلك إيه في التلفون..."
دلفت الام بابتسامة واسعة شقة ابنها.....
"ياودا هندخل بايدينا فاضية... خد من ايدي..."
حمل ايوب عنها الاكياس ثم اخبرها بوجوم....
"هتنزلي بيهم....انتي مش جايه لحد غريب..."
رفعت الأم يدها في اعتراض فانزلقت اكمام عباءتها الجديدة الفخمة.... كاشفًا عن أساورها الذهبية التي ابتاعها لها ابنها مؤخرًا...
"طب ابقى اعملها يابن عبدالعظيم وانا مدخلكش بيت تاني....وبعدين ما كله من خيرك..."
ابتسم أيوب وهو يرى الرضا والسعادة والفخر يتلألأ في عينيها فقال وهو يضمّها بشوق...
"وحشتيني ياصفصف...."
"وانت اكتر يانن عين صفصف....عامل إيه ياحبيبي خاسس كده ليه...."
أبعدته عنها قليلًا وأخذت تحدّق فيه مليًّا بعدم
رضا.....
لم تغيب ابتسامة أيوب وهو يجيب بايجاز...
"انا بخير ياصفصف يمكن من ضغط الشغل..
عاملين إيه يابنات...."
اجابت نهاد برقتها المعهودة.... "بخير الحمدلله....."
بينما قالت ندى بمشاكستها المعتادة.....
"اي الروايح دي يابوب.... أسمع انا على لحم بطني من الصبح..."
وبختها نهاد بحاجبين معقودين بضيق...
"يا فضيحة.... مش كده... إحنا مش في بيتنا!"
استنكر أيوب توبيخها وقال بعتب..
"إيه الكلام العبيط ده يا نهاد... ده بيتكم برضه...
بيت اخوكم بيتكم...."
ثم أشار إلى شقيقته الثانية بأريحية..
"روحي يا ندى المطبخ وكلي اللي يعجبك..."
تحركت ندى بالفعل خطوتين فأمرتها نهاد بحدة...
"يا بنتي خليكي مكانك عيب كده!"
حدق فيها أيوب بتجهم...
"إنتي تاني يا دكتورة؟... ما قولنا اتعاملي عادي..."
تبرمت نهاد وهي تُسبل جفنيها بأدب قائلة بتوضيح...
"مش قصدي... بس مراتك هتقول علينا إيه؟"
جاءت نغم على وقع صوتها وقالت وهي تقترب منهم بثوبها الربيعي الأنيق وشعرها المنسدل بنعومة وحذاؤها ذي الكعب العالي صوته يسبقها و يرافق عبير عطرها الفاخر قائلة بعتاب..
"هقول إيه يعني يا نهاد؟.. أنتوا أصحاب بيت... اتعاملي عادي زي ما أيوب قالك..."
تأمل أيوب حسنها بعينين عاشقتين وقد ازداد قلبه امتلاءً بالحب بعد ردها على شقيقته....حتى حين بادرت بالاقتراب من والدته أولًا لتسلّم عليها قائلةً بحبور...
"أهلاً يا طنط... نورتي المكان..."
عانقتها والدته بمودة...
"منورة بيكم يا حبيبتي..."
قالت نهاد بحرج...
"عاملة إيه يا نغم؟"
وبالابتسامة الودودة نفسها رحبت بها نغم بمحبة قائلةً بعتاب خفيف...
"الحمد لله... هعاتبك على كلامك ده بس مش دلوقتي..."
ثم نظرت إلى شقيقتها وقالت...
"إيه أخبارك يا ندى؟"
قالت ندى وهي تقدم بروازًا مُغلّفًا بورق هدايا...
"بخير والله... خدي ده بقى عشان ما أنساش..."
سألتها نغم وهي تأخذه منها..
"إيه ده؟"
قالت ندى بابتسامة واسعة...
"ده بورتريه فرحكم... اتأخر شوية بس يعني إنتي عارفة الجامعة والوقت... كنت بعمله كل ما أفضى ساعة ولا اتنين لحد ما خلصته وطلع بالشكل ده..."
تحمست نغم فنزعت غلاف الهدية ثم تأملت البورتريه بدقة وكان يجسد صورتها هي وأيوب مقتبسًا من إحدى صورهما التي التُقطت يوم زفافهما حين كانا متعانقين وعيونهما معلقة ببعضها. أبدعت في رسمها مع إبراز أدق التفاصيل فبدت ملامحهما نابضة بالحياة.....
كما ازدادت اللوحة روعة بتفاصيل ثوب زفافها الفاخر إذ انعكس التطريز عليه ببراعة مذهلة
خيوط دقيقة مرسومة بإتقان تُظهر ملمس
القماش وكأنه مجسّد خارج الإطار....
قالت نغم بإعجاب حقيقي...
"جميل أوي بجد... إنتي فنانة... Merci يا ندى."
سألت ندى أخاها...
"إيه رأيك يا بوب؟"
فقال بالمناغشة المعتادة بينهما...
"مش محتاج رأيي الجواب باين من عنوانه... تسلم إيدك يا معلم."
باستنكار عقّبت ندى...
"معلم؟ ماشي الفن معلمة برضه... هتغدونا إمتى؟"
صاحت والدته تلك المرة بضيق...
"إنتي جاية يا بت تاكلي ولا تشوفي أخوكي؟"
تدخلت نغم بثبات تُخفي خلفه توترها الداخلي...
"الأكل أصلًا جاهز يا طنط... ثواني ويكون على السفرة..."
تحركت نغم في اتجاه المطبخ فأشارت الأم إلى توأمها ثم جلست مشيرةً لابنها أن يجلس بقربها..
"روحوا يا بنات ساعدوا مرات أخوكم... وبذات إنتي يا مفجوعة ياللي فضحاني في كل حته..."
نفذت ندى أوامر والدتها وهي تتمتم بتذمر..
"الله بقى... ما الجوع كافر... "
أطلقت نهاد تنهيدة اختلطت فيها الحيرة بعذاب الضمير...
"تفتكري رفضي بالشكل ده جرح مشاعره؟..."
قالت نغم وهي تضع الأرز في الأطباق الزجاجية الفاخرة...
"وانتي النقطة دي فارقة معاكي؟! إنتي مش بتقولي إنه مجرد زميل ليكي في الجامعة؟"
زمت نهاد فمها بضيق من نفسها وهي توضح الأمر من منظورها الشخصي...
"أيوه بس أنا حاسة إني زودتها... مكنش المفروض أديه أمل... وفي الآخر أرفضه بعد ما جه لحد البيت... كان لازم ما أفتحش الباب ده من الأساس وأخليه مقفول... وأركز في مستقبلي زي ما كنت مرتبة."
قالت نغم برفق تهون عليها....
"مفيش حاجة اتغيرت يا نهاد... إنتي بس ضميرك مأنبك شوية."
أومات نهاد برأسها وهي تقول بشجن...
"أيوه شوية... وفي نفس الوقت مبسوطة إني قفلت الباب ده ورجعت لعقلي."
قالت نغم بانسجام وقد وجدت في الحديث مع
نهاد ضالتها فهي شخصية جميلة تجمع بين القوة والحنان في آنٍ واحد
فشعرت نحوها بارتياح خاص ورأت فيها صديقة حقيقية بعد أن افتقدت هذا الجانب وفقدت إيمانها به...
"بس كان باين عليه إنه شخصية... ليه حضور كده من أول ما دخل شقتكم."
لم تكترث نهاد كثيرًا لوصفه فهي لم تهتم بتلك الأشياء...
"ممم... بيقولوا إنه من جنوب سيناء... عرباوي أبا عن جد... وانتي عارفة البدو دول عندهم عادات وتقاليد صعبة أكيد... زي ما بنشوفهم في التلفزيون."
بدت الدهشة واضحة على وجه نغم ثم قالت بنبرة مستهجنة...
"معرفش كتير عنهم بس طالما الحكاية كده كويس إنك رفضتي... مالك إنتي ومال جو ذئاب الجبل ده؟"
قالت نهاد متذكرة...
"الغريبة إنه لما اتحججت بالنقطة دي قال إنه مستعد يشتري شقة هنا."
تسللت إلى ثغر نغم ابتسامة شقية...
"واضح إنه مش مجرد جواز صالونات... شكله معجب بيكي... مش بعيد يكون عاشق ولهان."
تبرمت نهاد وقالت بوجه مكفهر...
"ولهان؟!... واضح إن أخويا مأثر على قلبك وعقلك فبقيتي شايفة الناس كلها عندها استعداد تحب وتوفي بوعودها كمان."
قالت نغم ببساطة...
"ليه لأ؟.... اللي بيحب بجد بيعمل المستحيل."
صاحت نهاد بحرقة غير عادية....
"ده كلام فاضي... بنقوله لبعض من باب التسلية بس مفيش حد يقدر على المستحيل."
رمقتها نغم بحيرة وسألتها بترقب..
"ليه حاسة إنك بتقولي كده... وانتي موجوعة يا نهاد؟... إنتي مخبية عني حاجة؟"
أشاحت نهاد بوجهها إلى الجهة الأخرى وقالت بصلابة بينما كان قلبها يرتجف بين أضلاعها
محمومًا بالألم...
"أبدًا... علميًا ده الصح."
أقبلت عليهما ندى وهي تصيح...
"يا علماء الفيزياء... أنا حضرت السفرة!"
نظر الاثنان إلى بعضهما ثم قالت نغم بهدوء...
"واحنا كده خلصنا..."
كانت السفرة بها كل ما طاب ولذ من أصناف الطعام وقد امتلأ المكان برائحة شهية تعبق في الأرجاء وتثير لعاب الجائع....
التفّ الجميع حول مائدة الطعام الصغيرة
التي ضمت خمسة أفراد اجتمعوا على المحبّة والوئام وكان دفء قلوبهما قد سبق دفء الطعام.....
بدأ الجميع في تناول الطعام في هدوءٍ لطيف يشي بألفةٍ واضحة وسكينة تملاهما... أول من علّق على مذاق الطعام البيتي والدته بابتسامةٍ راضية.....
"بسم الله ما شاء الله.... الاكل طعمه حلو أوي...دا انتي طلعتي شاطرة بقا وانا معرفش...."
تبادلت نغم النظرات مع أيوب الجالس بجوارها واكتفت بابتسامة صغيرة موجهة
إلى والدته قبل أن تُثني نهاد أيضًا قائلة...
"تسلم إيدك يا نغم.... الأكل حلو جدًا..."
بلعت نغم ريقها وتشجعت للرد قائلة...
"بالهنا يا نهاد... وإيه رأيك يا ندى؟"
كانت ندى تأكل بهدوءٍ شديد حتى امتلأت وجنتاها بالطعام فاكتفت برفع إبهامها في صمتٍ كإشارة واضحة على إعجابها الشديد بالمذاق...
ضحكت نهاد وقالت...
"من غير ما تقول واضح من الخدود اللي مليانة إنها مش قادرة تقاوم حلاوته... "
ضحكت نغم معها وشاركها أيوب الابتسام فيما علقت والدته وهي تتناول من طبق الحمام...
"لا ولا الحمام حشوة معتبرة..."
بادرت نغم سريعًا...
"رز... محشي رز..."
رفعت والدته حاجبها وهي تنظر إلى طبقها قائلة
"بس ده فريك..."
شحب وجه نغم فسبقها أيوب بالرد بثبات
"ما هو فيه رز وفيه فريك يا صفصف... أنا لسه آكل حمامة محشية رز بالخلطة..."
ثم رمق نغم بطرف عينه في حزمٍ خفي يأمرها بالصمت حتى تمر كذبتها بسلام وتنتهي على خير.
قالت والدته بإعجاب وهي تشير إلى أحد الطواجن
"آه كمان اللحمة بالبصل طعمها حلو... يمكن أحلى من اللي بعمله في البيت... كأنك حاطة عليها حاجة مميزة كده..... طعمها أحلى من العادي..."
سألتها نغم باضطراب...
"حاجة... حاجة إيه؟"
قالت والدته بهدوء...
"توابل يعني... بس نوع معداش عليا قبل كده."
أجابتها نغم بسرعة...
"دي توابل لحمة بجيبها من عطار مخصوص... مش أي حد أصل هو بيجيب حاجته كلها من الهند..."
أومأت والدته بإعجاب قائلة...
"آه... أنا كنت حاسة كده برضه. شايفة الملوخية يا ندى انتي ونهاد.... مظبوطة إزاي ومش ساقطة في الطبق؟..... اتعلموا من مرات أخوكم... دي طلعت لهلوبة"
احمر وجه نغم بشدة وقد شعرت بالحرج الشديد فهي تغش حماتها كان أيوب محق ما كان يجب ان تفعل ذلك....
عليها ان تتعلم الطهي جديًا وليس مجرد اصناف غربية......
قالت نهاد بحسن نية...
"خلاص يا ماما... بعد كده ناخد الطريقة من نغم."
ساد صمتٌ قصير قبل أن تشير والدته إلى أحد الأصناف قائلة...
"كمان طاجن الـ..."
فقاطعها أيوب بابتسامة متكلفة رحمةً على من ستموت من الحرج والقلق بجواره....
"كفاية يا صفصف كلي يا حبيبتي وبعدين نتكلم في الوصفات والطريقة... هنروح من بعض فين ما الشيف نغم معانا... "
ثم رمق نغم بطرف عينه بغيظٍ خفيف بينما اكتفت هي بالانشغال في طبقها تحدق فيه كطفلة مذنبة وهي بالفعل كذلك....
بعد أن انتهوا من تناول الطعام ومر على خير
جلسوا في غرفة الصالون... وقامت نغم بتقديم الحلوى التي صنعتها بنفسها هذه
المرة دون أي مساعدة أو غش.....
قدمتها مع المشروبات الغازية فأخذت والدة أيوب قطعة من الحلوى تتأمل شكلها المنمّق المزخرف باحتراف وكأنها لوحة فنية....
"إيه ده يا نغم يا بنتي؟..."
جلست نغم على الأريكة بجوار زوجها قائلة بابتسامة هادئة...
"ده تارت... ميني تارت بالفواكه وفيه شوكولاتة كمان... جربيه هتحبيه أوي."
ضحكت والدة أيوب وقالت....
"شبه البيتيفور اللي بناكله في العيد..."
ثم تناولت قطعة وقضمتها فأعجبها مذاقها وقالت برضا واضح ارتسم على ملامحها وملأ صدرها ارتياحًا تجاه زوجة ابنها الوحيد...
"لا حلو... تسلم إيدك."
وأخذت ندى قطعة هي الأخرى وبعد أن تذوقتها قالت بإشادة...
"ممم... انتي حتى في الحلويات تفوّقتي على نهاد أصل نهاد عندنا أستاذة في الحلويات."
ابتسمت نغم بود وقالت...
"يبقى لازم تعلميني يا نهاد."
ردت نهاد بمشاكسة خفيفة...
"إنتي تديني مقادير وتوابل الأكل اللي كلناه وأنا أديكي وصفات الحلويات اللي أيوب بيحبها...."
أومأت نغم برأسها مستسلمة للوضع متماشية مع كذبتها بهدوء...
"أوكيه... اتفقنا...."
ثم ساد الصمت قليلًا في جوٍّ يملؤه الأُلفة والانسجام وكان الجميع يتناولون من الحلوى التي أعدتها ويتسامرون في مواضيع أقل من العادية لكنها معهم تصبح أكثر متعة...
كان هناك دفءٌ وحبّ أشياء كانت تفتقدها رغم أن والدها لم يبخل عليها يومًا بمشاعره لكن وجود والدتها وشقيقةٍ كان سيفرق كثيرًا في حياتها.
لكن والدتها قد توفيت مبكرًا وظلّ والدها قعيدًا على كرسيٍّ متحرّك من شدة حزنه عليها ولم تحظَ بأختٍ أو أخٍ مع الأسف...
لكن الله عوضها بأيوب وعائلته وتتمنّى أن يظلوا هكذا وألّا تغيرهم الأيام عليها...
شعرت بلمسة يده على كفها فرفعت عينيها الشاردتين إليه فسألها أيوب بقلق...
"بتعيطي ليه؟!..."
انتبهت إلى سؤاله وتمعنه في النظر إلى وجهها فقالت وهي تمسح تلك العَبرة الناعمة التي سالت منها إثر تأثّرها...
وسألتها والدته التي كانت تجلس بجوارها على الجهة الأخرى....
"مالك يا حبيبتي؟..... في حد فينا زعلك؟"
هزّت رأسها نفيًا وهي تقول بحرج...
"لا أبدًا يا طنط... أنا بس اتأثّرت شوية وافتكرت ماما... وغياب بابا النهارده زعلني شوية..."
قالت والدته بود...... "كنتي عزمتيه؟"
أجابتها نغم موضحة...
"عملت كده طبعًا... بس هو عنده شغل..."
فربتت والدته على كتفها وهي تقول بحنو...
"ربنا يقوّيه يا بنتي... متزعليش نفسك... إحنا
معاكي زي أهلك.... مش كده؟"
أسبلت نغم جفنيها وهي تقول بخفوتٍ لا يخلو من رقّتها ومن كونها ابنة الذوات كما يراها من يجلس بجوارها وعيناه لا تحيدان عنها...
"طبعًا يا طنط... يمكن ده اللي خلاني أتأثّر عشان قعدتكم فكرتني بالدفا والونس اللي كنت بحسه وسط أهلي... ومش حاسة بالغربة معاكم..."
عند ذلك تدخل أيوب ويده تعانق كفها ولولا وجود والدته وشقيقتيه هنا لضمها وقبّلها
حتى تجزم أن لا غربة هنا سوى حديثها !...
سيطر أيوب على مشاعره وهو يقول بخشونة...
"وعمرك ما هتحسّي بالغربة... مفيش أطيب من قلب صفصف والعفاريت دول..."
قالت ندى بتبرّم....
"بس متقولش عفاريت..."
صححت نهاد بردٍّ متّزنٍ حانٍ....
"ندى قصدها إننا بقينا تلات أخوات مش
اتنين بس..."
ابتسم الجميع إعجابًا برد "الدكتورة" فخر العائلة منذ أن اجتهدت والتحقت بحلمها في كلية الطب ومع الأيام أصبحت تستحق تلك المكانة... ومن غيرها يستحقها؟
توسّعت ابتسامة نغم وتلألأت على محياها بشكلٍ أسر قلب عاشقها وهو يراقب ردّها....
"أكيد كمان فيه ضيف أو ضيفة هيشرفنا قريب..."
عم صمتٌ غريب بعد جملتها وكأنهم يفكّون شفرة حديثها....
فقال أيوب متعجّبًا...
"ضيف مين.... إنتوا عازمين حد تاني؟"
سألته ندى ببراءة...... "إنت عازم حد غيرنا؟!"
ردّ أيوب مفكّرًا...
"هو كان حمايا واعتذر... مين تاني؟"
وضعت نغم يدها على فمها تكبح بسمتها بينما قالت نهاد بنباهة
"يا جماعة بتقول قريب يعني مش هييجي دلوقتي... كمان كام شهر كده..."
اتّسعت عينا والدته وهي تستوعب أخيرًا مغزى جملة نغم لتقول بدهشةٍ اختلط بها الفرح
"كمان كام شهر؟... إنتي..."
شعّ الاحمرار من وجنتي نغم وهي تجيب بخجل
"أيوه يا طنط... أنا حامل..."
شهقت صفية وفتحت ذراعيها تلتقطها بمحبة مقبّلة خدّيها ومباركة لها بحرارة
"يا حبيبتي يا حبيبتي ألف مبروك... بسم الله ما شاء الله... الله أكبر..."
نهضت نغم وهي تستقبل مباركة التوأم أيضًا
فقالت ندى بسعادةٍ عارمة
"يعني أنا هبقى عمتو...... احلفي... "
أومأت نغم برأسها وهي تضحك.... "والله..."
هنّأتها ندى بمشاكستها الطريفة ثم باركت لها نهاد بحنان....
"مبروك يا نغم... بجد فرحتلك أوي..."
عانقتها نغم وهي تقول بجذل
"حبيبتي يا نهاد... عقبال ما نفرح بيكي..."
نمت غصة قاسية في حلق نهاد لتقول بصعوبة...
"ادعيلي بالتخرّج وأخلص على خير..."
قالت نغم بوئام...... "بإذن الله..."
استدارت نغم تنظر إلى زوجها الذي وقف معها لكنه يشاهد المباركات والتهاني بصمت وكأنه مشهد خارج حدوده...
أخذت خطوتين في اتجاهه ثم وقفت أمامه تسأله برِقّةٍ شقيّة. وعيناها الرماديتان تبرقان بدموع الفرح
"إيه رأيك في المفاجأة دي ؟"
عقّبت الأم بصدمة
"هو إنت ماكنتش تعرف يا ايوب؟"
قالت نغم باستحياء
"بصراحة حبيت أجمعكم كلكم وأقولكم الخبر مرّة واحدة..."
أُعجبت والدته بتفكيرها فقالت
"أحسن حاجة عملتيها..."
عقدت نغم حاجبيها وهي تحدق في زوجها الصامت حتى الآن بتعابير مبهمة
"هتفضل ساكت كتير؟!..."
ازدرد ريقه. ثم انزلقت عيناه إلى بطنها المسطّحة وكأن الطفل سيخرج الآن ويؤكّد على وجوده
"بجد حامل؟... حامل بجد يا نغم؟"
أومأت برأسها وهي تشعر بشيءٍ من الندم فلو كانت أخبرته سابقًا بينهما لكان الوضع مختلفًا... فهي لا تتهيأ لردّة فعله الآن....
"آه يا حبيبي... هكدب ليه في حاجة زي دي؟"
صدرت عنها شهقة فلتت من بين شفتيهامع اتّساع عينيها بصدمة بعدما وجدت نفسها في اللحظة التالية بين ذراعيه يضمها إليه غير آبه بوجود
والدته وشقيقتيه...
همس أيوب بالقرب من أذنها والفرحة تنبض
بين كلماته....
"مبروك يا حبيبتي... مبروك يا كلّ الحب..."
ابتسمت نغم وهي تمسح خدها على صدره بمداعبةٍ كقطةٍ تتدلّل على صاحبها بينما عطره المميّز يتوغّل إلى أنفها بحبٍّ أقرب إلى الإدمان ومع دفء جسده الرجولي ونبض قلبه القوي انصهر جسدها وقلبها بضعف أمام تلك العاطفة المتقدة بينهما...
همست وهي مغيّبة عن العالم بين ذراعيه
"أيوب... مامتك وإخواتك..."
رفض أن يتركها الآن فعاد يهمس بالقرب من أذنها
"بـحـبـك يـا نـغـم..."
وهل على القلب سلطان يا حبيب نغم؟
ضمني كما تشاء ودللني كما تشاء... أمّا العشق فهو قسرًا بيننا شئتَ أم أبيت !...
............................................................
لم تكن تلك المسابقة الأولى في عالم الأزياء التي يُقدِم عليها ليثبت نفسه في هذا المجال وأمام الجميع....
لكنها تختلف لأن نطاقها أوسع سواء من حيث الشهرة أو الربح... حتى الخسارة في هذا المكان لها ضجّة تُرهق صاحبها فيما بعد.
لذلك هو يغامر وطوال حياته يغامر... فلماذا يخشى الخسارة ولا يتأهّب للفوز؟
العين عليه فقد ذاع اسمه في الآونة الأخيرة بعد سجن جاسر بتهمة سرقة تصاميمه فأصبح الجميع ينتظر على أحر من الجمر رؤية هذا الشاب الذي سُرقت أعماله من قبل مصمّم أزياء معروف...
في وسط القاعة الفخمة وعلى المقاعد المخملية المصطفة شعر بلمسة يدها الناعمة على ذراعه...رفع عينيه إلى شريكة حياته وحبيبة قلبه وأم طفلته القادمة... نغم الموجي....
يا ابنة الذوات... متى وأين وصلنا إلى هنا؟
كأن الحياة أشبه بأمواج هادرة... موجة تأخذك وأخرى تُلقي بك إلى دروبٍ لم تعبرها من قبل...
ممتنٌّ أنا لتلك الموجة التي جعلتكِ تقعين بين ذراعيّ وأنقذك من براثن الخطر... وانقذ نفسي
من هواجس الماضي....
تأمل حسنها في ثوبها الأرجواني الرائع... تصميم من صنع يده يتمتّع بتطريزٍ برّاق عند الصدر على شكل قلب يشع مع انعكاس الأضواء عليه كنجمةٍ تتلألأ بين الحضور...
أمّا ما بعد الخصر فينساب بنعومة حتى آخر كاحلها مع اتساعٍ بسيط من قماش الشيفون الهفهاف مما جعل التصميم أكثر فخامة.
أما شعرها فرفعته إلى الأعلى في تسريحة أنيقة مع زينة أبرزت حسن ملامحها ومجوهرات كانت من اختيارها وذوقها الرفيع...
"إن شاء الله هتكسب... أنت تستحقها وبجدارة."
سمع صوت كمال الموجي على الجهة الأخرى يؤكّد على حديث ابنته....
"نغم عندها حق يا أيوب..... أنت تعبت كتير على نفسك.... وأكيد هتلاقي مقابل للسعي..."
ابتسم أيوب باحترام وامتنان حقيقي لهذا الرجل فلولاه بعد الله ما كان يجلس هنا الآن....
"طالما حضرتك قولت رأيك في التصاميم ده عندي أحسن من رأي أي واحد في لجنة تحكيم."
قال كمال بجدية...
"أنا متأكد إن رأيهم هيبقى زي رأيي... التصاميم مفيهاش غلطة ومتأكد إن النهج اللي اتبعته ناس كتير بعد المسابقة هتمشي عليه وتقلدك كمان."
تنحنح أيوب بإحراج وهو لا يجد ردًا يفي حق هذا الكلام.....
"أنا مش عارف أقولك إيه..."
نظر كمال إلى منصة العرض قائلًا بهدوء...
"متقولش... هما اللي هيقولوا وإحنا هنسمع."
حينها همست له نغم برقة...
"بالنسبة ليا انت أحسن مصمم فيهم حتى لو لجنة التحكيم ليها رأي تاني."
نظر إلى عينيها الرماديتين اللتين تشعّان حماسًا وتراقبان... وقال مبتسمًا بمشاكسة...
"علشان أنا جوزك بس بتقولي كده..."
هزّت رأسها نفيًا وبملامح جادّة قالت بحيادية...
"مش علشان كده... متنساش إني بقالي في المجال ده سنين.... أيوه، مش بمارسه زي بابا وكنت إدارة أعمال وما زلت بس ده ما يمنعش إن عندي خبرة وليا نظرة... وأنا اللي قولتلك من البداية خالص قبل حتى ما يكون في بينا حاجة إنك موهوب وهتنجح لو ركّزت في المجال ده."
قطب أيوب جبينه مستنكرًا عبارة نطقت بها وسط الحديث هكذا ببساطة...
"مين قال إن مكنش في حاجة وقتها؟ اتكلمي عن نفسك... أنا من أول ما شوفتك وانتي شغلاني يا بنت الذوات..."
انتفض قلبها بين أضلعها من دهشة الاعتراف الذي تخطّى بجماله وأثره في نفسها أبيات الشعر فصاحة.
ما زال فمها مفتوحًا وهي تحدق فيه غير مستوعبة بعد....
ابتسم أيوب وهو يزدرد ريقه بضعف وعيناه الوقحتان ترسلان لها رسالة حميمية عن رغبته
في إغلاق شفتيها بأفضل الطرق وأقربها إلى قلبه.
أغلقت فمها سريعًا ووجهها متورد بالخجل ثم أشاحت بوجهها إلى منصة العرض حيث تُعرض تصاميم مشتركين آخرين...
مع موسيقى كلاسيكية رائعة بدأ العرض الخاص به. وعلى منصة العرض سُلّط الضوء على أول عارضة تخرج بخطى ثابتة تعرض أول ثوب ملكي خطف الانظار...
كان الثوب باللون الأبيض... ولم يكن اختيار الأبيض أمرًا معتادًا في مثل هذه العروض فالكثير من المصممين يتجنبون الاعتماد عليه وحده فيلجؤون إلى مزجه بألوان أخرى ليمنحوه روحًا أو يكتفون به في أثواب الزفاف فقط...
لكن أيوب اتبع نهجًا مختلفًا إذ اكتفى بتغيير القصّة والعمل على فكرة معينة مبتكرة
كان يعتمد على قصة ضيقة تُبرز القوام مع أكمام من الدانتيل الشفاف تمتد برقة على الذراعين بينما تأتي منطقة الكتفين مرتفعة ومزخرفة بشكل بارز يمنحها حضورًا قويًا مميزًا كأنها أجنحة صغيرة تتفتح حولها...
ينفلت خلفها في ذيلٍ طويلٍ اشبه بريش متداخل تتناثر فيه دوائر دقيقة كعيون الطاووس كأنها حبات لؤلؤٍ...
كان ثوب الطاووس الأبيض يلفت النظر في تفاصيله المبهرة ويثبت أن الإبداع الحقيقي يحتاج إلى ذوق رفيع وفنان يقدر كل قطعة قماش تقع بين يديه ويعرف كيف يوظفها لتلقى صدى...
على مقربة من المنصة جلست لجنة التحكيم
وبدأت مناقشاتهم في همس وأعينهم لا تفارق تفاصيل الثوب الأبيض...
ابتسمت نغم بفخر وهي تشجع زوجها ببعض الكلمات الصادقة وكذلك فعل والدها.
فبدأ أيوب يشعر بارتياح أكبر من ذي قبل خصوصًا أن إعجاب الحضور بالثوب فاق التوقع ويبدو أنه سيتم فتح باب الحجوزات من الآن....
إن لم يفُز بالمسابقة فهو قد كسب صيتًا عاليًا في هذه اللحظة....
خلف العارضة ذات الثوب الأبيض الأنيق ظهرت العارضة الثانية وعند عودة الأولى بدأت هي التحرك على المنصة.....
كانت تسير بخطوات واثقة وأنيقة ونظراتها للأمام لا تلتفت إلى أحد تكتفي بالتوقف ثم التحرك يمينًا ويسارًا حتى يتسنّى للجميع رؤية الثوب...
وكان عبارة عن فستان طويل باللون النيلي
يبدأ التصميم بقصّة مُحكمة عند الصدر ثم
ينساب القماش بنعومة من الخصر بطبقات من الشيفون تتماوج مع كل خطوة... أمّا الظهر فكان مفتوحًا جزئيًا تتخلله تطريزات متصلة بخيوط شفافة....
ظلت باقي التصاميم تُعرض على المنصة وكل تصميم يحمل تفاصيل مذهلة ومميزة في عرضه على الحضور وإقناعهم به....لذلك ظلّ الحضور ولجنة التحكيم بين إعجاب وانجذاب.
بعد ذلك العرض المبهر عادت الأنوار لتُضاء في المكان بأكمله معلنةً انتهاء العرض....
"شايف مش قولتلك كل اللي موجودين بيتكلموا عنك وعن تصاميمك....."
أومأ أيوب برأسه موافقها الرأي لكن انتظار النتيجة كان يتلف الأعصاب....
لاحظت نغم ذلك فحاولت أن تشتت تفكيره
بالحديث معه بهذر.....
"عاجبني أوي الدريس الوايت... لازم تعملي واحد زيه لما نعمل حفلة جنس المولود...."
أولى أيوب اهتمامه الكامل لها فورًا...
"إييه؟"
قالت نغم بخفة لاذعة كأنها تتعمد استفزازه قليلًا...
"... الـ Gender Reveal Party يا أيوب..."
ظهرت على ملامحه أمارات الضجر وهو يرد
بحسم....
"هو أنا فهمتها بالعربي لما هفهمها بالإنجليزي؟"
كتمت ابتسامتها بصعوبة ثم قالت بهدوء...
"يعني بنعمل حفلة بنعزم فيها صحابنا وحبايبنا وبنعرفهم فيها نوع المولود بطريقة مختلفة... شوفت كذا فكرة على النت بس أنا هختار حاجة كرييتف..."
تبدّل وجهه إلى الرفض الواضح وقال بنبرة حازمة
"وعلى إيه كل ده؟ هيفرق إيه يعني لو ولد ولا بنت؟ دي حاجة تخصنا إحنا... وبعدين هيعرفوا كده كده لما تولدي... "
زمت فمها بدلال طفولي وقالت برجاء...
"بس أنا نفسي أعملها... ونصور فيديو يبقى ذكرى."
تنهد أيوب وقال بوجوم...
"نعملها إحنا الاتنين ونصور زي ما انتي عايزة... وتبقى ذكرى حلوة لينا إحنا بس...."
ثم أضاف بهدوء يحمل قناعة أعمق....
"وبعدين بدل ما نصرف الفلوس على حفلة كبيرة ممكن نعمل بيها خير... بنية إن ربنا يتمملك على خير وتقومّي بالسلامة انتي واللي في بطنك... كده أحسن بكتير... وناخد ثواب كمان.... إيه رأيك؟"
أومأت برأسها تدعي الاقتناع وهي في قرارة نفسها لا تميل إلى تلك الأشياء... فهي تفضل الطعام الغربي وتُجيده لكنها لا تحب اتباع التقاليد الغربية أو الانخراط فيها....
"أوكيه... بس مش هتنازل عن الدريس.. "
ابتسم أيوب وقال بثقة هادئة...
"هعملك أحلى منه كمان."
نظرت إليه بشك...
"معقول في أحلى من كده؟"
اقترب قليلًا وقال بنبرة دافئة...
"طالما لِحبيبتي... لازم يطلع حاجة تليق بيها."
اشتعل الخجل في وجنتيها حين أمسك كفها الرقيق وطبع عليه قبلة هادئة كأنه نسي العالم كله في تلك اللحظة... ولم يبقَ سوى هي فقط....
بعد لحظات تم الاعلان عن الفائز بالجائزة الكبرى في مسابقة تُقام سنويًا ويتهافت عليها العشرات من المصممين على أمل المشاركة فيها فقط لا الفوز بها...
تعالى تصفيقٌ حارّ من الحضور عقب نطق اسمه من قِبل مقدّمة الحفل...
"مبروك يا حبيبي... مبروك..."
قالتها نغم وهي تُلقي بنفسها بين ذراعيه متعلّقة بعنقه بنعومة ودلال...
بادلها أيوب العناق محتويًا خصرها بقوة ثم رفعها قليلًا عن الأرض لتبدو كأنها تحلّق بين ذراعيه... تحلّق من السعادة كالفراشة....تحلّق من شدّة الحب والفخر به...
تأوّه أيوب وهو يدفن وجهه في جيدها الناعم مستنشقًا عبيرها الفوّاح...
"آه يا نغم... مش مصدّق..."
مررت يدها على ظهره بحنان وبرغم أن عناقه القوي كاد يكسر عظامها من شدة تشبّثه بها وكأنه طفل صغير اختبأ في حضن أمه بعد نجاحٍ لم يتوقّعه...
"صدق يا حبيبي... تستحقها... تستحق النجاح اللي في الدنيا كله... ألف مبروك..."
فصل العناق بينهما ثم ضم وجهها بين كفّيه ومال عليها يقبل وجنتيها من الجهتين هامسًا بحرارة...
"الله يبارك فيكي يا وش السعد والهنا..."
خجلت نغم بشدة، وهي تضحك ناظرةً إلى والدها الذي ابتسم بحب وهو يبارك لهما...
"ألف مبروك يا أيوب... برافو يا بطل..."
ترك أيوب زوجته ثم اقترب من حماه صافحه ثم مال عليه وقبل رأسه بتقدير قائلًا باحترام وامتنان
"الله يبارك فيك... كله بتوجيهاتك والله... ربنا يبارك لنا في حضرتك..."
صعد أيوب إلى منصة العرض لاستلام الجائزة
وسط تصفيقٍ حار من الجميع وحين التُقطت له الصور بالجائزة أشار إلى زوجته أن تصعد ليأخذ أول صورة معها فتتصدر مواقع التواصل الاجتماعي ويراهما الكثيرون...
ومن بينهم ليان التي ألقت بالهاتف في عرض الحائط صارخةً بجنون من تلك الخسارة الفادحة... خسارة لشيءٍ لم يكن ملكها يومًا !..
.............................................................
غصة في قلبها عند عودتها إلى شقتها بيدٍ خاوية من أطفالها...
كانت تتكئ على ذراع صالح اثناء سيرها ومن الجهة الأخرى تستند على ابنته أبرار التي قالت بود...
"حمد الله على سلامتك يا شروق..."
ردّت عليها شروق بخفوت...
"الله يسلمك يا أبرار... كتر خيرك..."
قالت أبرار بمحبة وهما يُدخلانها إلى غرفة النوم....
"على إيه بس؟.... إنتي مش عارفة غلاوتك عندي ولا إيه؟ وبعدين إنتي خلاص بقيتي أمّ إخواتي يعني الغلاوة بقت الضعف... ولا إيه يا أبو الكباتن؟"
ابتسم صالح مؤكدًا...
"مظبوط يا برتي..."
ساعدها صالح على الجلوس على الفراش ثم رفع ساقيها برفق إلى الأعلى بينما وضعت أبرار وسادة خلف ظهرها كي تستريح عليها...
وجّهت أبرار الحديث إليها برفق...
"أنا هطلع أشوف تيته خلصت الأكل بتاعك
ولا لسه..."
أمرها صالح بملامح عابسة...
"أبرار اتصلي بياسين أنا بعته يجيب العلاج... شوفيه اتأخر ليه... في علاج لازم تاخده قبل الأكل..."
أومأت أبرار برأسها وخرجت وهاتفها بين يديها تُجري اتصالًا به...
كانت شروق تتابع كل ما يحدث بملامح متعبة من آثار الولادة والعملية التي خاضتها ومع اهتمام الجميع بها داهمتها رغبة في البكاء فتجمعت الدموع في مقلتيها ثم سالت على وجنتيها في صمت حزين...
انتبه لها صالح فورًا فجلس على حافة الفراش أمامها سائلًا بقلق...
"بتعيطي ليه؟... قولتلك هيبقوا كويسين الدكتور قال أسبوع أو عشرة أيام ويخرجوا..."
مسحت دموعها بظهر يدها وهي تقول بشجن
"مش بعيط بس عشان كده..."
سألها بعينيه فأجابت بصوت متهدّج...
"إنتوا نعمة كبيرة أوي يا صالح... حاسة إن ربنا بيحبني أوي عشان كده رزقني بيكم وبقيت وسطكم..."
قال صالح بصوت أجوف...
"إنتي تستاهلي كل خير... وأكيد صبرتي عشان كده شايفانا العوض ليكي..."
قالت شروق باندفاع عاطفي طالما أحبه منها رغم أنه لو صدر من امرأة أخرى لشعر بالنفور
تجاهها....
"وأجمل عوض كمان... أنا مش بقول أي كلام وسطكم أنا حاسة إني وسط أهلي مدفيه ومسنودة بيكم... وبيك إنت قبل أي حد..."
تمعّن بالنظر إلى وجهها وإلى عينيها الواسعتين وقال بخشونة...
"ولو إنتي شايفة كده كان إيه لازمته عنادك وقلة سمعانك الكلام؟... إنك تكسري كلامي وتستغفليني وتروحي لهناك؟"
هتفت شروق بقهر...
"كان غصب عني... أنا أم..."
عقّب على حديثها بتهكم...
"وفي أم تتنازل عن عيالها وهما لسه ما جُوش الدنيا؟"
قالت بعذاب وعيناها ترجوانه...
"أنا قولت كده وقتها عشان كنت خايفة عليك..."
التوى فكه بابتسامة باهتة وقال بسخرية
"اللي بيخاف على حد مش بيوجعه يا شروق..."
صاحت بسرعة..
"لا عشت ولا كنت!"
هزّ رأسه بنظرة ثاقبة ونبرة صلبة كالفولاذ
قارعها...
"عِشتي وكنتي وقاعدة قدامي... ومستنية حياتنا ترجع زي الأول... بعد كل اللي عملتيه..."
شعرت وكأنه يعتصر قلبها بين قبضة يده بقسوة خصامه فقالت بغصّة...
"يعني مش هترجع؟.. قررت تطلقني خلاص؟"
أشاح بعينيه عنها قائلًا بجمود...
"حتى ده مرفوض... عشان ولادي ملهمش ذنب يتحرموا من حد فينا..."
رفضت هذا الرد فصاحت بحرقة...
"ما تدخلش عيالنا.... صرحني مبقتش بتحبني؟... صالح أنا هموت لو يوم تاني عدى
وانت مخصمني... اعمل معايا أي حاجة إلا إنك تفضل تعاملني كده..."
نهض صالح من مكانه قائلًا بجفاء...
"إنتي تعبانة ولازم ترتاحي..."
رفعت عينيها إليه وهي تقول بعتب...
"أنا هفضل تعبانة بجد لو فضلت بعيد عني..."
ردّ بخشونة...
"أنا جنبك..."
سالت دموعها وهي تهزّ رأسها بهستيرية قائلة بقهر..
"بس قلبك غضبان عليا..."
"شـروق..."
حين نطق اسمها رافضًا التحدث حول الأمر انفجرت في البكاء فهي الطريقة الوحيدة كي يقترب منها...
عقد صالح حاجبيه مقتربًا بالفعل منها سائلًا بقلق...
"ليه العياط ده كله؟"
ألقت نفسها بين ذراعيه تدفن وجهها في صدره بدهاء أنثوي فهي لن تستسلم لهذا البعد ولن تترك بينهما مسافة بعد الآن... حتى غضبه ستراوغه وتطفئ لهيبه...
من حقها كزوجة أن تحارب حتى النهاية كي يتحرك الشراع وتبحر السفينة...
سفينة قبل أن تحمل عائلتها وحياتها معه تحمل قلبها المتعلق به إلى حد الضياع بدونه...
تسارعت نبضات صالح وازدرد ريقه بصعوبة وقد ثقلت أنفاسه... اشتاق إليها وكل جزء منه يصرخ مطالبًا بها... ظمآن ولن يرويه سواها...
"شــروق..."
ذاب فؤادها وسائر جسدها حين همس باسمها بطريقته الخاصة...
"أيـوه يـا حـبـيـبـي..."
همس بضيق من تلاعبها...
"ابعدي..."
نظرت إلى ذراعيه اللتين تطوقان جسدها بقوة ثم قالت مبتسمة بظفر أنثوي...
"إنت اللي واخدني في حضنك على فكرة..."
رأى ابتسامتها فاغتاظ من هذا الانتصار الخفي الذي حققته فقال وهو يبعدها عنه ثم مسح دموعها وردّ ليحفظ كرامته...
"كفاية عياط عشان جرحك... أنا مسامحك عشان خاطر الحسن والحسين..."
اشتعل صدرها بالغيظ وقالت بملامح مصدومة ونظرة مجروحة..
"عشانهم هما بس؟... يعني بطّلت تحبني؟"
سمعا صوت والدته وهي تغلق باب الشقة خلفها وتقترب بخطواتها نحوهما...
"الغدا يا شروق..."
نهض صالح من مكانه ينفض بقايا تأثيرها عليه لكنه بحاجة فعلًا إلى حمّام بارد يطفئ نيران اجتياحه العاطفي...
دخلت والدته ببسمة حنونة وقالت...
"سلقتلك فرخة بلدي ولسان عصفور وعملتلك حلبة بالعسل الأسود وحطيت حتة سمنة بلدي عشان تقوّتك..."
قال صالح بقلق...
"مش تقيل عليها ده يا أمي؟"
نفت والدته بحزم...
"مش تقيل ولا حاجة... ده اللي هيخليها تقوم من مكانها وتبقى زي الحصان..."
قالت شروق بنبرة ممتنة...
"تسلم إيدك يا خالتي تعبتك معايا..."
تنهدت الجدة براحة وقالت بسعادة...
"وأنا هتعب لأعز منك يا مرات ابني؟ ده إنتي حققتي مُنايا وشوفت لصالح الولد... وكرم ربنا وفضله كان كبير علينا ورزقنا بتوأم... عقبال ما ينوروا بيتهم بالسلامة..."
"يا رب..." قالتها شروق من أعماق قلبها...
بينما قال صالح وهو ينوي الخروج من الغرفة
"أنا هروح أغير هدومي.... وآخد دش عشان أرجع المستشفى وأطمن عليهم..."
قالت شروق بلهفة ولو الأمر بيدها لذهبت
معه..
"صورهم لي... فيديو..."
تبادل معها النظرات لوهلة ثم قال عن طيب خاطر....
"حاضر... لو ينفع..."
...............................................................
سالت الدموعُ من عينيها وهي تُشاهدُ الفيديو عبر هاتفه للتوأمِ النائمين في مهدِهما بالمشفى بعيدًا عن حضنها…
تشتاقُ أن تلمسهما أن تشمَّ رائحتهما وأن تُرضعهما من حليبٍ يفيضُ منها هباءً…
إلى متى ستظلُّ تبكي؟ لقد أصبحت الدمعةُ أقربَ إليها من الابتسامة…
كانت تظنُّ أن بعد زوجها من صالح سيبتعد عنها الحزن وأن المشكلات لن تطرقَ بابهما وأنها ستتصدى لكلِّ شيءٍ حتى تُبحِرَ سفينةُ حياتهما معًا…
لكنَّ الرياحَ تأتي بما لا تشتهي السفن وكلُّ ريحٍ جاءت دون سابقِ إنذار هزَّت سلامَهما وجعلت الحياةَ بينهما كأسًا مُرًّا يسقي كلٌّ منهما الآخرَ بنظراته وكلماته…
حتى الخصامُ صار قيدًا من حديدٍ يلتفُّ حول عنقيهما يخنقهما… دون موت....
"تاني هتعيطي...."
قالها صالح وهو يقف بالقرب منها يرمقها بنظراتٍ تضج بالاهتمام بينما كانت هي تحدّق في الفيديو بحسرةٍ موجعة من القلق والشوق إليهما....
رفعت شروق بصرها إليه وقالت بصوتٍ مبحوح...
"بقيت نكدية صح… بس غصب عني أنا
مش قادرة أشوفهم كده من بعيد… دول ولادي...حتة مني…"
رمقها بنظرة ذات مغزى ضايقتها كثيرًا فقالت بانزعاج...
"بلاش تبصلي كده… كام مرة هقولك إني ندمت؟ ندمت على كل كلمة قولتها لك في المستشفى… ولو رجع بيا الزمن عمري ما هعمل كده…"
أسبل صالح جفنيه بعيدًا عنها ثم قال بجفاء...
"إحنا قفلنا الموضوع ده الصبح… ليه بتفتحيه تاني؟"
تبرمت وهي تمط شفتيها للأمام قائلة باستهجان..
"أيوه قفلنا وإنت سامحتني عشان خاطر ولادك… فاكرة أنا…"
وعن قصد رد بجفاء...
"خليكي فاكرة… وخليها في بالك…"
من بين أسنانها قالت بحنق...
"في بالي يا صالح…"
سألها صالح بسلاسة...
"على كده خدتي علاجك يام ملك؟"
حاولت أن تتغاضى عن الأمر وهي تقول..
"لسه خالتي معشياني… بس ما أخدتوش…"
"طب استني.... أنا هاجيبهولك…"
أعطاها الأقراص التي يجب أن تتناولها في موعدها وكوبًا من الماء وحين تناولتها قال بلؤم....
"بالشفا يام ملك…"
رفعت عينيها فجأة لتلمح طيف ابتسامةٍ خافتةٍ يلوح على محيّاه...
"مكنتش أعرف إنك بتحب تستفزني…"
عقب هو أيضًا بنبرة بعيدة بينما عيناه تكتسحانها..
"وأنا كمان مكنتش أعرف إني بحبك للدرجة دي…"
"وكأنك ندمان…"
أصبحت أعينهما في حربٍ ضارية حربٌ غايتها القرب… والقرب غايتهما والانتصار فيها مشترك.
فهي حتمًا حربٌ لا خاسر فيها…
هتف صالح بالرد المنطقي...
"لو إنتي ندمانة… يبقى أكيد أنا ندمان…"
صدح هاتف صالح معلنًا عن اتصال خاص بالعمل فقال وهو يتحرك للخروج من الغرفة...
"هرد على التليفون…"
تركها خلفه على الفراش تُحدّق في الفراغ بينما ظلّ أثر كلماته ونظراته عالقًا أمام عينيها تستعيده في عقلها مرارًا…
تارةً تتفهم غضبه وخصامه وتارةً يعتصرها الحزن لقسوته عليها بعتابه وبُعده الذي تجاوز الحد.
نهضت شروق ببطء من على فراشها ثم خرجت من الغرفة إلى الحمّام بينما كان صالح خلفها يُوليها ظهره وهو يتحدث في الهاتف…
لم تمضِ سوى لحظاتٍ حتى أنهى المكالمة ليتسلّل إلى سمعه أنينها الخافت من خلف باب الحمّام…
اقترب صالح منه ثم طرق الباب قائلاً برفق...
"شروق… انتي كويسة؟ افتحي الباب…"
جاء صوتها حاسمًا..
"لا…"
عقد حاجبيه عابسًا وهو يناديها بحدة...
"شــروق…"
قالت بصوتٍ خافتٍ مهذّب...
"شوية وهفتح… أنا بغير لما أخلص…"
وما إن أجابت هكذا حتى لان صوته وتحدث معها بحنان....
"هساعدك… هساعدك طالما موجوعة بالشكل ده…"
رفضت بشدّة والألم يتسرّب بين كلماتها...
"مش موجوعة… أنا كويسة يا صالح… ارتاح إنت من المشوار إنت لسه راجع من المستشفى…"
نظر إلى الأعلى متمتمًا بشقّ الأنفس....
"يا الله.....ياولي الصابرين… شروق أنا جوزك مش حد غريب عنك… عادي لو ساعدتك وسندتك… هتسندي وتتكشفي على مين غيري؟ افتحي يا حبيبتي ربنا يهديكي…"
قابله الصمت ردًا على حديثه فعاد يخبرها بصبر
"شروق افتحي… افتحي يا غزالة وبلاش مكابرة…"
فُتح الباب بعد لحظات لتظهر من خلفه ويدها على بطنها عند موضع الجرح وبملامح واهنة قالت...
"صالح… الجرح شادد عليّا أوي…"
انضم صالح إليها ثم أغلق الباب خلفه قائلاً برفق..
"خلّيني أساعدك…"
رفضت وهي تنظر إليه بعتبٍ حزين...
"مش قبل ما تصالحني…"
ارتسمت على ملامحه نظرة متعجبة ممزوجة بغيظٍ خفيف من تلك الغزالة المغوية حتى وهي في تلك الحالة وبهذا الضعف تجيد التلاعب به وإثارة مشاعره…
"أصالحك على إيه؟!"
زمت شفتيها قائلة بجديةٍ مضحكة...
"إنك بتبقى قاصد تستفزني وتضايقني…"
تبرم صالح قائلاً بتهكم..
"وبالنسبة للي إنتي عملتيه فيا.. هتصالحيني عليه؟"
أومأت برأسها وهي تخطو خطوتين نحوه حتى أصبحت بين ذراعيه فالتقطها تلقائيًا…
"موافقة… بس لو اديتني الفرصة…"
كان المكان غريبًا لمثل هذا الحديث والوضع أكثر غرابة ومع ذلك كان إنهاكها الواضح يطعن قلبه بلا رحمة.... وإصرارها على الصلح وهي على هذا النحو المره جعله يراها امرأة تقاتل من أجل البقاء تعافر في ذروة انكسارها و تحاول في كل مرة أن تستردّه…
وهو لا يريدها أن تُعافر أكثر من ذلك فقد أتعبها وعاقبها بما يكفي وحان الوقت لأن يستسلم ويسلم لها…
اتكأ على خصرها برفق قائلاً وعيناه تجتاحانها بقوة
"معاكي كل الفرص… بس لو غلطتي تاني…"
همست وهي تميل برأسها على صدره بشوقٍ ينفجر بين كلماتها...
"عمري ما هغلط في حقك تاني… بموتي يا شيخ…"
مرر يده على شعرها الطويل المموّج ثم انحنى قليلًا حتى لامس أنفه خصلاته واستنشق عبيرها وهمس بصوتٍ أجش يفيض عطفًا....
"بعد الشر عنك يا غزالة الشيخ…"
..............................................................
مضى أكثر من شهر وما زالت لا تكاد تصدق أنها قبل أسبوعين فقط كانت تنعم بصحبة التوأم بعد عودتهما من المشفى بصحة أفضل وبعد رعايتها لهما لأكثر من ثلاثة أسابيع أصبحا أفضل من السابق.
ضمت صغيريها إلى صدرها وأرضعتهما حتى استسلما للنوم بين ذراعيها في طمأنينةٍ…
أعادتهما برفق إلى سريرهما الصغير القريب من فراشها ثم استلقت على ظهرها متنهدة بارتياح يغمره الامتنان...
خلال هذه الفترة التي مرت عليهما أحاطها صالح بعنايةٍ بالغة وكأنها طفلته المدلّلة…
جبر ما بينهما من صدعٍ بكل ما أوتي من حنان وتفهم بهمسةٍ رقيقة... ولمسةٍ دافئة منه ونظرةٍ
مشبعةٍ بالحب حتى عناقه الذي يغمرها به كلما
رآها أعاد إليها روحها وبهجتها...تشعر انها تحلق
فوق غيوم وردية شديدة النعومة والدفئ...
تساءلت بمرارة كيف أوشكت أن تُضيع كل هذا
كيف كادت بغبائها أن تخسر حياتها وعائلتها؟
وكيف سمحت لشياطين الإنس والجن أن تتلاعب بهما وتُفسد علاقتهما؟
الحمد لله أنها مرت رغم الوجع والحزن والمسافات
وعادت علاقتهما أقوى وأعمق من قبل...ولن تسمح بعد اليوم لأحدٍ ان يعكّر صفوهما من جديد…
فتح صالح الباب فالتفتت إليه مسرعة وأشارت بيدها أن يُغلقه على مهلٍ دون أن يصدر صوت…
فعل كما طلبت ثم انضم إليها على الفراش وأخذها بين ذراعيه لتنام على صدره بينما تتخلل أصابعه خصلات شعرها...
"ناموا إمتى؟"
ردت بهمس وهي تستنشق أكبر قدر من عطر العود.
"من شوية... ياسين كان عايزك في إيه؟"
وبنفس الهمس حتى لا يوقظا الصغار أجابها بضجر..
"عايزني أحدد معاد فرحهم..."
قالت بلهفة مبتهجة...
"وحددته؟"
تجهم صالح قائلًا بحنق بالغ...
"جرالك إيه يا شروق؟.. ما أنا قولتلك بعد ما أبرار تخلص جامعتها."
رفعت رأسها عن صدره لتصبح في مواجهة عينيه الحانقتين وقالت بعطف...
"حرام عليك يا صالح... هيقعدوا كل ده؟"
رد ببلادة...
"ده اللي عندي."
سألته بحيرة...
"طب وليه خلتهم يكتبوا الكتاب طالما الجواز لسه بدري عليه؟"
أجابها بهدوء...
"كده أحسن عشان يبقى الارتباط شرعي."
استنكرت الرد قائلة بشفقة على ياسين...
"بس أنت لسه بتعامله كأنه خطيبها مش جوزها."
صاح صالح بغيظ....
"لأنه خطيبها فعلًا ولسه ما بقاش جوزها!"
وضعت يدها على فمه وأشارت بعينيها إلى سرير الصغار متابعة بجدال أقوى....
"قسيمة الجواز اللي معاه بتقول إنها مراته."
برقت عيناه الخضراوان بغضب وهو يقول بتحذير
"بلاش تنطحيني بالكلام... عيب."
بتهذيب أسدلت جفنيها وهي تحاول معه بنبرة ناعمة مترجية...
"والله مش قصدي... أنا نفسي تحن عليهم... دول شباب يا صالح ومش طالبين غير الحلال والجواز ليهم هما الاتنين ستر... "
سألها صالح بشك...
"إنتي تعرفي حاجة ومخبياها عني؟"
قالت بثبات وجدية...
"مش محتاجة أعرف... باين على ياسين حبه ولهفته على بنتك وهي كمان.... فليه نعمل كده؟ جوزاهم وهما كده كده مش هيبعدوا عننا دا الشقة فوق مننا...."
ساد الصمت للحظات وملامح التفكير الجاد ترتسم على وجهه فبادرته بعد لحظات بإلحاح....
"قولت إيه؟"
تأفف صالح وظهر الازعاج عليه وهو يهدر من بين أسنانه...
"قولت إني هفكر... زي ما قولتله فوق إنّي هفكر وأرد عليك.... جرا لكم إيه كلكم؟ بقيتوا بتلحوا في الموضوع إنتي وهو والحاجة... ده حتى ملك بتقولي عايزة ألحق أشتري فستان لفرح أبرار وياسين... كأنه اتحدد خلاص...."
ضحكت شروق وهي تقول بمناغشة..
"طب ما تحدده وارضي الكل وفرّحنا بيهم بقى."
نطق اسمها بنظرة مغتاظة....
"شـروق..."
مالت عليه في تلك اللحظة وقد انسدل شعرها على جانب وجهها بشكل مغرٍ ثم بدأت تربت على صدره فأصدرت أساورها الذهبية رنينًا رقيقًا كأنها لحن يسحره أكثر..... ثم قالت بتوسل...
"وحياتي عندك يا شيخ... فكر في الموضوع على رواقه.... وحنن قلبك عليهم."
أسرته تلك الصورة فشملها بنظرة جريئة فاض منها الشوق المكبوت لها ثم أنهى النقاش في هذا الموضوع فلن يجبره أحد على شيء لم يقتنع به بعد وقال بمداعبة....
"هفكر بس على روقان إزاي وأنا مش عارف أِتلم عليكي من الحسن والحسين؟"
ظنت أنها ستؤثر عليه في الأمر فقالت بإغواء أنثوي وهي تميل عليه أكثر...
"يبقى لازم نستغل فرصة نومهم..."
وتبقى الغزالة مغوية في عيني صيادها... عفواً
شيخها الصبور.
...........................................................
تفاجئك الدنيا والأقدار بأماكن لم تتوقع يومًا أن تطأها قدماك والأعجب أنك تجد نفسك فيها وكأنها كانت تسكنك منذ الأزل تنتظرك بصمتٍ وصبرٍ...
هكذا كان شعور سلامة وهو يجلس على المقعد في قلب الاستوديو الخاص بـ(هانيا) لتصوير إعلان جديد والترويج له من خلال وجهه وطلّته التي أصبحت حديث وسائل الإعلام في تلك الفترة بعدما تجاوزت حساباته المليون متابع في وقتٍ قصير وما زالت في ازدياد...
كان شعوره أمام عدسات التصوير غريبًا ينسى من يكون وكيف جاء إلى هذه الدنيا ليتحول أمامها إلى رجلٍ شديد الوسامة بنظراتٍ غامضة تشعّ غرورًا وملامحَ حادّة رغم قسوتها تحمل جاذبيةً آسرة...
"خلصنا يا سلامة..."
قالتها هانيا وهي تتأمل الصور عبر شاشة الكاميرا. فنهض سلامة عن المقعد وهو ينزع ربطة عنقه قائلاً بضيق.....
"مش عارف بيلبسوها إزاي دي... الواحد حاسس إن روحه بتتسحب في الشوية اللي لبستها فيهم..."
قالت هانيا بابتسامة لطيفة...
"لازم تاخد على كده.... في حاجات كتير هتلبسها للاعلانات ممكن متبقاش ذوقك ومش حببها..."
رد سلامة بنبرة باهته....
"متقلقيش الحاجات دي بنسبالي ترفيه انا قبلت باللي اصعب وأمر...."
نظرته إثارة في نفسها شعورًا غريبًا تدفعها إلى الفضول لاكتشاف ما يختبئ في أعماق هذا الشاب البائس رغم كل ما يحيط به من نجاح....
كأنه قد زهد الحياة وأفراحها وكأن جزءًا منه دُفن في مكانٍ ما ولم يُكتب له أن يعود...
نظراته دائمًا يختلط بها الندم واللوعة كأنه خسر خسارةً فادحة رغم أنه في الظاهر قد فاز ونال الكثير في الفترة الأخيرة...
"مش ناوي تحكيلي قصتك...."
سخر من طلبها....
"ناويه تعمليها فيلم ولا مسلسل...."
هزت كتفيها ببساطه قائلة....
"لا ده ولا ده حابه اعرف مين سلامة... مش أكتر.."
ببسمة شديدة السخط عقب.....
"واحد بطل يحلم ولما بطل الدنيا ضحكت ليه.."
تجلّى التعجب على محياها وقالت بتروٍ....
"هي ماشيه مع الكل بالعكس مش انت بس... بس الي انت فيه حلو مش وحش ولا إيه...."
مط فمه قانطًا..... "ولا....."
سألته مجددًا بتطفل.....
"يعني مش هتقولي ايه اللي بطلت تحلم بيه..."
أجابها سلامة بصوتٍ خافت وملامحُه ساكنة لا تُفصح عن شيء...
"سبيها بظروفها هنروح من بعض فين....."
تنهدت هانيا باستياء ثم أخرجت من أحد الأدراج رزمةً من النقود واقتربت منه لتناولَه إيّاها...
"زي ما تحب ده عربون الاعلان اللي بنصوره دلوقتي....."
سألها سلامة وهو ينظر الى المال بدهشة....
"كل ده....."
قالت هانيا بابتسامة رقيقة....
"دي دفعه من المبلغ اللي اتفقت معاهم عليه... ونسبتي خدتها... وده حقك يافنان...."
ابتسم بسمة جانبية.....
"فنان مرة واحده...."
أومأت برأسها مؤكِّدةً بتشجيع فهو أصبح بالنسبة إليها استثمارَ العمر...
"طالما بتصور اعلانات وبقيت بتطلب بالاسم تبقا فنان....وفنان كبير اوي كمان...."
أطلق زفرة ثقيلة من اعماقه ثم عقب بحيرة....
"انا مش عارف اي اخرة السكه دي...."
قالت هانيا بتحفيز......
"اخرتها معروفه شهرة فلوس معجبات ومحبين...اللي انت فيه ومش عجبك ده
ناس كتير بتتمنى توصل لربعه....."
ثم استرسلت وقد بدت عليها الدهشة من كمِّ الهموم التي يحملها على عاتقه....
"سلامة انت وصلت لمليون Followersفي فترة قصيرة..في ناس شغاله بقالها سنين مجبتش
حتى نص الرقم ده...."
"انت فاهم ده معناه إيه....انك طالع بسرعة الصروخ وهتكتسح المجال ده....وبجدارة.."
اكتفى بإيماءةٍ مقتضبة.....
"خليها على الله.....عايزة مني حاجة تانية...."
قالت هانيا بهدوء....
"لا بس معادنا بكرة في نفس المعاد....."
قال سلامة وقد تذكّر أمرًا مهمًّا...
"بلاش بكرة انا عندي مشوار مهم اوي بكرة...."
سالته متعجبة....
"حاجة بخصوص الشغل....."
هز رأسه نفيًا دون أن يُفصح بشيء فشعرت بالحرج من فضولها وتطفّلها عليه لذا قالت بنبرةٍ عملية...
"زي ما تحب....منين ما تخلص مشوارك كلمني نتفق سوا على معاد جديد...."
.................................................................
التقطت عزة أنفاسها بصعوبة وقد أخذ الألم يتسلل إلى ظهرها بعد أن صعدت إلى الطابق الثاني بصحبة سلامة....
وعندما وقفا أمام باب الشقة التفت سلامة إلى صوت أنفاسها اللاهثة ثم ألقى نظرة على بطنها البارزة بعدما مرت الأيام سريعًا وأصبحت في شهرها الثامن.....
أدخل المفتاح في المزلاج فابتسمت عِزّة وقالت بسعادة...
"سمي الله يا سي سلامة..."
أومأ برأسه مبتسمًا ثم فتح الباب بعد لحظات مشيرًا إليها بالدخول اولًا.....
بالفعل دلفت بقدمها اليمنى والابتسامة تعلو ثغرها
"بسم الله.... ما شاء الله..."
غمرتها الفرحة وتلألأت عيناها بينما راح لسانها يردد الحمد وقد سرت في جسدها رجفة خفيفة الجبر بعد صبر معها تخللتها غمامة من دموع رقيقة في مقلتيها....
"الحمدلله الحمدلله...... دي جميلة اوي ووسعه... وسعه خالص...."
في الحقيقة لم تكن مساحة الشقة كبيرة بل كانت صغيرة جدًا كما أنها تقع في منطقة شعبية بأحد الأزقة لكنها بدت لها قصرًا شاسع يطل على أفضل شواطئ المدينة...
كانت راضية سعيدة فمن جرب العيش في غرفة ضيقة تضم حمامًا بالكاد يُحتمل لا بد أن يطير فرحًا إذا ارتقى إلى شقة مقسمة إلى غرفتين وحمام ومطبخ فماذا يريد أكثر من ذلك؟
هكذا كانت عزة لم تتوقع يومًا أن ينعم الله عليها بشقة مع سلامة وظنت أنها ستحيا في غرفة على السطح هي وطفلها كما عاشت هي سابقًا طوال حياتها....
لكن سلامة اجتهد وسعى حتى وفّر لهما هذا المسكن.
"المرة الجاية هتبقا شقة على البحر... اعتبريه
سكن مؤقت...."
قالها سلامة عاقد النية على تحقيقة استدارت اليه عزة وقالت برضا تام والسعادة تنساب مع حديثها
"على البحر ايه بس والله حلوة وجميلة.. وواسعة واسعه اوي كمان مش كده....."
ابتسم سلامة ابتسامةً هادئة لفرحتها وقد غمره ذلك الإحساس الفريد الذي تمنحه إياه دومًا
المرأة الوحيدة التي تملأ قلبه دفئًا وتجعله يرى قيمة نفسه وعطائه.....
رد عليها برفق....
"بنسبالي انا وانتي واسعه.... بس لو نديتي حد من الشارع هيبقا ليه رأي تاني...."
هزّت رأسها بملامحٍ منزعجة كأنها تطرد اي شعور قد يعكّر صفو فرحتهما....
"ملناش دعوة بيهم كفاية انها عجبانا وواسعة لينا..."
ثم اسرسلت وهي تتأمل كل زاوية بها
"بس دي محتاجة عفش.... عفشنا شوية عليها..."
رد سلامة بهدوء موضح....
"هنكمل اللي ناقص اطمني.... هاخدك ونشتري اللي تشوري عليه...."
بعينيها المتلألئتين كالألعاب النارية من فرط سعادتها هتفت بانبهار....
"بجد ياسي سلامة.... ان شاء الله تسلم يفتحها عليك كمان وكمان يارب..."
ثم تحرّكت بخفة وهو خلفها يراقب فرحتها بزهو فقد أسعد قلبها وذلك كل ما يطمح إليه...
ربما بدافع الشعور بالذنب فهي تمنحه الكثير منذ زواجهما جسدها وروحها وقلبها بينما هو ما يزال معها كجسدٍ بلا روح...
يُجاريها ويُسايرها لكنها تشعر انه رغم قربها جزءٌ منه بعيد... بعيد عنها....
قالت عزة وهي في ذروة اندماجها بالمكان وفرحتها به....
"المطبخ حلو اوي.... انا عايزة احط رخامة هنا... انا هبيع خاتم من دهبي وهجيب ميكرويف انا نفسي في ميكرويف أوي....."
اقترب من مدخل المطبخ يتطلّع إلى ما تنوي فعله ثم رمقها بنظرةٍ حازمة وقال برفق...
"متبعيش حاجة هجبلك اللي انتي عيزاه ميكرويف وتلاجة وشاشة.... وبوتجاز خمسة شعلة.... ولا نخليهم اربعة عشان مساحة المطبخ...."
قالت عزة بلهفة.....
"اي حاجة.... وهنجيب سخان؟!....."
أومأ برأسه موافقًا وقال بنبرةٍ دافئة تعكس ما بينهما من مودة ورحمة....
"حاضر يام يوسف وسخان عشان الواد يوسف
يستحمى براحته في الشتا...."
مسحت عزة دموع انسابت من مقلتاها بتأثر...
"يحضرلك الخير..... انا حاسه اني بحلم... هو انا بحلم يارب مكنش بحلم....."
يسايرها في الحديث بمشاكسة....
"قدريه حلم.... بس مش هتفوقي منه ابدًا....."
وضعت عزة يدها على صدرها الخافق بشدة
وقالت بوله...
"يارب مصحاش....ولو صحيت الاقيك جمبي في اوضتنا اللي فوق السطوح...."
ضحك سلامة معقبًا بدهشة....
"يافقرية إيه اللي هيرجعنا للسطوح تاني...."
قالت بابتسامة خجولة...
"لو صحيت يعني.....مش عايزة غيرك...."
سالها بشقاوة....
"طب والمكرويف؟!....."
لوحت بيدها بلا اكتراث...
"ياخويا البوتجاز مشتكاش...."
سالها بتشكيك....
"وبنسبة للسخان...."
بدا عليها عدم الاهتمام فعلا وهي تجيب...
"اسخن الماية في حلة زي ما بعمل....بس المهم تفضل معايا..."
ابتسم سلامة لوجهها الحنون وروحها المسالمة ثم فتح ذراعيه لها في دعوةٍ نادرًا ما يبادر بها معها ولأنها نادرة فلن تفوّت تلك الفرصة....
دست عزة نفسها في صدره تختبئ بين ذراعيه وكأن العالم كله بالنسبة لها محيط ذراعيه لا غير.طبع قبلةً على قمة رأسها
وهو يضمّها إليه أكثر وقال بحنان...
"انا معاكي ياوزة....وانتي مش بتحلمي انا جوزك وانتي حامل في ابننا يوسف....وربنا كرمنا واشترينا شقة وهجبلك كل اللي ناقصك....."
دفنت وجهها في صدره تستنشق عبير عطره الجديد وهمست بتعلق...
"ربنا يخليك ليا يارب...."
رد عليها بمحبة وهو يربت على ظهرها برفق....
"ويخليكي ليا ياوزتي......"
أصدر هاتف سلامة رنينًا فأخرجه من جيب بنطاله مبتعدًا عنها بضع خطوات... وسألته عزة...
"مين؟!......"
رد سلامة بايجاز....
"الست اللي شغال معاها....."
تبدلت تعابير وجهها وهي تراقبه يبتعد عنها وينشغل بالرد على أخرى...
كان حديثه يدور حول العمل ومواعيده غير أن قلبها كان يحترق من شدة الغيرة عليه.....
وحين أنهى سلامة مكالمته ودنا منها أبصر تلك الملامح العابسة فسألها بهدوء...
"مالك وشك قلب كده ليه؟!...."
قالت باندفاع دون مواربة....
"الست دي مش مرتاحه لها.....شكلها بترسم عليك..."
بنظرة حانية منتشيًا من غيرتها عليه.....
"خليها ترسم وتلون.....المهم انا واقف مع مين دلوقتي....."
تبرمت عزة وأشاحت ببصرها عنه في انزعاج...
"انا مش عيله صغيرة ياسي سلامة انا بتكلم بجد.."
اوما براسه مؤكدًا.....
"وانا والله بتكلم بجد....."
عادت عيناها إليه وقالت بقلقٍ حقيقي...
"السكه اللي انت ماشيها دي بتسحبك مني...
وبكرة تقابل ستات حلوة وتعجبك واحده
فيهم وتجوزها..."
تنهد سلامة بتأفف رافضًا أن يمنح الأمر أكثر مما يستحقه....
"بلاش الكلام دا ياعزة....متكبريش الموضوع..دا اكل عيشي....ده اللي هيجيبلنا الشقة اللي على البحر وهيعيشك انتي وابنك في مستوى تاني.."
قالت باحتجاج....
"والشغل مع صاحبك ماله بس...."
جادلها سلامة بقلة صبر....
"حد قالك اني سبته مانا لسه معاه....بس انا بتكلم ان دي فلوسها أكتر.....واحسن ليا وليكي ولابننا.."
صمتت بملامح ممتقعه فقال سلامة وهو يمد ذراعه محيط كتفيها به....
"اللي بيني وبينها شغل....شغل وبس...."
نظرت إليه بتردد وقلبها يئن بلوعة فإن مال قلبه إلى أخرى خسرته إلى الأبد...
هي نجحت في إخماد الماضي وأصبحت حاضرةً لكن ربما في المستقبل تجد نفسها عاجزةً عن ذلك..
لكلِّ قاعدةٍ استثناء.... ولكلِّ مقامٍ مقال
قرص سلامة وجنتها قائلا بملاطفة....
"فكي التكشيرة بقا ياوزتي مش عايزين الواد ينزل مبوز.....تعالي.....تعالي نتفرج على الاوض هتعجبك وبالمرة تقوليلي عايزة تشتري إيه موبيليا...."
ابتسمت عزة ابتسامةً خافتة وأخمدت مشاعرها وهواجسها ومخاوفها في أعماقها ثم أومأت برأسها موافقةً على التحرك معه....
............................................................
دَوَّتِ الطبولُ وارتفعت المزاميرُ انها ليلةٌ تُحاكي الفرحَ في أبهى صوره فيبتهجُ رغم ما يعتريه من غيظٍ وغيرةٍ لكن لأجلها تتسلّلُ ابتسامةٌ دافئةٌ عميقة إلى وجهه فابنته الكبرى قد أصبحت عروسًا تُزفُّ إلى زوجها...
تنزلُ الدرجَ وكفُّها متعلق بمِرفق أبيها قلبها يرتجف من جمال اللحظة واثرها عليها بينما عيناها تتجهان إلى آخر سلم الدرج الممتد حيث ينتظرها ياسين متأنق بحلة العرس وسيم اوسم الرجال في عينيها
ينتظرها بفارغ الصبر عيناه تبرقان بالسعادة وقلبُه يخفقُ في سرورًا... أبرارُه قد أصبحت له ستبيتُ في بيته هذه الليلة وكلَّ الليالي ستكون إلى جواره.... وفي حضنه...
تأمّلَ طلتها المميزة سيحفظُ تلك الليلة في ذاكرته وسيجعلُها تاريخًا يُحتفل به كأنه يومُ مولده وهو كذلك...
ترتدي ثوبًا أبيضَ رقيقًا يليقُ بها تمامًا مع وشاحِ رأسٍ مُطرَّزٍ كنجومٍ براقة لكنها رغم ذلك لن تستطيعُ أن تنافسَ بجمالها تلك النجمتين المنقوشتين على خديها كلما ابتسمت وضحكت...
زينتُها رقيقةٌ حسنةُ الهيئة والمقام ابنةُ عمِّه وطفلته الصغيرة ووالدته في ان واحد... وعوضُه الكبير الذي اتى بعد صبرًا عظيم.....
همست ابرار لوالدها بتوتر....
"بابا....... انا حاسه اني هقع قبل ما أوصل..."
شدد والدها على كفها الصغير برفق قائلا بحنو
"هتقعي ازاي وانا ماسكك....بلاش التوتر ده دا فرحك وانتي العروسة افرحي... دا حقك...."
ترقرقت الدموع في عينيها تأثرًا بكل ما يجري حولها وكان أكثر ما أثّر فيها والدها الذي بدت عليه ملامح الضيق من تعجله في موعد زواجها... أو هو إلحاح الجميع عليه وموافقته على مضض سبب ضيقة.....
"انا بحبك اوي يابابا....."
زم صالح فمه باقتضاب فلن ترضيه بتلك الكلمة
فعقب بسخرية....
"ممم واضح....يابرتي الحبيبة.....واضح.... "
ابتسمت أبرار وهي تتابع نزول الدرج وحين أوشكت على بلوغ آخره قال صالح بحميّةٍ جادة....
"انا كمان بحبك..... لكن لو في يوم زعلك تاخدي بعضك وتيجي بيت ابوكي مفتوح في الدور التالت والاول الدور اللي يعجبك قعدي فيه..وانا ليا صرفه معاه.. "
جاء صوت ياسين عابسًا بعد ان سمع والدها وتحريضه لها.....
"اي يا عمي ربنا ما يجيب زعل...انت بتسلطها عليا من أولها كده....."
ظهرَ تجهمُ صالح جليًّا وهو يقف أمامه يشتاقُ ياسين إلى مباركتها بشدة....لكن والدها يفسد الأمر ويعكّر صفو فرحتهما بقلقه المبالغ.....
أين شروق لتنقذه؟
لولا شروق وتدخلها وإلحاحها ومساندتها له ثم إقناعها لأبرار بأن تُحدث والدها في الأمر بطريقة غير مباشرة وبموافقتها على اكمال دراستها بعد الزواج.....
ما كان وصل الى هذه المرحلة بعد خمسة أشهر فقط....ربما ما وصلا إليها إلا بعد خمس سنوات أو أكثر....
قال صالح بخشونة....
"لازم تعرف ان بيت ابوها مفتوح في اي وقت..."
فرد ياسين بالحمية نفسها لكن قلبه كان قلبَ عاشقٍ حتى النخاع ومتيمٍ بها حد العذاب...
"وبيت جوزها بيتها وهينور بيها.....ولو في يوم زعلتها او زعلتني انا اللي همشي مش
هي أطمن ياعمي اقسم بالله ابرار في عنيا وقلبي...."
قال الجملة الأخيرة بحرارةٍ واضحة فلامست قلب صالح وغابت الخشونة عن ملامحه وانحسرت الغيرة إلى مكان قريب من قلبه فانه ذاق مثله العشق... وكلٌّ منا يعشق بطريقته الخاصة لكن يبقى العشق واحد.... والأوحد في القلوب...
"مبروك..."
اختصر صالح الامر بكلمة ثم ربت على كتفيهما معًا مبتسمًا بسمة صغيرة لكنها كفيلة باعادتهما الى واقعهما الاجمل ليلة زفافهما التي تبدأ للتو ...
ابتعد صالح فلحقت به شروق وكانت ترتدي عباءة انيقة محتشمة تليق بها كما لاقت هي بأكملها
بالشيخ حين وقفت إلى جواره في هدوء....
قال ياسين وهو يتأمل زوجته بحب وقد أصبحت حلاله ولم يعد هناك ما يمنعه منها بعد الآن....
"مبروك يا أبراري... يا عروستي... الفستان يجنن عليكي وكأنك خارجة من رواية... أو حكاية ألف
ليلة وليلة..."
تألّقت ابتسامتها واتّسعت فظهرت غمّازتاها اللتان تغويانه ليقترب ملبّيًا تلك الدعوة.... قالت أبرار بنعومة....
"مفيش حكاية زي حكايتنا يا ياسين... هتفضل إنت بطل كل حكاياتي..."
همست شروق إلى زوجها بصبر...
"صالح متبوظش فرحتهم... الكلام ده مش هنا..."
رمقها بغيظ شديد وقال...
"كله منك إنتي والحاجة... زنّ زنّ..."
فغرت شروق شفتيها بصدمة ثم قالت بضجر
"زنّ إيه بس؟! ده إنت بقالك خمس شهور منشف ريقنا... وخالتي وياسين وأنا... حتى أبرار وقتها لمحت لك إنها معندهاش مشكلة تكمل دراستها في بيت جوزها... إنت الوحيد اللي معارض والأغلبية ليهم رأي تاني..."
بتهكّم قال صالح...
"واديكم وصلتوا للي إنتوا عايزينه... ارتحتوا؟!"
زفرت شروق باستياء وقالت بتعقل وتأني وهما
صفة اكتسبتها منه...
"لا فرحانين... ارتاح إنت وبطل مقاوحة... بنتك هتسكن فوق منك كام درجة سلم يعني لسه في بيتك وفي حضنك..."
"في حضني؟... ما أعتقدش...".
وأشار صالح بانزعاج واضح إلى جنون ياسين وعشقه الفتي لابنته بعد أن ضمها بتلك الحميمية ودَار بها أمام الجميع وابنته تخفي وجهها في عنقه ضاحكة بخجل... وسعادة لا تخطئها عيناه.....
ضحكت شروق على تعقيبه وقالت بمشاكسة
"خايف يطلع عليك اللي عملته فيه..."
اكتفى صالح بنظرة قوية كانت كفيلة بالإجابة. تابعت شروق حديثها وكأنها لم تلاحظ نظرته..
"بس ياسين ما يعملش كده... ياسين بيحبك وبيحترمك....وإنت كمان بتحبه... إنت غيران
شوية بس..."
وحين طال صمته قالت ما تطالع عليه بعينيها وقلبها....
"بس من جواك موافق وفرحان لهم... وكنت محتاج زنّنا اللي مش عاجبك ده عشان تحدد معاد فرحهم... قال يعني زهقت من الكلام في الموضوع..."
تلك المرة منحها اهتمامًا كاملًا مع نظرة متعجبة لمعرفة دواخله التي لم يطلعها عليها.
تابعت شروق ببساطة وهي تفصح عمّا بداخله..
"ما تستغربش أوي كده... أنا فاهماك وحافظاك يا شيخ... إنت عاوز تعوض ياسين بغياب أمه واذيتها
ليه...وعوضه أبرار زي ما كانت طول عمرها ليه عوض... حتى أبرار شايف سعادتها معاه وحبها ليه... من أول ما حددت معاد كتبت كتابهم وأنا عارفة إن في نيتك تجوزهم لبعض... ومش هتستنى لما تخلص جامعتها..."
قال صالح بنظرة إعجاب تبرق كالشهب في خضرة عينيه....
"ده واضح إني كتاب مفتوح لعيون الغزالة..."
أومأت برأسها بمشاكستها الحلوة ثم دلف الجميع بعدها إلى القاعة وأمامهم الزفة تزفّ العروسين في المقدمة...
كانت فرحة العروسان تُشعل القاعة رقصًا وغناءً بين الأصدقاء والأقارب ومع كل فقرة كانت الأجواء تزداد اشتعالًا ويعلو صوت الجميع بالتصفيق والغناء
وضع صالح إصبعه في أذنه يهزها بضيق وهو يرمق هذا الهرج والمرج بنفاد صبر واضح...
لمحت شروق ضيقه الواضح منذ أن جلسا على أول طاولة الأقرب إلى ساحة العرس...
فقالت بمناكفة لئيمه.....
"عارفه إنك مش بتحب الدوشة ولا الأغاني...
بس عشانهم لازم نحب المكان ونفرح معاهم...."
رمقها صالح بتحذير....
"افرحي وانتي قاعده اياكي تتحركي...."
تمتمت بحزن....
"خسارة....يعني مش هرقص معاهم....."
توسعت عيناه والنظرة تزداد خطورة معقبًا...
"إيه... قولتي إيه؟!"
أسبلت جفنيها وخشيت أن تُكمل هذا العبث فينقلب الفرح على رأسها ويخاصمها... وخصام الشيخ أحرّ من الجمر في جوف ظمآن... قالت بجبن...
"سلمتك.. بقول إن الاحترام فضلوه عن العلم..."
أومأ برأسه راضيًا عن الإجابة...
"بالضبط... الاحترام أهم..."
قالت برجاءٍ متدلل...
"بس أنا هموت وأزغرد... زغرودة واحدة..."
حذّرها صالح بصرامة...
"لو صوتك طلع متلوميش إلا نفسك يا أم الحسن والحسين..."
ابتسمت وهي تتذكر طفليها فقالت بهمسٍ مغوي مطيع....
"فديت الحسن والحسين... أمرك يا شيخ..."
.............................................................
يتعالى نبض قلبها ويزداد اضطرابها ورغم أنها في ذروة سعادتها بعد هذا اليوم الحافل بالغناء والرقص وذلك الثوب الأبيض الذي يتمايل معها ويدُ حبيبٍ تدور بها ترافقها هنا وهناك دون أن تتركها لحظة إلا أن خجلها كعروس ممزوجًا بقلقٍ خفي قد سيطر عليها.
وأمام باب شقة ياسين التي جُهِّزت لتليق بها عروسًا وبحياتها القادمة معه شعرت بترددٍ في الدخول.
غريب هذا الشعور! فليست تلك المرة الأولى التي تدخلها لكن شتان بين كل المرات وتلك المرة... فقد أصبحت صفتها أقوى ومشاعرها أعمق....
فتح ياسين الباب بالمفتاح ثم أشار لها أن تدلف بقدمها اليمنى فسمت الله ودخلت تمسك بتنورة فستانها...
أغلق ياسين الباب خلفها وانطلقت منه ضحكةٌ شقية....يلوح فيها شيءٌ من المشاكسة...
استدارت إليه تنظر بعينين تحملان استنكارًا ممزوجًا بتساؤلٍ خافت....
"بتضحك على ايه..."
جاء رده الخبيث بتشفي....
"على شكل ابوكي واحنا خارجين من القاعة ولم عرف اننا مش هنروح دلوقتي وهنخرج على البحر.."
ارتفع حاجبيها بدهشة وهي تسنتج أفعاله بعدها....
"عشان كده قصدت نروح قرب الفجر.... وقبل ما العربية تتحرك خلتني اقفل تلفوني..."
أومأ براسه قائلا بمناكفة....."طلعت شرير....."
"مش لايق عليك الشر...."
اعترضت على الصفة فابتسم ياسين وهو يوما براسه قائلا بوقاحة.....
"لايق على ابوكي أكتر...."
عبست ابرار وهي ترمقه بتحذير.....
"كده هتزعلني منك..... متكلمش عن بابا كده..."
شملها ياسين بنظرة مداعبة من اول رأسها حتى اخمص قدميها ثم قال بحرارة..
"ابوكي هو عمي وانا بحبه.... بس حبيته أكتر لما شوفت إنتاجه...... ياحلاوة الإنتاج مفيش بعد
كده....."
تبرمت ابرار مستهجنة....
"إنتاج؟!.... انت شايف انك كده رومانسي...."
ضحك ياسين والنشوةُ تغمره وهو يراقبها واقفةً في وسط شقتهما بثوبها الأبيض لقد تحققت أحلامه لكن شتان بين الحلم والواقع..
بين لذّة التمنّي ودفء الإحساس...فالإحساس حين يُلامس القلب يفوق الخيال ؟!.....
"نورتي مملكتك ياقلب ياسين...."
تنهدت أبرار وقد ولت له ظهرها وعيناها تتأملان شقتهما الجديدة في شغفٍ...
تجول بنظرها بين أركانها المرتبة تلمس بعينيها كل تفصيلة اختارتها بنفسها....كل شيءٍ بها جديدًا معطّرًا يفيض بدفءٍ حميمي…دفءُ بيتٍ ينتظر منها الكثير حتى يستمر دفؤه…..
"مش مصدقة انها جهزت في فترة قصيرة... واني اخترت كل ركن فيها.... اتغيرت أوي وكأني اول مرة ادخولها...."
اقترب منها ياسين ثم مالى عليها وحملها قائلا
بشقاوة....
"ومش هتخرجي هحبسك ياقطة.... دخلتي عرين الاسد برجلك....."
شهقة وهي تتشبث تلقائيا في عنقه بدلال....
"ياسييين..... بطل......"
رفض ياسين وهو يخطف القبل منها في تلهف
وحرارة....
"ابطل... اتقي الله بقا انا صايم بقالي كتير..."
ضحكت أبرار وقد احمرت وجنتاها خجلًا ثم دخلا بها ياسين إلى غرفتهما...
أنزلها برفق على الأرض فراحت عيناها تجولان في أرجاء غرفة نومها الفاخرة حتى استقر بصرها على قميص نومها الحريري وقد وُضع فوقه عطرها الذي كانت شروق قد أخرجته بنفسها وأوصتها بارتدائه
كما اعطتها بعض نصائح العروس وهدأت من قلقها بكلماتٍ مطمئنة....
نظرت أبرار إلى ياسين بطرف عينيها فوجدته ينظر ما تنظر إليه....فعبست ملامحها ثم تنحنحت بخشونةٍ مقصودة ثم راحت تنظر الى جدران الغرفة بتركيزٍ مبالغ فيه متجنبة أن تلتقي بعينيه مرة أخرى....
انتبهت أبرار إلى الصور المعلّقة التي لم تلحظها من قبل على الجدار المقابل للفراش. كانت صورًا متعدّدة بعضها لها في طفولتها
مع والدتها وأخرى تجمعها بياسين في مراحل مختلفة من أعمارها تمتد حتى كبرها...
همست بتساؤل وعيناها لم تفارقا الصور
"أنت اللي علقت الصور دي؟"
أومأ ياسين برفق وقال بترقّب
"إيه رأيك؟..... عجبتك؟"
رفعت نظرها إليه وقد غلبها الاندهاش...
"إنت محتفظ بصور ليا أول مرة أشوفها… إزاي وصلت لك؟..."
تردد لحظة قبل أن يجيب بصوت خافت
"خدتها من جميلة قبل وفاتها."
كان مترددًا في الإفصاح عن السر الذي يحمله لها منذ عشر سنوات لكن يبدو ان الوقت قد حان الآن. تأخيره في تسليمها الأمانة ربما يجعلها تلومه فيما بعد أو يلوم هو نفسه على هذا التأخير وانانيته..
اتسعت عيناها صدمةً وارتجف صوتها بهمسًا...
"ماما…"
أومأ ياسين بهدوء ثم أكمل...
"أيوه....وكانت معاهم رسالة وصتني أديها لك يوم فرحك عشان تحسي إنها لسه معاكي... ما حبتش أسلمك الورقة غير لما نبقى لوحدنا."
ثم أخرج من جيبه ظرفًا قديمًا مطويًا بعناية منذ أكثر من عشر سنوات قد وضعته جميلة بين يديه قبل وفاتها بأيام حين كان في الخامسة عشرة من عمره.....
احتفظ به طوال تلك السنوات أمانةً أوصته بها حتى يحين الوقت المناسب لتسليمها إليها...
تناولت أبرار الظرف بيدٍ مرتجفة وملامحها لا تزال غير مصدقة أن أمها كتبت لها رسالة قبل رحيلها.
"إنت عارف إيه اللي فيها؟"
هز رأسه نفيًا وقال بمروءة..
"دي أمانة يا أبرار… حتى أبوكي ميعرفش حاجة عن الرسالة... هي وصتني ما أقولش لحد غير ليكي وفي يوم زي ده بالذات..."
نظرت أبرار إلى الظرف المطوي وقد بدأت الدموع تتجمع في عينيها بينما أخذ قلبها يخفق بوجع من الحنين إليها…
تابع ياسين بابتسامة حزينة فهو أيضًا اشتاق إليها. كانت أحنَّ البشر عليه هي وابرار بعد طلاق والدته....
"كمان كانت وصيتها التالتة ليا إني أسلّمك للراجل اللي بجد.... اللي يستحقك ويحبك
من قلبه..."
نظرت إليه أبرار وهي تقبض على الرسالة بشوق يعتصر قلبها.
أضاف ياسين....
"مكنتش تعرف إن أنا... وانا كمان مكنتش ضامن النصيب..."
قالت أبرار بعد لحظات من الصمت وكأنها تستجمع شجاعتها...
"ياسين ممكن تسيبني شوية لوحدي بعد إذنك..."
أومأ برأسه قائلًا بنظرة حنونة قلقة عليها...
"خدي الوقت اللي عايزاه يا أبرار معانا العمر كله يا حبيبتي بس متزعليش... أيا كان اللي في الرسالة متعيطيش... عشان خاطري..."
قالت بهمس...
"عشان خاطرك هحاول..."
أغلق ياسين الباب خلفه فجلست أبرار على حافة الفراش تسحب أكبر قدر من الهواء إلى رئتيها ومع خفقات قلبها المتسارعة لهفةً لقراءة رسالة أمها الحبيبة كان الوجع يضج
في كل جسدها وهي تستعيد مشهد رؤيتها الأخيرة لها ملفوفةً بالكفن الأبيض.....
لن تنسَ ذلك اليوم ما حييت لكن نفس الشعور القاسي غلف قلبها الآن من جديد....
اشتقتُ إليكِ يا أمي… ليتني سبقتُكِ إلى هناك… ما كنتُ لأتألم الى هذا الحد… الموت أهون من فراق الأحبة.....وأنتِ لي كل الأحبة…
ارتجفت أناملها وهي تفتح الورقة كأنها تفتح صندوقًا يعج بالكنوز.... كل كلمة خطتها أمها كانت غالية لا تساويها أموال الدنيا....
(برتي الحبيبة..... وابنتي الوحيدة وصديقتي الشقية الصغيرة.....لو بتقرأي رسالتي يبقا إحساسي صح وانا مكملتش المشوار معاكي للآخر.....بس اعرفي اني كان نفسي اكمله واشوفك بتكبري قدام عيني لحظة بلحظه واسلمك بنفسي انا وصالح لجوزك...
لكن "لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ" ويارب يحسن
ختامي وقتها....
انا بحبك اوي يا ابرار ولو النهاردة يوم فرحك فانا بقولك مبروك يانور عيني لايق عليكي الأبيض متخيلاكي اجمل عروسة.....متخيلة فرحتك من دلوقتي....
بلاش الرسالة تزعلك في يوم زي ده انا كتبتها بس عشان تحسي اني معاكي....وانا اكيد معاكي وهفضل معاكي يابرتي الحبيبة.....
مامتك جميلة...)
لا تعرف كم مر من الوقت وهي تعيد قراءتها عشرات المرات وربما ستقرأها ألف مرة بنفس الإحساس ما بين لوعة وقهر سالت دموعها دون توقف.
كانت تتذكر كل لحظة قضتها مع أمها بين ذراعيها... لن تنساها أبدًا.... لم تكن مجرد أم بل كانت نهرًا يفيض حبًا وحنانًا... كانت جميلة الخلقحسنة اللسان...
كانت تحترم جدتها وتقدّرها وتعشق والدها تعشقه بطريقتها برقتها وطيبتها الملموسة... كانت بين الجيران نعم النساء في المعاملة والكرم وكانت تحنو على ياسين وكأنه ولدها الذي لم تُرزق به....
كانت جميلة تتمنى أن تنجب لها الكثير من الإخوة لكنها لم تنجب سواها ولم يشاركها أحد قلبها سواها....كانت محظوظة بأمها وسيرتها العطرة بين الناس وما زال كل من يعرف والدتها يشيد بكرمها وطيب خلقها...
يموت الطيبون سريعًا...
"لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ"
كتبتها أمها في رسالتها وهي ايضًا تؤمن أن أعمارنا مكتوبة ونحن في أرحام أمهاتنا وإذا حان الوقت سنذهب في موعدنا... فاللهم حسن الختام....
راح لسانها يردد الدعاء لأمها بتلقائية والدموع تنهمر من عينيها بلا توقف...
"ابرار... ليه بتعيطي؟..... إحنا اتفقنا على إيه؟"
لم تشعر بياسين وهو يدخل إليها لكنها شعرت بذراعيه تحيطانها بحنان فتمتمت أبرار وهي
على صدره...
"كان نفسي تكون موجودة... وأقولها إني حبيتك إنت واخترتك إنت... كان نفسي تكون موجودة وتلبسني الفستان بنفسها... وترسم لي الحنة...
إنت عارف إنها كانت بتحب ترسم لي الحنة..."
رفعت الورقة إلى أنفها قائلة بلوعة....
"كان نفسي أحضنها تاني وأشم ريحتها... ريحتها في الجواب حاسة بيها حواليا..."
شدد ياسين على ضمها وهو يقول برفق...
"الرسالة المفروض تفرحك... مش تزعلك... هي قالت لك إيه؟"
قالت بخفوت وهي تخرج من بين ذراعيه...
"بتباركلي... هي دي كل الصور اللي ماما ادتهالك؟"
أجابها ياسين وهو يمسح دموعها بيده كما كان يفعل معها في الصغر...
"مش كلها... باقي الصور الأصلية في ألبوم أنا عملته ليكي..."
سألته أبرار...
"هي اللي طلبت منك تعلق الصور كده؟"
هز رأسه نفيًا ثم قال بنبرة ونظرة تفيض حبًا...
"لا ده أنا عملته من نفسي... حبيت أفاجئك لأنك زعلتي قبل كده لما شفتي صور مارلين مونرو على الحيطة... شلتها يومها على فكرة وعاهدت نفسي لو ربنا جعلك من نصيبي هعلقهم في أوضتنا..."
ثم قال وهو ينظر إلى عينيها بمشاعر فياضة...
"وأنا وفيت بالعهد... ومش بس بقت صورتك في الحيطة... بقيتي في قلبي وفي حضني... آه يا أبرار تعبتيني... وقلبي تعب معاكي..."
مالت عليه من جديد ترتاح على صدره فحضنه الآن وقريه هو كل ما تحتاجه....
"أنا اسفة يا حبيبي... أنا بحبك.... بحبك أوي يا ياسينو.....
ضمها أكثر وهو يمسد على ظهرها قائلاً بحنان ومساندة ...... " وأنا بموت فيكي يا قلب ياسينو.... بس متزعليش وبلاش عياط اتفقنا ؟ "
طلبت منه بهمس .....
"خليني في حضنك.."
قال بصوت أجش.....
طب غيري فستانك عشان تنامي براحتك... هطلع برا على ما تغيري...... رفضت الابتعاد وتمسحت بصدره كقطة صغيرة وجدت ملاذها الدافئ بعد طول تيه.....
"لا.... خليك معايا ... مش دلوقتي .."
تنهد ياسين براحة وهو يحتويها أكثر وكأنه لو بيده لأسكنها بين أضلعه حتى لا تفارقه ولو الثانية....
"آه يا أبراري... آه.."
تلك الليلة لم تكن حزينة كما بدت لها بعد رسالة والدتها بل تحولت إلى أمسية ناعمة رفرف معها قلبها قبل جسدها من لذة القرب.......
حظيت مع حبيبها بلحظات دافئة ومشاعر حميمية متبادلة اختلطت فيها أنفاسهما قبل الكلمات بينما نبضات الشوق تعلو مع اعترافاته الحارة لها عن عشقه الأبدي......
بعد مرور خمس سنوات........
