رواية تلميذ الجن الفصل الثامن والاربعون بقلم جمال الحفني
فضلت أبص لاسمي المكتوب بالنار وسط الرمل وأنا مش قادر أنطق, مش عشان عمري ما شوفت سحر قبل كدا, بالعكس أنا شوفت حاجات تخلي إي إنسان يفقد عقله, لكن الاستدعاء دا معناه إن حاجه كبيرة جدا بتحصل, حاجة خلّت كل القبائل على الأرض تستدعي المنفذين في وقت واحد!
رفعت عيني لشدام وسألته امتى؟
رد من غير تردد, بكرة بعد غروب الشمس..
اتجمدت مكاني, كنت متوقع يقولي بعد أيام أو أسبوع أو شهر, مش عارف ليه فجأة حسيت بإحساس إني تلميذ فعلا والمفروض ألحق أراجع دروسي وواجباتي اللي هما طقوسي وتعاويذي, لكن بكرة!
الليلة دي محدش فينا نام, التلاته اللي معايا اللي المفروض استمد منهم قوتي كانوا شاردين زيي, زي ما يكونوا هيبقوا مسؤولين عن أي شيء يحصل للمنفذ أو أي شيء يعمله المنفذ, زي ما يكون هينولهم جزء من اللوم والعتاب مثلا, بس أنا ليه واخد الموضوع كإنه امتحان ولجنة مراقبة كإني رايح مدرسة!
كنت قاعد قدام الخيمة وشدام علي يميني ومرهوب على شمال, أما جرموق كان واقف بعيد فوق تل رملي ضخم زي تمثال أسود بيبص على اللاشيء, الساعات كانت تمشي ببطء غريب وكل ما الوقت يقرب كنت حاسس إن التلاتة بقوا أكتر توترا, ودا كان شيء نادر خصوصا جرموق, هو تحديدا كنت بحس إنه أقوى من إنه يقلق, الجن اللي خدم المنفذ المصري اللي قبلي, ماهو لازم اقول مصري مينفعش أقول منفذ بشكل عام عشان طلع فيه كتير غيري من بلاد مختلفة, الجن اللي خدم المنفذ المصري اللي قبلي واللي اكتفى بيه بدون أي مساعدات تانية, كان هو كمان ساكت زيادة عن اللزوم, مع إني كنت هلاقي فيه الأمل الوحيد لاعتقادي إنه حضر الاجتماع دا قبل كدا..
مع أول لحظة غروب في اليوم التالي حصل شيء غريب, الشمس كانت بتنزل عادي وتختفي في الأفق لكنها فجأة وقفت!
وثقت وبقى نصها ظاهر في الأفق والنص التاني مختفي, التلاته وقفوا حواليا في استعداد للانتقال اللي طبعا حسيت إنه قرّب جدا, العالم كله سكن للحظة, فجأة بعدها الأرض اتهزت تحتي, مكانش زلزال, كان شيء أعمق وبعدها ظهر شرخ طويل في الأرض, طوله عشرات المترات ومن الشرخ دا بدأ يطلع نور أزرق باهت, بارد, يخليك تحس إنك واقف قصاد قبر مفتوح, بصيت جوه ملقتش قاع, ملقتش نهاية, بس درجات حجرية نازلة لمسافة مستحيل العين تشوف اّخرها
شدام اتحرك أول واحد, ومرهوب وراه, وجرموق كان الأخير, تقريبا التلاتة رتبوا نفسهم حسب الترتيب الزمني لوجودهم معاي, أنا نزلت وسطهم بعد شدام مباشرة, كل ما ننزل كنت حاسس إن الهوا بيتغير والأصوات بتختفي وبيستبدلها السكون, سمعت كتير عن ناس نزلوا تحت الأرض وحكوا عجائب وغرائب, دلوقتي أنا هبقى واحد منهم..
كنا بننزل وأنا حاسس إن العالم اللي بره بيبعد, كنت بنتقل بين عالمين كإني خارج من كوكب الأرض ورايح كوكب تاني, لحد ما وصلت لحاجه شبه مدينة كاملة تحت الأرض, مدينة ضخمة منحوته بصخر أسود, أعمدتها عالية في طول الجبال, وتماثيل لمخلوقات مش بشر ومش جن, مزيج بين الاتنين, وفي المنتصف كان فيه مبنى واحد أكبر من كل شيء, قصر دائري ضخم, ملوش لا شبابيك ولا أبواب, فقط فتحة واحدة عملاقة وقفنا قدامها, التلاتة اللي معايا كان واضح عليهم إنهم زيي بالظبط, كنت بلحظ الواحد فيهم بيمد عينه لشيء عالي مثلا, أو لتمثال معين, كنا احنا الأربعة زي الأطفال اللي بيزوروا مكان لأول مرة, مع إن التشبيه دا غلط أقوله على نفسي وعلى اللي معايا, بس دا أقرب وصف عشان اقربلكوا شكلنا كان إيه وتصرفاتنا كانت إزاي..
كنت سامع أصوات جايه من بعيد, صوتهم كان واضح وسط السكون اللي احنا فيه, ولأول مرة في حياتي اشوف منفذ تاني زيي, كان راجل طويل جدا, بشرته سمرا ولابس جلباب أبيض واسع وحواليه أربعة من الجن, كل واحد فيهم أطول من التاني, أشكالهم بتطول وتقصر وتتمدد لدرجة إني معرفتش مين فيهم الطويل من القصير, كنت أول مرة اشوف جن بالهيئة دي!
مرهوب همس لي, دا منفذ العراق, المنفذ اتحرك ووقف هو ومجموعته جمبي أنا ومجموعتي بدون ما يتكلم, وقبل ما افصحه هو واللي معاه بشكل واضح راح ظهر راجل ضخم بلحية بيضا طويلة وخلفه جن واحد بس, الجن دا كان كفاية يخوف مدينة كاملة لدرجة إن جرموق نفسه لف وشه بعيد عنه أول ما شافه, هرشت في راسي وقولت للي معايا بصوت واطي ولا يهمكوا يا رجاله احنا أحسن من كل دول, احنا اللي وصلنا الأول..
محدش ضحك..
مرهوب همس بنفس نبرة المرة الأولى وقالي دا منفذ روسيا..
وبعدين بدؤوا يظهروا المنفذين واحد ورا التاني, محبتش اعرف حاجه تاني عنهم, بس جالي إحساس إني أقل واحد فيهم, كنت حاسس إني مجرد مبتدئ, تلميذ فعلا, لإن بعض الوجوه اللي كانت واقفه هناك كان واضح إنها عاشت رعب أكبر بكتير من أي حاجه عدت علي, لدرجة إن أي حد فيكم لو شاف منفذ منهم هيفتكره مجنون من المجانين اللي بيعيشوا في الشوارع, على الأرصفة وتحت الكباري, كان فيه منهم شاب صغير, أصغر مني في السن, وفيه راجل عجوز, وفيه الأربعيني, والخمسيني, وفجأة وأنا باصص قدامي وعقلي بيفكر في المنفذين وقصصهم, ازاي اختاروهم, إيه المغامرات اللي عاشوها, هل ينفع اتعرف على حد منهم, أو هل في المستقبل هخوض مغامرة مشتركة مع واحد فيهم, هل ممكن الاجتماع دا يكون اختبار قوة عشان يعرفوا مين من المنفذين شايف شغله مظبوط مثلا ومين متهاون وكسول و.. إيه اللي أنا بقوله دا؟؟؟
الباب الحجري العملاق بدأ يتحرك, صوت احتكاك الصخور هز المدينة كلها, وكل الجن الموجودين, كلهم بلا استثناء انحنوا, شدام, مرهوب, جرموق, وحتى الجن المرعبين اللي جايين مع المنفذين التانيين, كلهم نزلوا رؤوسهم في نفس اللحظة, وساعتها عرفت إن اللي جوه القاعة رؤساء قبائل وكيانات برتب مسمعتش عنها قبل كدا..
