رواية الأمواج السوداء الفصل الرابع 4 بقلم مصطفى محسن

 


رواية الأمواج السوداء الفصل الرابع بقلم مصطفى محسن


عم جابر بص حواليه، بعدها قرب مننا شوية وقال بصوت واطي: "فى نفس الليلة حصلت حاجة... ومن ساعتها وأنا مقدرتش أنام مرتاح لحد النهارده." بصيتله بسرعة وقولت: "شوفت إيه يا عم جابر؟" اتنهد تنهيدة طويلة وقال: "بعد ما خلصت كلام مع أبويا رجعت البيت، وطول الطريق كنت بحاول أقنع نفسى إن اللى شوفته فى البحر أكيد ليه تفسير، وإن دماغى هى اللى كبرت الموضوع من كتر التفكير. دخلت البيت، اتعشينا أنا وأبويا، وقعدنا نتكلم شوية، وبعدها كل واحد دخل أوضته ينام. حوالى الساعة واحدة ونص بعد نص الليل صحيت فجأة على إصوت حد بيتحرك بره الأوضة. فى الأول قولت يمكن أبويا صحى يشرب أو رايح الحمام، فقومت أبص. وأنا خارج من الأوضة لمحت... آثار رجلين مليانة طين. كانت جايا من عند باب البيت وماشية لجوه. استغربت جدًا، لأن اليوم ده أصلًا مكنش فيه نقطة مطر. فضلت واقف أبصلها كام ثانية، رغم الخوف، بدأت أمشى وراها واحدة واحدة، وكل خطوة كنت باخدها كنت حاسس إن نفسى بيتقل، فضلت ماشى لحد ما وصلت للصالة... وهنا شوفت حاجة خلت الدم يتجمد فى عروقى... واتسمرت مكانى، ومقدرتش حتى أطلع نفس.
-
قال عم جابر: "شوفت أبويا واقع على الأرض، وحواليه بركة دم. "فضلت واقف يمكن دقيقة كاملة، مش قادر أتحرك، ولا حتى أصرخ. كنت ببصله ومش مستوعب اللى قدامى. بعدها جريت عليه، لكن كان خلاص الله يرحمه كان مات." حميدو بصله بصدمة وقال: "اتقتل؟" عم جابر قال: "أيوة بس محدش عرف إزاى، ولا مين اللى عمل كده. "الشرطة جت، وفضلوا يسألونى ويفتشوا البيت كله. حكيتلهم على آثار الرجلين اللى كانت مليانة طين، وقلت إنها دخلت من باب البيت لحد جوه، وكانت واضحة قدام عينى. لكن أول ما فريق المعاينة دخل ملقوش أى حاجة. ولا أثر رجل واحد، ولا نقطة طين، ولا أى علامة تدل إن حد دخل البيت أصلًا. كأن كل اللى شوفته اختفى فى لحظة، فضلت أحاول أقنعهم وأشرح اللى حصل، لكن كل ما أتكلم كانوا يبصوا لبعض من غير ما يردوا. وفى الآخر قالوا إن اللى أنا فيه مجرد صدمة، وإن عقلى صورلى حاجات محصلتش.
-
بصيت لخالد، وبعدها حولت عينى ناحية عم جابر وقلت: ده نفس اللى حصل معايا." عم جابر بصلى بنظرة مليانة دهشة وقال: حصل معاك إزاى يا ابنى؟ بدأت أحكيله كل حاجة من أول لحظة شوفت فيها آثار الرجلين فى البيت، وإزاى خرجت أمشى وراها لحد ما وصلت للشاطئ، وشوفت عم ناصر واقف فوق المركب، وبعدها رجعت البيت ولقيت القطة مقتولة، وحكيتله كمان إن آثار الرجلين اختفت فجأة، وإن محدش صدقنى لما قولت إنها كانت موجودة. عم جابر قال: "لو إنت فعلًا يا ابنى ناوى تشترى المركب دى... يبقى اعرف إنك مش هتجيب وجع لنفسك بس إنت ممكن تفتح باب، محدش هيعرف يقفله.  خالد ضحك باستهزاء وقال: "بس يا عم جابر، سيب حميدو فى حاله. الحكايات دى تنفع لمسلسل، إنما الواقع غير كده خالص." عم جابر بصله نظرة طويلة، وقال: "اللى أنا شوفته كان واقع يا ولدى، ودفعنى تمنه أغلى واحد عندى أبويا. دى مش حكاية ولا مسلسل زى ما إنت فاكر على العموم ربنا يسترها علينا من اللى جاى." وبعدها لف من غير ما يقول كلمة تانية، ورجع يكمل شغله كأن الحوار كله انتهى، لكن كلماته فضلت بتدور فى دماغى ومش راضية تخرج.
-
خالد قرب منى وقال: "أوعى تصدق كلام عم جابر، الراجل واضح إنه اتجنن بجد." بصيتله وقلت: "طب وتفسير اللى حصل معايا؟" قال: "يمكن حد دخل البيت فعلًا... يمكن أى حاجة، لكن أوعى تربط اللى حصل بالمركب." سألته: "وإنت لو مكانى، كنت هتشترى المركب؟" من غير ما يتردد قال: "أقسم بالله يا حميدو، لو معايا تمنها، كنت اشتريتها. بس إنت عارف ظروفى يا صاحبى. "وبعدين دى مش أى مركب، دى مركب إيطالى، عتيقة، فى البحر تستحمل الموج وتعافر، مش زى المراكب الورق اللى طالعة اليومين دول، بصيتله باستغراب وقلت: "إنت عرفت التفاصيل دى كلها منين؟ خالد قال بتوتر: "إنت إنت نسيت؟ ما إحنا كنا بنشوفها زمان وإحنا صغيرين. قلت: وإحنا صغيرين؟ يا خالد، إحنا وقتها كنا عيال. نعرف منين دى صناعة إيه، ولا تستحمل إيه؟" اتلخبط، وحاول يغير الكلام وقال: "يا عم إنت مسكتلى فى الكلمة ليه؟ الناس كلها كانت بتقول عليها كده. وبعدين براحتك عاوز تشتريها اشتريها، مش عاوز براحتك، وارجع اشتغل عند الناس بالسفرية، وخليك فاكر إنك بالمنظر ده عمرك ما هتعمل قرش ينفعك فى المستقبل. حطيت إيدى على وشى، وأخدت نفس طويل وأنا بحاول أرتب أفكارى. رغم الخوف اللى جوايا، كنت حاسس إن الفرصة دى ممكن متتعوضش. بصيت لخالد وقلت: "عندك حق لازم أشترى المركب دى خالد قال: "أهو ده الكلام دى فرصة عمرك." لكنه ملحقش يكمل، لأنى قاطعته وقلت: "بس بشرط.
خالد قال: "إيه هو الشرط؟" قولتله: "هتطلع معايا على المركب." قال: "إنت عارف إنى شغال على مركب أبو عبده." قولتله: "هديلك ضعف اللى بتاخده من أبو عبده." مافكرش كتير، ورد: "موافق يا صاحبى. الوقت كان جرى من غير ما نحس، بصيت فى الساعة لقيتها قربت على الساعة 11 بالليل. قولت لخالد: "يلا بينا نروح للحجة مديحة ونشوف المركب. قال: "يلا." وخرجنا نمشى فى شوارع البلد. كل ما كنا نقرب من البيت، كان جوايا إحساس غريب بيزيد، إحساس تقيل، كأن رجلى بقت مربوطة فى الأرض، وكأن فى حاجة خفية بتحاول تمنعنى أو ترجعنى من الطريق. حاولت أطرد الإحساس ده من دماغى، وفضلت أردد لنفسى: "بلاش خرافات... كل ده بسبب كلام عم جابر. بعد كام دقيقة وصلنا قدام بيت الحجة مديحة. وقفنا قدام الباب، ومديت إيدى عشان أخبط، لكن قبل ما صوابعى تلمس الباب.
-
الباب اتفتح لوحده. ظهر قدامنا راجل فى حدود الخمسين سنة، بصلى وقال: "إنت اللى هتشترى مركب قلت: "أيوة." قال: "أنا حسين. مديت إيدى وسلمت عليه وقلت: "اتشرفنا. قال: "تعالوا معايا." اتحرك قدامنا، لف من جنب البيت، ودخل فى طريق ضيق ورا، وإحنا ماشيين وراه. كل خطوة كنا بناخدها كانت بتزود إحساسى بالقلق، لحد ما وصلنا قدام المخزن القديم. وأنا صغير كنت بخاف حتى أعدى من جنبه، وكل أطفال البلد كانوا بيقولوا إنه مسكون، حسين وقف قدام باب خشب ضخم، ومد إيده جوه جلابيته وطلع مفتاح، حط المفتاح فى القفل، ولفه، وبعدها الباب اتفتح. بصيت لحسين وقلت: "هنشوف إيه فى الضلمة دى؟ قال: أنا عامل حسابى." بعدها طلع كشاف كبير، وشغله. دخلنا وراه، وأول ما عدينا عتبة المخزن حسيت إن الهوا اتغير فجأة.
-
قلبى اتقبض من غير سبب خطواتنا كانت بتترج جوه المكان. وفجأة حسين رفع الكشاف لفوق والنور وقع على المركب. وقفت مكانى وأنا ببصلها، كانت واقفة قدامنا كاملة، شامخة رغم السنين، هيبتها لسه زى ما هى، كأنها مستنية حد يرجعها للبحر من جديد. قربت منها من غير ما أحس، وطلعت عليها أنا وخالد. بدأت ألف فيها وأنا بتأمل كل تفصيلة. السطح كان واسع، وفيه مكان مرتب للشباك والمعدات، وغرفة القيادة حالتها أحسن بكتير مما توقعت، والخشب كان متين. فى اللحظة دى حسيت إن حلم عمرى واقف قدامى، وقلت بينى وبين نفسى: هى دى المركب اللى كنت بحلم بيها طول عمرى. بعدها نزلت لتحت عشان أشوف الموتور. حسين وجه نور الكشاف ناحية الموتور، فقربت وأنا بحاول أتأكد من حالته. انحنيت شوية وبصيت لكن فى لحظة، عينى وقعت على حاجة خلت الدم يهرب من وشى، وجسمى كله اتجمد من الرعب.



تعليقات