رواية نبضات الصخر الفصل الرابع بقلم هاجر سلامه
عادت ميرفت إلى القصر وهي تجر أذيال الخيبة والغضب، كان عقلها يكاد ينفجر من شدة الغيظ بعد أن أهانها معاذ ونايا أمام الموظفين.
دخلت غرفتها الخاصة وظلت تدور حول نفسها كالمجنونة، تفكر في طريقة تكسر بها كبرياء تلك الفتاة وتنهي هذا الزواج الذي يهدد مستقبل ابنها مازن.
فجأة، لمعت في عقلها فكرة خبيثة؛ تذكرت كلام صحبة نايا المقربة التي أخبرتها سابقاً أن معاذ كان يحب فتاة تُدعى سيرين وأنه أصيب بصدمة كبرى قبل زواجه بأيام.
ابتسمت ميرفت بنصر، وقالت لنفسها: "ماشي يا نايا.. طالما جبتي واحد من الشارع وحميتيه، أنا بقى هجيب له اللي تخليه يرميكي ويرمي فلوسك، ويرجع لوعيه. الحب القديم دايماً بيغلب، والراجل أول ما يشوف البنت اللي كسرته ورجعت ندمانة، قلبه بيلين."
لم تضيع ميرفت أي وقت، وبدأت في البحث عن رقم سيرين وعنوانها من خلال معارفها، حتى توصلت إليها وعلمت أنها أصبحت تتردد على الأماكن الفخمة بعد الثراء المفاجئ الذي ظهر عليها.
طلبت مقابلتها في مكان هادئ وبعيد عن العيون لتنسج خيوط مؤامرتها الجديدة.
في ذات الوقت، كان العمل في الشركة يسير على قدم وساق.
كان معاذ غارقاً وسط جبال من الملفات والحسابات، يحاول بكل جهده أن يشغل عقله عن التفكير في حياته التي انقلبت رأساً على عقب.
لم يكن قادراً على نسيان ملامح نايا بالأمس عندما كادت أن تسقط؛ ذلك الشحوب المفاجئ والألم المكتوم الذي رأه في عينيها كان يثير فضوله ويقلقه في آن واحد.تحركت خطواته نحو مكتبها بدافع العمل، حاملًا بعض الميزانيات التي تحتاج توقيعها النهائي.
طرق الباب ودخل ليجدها تجلس في شموخها المعتاد، ترتدي نظارتها الطبية وتدقق في بعض الأوراق.
رآها تضع يدها برفق فوق بطنها وكأنها تحاول تهدئة وجع مستمر، لكنها سرعان ما أبعدت يدها واعتدلت في جلستها فور رؤيته.
تنحنح معاذ وتحدث ب بجفاء مصطنع: "دي الميزانية العمومية لفرع الإسكندرية يا فندم، محتاجة مراجعة وتوقيع منك عشان نقفل حسابات الربع السنوي."
أخذت نايا الملف منه، ولامست أصابعها أصابعه دون قصد، فشعرت برعشة خفيفة تسري في جسدها، لكنها حافظت على برودها التام وقالت : "اتركها هنا يا معاذ، سأطلع عليها بعناية. هل واجهتك أي مضايقات أخرى من ميرفت أو رجالها اليوم؟"
نظر إليها معاذ بتمعن، ثم شبك يديه أمامه وقال : "لا مفيش.. ميرفت هانم أذكى من إنها تكرر نفس الغلطة مرتين ورا بعض. بس أنا مستغرب.. أنتِ ليه مهتمة أوي كده؟ إحنا اتفقنا إن الجواز ده مصلحة وورق وبس، حمايتك ليا في الشغل بدأت تخليني أشك إن فيه حاجة تانية أنتِ مخبياها عليا."
ضحكت نايا بسخرية، وخلعت نظارتها ونظرت إليه بقوة وقالت : "حاجة تانية إيه يا معاذ؟ إحنا في سوق، وفي السوق لازم تحمي أصولك والناس اللي شغالين معاك عشان صورتك قدام الحيتان الكبار ما تتهزش. أنت دلوقتي شايل اسمي، وفشلِك أو إهانتِك هي إهانة ليا شخصياً، وأنا نايا السيوفي.. مفيش حد يقدر يكسر عيني."
أومأ معاذ برأسه ولم يعلق، لكنه في داخله استشعر أن هناك جداراً سميكاً تبنيه هذه الفتاة حول نفسها لحماية ضعف لا يريد أحد أن يراه. استدار وغادر المكتب بخطوات هادئة، تاركاً إياها تعود لصراعها مع الألم والزمن.
في المساء، التقت ميرفت بسيرين في مطعم راقٍ بضواحي القاهرة.
كانت سيرين ترتدي ملابس باهظة الثمن وتحمل حقائب ماركات عالمية، تظهر علامات الثراء الفاحش عليها بشكل مبالغ فيه.
جلست ميرفت أمامها وتأملتها بخبث، ثم بدأت حديثها : "أهلاً يا سيرين يا حبيبتي.. منورة. طبعاً أنتِ مستغربة أنا عيزاكي في إيه وعرفت نوصلك إزاي."
نظرت سيرين بطمع وقلق وقالت: "أهلاً بحضرتك يا ميرفت هانم. فعلاً أنا مستغربة.. أنا ماليش علاقة بشركتكم ولا بمعاذ دلوقتي، إحنا سبنا بعض خلاص وكل واحد راح لحاله."
ضحكت ميرفت وقالت بلؤم: "سبتوا بعض عشان نايا ضحكت عليه بفلوسها وخدته منك.. معاذ طول عمره بيحبك أنتِ، والجوازة دي مجرد لعبة من نايا عشان تغيظني أنا وابني وتكوش على الميراث. أنا جاية أعرض عليكي عرض العمر.. هيديكي مبلغ محترم، أكتر من اللي في جيبك، ومطلوب منك حاجة واحدة بس."
اتسعت عينا سيرين بالجشع، وقالت بلهفة: "عرض إيه؟ قولي لي يا هانم أنا سامعاكِ."
تابعت ميرفت بخبث: "عايزاكي تظهري في حياة معاذ تاني.. تروحي له الشغل، تعيطي وتندمي، وتقولي له إنك كنتِ مجبورة تسيبيه وإن فيه ناس هددوا حياتك لو ما بعدتيش عنه. اقلبي دماغه وخلي الشك يدخل قلبه من ناحية نايا، وأنا عليا الباقي.. أول ما يطلقها، الفلوس هتكون في حسابك وتتجوزوا وتعيشوا في خيرنا."
ترددت سيرين لثوانٍ وهي تفكر في الملايين الجديدة، ولم تكن تعلم أن هناك عيوناً تراقب المكان بأمر من نايا التي زرعت رجالها خلف ميرفت منذ خروجها من الشركة.
وصل التقرير فوراً إلى هاتف نايا وهي تجلس في مكتبها بالمنزل.
قرأت الرسالة التي تفيد باجتماع ميرفت وسيرين في المطعم، فاشتعلت عيناها بالذكاء والغضب : "فاكراني غبية يا ميرفت؟ فاكرة إنك هتقدري تلعبي بديلك من ورايا؟ وحياة أمي لهد الرصيف اللي واقفة عليه."
أمسكت نايا بحقيبتها، وأخذت الملف الأسود الذي يحتوي على الإقرار والتعهد الذي وقعت عليه سيرين سابقاً، ونزلت سريعاً إلى سيارتها وقادت بسرعة البرق نحو عنوان المطعم.
دخلت نايا المطعم بخطواتها الواثقة الواثبة كالفهد، وصوت كعب حذائها يضرب الأرض بقوة أثارت انتباه الحاضرين.
لمحت ميرفت وسيرين يجلسان في زاوية معتمة.
اقتربت منهما بابتسامة مرعبة وهدوء يسبق العاصفة.فجأة، وقفت نايا فوق رأسهما، وصعقت ميرفت وسيرين برؤيتها.
شحب وجه سيرين تماماً واهتزت يدها، بينما وقفت ميرفت بغضب وقالت : "أنتِ إيه اللي جابك هنا يا نايا؟ بتراقبيني؟"
لم تنظر نايا إلى ميرفت أصلاً، بل وجهت نظراتها القاتلة إلى سيرين، وسحبت كرسياً وجلست بكل برود، ووضعت الملف الأسود على الطاولة وقالت بصوت منخفض وحاد كالشفرة: "كنتِ فاكرة إنك لقطتي الهدف وتقدري تلعبي على الحبلين يا سيرين؟ قريتي الشروط اللي مضيتي عليها كويس قبل ما تطمعي في فلوس ميرفت؟"
ارتجفت سيرين وقالت برعب: "أنا.. أنا ما عملتش حاجة يا نايا هانم، هي اللي طلبت تقابلني!"
صاحت ميرفت بغضب: "جرى إيه يا بت أنتِ! خايفة منها ليه؟ دي واحدة مغرورة وفاكرة إنها تقدر تشتري الكل بفلوسها!"
التفتت نايا إلى ميرفت ونظرت لها من الأعلى للأسفل: "الصمت التام يا ميرفت.. ليس لكِ مكان في هذا الحوار. خططكِ الرخيصة تحت حذائي."
ثم التفتت إلى سيرين وفتحت الملف وقالت : "الورقة دي فيها إقرار منك إنك استلمتي 10 مليون جنيه مقابل خدمات وهمية، وفيه بند صريح بيقول إن لو حصل أي اتصال أو تعرض منكِ لمعاذ بشكل مباشر أو غير مباشر، العقد بيتلغي فوراً.. وهرفع عليكي قضية نصب واحتيـال وسـرقة أموال الشركة، وهسجـنك وأسحب منك كل مليم في حسابك.. يعني اللبس الغالي اللي لابساه ده، هتقلعيه وتلبسي بداله بدلة السجن الزرقا."
انهارت سيرين تماماً، وامتلأت عيناها بدموع الرعب الحقيقي، وقالت وهي ترتجف : "لأ.. لأ أرجوكي يا نايا هانم! أنا مش عايزة أتسجن، أنا ماليش دعوة بيهم.. أنا هسيب البلد خالص، أنا أصلاً كنت بجهز ورقي عشان أسافر برة مصر وأعيش هناك ومش هتشوفوا وشي تاني أبداً.. والله العظيم ما هقرب من معاذ ولا هكلمه!"
وقفت سيرين بسرعة، ولم تلتفت وراءها، وسحبت حقيبتها وجرت خارج المطعم كالمجنونة، تاركة ميرفت تجلس مصدومة، وعيناها تتسعان بذهول بعد أن رأت خطتها البديلة تتدمر وتتبخر في الهواء خلال ثوانٍ معدودة.
التفتت نايا إلى ميرفت، وجمعت أوراقها ببطء شديد، ثم انحنت نحوها وقالت بفحيح : "شفتي يا ميرفت؟ خطتك باظت في ثواني، وسيرين هربت برة البلد ومش هتشوفي وشها تاني. وفري مجهودك وجاكي ومحامينك، لأن الحفيد اللي أنتِ خايفة منه.. جاي في السكة، وأنا اللي هكسب الميراث كله.. وريني بقى هتعملي إيه بعد كده."
تركت نايا ميرفت تغلي في دمائهـا، وخرجت من المطعم برأس مرفوعة، وهي تشعر بانتصار سـاحق، لكن آلام جسدها كانت تعود لتذكرها بأن المعركة الحقيقية مع الوقت قد بدأت بالفعل.
