رواية نبضات الصخر الفصل الخامس بقلم هاجر سلامه
مرت عدة أيام على مواجهة المطعم القاسية، وأصبحت الأجواء داخل قصر "شاكر بيه" أشبه بهدوء ما قبل العاصفة.
سيرين حزمت حقائبها وغادرت البلاد بالفعل خوفاً من تهديد نايا وسجنائها
وميرفت انكفأت على نفسها مؤقتاً تطبخ مؤامرة جديدة وهي تراقب تحركات نايا ومعاذ بعيون كالصقر.
لكن الصراع الأكبر لم يكن يدور خارج جدران الجناح الخاص بالعروسين، بل كان يدور بالداخل؛ حيث كان الوقت يمر كالسيف يقطع من فرص نايا في النجاة وتحقيق شرط الميراث.
استيقظت نايا في الصباح الباكر، وشعرت بوخزة ألم مألوفة وحادة في أسفل بطنها جعلتها غير قادرة على النهوض لعدة دقائق.
كانت أنفاسها متسارعة، وجبينها يتصبب عرقاً بارداً. نظرت إلى التقويم المعلق على الحائط، وحسبت الأيام في سرها بذعر؛ لقد مر أسبوعان بالفعل منذ قرار الطبيب. سنة واحدة.. اثنا عشر شهراً فقط هي كل ما تملكه قبل أن تضطر لإجراء عملية استئصال الرحم وتفقد حلم الأمومة وحقها في الميراث للأبد.
تحدثت نايا مع نفسها بصوت مبحوح ومليء بالوجع: "مش وقت ضعف خالص يا نايا.. لازم تقومي وتقفي على رجليكي. الوقت بيجري، ومعاذ لسه قافل قلبه وبيتعامل كأنه غريب.. لو ما حصلش حمل الشهر ده، الفرصة بتقل والموت الطبي لرحمي بيقرب."
ارتدت نايا ملابسها الرسمية بحذر، وحاولت إخفاء شحوب وجهها بطبقات من مساحيق التجميل، ثم خرجت إلى الصالة الفسيحة لتجد معاذ يجلس بكامل أناقته، يرتشف قهوته السوداء وهو يقرأ بعض التقارير المالية على جهازه المحمول.
كان يبدو كعادته صامداً، قوياً، ولكن هالة من الجفاء والبرود كانت تحيط به وتمنع أي شخص من الاقتراب.
لم ينظر إليها معاذ مباشرة، بل قال بنبرة جافة ورسمية: "صباح الخير يا نايا هانم. ياريت نتحرك عشان السواق مستني تحت، وعندي مراجعة مع جرد المخازن الرئيسية النهاردة."
قعدت نايا على المقعد المقابل له ببطء، وشبكت أصابعها وحاولت رسم الهدوء على وجهها وقالت : "سيبك من المخازن دلوقتي يا معاذ.. إحنا محتاجين نتكلم في موضوع أهم بكتير من الشغل."
رفع معاذ عينيه الحادتين ونظر إليها ببرود، ثم وضع كوب القهوة على الطاولة الزجاجية وتحدث الرزينة: "لقد اتفقنا منذ البداية يا نايا هانم.. الزواج مجرد حبر على ورق أمام الناس، والعمل يسير بشكل منفصل تماماً. ما هو الأمر المهم الذي يخصنا خارج حدود الشركة؟"
شعرت نايا بالإهانة من نبرته، لكنها ضغطت على كبريائها بقوة، وتحدثت بجرأة ممزوجة بالتوتر: "الموضوع يخص شرط الجواز الأساسي.. الخلف والميراث. إحنا فات أسبوعين على كتب الكتاب، وأنا مش عايزة أضيع وقت. لازم نبدأ نخطط للموضوع ده بشكل جدي.. لازم نروح لدكتور مع بعض عشان نتابع الإجراءات ونشوف هنعمل إيه."
تغيرت ملامح معاذ فوراً، وحل الغضب المكتوم مكان البرود.
وقف من مقعده ووضع يديه في جيبي بنطاله، ونظر إليها بنظرة محتقرة تملأها السخرية وقال بصوت حاد: "أنتِ بجد بتتكلمي بجدية؟ فاكرة إن الموضوع بالبساطة دي؟ تشتريني وأتجوزك، و عايزاني أتحول لآلة عشان تنفذي خطتك وتغيظي مرات أبوكي وتاخدي الميراث؟ أنا قتلت مشاعري يوم ما وافقت أدخل البيت ده، ومش هكون مجرد وسيلة رخيصة لتحقيق أهدافك."
صعقت نايا من كلماته القاسية التي أصابت جرحها السري في مقتل. لم يكن يعلم أنها تقا.تل لأجل حياتها وقدرتها على أن تكون أماً، وليست مجرد فتاة طماعة. وقفت أمامه وعيناها تتلألأ بدموع محبوسة رفضت أن تنزل، وقالت بغرورها المعهود لتداري ضعفها: "إياك أن تتكلم معي بطريقة دي تاني يا معاذ! أنا مش أطلب منك عواطف أو حب.. أنا أطلبت تنفيذ عقد بملامح واضحة. أنت وافقت على الشروط واستلمت المقابل، وعليك الالتزام.. الوقت لا يرحم، وأنا مش مستعدة للخسارة بسبب عنادك وكبريائك الفارغ."
اقترب معاذ منها خطوة، وكانت أنفاسه الغاضبة تلفح وجهها، وقال بفحيح غاضب: "وكبريائي ده هو الحاجة الوحيدة اللي فاضلالي بعد ما دمرتي حياتي! مش هروح لدكاترة، ومش هعمل حاجة غصب عني.. لما أكون مستعد نفسياً للجنازة اللي أنا عايش فيها دي، هبقى أفكر في شروطك. ودلوقتي.. الشغل مستنينا."
تحرك معاذ نحو الباب بسرعة وخرج، تاركاً إياها واقفة في وسط الصالة وهي تشعر بأن الجدران تضيق عليها، وأن رحلتها للحمل ستكون أصعب بكثير مما تخيلت وسط هذا الجدار الجليدي الذي يبنيه معاذ حول نفسه.
في الشركة،
كانت نايا تجلس في مكتبها وعقلها شارد تماماً.
لم تستطع التركيز في أي ملف.
الألم الجسدي كان يروح ويجيء، ومكالمة طبيبها بالأمس كانت ترن في أذنها كجرس إنذار مرعب: "يا آنسة نايا، العلاج اللي بتاخديه دلوقتي مجرد مسكن ومهدئ مؤقت للرحم.. كل يوم بيمر من غير حمل بيزود التليف والخطر على حياتك. لازم تتصرفي بسرعة."
امتدت يدها إلى الهاتف، واتصلت بالسكرتيرة وقالت بنبرة آمرة : "الغِ كل اجتماعاتي المسائية اليوم.. وابلغي معاذ بيه أننا سنغادر الشركة في تمام الساعة الرابعة عصراً لارتباطنا بموعد عائلي مهم."
في تمام الرابعة، خرجت نايا من مكتبها ووجدت معاذ ينتظرها عند المصعد بملامح مبهمة وصامتة.
ركبا السيارة معاً في صمت ثقيل كالجبال.
لم يتحدث أي منهما، ولكن معاذ لاحظ أن نايا كانت تضغط على حقيبتها الجلدية ب قسوة، وأن وجهها كان يميل إلى الشحوب رغم مساحيق التجميل.
شعر بوخزة ضمير طفيفة؛ فرغم غضبه منها، إلا أن شهامته ورجولته كانت تمنعه من تمني الأذى لها.تحدث معاذ بهدوء حذر: "إحنا رايحين فين؟ السواق مش ماشي في طريق القصر."
نظرت نايا خارج النافذة وقالت بصوت خافت : "رايحين لبيت أمي القديم.. في المعادي. أبويا قفله من يوم ما ماتت، وأنا بروح هناك لما بكون مخنوقة ومش قادرة أتحمل قصر الشاكر وميرفت."
استغرب معاذ من نبرتها التي خلت لأول مرة من الغرور والتعالي.
شعر وكأنها طفلة صغيرة تبحث عن أمان مفقود، وليست سيدة الأعمال القاسية التي تملك الملايين.
وصلا إلى قصر قديم ولكنه غاية في الأناقة الكلاسيكية، يحيط به حديقة واسعة مليئة بأشجار الياسمين التي تفوح رائحتها في المكان.
فتحت نايا الباب بمفتاحها الخاص، ودخلت وخلفها معاذ الذي كان يتأمل المكان بإعجاب وهدوء.
كان البيت يعكس روحاً دافئة تختلف تماماً عن برود القصر الحديث.توجها إلى صالون صغير، وجلست نايا على أريكة قطيفة مخملية، وأسندت رأسها للخلف وأغلقت عينيها بتعب شديد. في تلك اللحظة، سقط قناع القوة تماماً، وظهرت نايا على حقيقتها؛ فتاة وحيدة، مريضة، وتصارع الزمن.
اقترب معاذ وجلس على مقعد قريب، وتأمل وجهها الشاحب، ثم قال بنبرة لانت لأول مرة: "نايا.. أنتِ بجد تعبانة؟ الشحوب اللي في وشك ده مش طبيعي، والوجع اللي بتحاولي تخبيه كل شوية وراكِ سر كبير.. لو سمحتِ قولي لي الحقيقة. إحنا بقينا في مركب واحدة، ومن حقي أفهم إيه اللي بيحصل وإيه السر وراء استعجالك الخيالي ده بخصوص الخلف؟"
فتحت نايا عينيها ببطء، ونظرت إليه وعيناها مليئتان بالدموع التي لم تعد قادرة على حبسها.
تلاقت عيونهما في لحظة صدق نادرة، حيث انكسرت الحواجز وبدت الحقيقة عارية تماماً وسط هدوء البيت القديم
تنفست نايا بصعوبة، وقالت بصوت يرتجف: "أنا.. أنا معنديش رفاهية الوقت يا معاذ. الموضوع مش مجرد عناد مع ميرفت ولا طمع في ميراث أبويا.. أنا عندي مشاكل خطيرة في الرحم، والدكتور قالي إن قدامي سنة واحدة بس كحد أقصى للخلف.. وبعد السنة دي، لازم أعمل عملية استئصال كامل للرحم عشان أحمي حياتي. لو ما حَمَلتش خلال الشهور دي.. أنا عمري ما هكون أم، وحق أمي وشقا عمرها كله هيروح لميرفت وابنها.. أنا بموت من الجوايا يا معاذ، وأنت الوحيد اللي تقدر تنقذني."
سقطت الكلمات كالصاعقة على رأس معاذ.
اتسعت عيناه بصدمة وذهول، وتجمدت الد.ماء في عروقه وهو يستمع إلى سرها المرير.
لم يكن يتخيل أبداً أن خلف هذا القناع الحديدي والوقاحة المصطنعة تقبع مأساة فتاة تحارب مرضاً يهدد أنوثتها وحياتها.نظر إليها والوجوم يسيطر على ملامحه، وشعر بجدار الجليد الذي بناه حول قلبه يبدأ في التصدع والانهيار أمام دموعها الحقيقية وضيق وقتها المرعب.
