رواية اربعة في واحد الفصل الواحد والخمسون 51 بقلم فاطمه عبد ربه


 رواية اربعة في واحد الفصل الواحد والخمسون 

كان أدهم قد خرج من غرفته يحك عينيه مزيحًا عن رأسه أثر النعاس رغم أن الساعة الآن الثالثة عصرا، عندما سمع صوت بعض الأشخاص فترجل للخارج ليرى من؟ اصطدمت عينيه بشيري وأبوها وأمها قد جائوا لزيارة جده وجدته، رحب بهم وكان سيتحرك نحو المرحاض لكنه توقف فجأة وعاد بعينيه إلى شيري، شكلها مختلف قليلا .. أم أنه يهيأ له؟

ارتسمت ابتسامة بلهاء على وجهها كالمعتاد عندما وجدته ينظر لها، لكن نظرة الاستغراب على وجهه وترتها وجعلتها تنظر بعيدا في حين تدارك هو نفسه وتحرك نحو المرحاض ليتحمم ويتوضأ ويغسل أسنانه وهو ما زال يفكر، لماذا شكلها يبدو مختلفا ؟

عاد بعد نصف ساعة ليجلس معهم بعد أن غير ملابسه لبنطال جينسي وسترة بيضاء بنصف الأكمام وجلس مقابل شيري ثم تحدث إلى والدها "إزيك يا جدي ؟ الضغط عامل إيه معاك دلوقتي؟"

والله يا حبيبي بقيت متعايش معاه أهو وبأخد العلاج " قال والدها الذي يبلغ الخمسين من عمره والذي يكون شقيق جده الأصغر ثم نظر لأخيه وقال المهم صحة جدك، أنا أول ما عرفت إنه عيان جيت بسرعة عشان أشوفه. ثم ضحك ومازح أخيه " واضح إن العضمة كبرت يا رافت"

ضحك رأفت وسخر "ده بعينك " ثم بدأ جميعهم بالضحك والجدال ورمي النكات التي تعود للقرن السابع عشر والتي ما زالوا يضحكون عليها بنفس الشغف، في حين علق أدهم عينيه على شيري التي تقيع أمامه.

ضيق عينيه وتفحصها من أعلى الأسفل، بدت مهندمة أكثر من ذي قبل، هو يتذكر أنها كانت ترتدي ملابس غريبة غير مرتبة وألوانها لا تناسب بعض أمام الآن فهي بتنورتها السوداء وبلوزتها البيضاء الطويلة وحجابها النبيتي بدت مرتبة وأنيقة ويبدو أنها تضع بعض مساحيق التجميل أيضا، يستطيع ببساطة رؤية طلاء الشفاة النبيتي الذي تضعه.

انتبهت لكونه ينظر لها فانكمشت على نفسها وضمت كتفيها لبعضهما، حمحم الآخر وابتعد بعينيه بعيدا، هذا حتى جائتها مكالمة وحاولت استقبالها لكن الشبكة كانت ساقطة فحركت جدته رأسها لها وأردفت معلش يا حبيبتي الشبكة بقالها يومين واقعة عندنا في الشقة، اخرجي البلكونة هتبقى كويسة. " ثم نظرت لأدهم بابتسامة خبيثة وأردفت "خدها يا أدهم البلكونة."

نهض يبتلع لعابه وقادها بتوتر نحو البلكونة ووقف يستند على السور متعمدا عدم الخروج ليتجسس على مكالمتها تلك، يريد أن يعرف هل هي ستكلم وائل؟ ذلك الرجل الذي قالت بأنها

تحبه ؟

لكنها بدت مكالمة من زميلة في الجامعة يتكلما فيها عن ميعاد تسليم بحث فقط وانتهت سريعا لكنها لم تتحرك ووقفت تنظر إلى الشارع بجانبه ... حرك رأسه لها وسأل بطريقة مستنكرة "كان وائل ؟!"

توترت وابتلعت لعابها لتجيب يتلعثم واضح وهي تحاول السيطرة على ضربات قلبها التي ارتفعت كعادتها عندما تكون تحادثه "لا لال لا.... دي زميلتي "

أوماً بضيق وبدا وكأنه لا يريد إغلاق موضوع وائل وهيجي يخطبك إمتى بقى؟ ولا هو بيلعب ولا إيه؟ أظن دبلة وخطوبة مش حاجة صعبة يعني بدل الكلام الفارغ ده أنا سكنت بس عشان انت قولتيلي أسكت بس أنا مش حابب تدخلي علاقة من ورا أهلك ده ما يصحش وما ينفعش."

" وأنت مالك أصلا؟" قالت فجأة فتوسعت عينيه وكأنه لم يتوقع تلك الإجابة ورفع إحدى حاجبيه كالأطفال وأردف بعناد مالي إني قريبك ودى حاجة تمس عيلتنا، وبعدين ما دام مالي فأنا ممكن أروح أقول لأبوك على الكلام ده وصاحب الشأن يتصرف بقى "

أمسكت بذراعه بخوف وابتلعت لعابها "أدهم لا بالله عليك " ظهرت لتغتها في حرف الدال الدغتها) واضحة عندما نطقت اسمه وهو لوهلة ظن أن اسمه يبدو لطيفا بتلك الطريقة وكان سيبتسم لكنه سيطر على ابتسامته وقطب جبينه عندما تذكر أمر وائل ونطق من تحت أسنانه "ماشي "

وقفا بصمت حتى تكلم مرة أخرى ذاكرا سيرة وائل وكأنه لا يستطيع إخراج أمر أنها رفضته وفضلت رجلا آخر عبيه من عقله وأنت مغيرة بقى في طريقة لبسك عشانه ؟!"

خجلت و حمحمت لتجيب بتوتر "لا لا .. هو أنا أصلي .. بقيت يتابع بلوجر محجبة وعجبني لبسها ويقيت بالبس زيها."

"بس حلو "

نمت ابتسامة غير مصدقة على وجهها " بجد؟"

ضحك عندما ظهرت لتفتها في حرف الدال من جديد فضحكت تبغا له ونظرت بعيدا بخجل وهي تحاول تمالك نفسها مثلما نصحها اللايف كوتش الذي أصبحت تذهب له مؤخرا.

وعندما تذكرت أمر النصائح كانت قد أدركت بأنها يجب أن تقتطع هذا الحديث مع أدهم الآن قبل أن يقطعه هو، تبغا لما قاله اللايف كوتش.

ورغم أنها لم تكن تريد إنهاء حديثها مع أدهم لكنها فعلت رغما عنها فنظرت له وقالت "طب أنا هدخل بقى عشان إحنا أتأخرنا عليهم جوا." وقبل أن يجيب كانت قد تحركت للداخل لتتركه واقفا ينظر أمامه بغيظ لا يعرف مصدره

ربما لأنها أصبحت تتجاهله ؟ فضلت رجلا آخر عليه؟ والأهم من ذلك أنها بدت مختلفة لن ينكر أنها تبدو جميلة الآن.

دخل خلفها وجلس في مكانه أمامها متعمدا ليجدها تتحاشى النظر له طوال مدة زيارتهم. وعندما تصطدم عينيها بعينيه بالصدفة تبتسم له ابتسامة بسيطة ثم تحول عينيها سريعا وهذا ضايقه، لقد كانت دائما تنظر له بطريقة بلهاء غبية لأنها كانت واقعة في حبه تماما ! ما المختلف الآن؟ نعم .. المختلف أنها تحب وائل.

انتهت الزيارة وفور رحيلهم كان قد تحرك بسرعة لغرفته ليجلس أمام حاسوبه ويفتح حسابها على الفيسبوك، زم شفتيه بضيق عندما رأى صورتها اللطيفة التي قد وضعتها في حسابها على غير العادة كانت تضع صور كلاب وقطط ! .. لكنها تجاهل كل هذا ثم بدأ يفتش في كل منشور وهو يتمتم "لما نشوف بقى مين سي وائل زفت ده".

ولم يكتف بهذا فقط، بل استغل كون منزلها قريب من منزله وبدأ يراقبها ليعرف عنوان النادي الرياضي الذي تذهب له والذي ادعت بأنها رأت وائل هناك، ولقد فعل هذا الإسبوع كامل ليدرك في النهاية شيئا .. هي لا تذهب إلى نادي رياضي بل تذهب إلى مكتب (لايف كوتش) .. ولقد أصابته الحيرة ولم يعلم ما الذي تفعله هناك؟ وهل هذا هو سر تحولها الشديد؟ أم أنها كذب عليه

ووائل هذا يكون اللايف كوتش الذي تذهب إليه؟

ولقد بدأ يجذب معها أطراف الحديث على الفيس بوك عبر الرد على حالتها والتعليق على منشورتها فينتهي بهما الأمر إلى مناقشة في الخاص.

في مكان آخر كان أحمد قد انتهى من حديثه مع والدته التي نظرت له وسخرت "عايز تتجوز واحدة مطلقة ؟ أنت أتهيلت في دماغك شكلك " ثم تركته جالسا في الصالة ونهضت نحو المطبخ وكأنها تنهي حديثها بالفعل فقطب جبينه ونهض ليلحق بها

مالها يعني مش فاهم؟"

توقفت أمام الصحن الذي تقطع فيه الخضراوات والتقطت سكينا وبدأت بتقطيع بعض الطماطم متجاهلة الواقف أمامها يشبك يديه أمام صدره وينظر لها بغضب

"مالها المطلقة؟ عشان حظها طلع وحش نموتها يعني ؟ دي عندها إثنين وعشرين سنة! أنا

ما قولتلكيش هتجوز واحدة أكبر مني، أنا أكبر من داليا بسنة ونص"

رفعت السكين في وجهه وهددته "والا، ابعد عن وشي الساعة دي أنا زهقت منك، هو أنت يا تصيعلي مع خمس بنات في وقت واحد يا تيجي تقولي عايز أتجوز واحدة مطلقة !"

"أنا بحبها." صك على فكيه فارتسمت ابتسامة ساخرة على وجهها ووضعت يديها في خصرها ثم أردفت بنبرة هازنة تخيل أول مرة أسمع الجملة دي !"

بس دي مختلفة يا ماما أنا بحبها بجد"

ابتسمت ابتسامة صفراء وتمتمت "والله ؟ "

"أه." أردف بتصميم فرجعت برأسها نحو طبق الخضروات وصممت هي الأخرى " برضه مش موافقة.

ابتلع لعابه وخرج يضيق متوجها نحو والده ليشتكي له فأخبره الآخر أنه موافقا ولا يعترض على شيء لكن الأمر يتوقف على موافقة أمه فتحرك باحثا عنها حتى وجدها في غرفة المعيشة تشاهد التلفاز على برنامج الطبخ، جلس بجانبها وحاول رسم ملامح مستعطفة على وجهه

طب أنت ايه وجه اعتراضك مش شوفتيها وكانت عاجباك وقولتيلي حلوة وهادية ؟" " إنها مطلقة، أنت ضحكت عليا وما قولتليش إنها مطلقة من الأول" أجابت دون أن تزيح عينيها عن التلفاز فاشتعل غيظًا افرضي كان عندك بنت وأتطلقت، كنت هتعملي كدا؟"

"لو عندي بنت واتطلقت يبقى تتجوز واحد مطلق أو أرمل أو في نفس ظروفها."

بس أنا بحبها يا ماما!"

" يبقى أكيد لعبت بيك عشان توقعك، ما أنت عبيط وماشي تحب على نفسك "

ارتسمت ابتسامة ساخرة على وجهه "توقع مين؟ أنا؟! أحمد كامل ؟! أنت مصدقة اللي أنت بتقوليه ده اصلا؟"

أخذت نفسا عميقا بنقاد صبر ثم استدارت له برأسها وتمتمت "أحمد شوف غيرها يا حبيبي، ما أنت كل يوم مع واحدة شكل مش هتفرق بقى تتجوز دي ولا تتجوز غيرها."

طب قابليها واتكلمي معاها، حرام عليك ترفضي من قبل ما تعرفيها ... والله داليا طيبة وهادية وحلوة وفي حالها وأمها ست طيبة."

"أنا مش هجوز ابني واحدة مطلقة، أنا حرة لو كان ظروفك نفس ظروفها كنت وافقت، بس هي ما تناسبکش."

ابتلع الغصة في حلقه ونهض ينظر لها بخيبة ثم لملم شتات نفسه وتحرك بعيدا لكنه توقف فجأة واستدار لها لينطق بتصميم على فكرة أنا مش هتجوز غيرها."

التجيبه الأخرى عنك ما اتجوزت، ده أنت نتيجتك لسه ما طلعتش والله أعلم ساقط ولا ناجحکمان، روح روح خليني أتفرج على الزفت ما تتعبش قلبي "

رمقها بغيظ ثم تركها وهرول للأسفل ذاهبا نحو منزل والدة غادة ليقابل أخيه ويشتكي له؛ فلو أن أحدا يملك تأثيرا على أمه فهو مراد بلا أدنى شك.

بعد ساعة كان مرد يجلس أمام أمه ويحاول إقناعها

دلوقتي بقى أحمد كويس يا ماما يعني ؟ مش ده عملك الأسود في الحياة واللي فاضحك أنت وبابا وهيجنتك ؟ كل ده عشان عرفت إن داليا مطلقة؟ طب هي ذنبها إيه؟"

توسعت عينيها وصرخت في وجهه "أنت جاي معاه عليا ؟"

"لا جاي عليك ولا معاه يا ماما أنا بتكلم بالعقل، هي داليا دي كانت متجوزة على سنة الله ورسوله ولا كانت ماشية على حل شعرها؟ ده شرع ربنا ونصيبها طلع وحش، ليه تحاكمها على

حاجة مالهاش يد فيها؟"

تشوف نصيبها مع واحد مطلق ولا أرمل ولا متجوز مش مع ابني اللي ما اتجوزش قبل كدا، هو ليه يعني ياخد واحدة مطلقة؟ ناقصه إيه عشان ياخد بنت بنوت"

طب هو عايزها، تعمله ايه ؟ بيحبها ومصمم عليها، هنتصرف ازاي ؟"

ردت بدورة مقتضبة "تعقله وتقوله إن اللي بيعمله ده ما ينفعش والبنات كثير، مش لازم دي يعني "

وليه مش دي يا ماما ؟ مش دي اللي شوفتيها أول مرة وقولت عليها هادية ونفسها هادي وحلوة وراكزة وكنت مبسوطة بيها؟ إيه الغلط اللي فيها يعني ؟"

"هي ظروفها ما تناسبش ابني صممت وأشاحت بوجهها بعيدا فنهض مراد ليجلس بجانبها

" يا أمي، كنت هوافقك على الكلام ده لو هي أكبر منه أو مخلفة أو شكلها عجوز، بس البنت مش مخلفة، وشكلها حلو وأصغر منه، يعني مش هيكون فيه أي حاجة تربطها بالماضي أصلا وهتبدأ حياة جديدة مع أحمد!"

صمتت و مطت شفتيها ونظرت بعيدا وكأنها تفكر فقبل مراد جبهتها وأكمل "طب لو قولتلك إن بسببها ابنك اتعدل وبطل المشي الشمال ؟ مش كنت بتدعيله ربنا يهديه ؟ أهو ربنا هداه الحمد الله "

أختصت رأسها ولم تتحدث فأكمل مراد تفتكري لو رفضنا، هل أحمد أصلا هيسكت؟ ما أنت عارفاه وعارفة دماغه ده ممكن يروح يتجوزها من ورانا ويحطنا قدام الأمر الواقع، ولو على الناس يا ستي ما تقوليش لحد إنها مطلقة، هي مش باين عليها وشكلها صغير وماحدش هيسال

ابتلعت لعابها ورفعت وجهها الحزين نحوه فعرف أنها قد اقتنعت لكنها ما زالت غير راضية فابتسم وطبع قبلة على جبينها من جديد وأضاف بنيرة لطيفة بالله عليك ما تزعليه وما تبقيش أنت والزمن عليها، مش كنت مبسوطة بيها وبتقولي حلوة وهادية وشكلها عاقلة؟"

أخفضت رأسها وبدت وكأنها أزعنت للأمر أخيرا فاستغل مراد الفرصة واقترب منها يمسك بيدها ويقبلها " وغلاوتي عندك ما تزعليه ده انا ما صدقت إنه بطل المشي الشمال اللي كان بيمشيه مع البنات ورينا هداه شوية.

كان أحمد يستمع لهما من داخل غرفته وشعر بالأمل يعود له عندما صمتت أمه ولم تتكلم في حين أكمل شقيقه " يا أمى ده قضاء ربنا وأنت ست مصلية وعارفة ربنا، وبعدين ابنك ده أصلا عكاك مش الملاك البريئ يعني وهنتحسر إنه ما دخلش دنيا وهيتجوز واحدة مطلقة، لا ابنك ده دخل ونيل بلاوي وأهو من غير جواز ولا حاجة، على الأقل البنت كانت متجوزة على سنة الله

ه ورسوله "

ارتسمت ملامح نادمة على وجهها وأردفت "أنا بس عايزة أفرح بيه، أنا ما عنديش غيره دلوقتي "

"ما أنت هتفرحي بيه يا ماما إن شاء الله، يعني هو لما يتجوزها هيبقى نكد مش فرح؟ وبعدين قولتلك ما تقوليش لحد إنها مطلقة وافرحي بيه براحتك يعني " قال مراد ثم ظهر أحمد بسرعة

وجلس بجانبها يحاول إقناعها هو الآخر

يا ماما والنبي، والله لو ما جوزتيهاني مش هقعدلك في البيت ده تاني"

أخذت نفسا عميقا ورمقته بقرف ثم دفعته عنها خلاص غور حدد لنا معاد مع أهلها، المهم حلوا

عني وبطلوا زن عشان عايزة اتفرج على مسلسل ليالي الحلمية."

ابتسم مراد بينما قفز أحمد على ركبتيه على الأريكة واقترب منها بسرعة ليقبلها قبل عميقة سريعة وهو يتمتم بسعادة بالغة "إلهي ربنا يكترلك في أجزاء ليالي الحلمية ونازك السلحدار ربنا بهدها يا رب يا ماما مسلسل ليالي الحلمية ده يفضل مكمل معاك مدى الحياة، هو وسلسال الدم عشان يتحييه برضه، تصدقي بالله ؟ ده انا هحملهم لك بكل اجزائهم مخصوص على اللاب بتاعي

وتقعدي تتفرجي عليهم براحتك بقى يا جميل "

ضحكت ودفعته بعيدا بتذمر خلاص حل عني بقى ما تبقاش لزقة كدا، قولتلك حدد لنا معاد مع أهلها فسيبني في حالي بقى "

نهض عن الأريكة وابتسم ليومئ بسعادة بالغة، هو وداليا سيخطيان ؟ وبعدها سيكونا في منزل واحد؟ الفرحة تكاد لا تسعه، إنه يحبها حبا جما، والأهم من كل هذا هو كونه يريد بشدة تعديل فكرتها الخاطئة عن الزواج، وها هي الفرصة تتاح له وهو يقسم من الآن بأنها سيجعلها تمشي خلفه في بيتهما وتتمسح فيه كالقطط بعدما يغير نظرتها للزواج والرجال عموما.

نظر له مراد من أعلى الأسفل فوجده يرتدى بذلة سوداء رسمية وربطة عنق، قطب جبينه وتساءل "أنت رايح فين كدا ؟ "

"فرح الواد قيس النهاردة، رايحله أنا والعيال بدري عشان لو محتاج حاجة نكون معام"

ابتسم مراد وأوما له "عقبال فرحك "

اتسعت ابتسامة الآخر وعدل ربطة عنقه وهو يحمحم " إن شاء الله، عقبال سبوع ابنك، تصدق بالله هموت وأمسكه كدا بايدى ده هيبقى حبيب عمه ده"

ضحك مراد ونهض يربت على كتفه " اتجد عن أنت كمان وهاتلنا عروسته "

تحولت ابتسامته الماكرة ونظر المراد بطرف عينيه بغرور "أيوة قول إنك بتحجز بنتي من دلوقتي عشان عارف إنه هيكون إنتاج فاخر طبقا."

ضحك مراد ثم دفعه بعيدًا وسخر "وحد قالك إنى هخلف قرد يعنى ؟ ما هو نفس الإنتاج ياض أنت"

"لا ابنك احتمال يجي أبيضاني كالح لأن أمه بيضا، بس بنتي هتطلع قمحاوية دمها خفيف وشعر أسود ناعم أو بني وعيون برموش طويلة وعلى وضعها في أمها كدا."

هناخدها برضه حتى لو الواد طلع كالح هناخدها هتاخدها " قال مراد مزاحا فابتسم الآخر "والله لو معاق حتى تيجوا تاخدوها بشنطة هدومها، ده ابن الغالي يعني "

حبيبي ربنا يكرمك ويرزقك بالذرية الصالحة إن شاء الله " دعى مراد له وريت على كتفيه فابتسم الآخر بتوسع ونظر لأمه "مافيش دعوتين كدا ولا أنت لقياني في الزبالة ولا إيه ؟ "

"ربنا يهديك" قالت أمه ثم ركزت عينيها على التلفاز من جديد فضحك الإثنان ثم إستأذن أحمد ورحل ليترك مراد قد رمى بجسده على الأريكة بجانبها وقال بفضول " هي دي أنهي حلقة ؟ ما تحولي كدا يمكن مسلسل لن أعيش في جلباب أبي شغال على قناة ثانية."

وبرغم ترقبها الشديد لمسلسل ليالي الحلمية فهي قد فضلت تغيير القناة والبحث عن المسلسل الذي يفضله مراد لتجعله يجلس معها وتستمتع بصحبة ابنها البكري قليلا بعدما رحل ليقيم في منزل أم غادة، وهذا جعلها تقطب جبينها فجأة وتحرك عينيه له في منتصف الحلقة

هو انت ناوي ترجع انت ومراتك إمنى يعني إن شاء الله ؟ مش كفاية بيات عند أم غادة ؟"

ابتسم وأوما لها "حاضر بكرة جايينلك، أنا بس مش عايز أتعبك وغادة حامل والدكتور قايلها ما تقومش من السرير، فوالدتها شايلاها"

"خلاص سيبها عند أمها وتعالى أنت يا حبيبي" قالت فضحك ومازحها "أيوة ابتدينا شغل الحموات أهو أنا برضه كنت بقول مالك كدا حابة غادة وبتعامليها كويس"

نظرت له يحزن وصدمة ثم دفعته كدا ؟ إخس عليك، ده أنا بحب غادة زي بنتي، دي متربية على أيدي وكبرت قصاد عيني، الدور والباقي على اللي المحروس أخوك عايز يتجوزها."

ضحك من جديد ورفع يده يحك عنقه ثم نظر بعيدا وهمس لنفسه بأسف "واضح ان مراة

المحروس هتشوف أيام زي الفل".

كان أحمد قد وصل إلى الفندق حيث سيقام العرس وتحديدا إلى غرفة قيس الذي وجده يجلس بتوتر على سريره وهو يفرك يديه مغا، كان يرتدي سروال قصير بيتي وسترة بنصف أكمام ويبدو أنه لم يتجهز بعد

"مالك يالا قاعد كدا ليه؟" تساءل فرفع قيس رأسه فجأة وكان تم نجدته فهرع إلى أحمد بسرعة ليمسك بيده "أحمد الحقني "

"نيلت إيه ؟ "

"ما عملتش حاجة، هند بعتتلى رسالة إنها جاية الفرح وحالفة تفضحني وتبوظه وإنها مش هتسيبني في حالي "

قطب أحمد جبينه وتساءل "مش هند دي اللي فضحتك قدام ليلى في الكافيه؟" "اه هي "

هي ما وراهاش غيرك ولا إيه !"

مش عارف أحمد طلب أخوي من أخوك في ليلة فرحه، قابلها وأشقطها وخدها بعيد عن الفرحوحياة أغلى حاجة عندك، أقسم بالله لو ساعدتني هعملك أي حاجة أنت عايزها."

توسعت اعين أحمد وابتعد عنه وهو يبتلع لعايه بخوف "لا يا عم، لا ... داليا لو عرفت كل حاجة هتبوظ، مش هينفع."

وهي داليا هتعرف منين يعني أحمد ... وغلاوة أبوك عندك اتصرف، هند دي بت شمال وما بيهمهاش حاجة وهتيجي تبوظلي كل حاجة وليلى ممكن تسيبني ثاني "

"داليا هتعرف منين ؟ دي عرفت ان طليقها كان بيخونها في كافيه وهي قاعدة في بيتهم ! ده مش بعيد أدهم يروح يقولها في قاعدة صفا كدا وأنت عارفه عبيط ما بيتبليش في بونه فولة"

توقف قيس وضيق عينيه ثم حك شعره "أدهم .. هو أدهم فين؟"

لم يكملا حديثهما حتى طرق الباب وظهر أدهم من خلفه قهرع قيس نحوه وأمسك بذراعه "أدهم أنا واقع في مصيبة وماحدش هيعرف يساعدني غيرك"

وبدون أن يفهم أي شيء شده للداخل وأغلق الباب ليعيد على مسامعه قصة هند وقرارها بفضحه في ليلة عرسه ثم نظر لأدهم بابتسامة بلهاء "فأنا قولت يعني .. ممكن واحد كدا والله أعلم يتعرف عليها ويشقطها وياخدها بعيد عن الفرح."

كان أحمد يجلس على السرير يستمع وهو يدخن إحدى سجائره ويراقب أدهم الذي عقد حاجبيه بدون فهم "واحد مين؟"

وضع قيس ذراعه على كنفه وابتسم "أنت"

توتر الآخر وحمحم ثم رفع يده يعدل من ربطة عنقه بس بس .... أنا مش هعرف !"

ليه ؟ ده انت شقطت ثلاثة وبعدين هند دي بت شمال بتتلزق في أي واحد معاه فلوس، اسمع ... هبعت أجيبلك عربية أبويا البي ام دابليو بالمفتاح بتاعها، كل اللي عليك تستناها قدام الفندق ولما تشوفها جاية أنزل من العربية وخليها تعرف إن دي عربيتك، وبعدها أمشي جنبها واسألها عن مكان القاعة وبتاع وافتح معاها حوار وخلاص هي هتيجي معاك سكة يعني مش هتقول لا

ابتلع أدهم لعابه ونظر لأحمد ثم اقترح "طب ما تخلي أحمد يعمل كدا."

لكن الآخر أزال السيجارة عن فمه وابتسم ابتسامة خبيثة وهو ويردف "ثبت إلى الله، أنا رجل مرتبط " ثم ضيق عينيه ونظر لأدهم بنظرة متوعدة، فهذا الأدهم يعمل جاسوشا لصالح داليا ويخبرها بجميع تحركاته سواء بقصد أو بدون قصد.

"أدهم، أنا فرحي هيبوظ وجوازتي هتتفركش وبعدين أنت السينجل الوحيد فيناء" ترجاه قيس فأغمض الآخر عينيه وأومأ وهو يشعر بضربات قلبه ترتفع

ارتسمت ابتسامة واسعة على محيا قيس الذي قفز سريعا ليمسك بهاتفه ويصيح "هخلي البواب يجيلي بالعربية".

كان هشام مختفيا منذ الصباح فلا أحد يراه من عائلة العريس أم عائلته هو، لم يكن بالفندق بالأصل، بل كان يجلس بمفرده على مقهى يرتشف الشاي بهدوء واجم وينظر نحو اللا شيء بصمت قاتل، لا يستطيع إخفاء غيرته الشديدة على أخته التي ستتزوج من صديقه اليوم، لكنه لا يملك أن يفعل أي شيء؛ فهذه هي سنة الحياة والجميع سيتزوج بالنهاية ... ولعل هذا لم يكن الشيء الوحيد الذي يخنقه فالنتيجة ستظهر خلال أسبوع .. وهو يعلم تمام العلم بأنه ساقط وبأن جميع أحلامه قد تدمرت، وهو أيضا لا يعرف كيف يستقبل تلك الصدمة ولا ماذا يفعل

بشأنها.

اتصال من رحمة كان قد قطع الصمت الكتيب الذي هو فيه فأخرج هاتفه لينظر بتردد إلى اسمها ثم استقبل المكالمة ووضع الهاتف على أذنه

"هشام أنت فين؟"

نظر إلى ساعته بسرعة فوجدها السادسة مساءً والزفة يتبقى عليها ساعة بالكثير فنهض يخرج ثمن الشاي من محفظته وهو يجيبها جاي في الطريق، هو فيه حاجة ولا إيه ؟ "

"لا مافيش، كنت عايزاك تشوف بس الفستان بتاعي " نطقت بنبرة مرحة جعلته يبتسم رغما عنه ويسخر "اوعي يكون زي الفستان الأحمر الملغلط اللي كنت لابساه في الخطوبة."

ضحكت ونفت "لا لا، المرة دي فستان نبيتي ملغلط."

"نعم ؟!" صرخ فجأة فضحكت عاليا بهزر يا عم، لا الفستان هيعجبك، أنا جيبته واسع وهادي عشان ما أضايقكش"

هدا وابتسم ثم أردف "ماشي، جاي أهو بسرعة عشان أشوفه، عقبالنا."

بمناسبة عقبالنا، هو إحنا مش اشترينا الشبكة الحمد لله، الشبكة نفسها بقى هتعمل إمتى عشان كدا كثير وأنا خللت جنبك، أنا أصحابي كلهم أتجوزوا حرام عليك يا أخي شكلي بقى

وحش وسطيهم ، اتقي الله يا أخ هشام عشان أنا زهقت "

ضحك وأجابها "يا بنتي مش كنت متنيل عندي ظروف زي الزفت! أنت ما عندكيش دم كدا خالص ؟ هخطبك إزاي يعني!"

اه صح، نسبت إنك كنت مسجون".

توقف وضيق عينيه ثم نظر للهاتف بغيظ هو أنت كل ربع ساعة تفكريني إني كنت محبوس ؟!"

"فخورة بيك فيذكر إنجازاتك سخرت وقهقهت عاليا لتجد الهاتف يتغلق في وجهها، لكنها لم تهتم وأكملت ضحكاتها ثم نظرت لصديقتها التي قد تجهزت بالفستان الأبيض والحجاب الذي

يغطي كامل شعرها وأكملت ضاحكة أخوك ده قفوش أوي، بس بيضحكني "

ضحكت لها ليلى ثم نظرت للمرأة بتوتر وهي تحاول السيطرة على ضربات قلبها المرتفعة لتأتي لها أمها من الخلف وتحتضنها عميقا ثم تزغرد بعلو صوتها كعادتها منذ الصباح، فهي لم تتوقف عن الزغردة عاليا ولا يهمها كونها في فندق سبع نجوم.

كان قيس قد ارتدى بذلته السوداء وتجهز جيدا ثم توجه لأدهم ووضع يده على كتفه وباليد الأخرى أعطاه مفتاحا ثم همهم "أدهم، أنا معتمد عليك، خلي معاك صورتها على الموبايل ولما تيجي اعمل زي ما قولتلك، أبوس إيدك التصرف "

فالنقط الآخر المفتاح من يده وابتلع لعابه بتوتر، في حين أطفأ أحمد سيجارته وتساءل وكأنه انتبه لغياب هشام فجأة "هو هشام فين ؟!".

كانت الساعة السابعة مساءً عندما تقدم قيس من غرفة ليلى وأخذها لينزلوا إلى الأسفل حيث بدأت الزفة، في حين أن أدهم جلس في تلك السيارة الفخمة التي يتعدى سعرها المليون جنيه ينظر الصورة تلك الفتاة ليحفظ ملامحها جيدا ثم يرفع رأسه لينظر خارج سيارته بملل ويدقق في وجه الداخل والخارج لعله يعثر عليها، هذا حتى وجد فتاة تنزل من سيارة أجرة بملامحشريرة وكأنها تنوي على فعل شيء أخرق فانتبه لها وأدرك بسرعة بأنها هي.

رمی بهاتفه بسرعة ونزل من السيارة وضغط بيده على زرار المفتاح الذي في يده فأصدرت السيارة صولا قد جذب انتباه الفتاة والتفتت برأسها لترى ذلك الشاب ذو الشعر البني المصفف للأمام والبذلة الأنيقة ومظهره الفاخر الهادئ يقف بجانب السيارة، ثم ترجل نحوها بهدوء ينافي

توتره بالداخل فأي غلطة سيفعلها ستكلف صديقه تدمير يوم زفافه.

اقترب منها وابتسم وهو يضع يده في جيبه وهما يسيرا نحو الداخل ثم حرك رأسه لها وتساءل

"حضرتك داخلة أنهي فرح ؟"

زمت هند شفتيها وأجابت بتصميم داخلة فرح قيس المرشدي "

ارتسمت ابتسامة صفراء على وجهه وأردف " يا خسارة، كنت فاكرك داخلة فرح أحمد كامل "

جذب انتباهها أكثر وتساءلت باستغراب "مش أحمد كامل ده المغني ؟ هو عامل فرحه هنا ولا "!ايه؟

ضحك بخفوت ونفى برأسه "لا ده تشابه أسماء بس بالمناسبة أنت بتحبي أحمد كامل ؟"

أومأت فأجاب متذكرا نصيحة أحمد بأن يجعل الفتاة تشعر بأن بينهما شيئا مشتركا " وأنا كمان عندي كل أغانيه"

وصلا إلى المصعد ففتح لها الباب برقي وهو يبتلع لعابه بخوف لأنه هو والفتاة يصعدان الآن إلى الزفاف وهو لم ينجح بأخذها بعيدا!

"تعرفي أنا بكره الأفراح جذا، يعني بالنسبة لي أتمشى بعربيتي شوية أفضل من إني أروحفرح" جذب حديثها وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة لتسأل "هي اللي برا دي عربيتك ؟"

"أيوة."

لمعت عينيها وتساءلت " وأنت شغال إيه ؟ "

ليبتسم ابتسامة جانبية ماكرة وينطق "ظابط "

ابتسمت و رفعت يدها تلملم خصلة من خصلات شعرها وتضعها خلف أذنها فمد يده لها وأكمل

"أدهم مقلاد "

فصافحته بالمقابل وأردفت "هند"

بقولك إيه، ما تفكك من الفرحين دول وتيجي نروح نتعشى في أي مطعم تختاريه " قال بجرأة غير معتادة منه عندما يتحدث لفتاة، لكن قيس الذي أكد عليه بأنها فتاة سيئة السمعة تجري خلف أي رجل يملك المال قد جعله غير خائفا مما يفعل أو يقول لها.

بدا التردد عليها وأخفضت رأسها لتنظر إلى الجانب وكأنها تفكر فلم يعطها أدهم الفرصة وأكمل " أو أنا مستعد أجي معاك الفرح وأفكني من فرح صاحبي ها إيه رأيك؟ أجي معاك الفرح ولا نروح نتعشى في مطعم بعيد عن الدوشة ؟"

كانت تعرف أن وجود أدهم معها في الفرح سيمنعها عما قد جائت لتنفيذه بالفعل، لذا فذهابها إلى الفرح لن يجدي نفقا .. لكنها لم تكن لتفوت فرصة التعرف على هذا الشاب الغنى الوسيم والذي يعمل كضابط شرطة !

" هو فرح واحدة صاحبتى من بعيد، فمش مهم ... أنا كمان ما بحبش الدوشة " أجابت وهي ترفع رأسها لتبتسم له ابتسامة خجولة مزيفة وهنا فقط كان الآخر قد تنفس الصعداء وضحك ضحكة

خفيفة وهو يضغط بيده على زرار المصعد ليغير اتجاهه نحو الأسفل.

كان قيس بالداخل يجلس على الكوشة وهو يعلق عينيه على باب القاعة بترقب واضح، وكأنه لا يستطيع التركيز على أي شيء من شدة خوفه، ولقد لاحظت ليلى هذا فمالت عليه وتساءلت

"أنت مستني حد؟"

ليصفر وجهه وينفي برأسه، وبقى على ذلك الوضع حتى جاء أحمد بابتسامة واسعة يبشره بأن ادهم قد نجح بأخذها بعيدا فتنفس الصعداء وابتسم ثم نهض يرقص مع صديقه، وبعدها ظهر هشام يبذلته السوداء هو الآخر يترجل من باب القاعة وقد بدأ يصافح الناس الذي يهنئونه بزواج

شقيقته وهو يعدل من نظارته بتوتر ويرسم ابتسامة مزيفة.

لاحظه قيس فترك الجمع وهرول نحوه بسرعة ليحتضنه ويشده إلى ساحة الرقص، تفاجئ هشام بهذه الفعلة كثيرا لكنه ابتسم وبارك له واعتذر بأنه ليس من محبين الرقص، ثم تركه وترجل ليبارك لشقيقته بابتسامة بسيطة، وقد وجد رحمة بجانبها فتفحص فستانها جيدا ثم رفع إصبع الإبهام لها بابتسامة بمعنى أن الفستان جيد وقد راقه فارتسمت ابتسامة واسعة على

محياها.

انتهى الغرس تزامنا مع توصيل أدهم لهند بسيارة أبو قيس إلى حيث تسكن فنزلت من سيارته بابتسامة واسعة ولوحت له فلوح لها بالمقابل وتركها وانطلق عائدا إلى منزله ليقص على داليا. كل ما حدث اليوم وكيف أنه قد نجح بالإيقاع بهند وإنقاذ زفاف صديقه وكيف أن أحمد رفض فعلها، ثم يخبرها بكل ما دار بينه وبين الفتاة بالتفصيل، يعرف أن داليا تحب سماع تلك الثرثرات وهو يحب الثرثرة بشأن كل ما يحدث معه، ولعل ذلك ما يجعل داليا على علم بكامل تحركات

أحمد دون أدنى جهد منها أو قصد منه.

كانا قيس وليلي قد صعدا إلى شقتهما بالزفة المعتادة التي تصاحب العروسان، ودعتها أمها بالدموع وسحبها أمين زوجها غصبا بعد أن أوصى قيس على ابنته من جديد فأكد له الآخر أن

ليلى في عينيه وأنه سيعتني بها جيدا.

وقف أمام الخزانة يفك أزرار قميصه في حين تابعته ليلى بعينيها بخوف واضح، استدار فجأة فصاحت "ما تقريش مني رفعت سبابتها في وجهه فرمقها بابتسامة ماكرة وتمتم "ما

قربتش !"

"وما تجيش جنبي" أضافت فقطب جبينه وسخر وهو يخلع ربطة العنق عن رأسه "ما جيتش جنبك !"

وخليك في حالك أكملت فشبك يداه أمام صدره "هو أنا كلمتك يا بنتي ! أنا بقلع هدومي ! إيه هنام بالبدلة يعني !"

"ما تزعقليش ! وإلا والله هعيط ..." قالت بنبرة باكية بالفعل فقلب عينيه وابتلع لعابه متراجعا عن صياحه وقال بنبرة لطيفة "ما كنتش بزعق "

أومات وتحركت لتجلس على السرير بفستانها في حين انتهى هو من تبديل ثيابه إلى سترة سوداء وبنطال قطني رمادي وتحرك ليلقي بجسده على السرير ثم نظر لها بدون فهم "مش هتغيري ؟ "

حمحمت وأومات ثم نهضت متوجهة نحو الخزانة، تابعها قيس بعيناه محاولا تبين ما الذي قد اختارته لكنها خبئته وتحركت بسرعة نحو الخارج فابتسم بتوسع وبدأت خيالاته تصور له ما سوف ترتديه، حتى فتحت الباب وترجلت للداخل بإسدال صلاة وحطمت سقف طموحاته فوق رأسه.

"إيه يا خالتي ؟ أنت طالعة تحجي ؟ " سخر وهو يرمقها من أعلى إلى أسفل بضيق

طالعته ببراءة وأجابت "مش هنصلي ركعتين سنة عن الرسول ؟"

استوعب ونهض مبتسمًا "صح، عندك حق اصبري بقى أدخل أخد دش واتوضى، وأهو نبتدي

حياتنا بالصلاة عشان ربنا يكرمنا.".

بعد الصلاة جلس وانتظر حتى تبدل ثيابها لكنها لم تفعل، وكل ما حدث هو تمددها على السرير بإسدال الصلاة

"ما تخلعي البتاع ده، هو مش إحنا صلينا وخلاص؟ " قال وهو يمسك بطرف الإسدال فارتعبت

وابتعدت عنه

توقف وسخر "ناوية على قيام الليل ولا حاجة ؟! عرفيني عشان يبقى عندي فكرة !"

"لا، بس أنا مش هخلع حاجة " أجابت وهي تريتلع لعابها فقطب جبينه بدون فهم "ليه ؟"

"كدا."

"لا مافيش حاجة اسمها كدا، جو سوكا والبلطجة ده مش دلوقتي !"

"أنت هتستفاد إيه يعني لما أخلعه أنت عايز ايه ؟ قالت بطريقة هجومية وهي تحيط بطنها

بيديها

هي مامتك ما قالتلكيش حاجة ؟ "

"قالتلي بعد ما تأكلوا حطي الأكل في الثلاجة عشان ما يحمضش" أجابت فسقط فكه و نظر لها

بصدمة

"ما قالتلكيش حاجة ثانية؟"

" قالتلي اسمعي كلام جوزك "

طب ما تسمعي كلام جوزك وتخلعي البتاع ده!"

"لا " قالت وأنكمشت على نفسها أكثر فزم شفتيه وبدأ الغضب يتملك منه كالعادة

يا حبيبتي ما ينفعش كده أهلك وأهلى هييجوا بكرة يباركولنا، أقولهم ايه ؟!"

ماهم باركولنا في الفرح وخلاص " قالت ببلاهة فرفع حاجبيه وضحك "أصلا؟"

نظرت له بدون فهم فحمحم وحاول عدم الضحك "هما واضح إنهم فكروك عارفة لوحدك، بس ما يعرفوش الخيبة التقيلة ومادام ما حدش شرحلك يبقى تتوكل على الله وأشرحلك أنا." "تشرحلي إيه؟"

ارتفعت شفتيه بابتسامة ماكرة وبدأ بالتحدث شارحًا فتوسعت عينيها مع كل كلمة يقولها حتى أنتهى فوجدها تقفز عن السرير وتمسك بهاتفها وتصيح

"آه يا قليل الأدب، أنا متصل بهشام وأقوله عشان يجي ياخدني."

هرع قيس نحوها وشد منها الهاتف ونطق بذهول "هتقوليله إيه يخربيتك !"

هقوله أنت عايز مني ايه ؟ هو لما يعرف مش هيسكت هييجي يطلقني منك يا سافل "

"ما هو عارف ! " سخر قيس فتوسعت عينيها "إيه ! عارف ؟"

أه، اومال هو مش طايقني ليه وقاعد يتلككلي عشان يتخانق معايا من ساعة ما خطبتك !"

"عارف وساكت ؟!"

"ما هي سنة الحياة يعني وكل الناس بتتجوزا"

" وبابا عارف؟" سألت بنبرة باكية فأوما كل اللي كانوا في الفرح عارفين"

لطمت خديها وبدأت بالبكاء "يا نهار أسود، أنا أتفضحت !"

"اتفضحت ؟ هو أنا مأجرك ساعتين !"

يعني أنا كنت قاعدة في الفرح وكلهم عارفين تلاقيهم كانوا بيتكلموا عليا من تحت لتحت ....

أنا سمعتي ضاعت خلاص "

اه، تخيلي كانوا بيقولوا البت اللي هتروح بيتها مع جوزها أهي !!؟"

فوجئ بها تنهار في البكاء فرمقها بضيق ورفع رأسه إلى سقف الغرفة وهمس "أنا شكل حد

داعي عليا، هي أكيد هند بنت الجزمة "

ثم أنزل رأسه ونظر لها بصمت وقرر التخلي عن ضيفه وعصبيته اليوم ومعاملتها بهدوء

اقترب منها وهو يقول بنبرة حانية " يا حبيبتي بتعيطي ليه بس؟ هو مش أنت مسلمة ومؤمنة بالله وبالقرآن وبالأنبياء؟"

أومأت وهي تمسح عينيها فأكمل "طب مش ده شرع ربنا وربنا هو اللي محلل الزواج؟ والأنبياء كانوا بيتجوزوا وبيخلفوا ؟"

صمتت ولم تجيب فأكمل "مش الناس بتتجوز عشان ما تعملش حاجة حرام؟"

أومات فرفع يده ليمسح وجنتيها "طب بتعيطي ليه بقى ؟ مش أنا متجوزك على سنة الله ورسوله ؟ وعملنا فرح وأشهرنا وكان فيه زفة وفرح؟ ولا أنا شاقطك من شارع شهاب؟"

ضحكت رغما عنها فابتسم "روحي اغسلي وشك واهدي واستهدي بالله كده ووحياة أغلى حاجة عندك ما تدمريش الليلة اللي أنا مستنيها بقالي كثير."

نظرت له يتردد و همست بحزن "بص أنا مش عايزة أضايقك بس أنا مش هينفع أعمل كدا خالص، طب بابا وماما وهشام لما يشوفوني هيقولوا عليا إيه لو حصل كدا؟"

" وهيقولوا عليا أنا إيه لو ما حصلش كدا!" قال بصدمة

"هيقولوا عليك شهم .. خليك شهم وسيبني بالله عليك ."

"لا هما هيقولوا كلمة ثانية بتبتدي بحرف الشين برضه."

شبكت يديها أمام صدرها وصممت "لا، أنا مش هقدر أقابلهم بكرة وأحط عيني في عينيهم "

طب يصي، خلاص مش هنقولهم ... ماحدش هيعرف " حاول أخذها على صغر عقلها فنظرت له

بتردد و همست افرض بقيت حامل، ما هم هيعرفوا كدا؟"

"لا، ما أنت مش هتبقي حامل، ما تخافيش .. أنا أصلا مش عايز عيال دلوقتي "

توسعت عينيها ورمقته بطريقة لم يفهمها ثم أجابت بس أنا عايزة أحمل وعايزة طفل ! إذا كنت أنا متجوزاك أصلا عشان أحمل !"

يعني أنا بالنسبة لك وسيلة للحمل؟ أنا حاسس إني رخيص أوي " قال بطريقة درامية وخبئ جسده بيداه ثم أكمل اه يا قليلة الأدب، أنا هتصل بأبويا ييجي ياخدني".

كان أدهم يقف في شرفته بجانب داليا التي تدخن من سيجارتها وتستمع بهدوء لكل شيء يقوله ومن حين إلى آخر ترمي بتعليق ساخر ويضحكا سويا

بس فكك الواد أحمد رفض رفض قاطع إنه يعمل كدا " قال ضاحكا فابتسمت وأطفأت سيجارتها لتنفخ آخر ما تبقى من الدخان من فمها كلمني وقالي إنه عايز معاد يجيب أهله."

توسعت عينيه بذهول وسارع بالمباركة لها بفرحة عارمة "طب ألف مبروك، مالك يقي شكلك

زعلان ليه ؟"

"خايفة " قالت وهي تستند برأسها إلى السور وقد جلست إلى الكرسي ثم رفعت عينيها إليه خايفة ومش عارفة أعمل إيه، أنا متابعة مع الدكتورة النفسية، وآه حاسة بتحسن، بس مش تحسن كبير يخليني أخد خطوة الجواز فاهم؟ أنا لسه بيجيلي نوبات هلع، أيوة بقيت بعرف

أسيطر عليها شوية بس برضه .. خايفة"

أو ما بتفهم فأكملت ما قولتلوش حاجة زي كدا عشان مش عايزاه يبعد عني، أنا روحت للدكتورة النفسية عشانه"

"بصي، نصيحة ... فكك من موضوع الخوف ده تمام؟ واتكلمي معاه قوليله كل حاجة بتفكري

فيها، أحمد متفاهم جدا على فكرة وأظن إنك عارفة الكلام ده. "

أومأت فمد يده لها يإحدى قطع البيتزا فابتسمت وأخذتها ثم تساءلت "تفتكر هنفضل أصحاب

لحد امتى ؟"

رفع كتفيه وأخذ قضمة من قطعة البيتزا وضحك لحد ما أحمد يخطبك."

قطبت جبينها ونظرت له يصدمة بعد أن رفعت رأسها عن السور "أنت بتهزر؟"

نفى برأسه وأجاب "لا ما بهزرش، أحمد المحلي كذا مرة بشكل غير مباشر إنه مش حابب علاقة الصداقة اللي بينا وإنه مش قادر يتكلم لأن مافيش بينكم حاجة رسمي تسمحله بكدا، خطوبتك منه حاجة رسمي"

حزنت ملامحها ووضعت رأسها على السور مرة أخرى لتقول "لمحلي أنا كمان، وأنا عارفة إنه غيور جدا بس أنا مش عايزة صداقتنا تنتهي، أنت صاحبي الوحيد"

" وأحمد مش صاحبك؟"

صاحبي، بس ما بلاقيش حد أنم معاه عليه غيرك " ضحكت فضحك وتمتم "هعرفك على واحدة كدا، هي برضه ما عندهاش أصحاب طول عمرها، ممكن تبقوا أنتوا الإثنين أصحاب، هي لطيفة على فكرة وأهم حاجة إنها لو حبتك هتلزقلك، ولعلمك هي كمان رغاية."

لم تستلطف الفكرة في بادئ الأمر لكن فضولها أخذها لتسأل "مين دي ؟"

"شيري "

مش قالتلك إنها عندها واحدة صاحبتها خدتها للجيم وإنها اتعرفت على واحد اسمه وائل

وبيحبوا بعض ؟!"

ضحك ورفع إحدى حاجبيه كدابة، لا فيه وائل ولا صاحبة ولا حاجة، أنا راقبتها كويس عشان أتأكد هي مالهاش أصحاب أصلا ومافيش أي واحد اسمه وائل على كل أكاونتاتها، زائد إنها ما بتروحش جيم "

أومأت داليا ونظرت بعيدا لكنها سرعان ما رجعت بعينيها له طب وأنت مهتم بيها كدا إنك تراقبها يعني ؟!"

توتر وابتلع لعابه ليجيب "مش مهتم ولا حاجة! عادي يعني!"

أعطته داليا نظرة غير مصدقة ثم تساءلت "أنت قولت عليها لطيفة كمان .. غريبة يعني !"

رفع يده يحك لحيته وتمتم أصلنا اتكلمنا وكدا .. مش عارف بس هي مش وحشة للدرجة اللي أنا كنت متخيلها يعني !"

" إزاي ؟ " بدأت داليا تستدرجه للكلام فبدأ يحكي لها كل شيء وكيف أنه قد جذب حديثا مع شيري بدافع الغيرة لأنها قد رفضته وفضلت رجلا آخر عليه، ثم أخذ يراقبها وتأكد بأنها كانت تكذب عليه تم بدأ يحادثها باستمرار ووجد أنها ليست بذلك السوء، وكل ما في الأمر أنها تحبه وتتلعثم بجواره وتتوتر كثيرا عندما تراه، وأنه قد بدأ يظنها لطيفة وحتى بدأ يراها بشكل مختلف قليلا لأنها قد بدأت تغير من طريقة لبسها مؤخرًا وأصبحت ترتدي ألوانا منسقة وحجاب مهندم، وعندما سألها قالت له بأنها بدأت تتابع صفحة بلوجر مشهورة وترتدي مثلها، وحتى أنه

أصبح يرى لتغتها لطيفة.

"أه وبعدين؟ يعني أنت مش مهتم بيها برضه؟"

مهتم شوية - " تمتم بإحراج فضحكت طب هتعرفني عليها إمتى؟"

"هشوف كدا."

تواني كدا، والبت بتاعة النت ؟"

"لا فكستلها، طلعت من سوهاج وأنا أكسل من إني أحب واحدة في سوهاج أساسا، المشوار بعيد

يخربيتك ده الله يكون في عونها شيري وعهد الله".

دخلت داليا إلى غرفتها وتمددت على سريرها ثم علقت عينيها على السقف، وسرعان ما التقطت هاتفها وفتحت محادثتها مع أحمد التجده قد أرسل لها صوره في حفل الزفاف، كان وسيما كثيرا الدرجة أنها لم تمنع نفسها من قولها هذا له في رسالة، لم تظنه مستيقظا حتى الآن لكنه ظهر نشطا فور بعثها له برسالة، ولم يلبث أن اتصل بها ليبدأ هو الآخر بإخبارها عن ما حدث معه اليوم ثم سألها عما فعلته اليوم وقد بدأ يتذمر للمرة الألف

"أنا كنت عايزك تيجى معايا!"

"لا ماكنتش قادرة أنزل "

"ليه يعني؟"

" بطني واجعاني شوية."

صمت لوهلة قبل أن يردف "اه ... تمام طب اشربي حاجات سخنة وما تتحركيش بقى كثير وما تاخديش مسكنات عشان مضرة، هجيلك بكرة وهجيبلك شوكولاتة."

تصبغت وجنتيها وهمت بالإنكار "إيه دها أنا بطني واجعاني شكلي كلت حاجة من برا باين"

بقولك ايه فكك من الجوده أنت أصلا مش مظبوطة بقالك كام يوم وأنا عارف، المهم عايزة شوكولاتة بالبندق ولا بإيه ؟"

تلجمت تماما ورفعت يدها تحك عنقها بإحراج فأكمل ضاحكا هجيبلك كذا نوع خلاص "

"أنت رخم " تذمرت فقهقه عاليا وتمتم أجيبلك هوت شوكلت كمان؟ حاجة سخنة وكدا؟" مش عايزة هوت رفت أنا."

"صح، كفاية أنت هوت."

تصنمت في مكانها لوهلة وبدأت عينيها تتحرك في كل اتجاه وقد بدأ تنفسها يزداد ولم تدري بماذا تجيب لتجد الآخر يكمل "حبيبي، نمت ولا إيه ؟ "

"لا هنار"

فتكلم مرة أخرى وكأنه لم يفعل شيء نعسانة عايزة تنامي ؟ ممكن أخليني معاك على التليفون لحد ما تنامي ؟"

وافقت وظلا يتحدثان طويلا لتجده هو من غرق في النوم فضحكت وأبقت على المكالمة لتتأكد هل يصدر أحمد أصواثة وهو نائها أم لا . لكنها لم تسمع أي شيء بالنهاية سوى صوت تنفس بطئ فابتسمت وأغلقت المكالمة ثم أبقت عينيها على السقف، لم تكن تحب فكرة التخلي عن صداقتها بأدهم لكنها لو اضطرت إلى التخلي عن أحدهما فهي لن تستطيع التخلي عن أحمد، ربما بسبب احتوائه لها وحبها له كما أنه يمثل لها الصديق والحبيب في وقت واحد، أما أدهم فلا أدهم فقط صديق، وكما أنها ليست بالغبية لتدرك أن لا رجل شرقي سيسمح لحبيبته بإتخاذ صديق من

جنس آخر وهي لا تريد مضايقة أحمد.

سحبت وسادتها واحتضنتها وكانت ستغمض عينيها لكنها فوجئت بالهاتف يرن وصوت أحمد الناعس يتكلم "حبيبي أنا آسف نمت غصب عني "

" ولا يهمك، روح كمل نوم، أنا كمان هنام"

"لا خليني معاك" قال بنبرة ناعسة دافئة فنفت "لا، أنت تعبان روح نام تصبح على خير."

رضخ لأمرها وأغلق المكالمة ليتركها مبعثرة مع مشاعرها فقط بسبب تصرفه الصغير هذا ككونه يريد أن يكمل كلامه معها رغم تعبه ورغبته الشديدة في النوم، لا تعرف ما الذي فعلته لذلك الرجل كي يتعلق بها هكذا؟ لكنها شاكرة لكونه يفعل ربما هي خائفة بل مرتعبة، لكن وجود أحمد معها يجعلها تحاول تجاهل خوفها لأجله ... لألا تخيب آماله بها، ولكي لا تجعله تعيشا؛ فهي تدرك ما مر به أحمد لكي يصل لتلك المرحلة معها، لقد تحمل عندا وجفاء وبرودة منها وصبر حتى لانت له، في حين أنه كان يمكنه التخلي عنها والذهاب لفتاة أخرى، وهي بشكل أو بآخر تعرف ما خاضه أحمد ما عائلته لكي يقنعهم بزواجه منها، رغم أنه لم يتحدث عن ذلك الأمر وقال لها أن والدته ووالده وشقيقه رحبا بالأمر كثيرا لكن بداخلها شيئا لا يصدقه، هي تشعر بأنه يكذب لأجلها .. وحتى تصرفًا كهذا منه قد جعلها تراه لطيفا بشكل لا يصدق.

حل الصباح على قيس الذي يجلس متريفا على سريره واضعا يده تحت خده بضيق وينظر لليلى النائمة بإسدال الصلاة بجانبه بأعين ضيقة متحسرة حتى استيقظت الأخرى ونهضت

تحك عينيها بابتسامة بسيطة "صباح الخير."

"صباح الزفت " همس لنفسه بصوت منخفض ثم نظر لها وسخر "طبعا أنت هتعيشي حياتك بالإسدال ده؟"

"لا طبقا، أنا جايبة خمس إسدالات " أجابته ونهضت تفرد جسدها وتتقطع فرمقها الآخر من الخلف بغيظ فالتفتت له وتساءلت "هتفطر؟ أسخن الأكل؟"

"مش هطفح " تمتم ونهض ليترك لها الغرفة بأكملها ليجلس في الصالة ويفتح التلفاز ويعلق عينيه عليه غير أنه لم يكن يشاهد كان فقط يفكر وهو يقضم أظافر يديه رغما عنه، لقد قضى ليلته محاولا إسكاتها عن البكاء وكأنها قد ركبت ماسورة في عينيها مؤصلة بتيار الماء العمومي !!!! ما المشكلة معها؟ لقد أخذ منها بعض القبل والأحضان بعد كتب كتابهما ولم تكن تبكي هكذا؟ ما الأمر إذا ؟

جانت لیلی بصينية ووضعتها أمامه ثم جلست بجانبه بابتسامة بسيطة "أنت ما أكلتش من امبارح يلا هناكل سوا ده فطير بلدي هيعجبك "

حرك رأسه لها ببطء فوجدها قد غسلت وجهها ورتبت نفسها لكنها ما زالت لم تخلع الإسدال.

"مش عايل " صمم وأشاح بوجهه بعيدا فعبس وجهها وتركت الأكل هي الأخرى لتشبك يديها أمام صدرها وتنظر إلى الأمام بضيق

" هو أنت يعنى عايز إيه ؟"

مش عايز حاجة" قال ونهض متوجها نحو غرفتهما وبدأ يخرج ملابس للخروج فتوسعت عينيها وأمسكت بذراعه "أنت بتعمل إيه ؟ "

"خارج ! زهقت.

ما يصحش تخرج، ما ينفعش !"

" والله ؟ لما أنت عارفة اللي يصح واللي ما يصحش ما قولتيش الكلام ده لنفسك ليه؟ هو يصحتقعديلي بإسدال ليلة فرحنا؟ هو أنا متجوز خالتي !"

توقفت عن الكلام ولمعت عينيها فأدرك أنها ستبكي من جديد فقلب عينيها وهمس لنفسه "يا ليلة أهلي السودا، ده أكيد عقاب ربنا "

بدأت بالبكاء فعلا فرق لها من جديد واقترب محاولا تهدئتها "خلاص ما تعيطيش مش خارج اديني قاعد أهو خلاص فكك مش عايز حاجة تيجي تلعب على الإكس بوكس ؟"

ابتلعت لعابها ومسحت عينيها وهي تتساءل "إيه الإكس بوكس ده؟"

"حاجة زى البلايستيشن كدا، تلعبي ؟ هعلمك "

أومات وكفكفت دموعها ثم ابتسمت ابتسامة بسيطة فسحبها من يدها ليجلسا أمام التلفاز وشغله ثم أعطاها ذراع تحكم وأمسك بالأخرى وبدأ يشرح لها كل شيء وكيف تلعب وما الذي تفعله الأزرار التي لي أجهزة التحكم ولدهشته لیلی قد تحمست كثيرا مع أول لعبة وأزاحت غطاء الرأس عن شعرها لأنه كان يخنقها.

"إيه ده؟ أنا كسبتك ؟!" صاحت بحماس وضحكت عاليا فضحك لضحكتها ومثل وكأنه حزين رغم أنه من تركها تفوز فرمي بجهاز التحكم وتذمر "ده حظ مبتدئين "

تيجي جيم كمان؟ هقطعك " قالت وهي تمسك بجهاز التحكم مرة أخرى فابتسم ابتسامة ماكرة ومال عليها ليتوعدها " ده أنا اللي هقطعك.".

للمرة الثانية على التوالي تركها تفوز عليه فضحكت ورماته بسخرية "حظ مبتدئين ها؟"

طب تيجي جيم كمان واللي يخسر لازم ينقذ طلب الثاني ؟"

وبثقة هي قد أجابت "ماشي، لعلمك انت هتخسر وهخليك تقوم تغسل المواعين مكان الأكل اللي ما كلنا هوش."

موافق بس مافيش رجوع في كلامنا الخسران هينفذ الطلب، أمين؟" "أمين"

فهقه رغما عنه وقضم السفلى ثم أوماً بأعين ضيقة وابتسامة خبيثة ثم بدأ اللعبة التي خسرت فيها ليلى باكتساح هذه المرة فظهر عبوس الأطفال على وجهها ورمقت قيس بنظرة طفولية

وهي تتساءل "عايز ايه ؟"

ارتفعت شفتيه بابتسامة ماكرة وفرد ذراعيه على الأريكة ليجيب "اخلعي الإسدال ده".

كان قد مر يومان عندما اتصل بهما هشام وقال بتوتر "عيال، النتيجة طلعت ... موقع النتيجة مش راضي يفتح بس أنا يحاول من الصبح مستنيكم عندي في البيت".

تعليقات