رواية قانون يونس الفصل السادس
هناك خط رفيع بين أن تطلب العدالة وأن تسعى للانتقام
كان الشارع من حولها يضج بأصوات سيارات الإطفاء والمارة
وقفت ورد تنظر إلى الظرف في يدها وكأنه عقرب يوشك على لدغها.
في هذه اللحظة كانت مبادئها التي تعرفها والتى تدرسها في كتب القانون تصرخ بداخلها
(توقفي و اذهبي للشرطة)
لكن صورة أخيها أحمد وهو ممدد في المشرحة والدماء تغطي وجهه، صرخت بصوت أعلى.
استقلت سيارة أجرة كانت وجهتها عنوان الشاهد في منطقة عشوائية مكتظة
طوال الطريق كانت كلمات يونس تتردد في جمجمتها
الشرف لا يعيد حق الموتى.. القوة تفعل
وصلت إلى البناية المتهالكة صعدت السلالم و قلبها يقرع بعنف يهدد بتحطيم ضلوعها.
وقفت أمام شقة في الطابق الرابع وطرقت الباب.
فتح رجل في منتصف العمر ملامحه تكسوها شحوب الفقر والخوف
محمود الشاهد الذي كان يظن أنه سيحقق العدالة غداً.
مَن أنتِ؟ سأل بصوت حذر وهو يحاول إغلاق الباب.
دفعت ورد الباب بيدها بقوة لم تعهدها في نفسها
واقتحمت الشقة الصغيرة نظرت إلى الأثاث البسيط وإلى صورة بناته المعلقة على الحائط
ابتلعت غصة مريرة في حلقها واستدعت طيف يونس العامري بداخلها.. بروده و قسوته وعينيه الخاليتين من الرحمة.
ألقَت الظرف على الطاولة الخشبية أمامه وقالت بنبرة جليدية لا تشبه صوتها أبداً
افتحه
فتحه الرجل بيدين ترتجفان
ما إن رأى الصور الفاضحة والمفبركة ببراعة شيطانية لعائلته حتى سقط على ركبتيه
لا.. أبوس يدك
بناتي سيمُتن من الفضيحة أنا لم أرَ شيئاً
أقسم لكى أنني سأنسى كل شيء بكى الرجل بانهيار ممسكاً بطرف سترتها.
في تلك اللحظة مات شيء ما داخل ورد شعرت بالقذارة
و بالخسة وبأنها تحولت إلى النسخة التي كانت تحتقرها
نظرت إليه من الأعلى وسحبت الشيك ذا الأصفار الستة من جيبها وألقته بجانبه
غداً في المحكمة.. ستصاب بالعمى المؤقت
وهذا ثمن علاجك
استدارت وغادرت الشقة سريعاً قبل أن تخونها دموعها.
ركضت في الشارع كمن يهرب من كلاب مسعورة
حتى وصلت إلى النيل
توقفت لتلتقط أنفاسها لكنها حين نظرت ل انعكاسها على سطح الماء لم ترَ ورد
بل رأت تلميذة نجيبة لـ يونس العامري
في تمام الثانية صباحاً
وصلت إلى جناح فندقي فاره في الزمالك
وهو العنوان البديل الذي أرسله يونس في رسالة
دخلت الجناح لتجده يجلس
و الضوء الوحيد ينبعث من شاشة حاسوبه المحمول
وأمامه كوب من القهوة ومسدس موضوع على الطاولة الزجاجية
لم يكن هذا محامياً.. كان رجل حرب يخطط لهجومه
لم ينظر إليها بل سأل ببرود
هل صرخ كثيراً؟
لقد انهار أجابتها ورد بصوت متعبة
"لقد فعلتُ ما طلبته. بعتُ روحي الآن.. أعطني ملف أخي.
توقف يونس و أغلق الحاسوب والتفت إليها
نظر إلى عينيها المحمرتين وإلى وقفتها التي فقدت براءتها واكتسبت صلابة جديدة.
لم يبتسم بل كان في نظراته احترام غريب.. احترام قاتل محترف
سحب ملفاً أحمر من حقيبته وألقاه على الطاولة بجوار المسدس.
هذا هو الملف.. لكن قبل أن تفتحيه دعينا نضع النقاط على الحروف
نهض يونس واقترب منها حتى أصبحت محاصرة بينه وبين الأريكة.
الرجل الذي أحرق مكتبي والذي أمر بقتل أخيكِ ليخفي سرقة مناقصات وزارة الإسكان
ليس مجرد مجرم شوارع
إنه طارق المهدي. عضو مجلس النواب وحوت العقارات الأكبر في البلد.
لقد استخدمنا جميعاً
استخدم المجرم التافه ليقتل أخاكى واستخدمني أنا لأبرئ المجرم وأغلق القضية بسلاسة
اتسعت عينا ورد بصدمة النائب طارق المهدي؟ لكنه فوق القانون
مال يونس برأسه قليلاً ولمعت عيناه بوميض شيطاني مرعب
بالضبط. لهذا السبب، القانون لن ينفعنا معه يا ورد.
من الآن فصاعداً نحن خارج تغطية العدالة. نحن سندمر إمبراطوريته حجرًا حجرًا وسنجعله يتمنى الموت قبل أن نمنحه إياه.
مد يده إليها
ليمسح دمعة علقت على وجنتها وقال بهمس خطير
أهلاً بكِ في الجحيم يا شريكتي هل أنتى مستعدة للرقص مع الشيطان حتى النهاية؟
نظرت ورد إلى المسدس ثم إلى الملف الأحمر وأخيراً إلى عيني يونس لم تعد هناك عودة.
رفعت ذقنها وردت بنبرة حادة كالسيف
أنا مَن ستقود هذه الرقصة يا يونس العامرى.. ولن نتوقف حتى يحترق هو برماده
