رواية فوق جبال الهوان الفصل السبعون 70 بقلم منال سالم


 رواية فوق جبال الهوان الفصل السبعون 

أزاحت الستار قليلًا لتظل عيناها قابعتان على الطريق، منتظرة قدوم أكثر من تبغض حاليًا. لم تشتكِ "وجدان" من الألم الذي بدأ يصيب ساقيها من كثرة الوقوف، ولم تضجر من الانتظار الممل. تعجبت "تفيدة" من استمرار مراقبة ضرتها للشارع، وعزوفها عن أداء أعمال المنزل تلك التي كانت تتنازع معها لتقسيمها بينهما، فإن كانت تترقب عودة زوجهما، فكلتاهما تعلمان جيدًا أنه سافر لبضعة أيام خارج البلدة، إذًا ما الذي يجعلها تقف هكذا لساعاتٍ؟ 
بطرف عينها نظرت "وجدان" إلى ضرتها التي وضعت يدها على كتفها لتثير انتباهها وهي تسألها أيضًا في شيءٍ من الاستغراب:
-هتفضلي على حالك إكده كتير يا خيتي؟
ردت بملامح جامدة، ونظرات قاسية:
-أني مبسوطة إكده!
لترجوها الأخيرة كمحاولة يائسة منها لسحبها خارج بئر الخواطر المزعجة الذي تُغرق نفسها فيه:
-الفكر عِفش عليكي.
نهرتها "وجدان" في شيءٍ من العصبية:
-جرى إيه يا "تفيدة"؟ إمضايجك إني واجفة أشم شوية هوا، كني في سجن عاد!!
حاولت التعامل معها بتعقلٍ وسلاسة، فهمت توضح لها:
-مجصدش يا خيتي بس...
إلا أنها قطعت عليها السبيل لفتح أي مجالٍ للنقاش، وخاطبتها في صرامةٍ، كأنما تأمرها:
-طُلي على بناتك أحسن.
دون الحاجة لسؤالها كانت "تفيدة" متيقنة أن شاغلها الوحيد هي "أحلام" فقط، لذلك لم تتجادل معها كثيرًا، وتركتها على حالها وهي تمضي بعيدًا عنها:
-براحتك.
فيما لاحت بسمة لئيمة على ثغر "وجدان" وهي تخاطبها بعبارتها الغامضة:
-بكرة تجعدي جاري واحنا بنتفرجوا على الزيطة.
لم تفهم ما الذي ترمي إليه بهذا، لكنها أشفقت عليها، وعادت لتنظيف المنزل، لتنتصب "وجدان" فجــأة في وقفتها عندما لمحت "أحلام" قادمة، وبجوارها خادمتها السمجة. ترقبت بتحرّقٍ صعودها للأعلى لتبدأ دوامة هــلاكها. 
اتسعت ابتسامتها الماكرة بالتدريج، وأسرعت في خطاها نحو الباب، وقفت خلفه، وألصقت أذنها بالكتلة الخشبية لتسمع وقع الأقدام أثناء صعودها للطابق العلوي. انتشى داخلها بشدةٍ عندما وصل إلى مسامعها صوت غلق الباب، لحظتها فقط تراجعت وسارت بخيلاءٍ تتبختر في الصالة وهي تزيح حجاب رأسها لتمسك بخصلات شعرها وتدلكها بترفقٍ، أطلقت ضحكة خافتة مملوءة بالحقد وهي تهمهم مع نفسها:
-بالســـم الهـــاري!
............................................
زيارته المفاجئة جعلت "عيشة" تُوقف ما لديها من أعمال في المطبخ، وتُسرع إلى الداخل لتبدل ثيابها بأخرى مناسبة، لتترك لابنتيها مهمة استقبال الضيف والترحيب به على أكمل وجه. كان بالها لا يزال منشغلًا بطلب "غيث" الذي أعلمها به عندما سنحت له الفرصة للاختلاء بها بعيدًا عن أعين ابنتيها، حيث أفصح عن رغبته الشديدة في استمرار زواجه من ابنتها. استحسنت ذلك للغاية، وأبدت دعمها الكامل له، إلا أنها نصحته بالتمهل وعدم الاستعجال، وأعطته الوعد بأنها ستسعى بكل السبل لتمهيد الطريق إليه، ليتمكن من استعادة ما أوشك على فقدانه.
تنهدت وهي تستل عباءتها لترتديها هاتفة في رجاءٍ:
-ربنا يبعد عنكم الشيطان ويقرب ما بينكم.
أثناء ارتدائها للعباءة، اشتبك طرفها بمسمار بارز، فتسبب في تمزيقها، تخشبت في موضعها، وشهقت مصدومة:
-يا ساتر يا رب.
حررت الجزء العالق بالمسمار، ونظرت إلى الفتحة الممزقة باستياءٍ، قبل أن تتحرك صوب مرآة التسريحة لتفتش بداخلها عن إبرة وخيط لتحيك ما تمزق على عجالةٍ.
............................................
جلس "غيث" في مواجهة ذلك الرجل الغريب بالصالة، وساقه اليسرى لم تكف عن الاهتزاز، فهذه هي المرة الأولى التي يراها فيه، عشرات الأسئلة دارت في رأسه حول طبيعة العلاقة التي تربطه بهن، وخصوصًا بعدما لاحظ الاهتمام الكبير لاستقباله، وكأنه يملك الحظوة عليهن. 
بادله "عادل" نفس النظرات الجامدة المستفهمة، بدا على وجهه علامات استنكار وجوده حول تلك النساء المسكينات. أسندت "إيمان" صينية المشروبات الباردة على الطاولة، فيما استغلت "دليلة" فرصة تأخر والدتها في القدوم لتعرف بهوية الزائر في شيءٍ من التباهي:
-ده الأستاذ "عادل" ابن المرحوم صديق بابا.
ليرد "غيث" بخشونةٍ محسوسة، وحدقتاه مرتكزتان فقط عليه:
-اتشرفنا.
بينما علق "عادل" بإيجازٍ:
-أهلاً وسهلًا.
أضافت "دليلة" أيضًا، كما لو كانت تتعمد إغاظة "غيث" بطريقةٍ مراوغة وملتوية، غير عابئة بتلك النظرة الحانقة البارزة في عينيه:
-أستاذ "عادل" يعتبر من أوائل الناس اللي وقفوا معانا، وفتحوا باب بيتهم لينا في عز أزمتنا.
ليعلق "عادل" في شيءٍ من الحرج:
-ماتقوليش كده يا آنسة "دليلة"، والله أزعل.
استشاط "غيث" غيظًا من الأريحية التي يظهر عليها ذلك الضيف، وخاصة ما زوجته التي يناديها بهذا اللقب المثير للأعصاب، وعلى حسب ما رواه، لا تربطه أدنى صلة قرابة بهن، فكيف له أن يكون بهذا القرب منهن؟ لتغيم تعابير وجهه أكثر حينما رآه يحول دفة الكلام نحو "إيمان" ليسألها مستفسرًا بنبرة استشعر خلالها استخفافه به:
-هو ده قريبكم؟ أنا ماشفتوش قبل كده!
وقتئذ قام "غيث" -ومن تلقاء نفسه- بتوجيه كلامه إليه:
-أني أبجى جوز الست "دليلة"، يعني زي ما بتجولوا إكده يا مَصَروة أبجى راجلهم!!
شلت المفاجأة "عادل" لحظيًا، ليصيح مستهجنًا بعدما استوعب ما قيل توًا، وقد انعكست على تقاسيمه آثار الصدمة:
-نعم؟ ده حصل إزاي وامتى؟
سادت تكشيرة كبيرة على وجه "غيث" وهو يرد بتجهمٍ على ما اعتبره لغوه:
-عندك مانع إياك؟!!
فيما أوضحت له "دليلة" وهي تشير بيدها، بما يوحي بعدم اكتراثها:
-ده جواز صوري، كده وكده يعني.
استفزته بتصريحها ذلك، فرمقها بنظرة نارية، إلا أنها كعادتها تجاهلت حالة الاستنفار الجلية عليه، وتحدته علنًا، فيما تساءل "عادل" مستفهمًا:
-يعني إيه الكلام ده؟
راحت من جديد تشرح له بإيجازٍ عن ملابسات تلك الزيجة الاضطرارية، ليعترض في النهاية بشيءٍ من التجهم:
-غلط اللي عملتوه ده كله من الأول.
في تلك اللحظة، وقبل أن يصبح النقاش على أشده، انضمت إليهم "عيشة" ولاحظت كيف تبدو الأجواء شبه متوترة، فجلست على الأريكة بعد ترحيبٍ سريع بالضيف، لتجده يلومها في شيءٍ من العتاب:
-إزاي يا حاجة توافقي تورطي بنتك مع ناس ماتعرفوش هما أصلًا مين؟
بلغ "غيث" ذروة تحمله، ولم يقبل المساس بشخصه أو بأي فرد ينتمي إلى عائلته، لقد ضبط أعصابه على قدر استطاعته، إلا أن استمرار "دليلة" في استفزازه أفقده هدوئه ورزانته، ناهيك عن تلك الكلمات الأخيرة التي كانت كالقشة التي قصمت ظهر البعير، فهب قائمًا من جلسته، ليناظره من عُلياه وهو يحذره بنبرة عدائية مطوحًا بيده في الهواء:
-ما تلزم أدبك يا جدع إنت!! ولا أني مش مالي عينك؟
نهض "عادل" بدوره، وناطحه الند بالند:
-أنا معرفش إنت مين أصلًا.
ليصيح به وقد أوشك على الانقضاض عليه:
-وأني جاهز أعرفك مجامك!
لتقوم "عيشة" سريعًا من موضع جلوسها لتحول بينهما هاتفة في قلقٍ:
-اهدوا يا جماعة، ماينفعش كده، للموضوع مش مستاهل خناق.
تحركت أيضًا "دليلة" و"إيمان" من مكانهما، لتقول الأخيرة في جديةٍ، وكأنها تتعمد سكب الزيت على النار المتقدة:
-وبعدين احنا متفقين على الطلاق أصلًا.
آنئذ خصَّها "غيث" بنظرة قاتمة، شـــرسة للغاية، أخافتها للحظةٍ، ومع ذلك لم تتراجع، أليس ذلك شيئًا حتميًا سيحدث إن عاجلًا أم آجلًا؟ لتشتت نظرتها عنه عندما خاطبها "عادل" بنفس اللهجة اللائمة:
-يا آنسة "دليلة"، ليه تقبلي بحل زي كده مهما كانت الضغوط؟ وفي الآخر حتى لو طلقك...
مع كلمته الأخيرة تلك كان يتطلع إلى "غيث" بحنقٍ، ليكمل بنفس اللهجة المنطقية:
-فإنتي برضوه الخسرانة، هتاخدي لقب مُطلقة على الفاضي، يعني شيء هيضرك أكتر ما هو هيفيدك!
أخذته العزة وفارت دمائه، خاصة بعدما استهان به هذا الغريب، فصاح "غيث" بصوتٍ جاهد ليبدو هادئًا، إلا أنه خرج كزمجرةٍ احتجاجية: 
-ومين جالك إني هطلج، دي مَرَتي، وأني ماستغناش عنها.
ثارت حفيظة "عادل" من أسلوبه هذا، ورد بتحدٍ سافر: 
-فكرك إنك هتقدر تلوي دراعها؟ تبقى غلطان، في محاكم، وفي خُلع لو مكونتش سمعت عنه!
وكأنه انتزع فتيل قنبلة موقوتة، انفجـــر "غيث" هادرًا بصوته الجهوري، وقد همَّ بالاندفاع ناحيته لينقض عليه، ويمسك به من تلابيبه:
-خُلع إيه يا جدع إنت؟ ما تخلنيش أعملها معاك!!!!
حالت "عيشة" بجسدها بينهما، والتفتت ناظرة نحو "غيث" ترجوه:
-خلاص يا ابني، هو ما يقصدش!
لم يرق "دليلة" ما يقوم به "غيث" بأي حالٍ، فصاحت به في
-هو إنت بترجع في كلامك ليه؟ مش ده كان اتفاقنا؟ إننا نتطلق؟ وإنت بنفسك اللي قررت ده!
استدار ينظر تجاهها قائلًا:
-كنت غلطان، وماعفكرش!
لترد عليه بمكابرةٍ، وكبريائها يحز في نفسها:
-بس أنا دلوقت اللي عايزة أطلق، وبقولهالك يا تطلقني بالذوق، يا إما هروح المحكمة...
لم يعطها الفرصة لتكمل جملتها، بل انطلق لسانه يحذرها بلهجةٍ صارمة وبغير تساهلٍ:
-طب اعمليها إكده وأني.....
هنا فقدت "عيشة" صوابها، وصرخت عاليًا في وجه الجميع:
-كفاية بقى حـــرام عليكم، إيه محدش عاملي اعتبار؟
توقف "غيث" عن حربه الكلامية مع "دليلة"، وتراجع خطوة للخلف معتذرًا:
-أني محجوجلك يا حاجة.
ليقول "عادل" هو الآخر بندمٍ واضح:
-أنا أسف يا حاجة "عيشة"، مكونتش أحب الأمور توصل لكده.
فيما أمسكت "إيمان" بذراع شقيقتها لتجذبها بعيدًا وهي تخاطبها بصوتٍ شبه خافت:
-تعالي يا "دليلة" نخش جوا، مالهاش لازمة نفضل هنا.
ردت معترضة:
-لأ، أنا عايزة أعرف هيتقال إيه، احنا مش عيال صغيرة.
هدأت الأجواء إلى حدٍ ما، وعاد الجميع إلى أماكنهم، ليستأذن "عادل" بالرد على هاتفه المحمول عندما ارتفع رنينه مبررًا:
-المحامي بيتصل هشوف عايز إيه.
ردت عليه "عيشة" بغير ممانعة:
-خد راحتك يا ابني...
ووجهت أمرها إلى ابنتها:
-معاه يا "إيمان" لحد البلكونة.
استغربت من ذلك، ومع هذا استجابت لأمر والدتها، وتحركت هاتفة في طاعة:
-حاضر، اتفضل من هنا.
قال "عادل" ممتنًا:
-شكرًا على تعبك.
أرادت "عيشة" أن تُوجد فرصة بين ابنتها وزوجها لتخفيف حدة النقاش، فاستطردت معاتبة:
-وإنتي يا "دليلة" لما تتكلمي مع جوزك يكون بأسلوب أحسن من كده.
اربد وجه الأخيرة بالضيق للتحيز الجلي من قِبلها تجاهه، وأردفت في تجهمٍ:
-ماما أنا مغلطتش، وبعدين ما كله على يدك.
وقتئذ تكلم "غيث" بتمهلٍ:
-بصي يا بت الناس، أني بالي طويل فوج ما تتخيلي، بس صبري ليه آخر.
لتصيح به في تبرمٍ:
-وإنت محموء ليه؟ مش ده اللي اتفقنا عليه؟
لديها كل الحق لتغضب، لتثور، لتنفعل عليه بسبب قراره المتسرع؛ لكن والدتها تولت هذه المرة تلك المهمة العصيبة، وردت مدافعة عنه بتعاطفٍ:
-خلاص يا "دليلة"، "غيث" كان كلمني وقالي إنه عمل كده علشان يديكي فرصة تراجعي مشاعرك ناحيته، وتفكري بالراحة، ويكون جوازك منه باقتناع، مش تحت ضغط.
استثارها التناقض الذي تعايشه الآن، فإن كان من قرر منذ البداية إنهاء ما بينهما، فلماذا الآن يرفض ذلك؟ أمن المحتمل أن قلبه لا يزال يحتفظ ببعض المشاعر الوالهة تجاهها؟ أم أنه مجرد الإحساس بالذنب وتأنيب الضمير؟ لهذا جاء رفضها منطقيًا:
-واللي بيحصل دلوقت مش ضغط برضوه؟ أنا ماقبلش بكده!!!
لتخبرها والدتها ببساطةٍ:
-محدش استعجلك على حاجة.
فضل "غيث" عدم الانخراط معها في أي مجادلة حالية، تجنبًا لتعقيد الأمور، واكتفى بالنظر إليها بهذه الملامح المتصلبة، فهو في النهاية يريدها في حياته، وبأي طريقة ممكنة. سرعان ما انتقل ببصره نحو "إيمان" التي عادت لتهتف بحماسٍ، وعلى قسماتها هذه الإشراقة السارة:
-ماما في أخبار حلوة.
سألتها "عيشة" في اهتمامٍ:
-خير يا "إيمان"؟
قام "عادل" بإطلاعهم على آخر المستجدات المبهجة:
-المحامي بيقول إن "راغب" اتقبض عليه.
انفرجت شفتا "عيشة" عن شهقة ذاهلة، قبل أن تردد:
-معقولة!!!
.............................................
تفننت في طهي أحب الأطعمة إليها، لتعوضها عن مرارة ذلك اليوم الكئيب بعدما تعرضت للتوبيخ مجددًا في منزل أبيها. أسندت "نعمة" أطباق الطعام اللذيذ على الطاولة الصغيرة الموضوعة في الصالة، حيث تجلس "أحلام" بشرود على الأريكة، وتتطلع بعينين واجمتين وبغير تركيز إلى ما تبثه شاشة التلفاز. نبهتها إليه بقولها:
-الوكل جاهز يا ستي.
نفخت "أحلام" بضجرٍ، وأمرتها:
-شيله من جصادي، مالوش عازة.
أشفقت عليها هاتفة بإصرارٍ:
-ليه بس يا ست "أحلام"؟ ده إنتي على لحم بطنك من صباحية ربنا، ماحطتيش الزاد في بؤك، دوجي معلجة إصغيرة بس.
اضطرت أن تتناول لقيمات محدودة مما أعدته لتسكت صوت قرقرة معدتها الجائعة، وأشارت لها فور أن فرغت لتأخذ الطعام بعيدًا، فهتفت "نعمة" فيما يشبه التذمر:
-واه يا ستي؟ ده الوَكل لساته بحاله
سئمت من إلحاحها فصاحت بها في غير صبرٍ:
-بـــاه عاد! إنتي غاوية تخوتي راسي يا مخبلة إنتي؟ جولتلك ماليش نفس.
جفلت من صوتها الحاد، وردت في انصياعٍ وهي تنحني لتحمل الصحون:
-اللي تؤمري بيه.
قبل أن تبدأ مهمتها سمعت صوت قرع الجرس، فاعتدلت في وقفتها متسائلة:
-عشوف مين عيدق علينا السعادي؟
اكتفت "أحلام" بالإيماء برأسها، لتهرع الأخيرة نحو الباب لتفتحه، تفاجأت بقدوم "وجدان"، فقد قامت بإزاحتها عن طريقها، واستطردت متعمدة التشاحن مع عدوتها بوقاحةٍ:
-فين اللي ما تتسمى؟ اتخمدت ولا لساتها فايجة كيف البومة؟
ظاهريًا هي أتت من أجل حجة افتعال مشكلة زائفة معها؛ لكنها في الحقيقة أرادت أن تبصرها بأم عينيها وهي تتجرع الســم. تلوى ثغرها بابتسامة شيطانية حينما رأت الملعقة ملطخة ببقايا الطعام، فرقصت دواخلها طربًا، لتستفيق من سرحانها السريع على صياح "أحلام" المهدد"
-رِجِلك خدت على المكان، إيه مش خايفة أجول لجوزي سي "محروس" يكسرهالك؟
نظرت "وجدان" لها شزرًا، وأشارت نحو الأطباق هاتفة:
-وكمان طابخة المحمر والمشمر؟ كل ده هتطفحيه لواحدك؟
اندفعت "أحلام" قائمة من موضع جلوسها، لتفرد كفها في وجهها هاتفة بحدةٍ:
-الله أكبر على عينيكي، إنتي جاية تحسديني في بيتي؟ 
هاجمتها "وجدان" بصفاقةٍ:
-وأنج عليكي كمان، ده مالنا اللي عتحطيه في كرشك الواسع!
اندهشت "أحلام" من تلك الجرأة التي غدت عليها، وهتفت في إنكار مستهجن:
-بـــاه، بـــاه، بـــاه! كنك ناسيتي العلقة اللي جوزي إديهالك، وعاوزة واحدة تانية تشج راسك؟!
لترد عليها ببرودٍ مستفز:
-جوزي وهو حر، يُضربني، يجطع من لحمي نسايل نسايل، عاجبني، وعلى جلبي كيف العسل، ولا ماسمعتيش عن المثل اللي بيجول ضرب الحبيب زي وكل الزبيب؟
لم تسمح لها "أحلام" بالاستمرار في استفزازها، فصرخت بها وهي تدفعها من كتفيها دفعًا نحو الباب لتطردها:
-إنتي جاية تفوري دمــي؟ غوري من إهنه، جاتك خابط في دماغك.
وصفقت الباب بعنفٍ بعدما ألقت بها خارج بيتها، ولُعانها يسبقها:
-حُرمة عاوزة الحَرجْ!
في غنجٍ ودلال هبطت "وجدان" الدرج، ولسان حالها يهسهس في سعادةٍ عارمة:
-نار جلبي ابتدت تُبرد!
................................................
أودعه العسكري وفق ما صدر إليه من تعليمات بداخل غرفة الحجز الموجودة في الطابق السفلي بقسم الشرطة، حيث ظل "راغب" لدقائق متخشبًا في مكانه، ومصدومًا مما يجري، رفض الحراك من موضعه، أو أن يستكشف هذا المكان شبه المعتم والذي تفوح منه رائحة كريهة للغاية. 
في البداية ظن لوهلةٍ أن ما يمر به هو محض افتراءٍ لمجرد تشابه اسمه مع آخر، وسيمضي ذلك بمجرد الكشف عن بياناته الأصلية المسجلة بالتفصيل في قاعدة بيانات وزارة الداخلية؛ لكن لم يحدث شيء، فالوقت قد تأخر، والضابط الموجود حاليًا مشغول بمسئوليات أخرى أكثر أهمية منه، ناهيك عن سحب هاتفه المحمول بجانب محفظته، فلا وسيلة لديه الآن للتواصل مع العالم الخارجي. 
لم يرتضِ بما يتعرض له، فإن لم يستفد الآن –وفي هذا الوقت الحرج- من قوة علاقاته، وخصوصًا تلك المرتبطة بزواجه اللعين، فمتى سيفعل ذلك؟ لهذا صرخ عاليًا وقد استدار ليمسك بالقضبان الحديدية للباب المعدني المصفح:
-أنا معملتش حاجة، طلعوني من هنا!!
وراح يطرق بعنف عليه لعل أحدهم بالخارج يسمع صياحه، ويأتي إليه، إلا أن كامل بدنه انتفض حينما وصله صوت أحدهم من ورائه يهينه بنبرة أشبه بالزئير:
-في إيه يا ....... ؟ إنت جاي تصدعنا يا ..... ؟!!!
التفت كليًا ناحيته، ليجد أحدهم يُطالعه بنظراتٍ مملوءة بالشر، لا توحي بأي ذرة تعاطفٍ، بالإضافة إلى الندوب المرعبة التي تبرز على وجهه، مما ضاعف من شعور الخوف لديه. أحس "راغب" بجفافٍ عظيم يصيب حلقه، فحاول استجماع جأشه، واستطرد بصوتٍ مرتعش:
-أنا .. مظلوم، أنا جيت هنا غلط.
لكن ذلك المجرم هزأ به ساخرًا:
-يا سلام!
حاول "راغب" فرض سطوة لا يمتلكها من الأساس، فصاح بصوتٍ سعى ليكون قويًا، وينم عن نفوذ لا يستهان به؛ لكنه خرج مهتزًا:
-أيوه، إنت متعرفش أنا مين أصلًا، ولا أقدر أعمل إيه...
التوى ثغر المجرم وهو يفحصه بنظرة ساخطة، والأخير تعمد استحقاره معتقدًا بذلك أنه يرسم القواعد هنا:
 -أنا مكاني مش مع أشكالكم دي، أنا نسيب أهم ناس في البلد.
لتنفلت منه صرخة متأوهة من الألم المباغت الذي عصف بمؤخرة عنقه بعدما تلقى صفعة عنيفة عليها، قبل أن ينقض عليه المجرم ليجذبه من ياقه قميصه وهو يسأله في نبرة جمعت بين الإهانة والاستخفاف:
-ده بجد يا بيضة؟ ونسايبك سبوك تيجي هنا عندنا؟
ارتجف جسده من طريقة إمساكه التي توحي بشرٍ مستطير، وحاول المناص منه قائلًا بصوته المتذبذب:
-ما تمدش إيدك لو سمحت!
مد المجرم يده الأخرى الطليقة ليربت على صدغ "راغب" بخشونةٍ آلمته، وهسهسة صوته تنذر بخطرٍ جسيم:
-ما تخفيش كده يا حلوة، هو أنا عملت حاجة لسه؟
الطريقة التي خاطبه بها وكأنه يتحدث إلى أنثى أشعره بحجم الوضع الشائك الذي علق به، فقاومه "راغب" مستنجدًا:
-الحقوني يا ناس، ده هيموتني.
ليضحك المجرم هازئًا به:
-ده احنا هنخدك على كفوف الراحة، حتى علشان خاطر نسايبك الأبهة.
ثم تحرك به وهو لا يزال قابضًا عليه، ليدفعه بقســوة نحو باقي المحتجزين، وفرمــان أمره الصارم قد صدر إليهم للتعامل معه:
-يا رجالة رحبوا بالوارد الجديد، وخلوه يعرف مين الكبير هنا ........................................... !!!

تعليقات