رواية فوق جبال الهوان الفصل الواحد والسبعون
(السيدات والسادة، تُعلن شركة .... للطيران عن استعداد رحلتها المتجهة إلى .... للإقلاع خلال دقائق قليلة، يُرجى التوجه إلى البوابة المحددة، واستكمال إجراءات الصعود إلى الطائرة، وشكرًا لتعاونكم.)
صدح المذياع الداخلي بصوت إحدى مضيفات الطيران بهذا التنويه المباشر لعدة مرات متتالية لتثير انتباه المسافرين لتنفيذ التعليمات المطلوبة منهم. فور أن سمعت "فادية" ذللك النداء حتى طوت المجلة التي كانت تتصفحها، وتركتها على الطاولة المعدنية حيث كانت متواجدة منذ البداية، لتنهض بتؤدةٍ من موضع جلوسها، هندمت ثيابها الأنيقة، وراحت تعلق ذراع حقيبتها الفاخرة على كتفها، فيما تولى والدها جر حقيبة صغيرة خلفه، ليبتسم وهو ينظر ناحيتها متسائلًا بلطافةٍ:
-جاهزة يا حبيبتي؟
أومأت برأسها قائلة وعيناها تتطلعان بتركيزٍ إلى شاشة هاتفها:
-أيوه يا دادي.
لاحظ "مدحت" انشغالها بالمطالعة، فظن أنها تتواصل مع "راغب"، أو تستفزه بأسلوبها المعتاد لاستثارة أعصابه، وإغاظته، وهما الآن في وقت حرج عليهما اتخاذ الحيطة فيه، لذلك حذرها بطريقة مستترة نسبيًا:
-ماتنسيش تقفلي موبايلك، مش عايزين دوشة من "راغب".
لمعت حدقتاها في مكرٍ وهي تخبره:
-أنا أصلًا عملتله بلوك، مش هيعرف يوصلي.
انتشى لما قامت به، وقال في حبورٍ، وكأنه يمدحها على حُسن صنيعها:
-أحسن برضوه...
توقف الاثنان أمام إحدى المضيفات التي تولت مراجعة جوازات السفر، ليبدو "مدحت" كمن يحدث نفسه وهو يناولها خاصته لتتفقده:
-ده غير إني محضرله مفاجأة حلوة هتطلع من نافوخه.
أعادت المضيفة الجواز إليه، بينما لم تستطع "فادية" تبين ما همهم به، فسألته مستفسرة:
-بتقول إيه يا دادي؟
نظر إليها بتحنانٍ وهو يربت على كتفها ليستحثها على الإسراع في مشيها:
-يالا يا حبيبتي علشان ما نتأخرش.
أغلقت هاتفها، ووضعته بداخل حقيبتها لتكمل مسيرها بخطواتٍ متعجلة نحو منطقة المغادرة، ليلقي "مدحت" نظرة أخيرة خلفه، وكأنه يودع حياته السابقة قبل أن ينتقل للاستقرار نهائيًا في قارة أخرى، بعدما ورط -بدلًا منه وبشكلٍ قانوني- آخر أحمق في قضايا اختلاس الأموال وتهريبها إلى خارج البلاد.
.................................
تقلب "غيث" على فراشٍ من جمرٍ وشوك وهو يستعيد في ذاكرته لمحاتٍ من هذا اللقاء المزعج بالنسبة له مع ذاك الشخص المسمى بـ "عادل". في الظاهر بدا النقاش بينهما وكأنه دردشة عادية؛ لكن في حقيقة الأمر، أراد استدراجه عبر الحديث معه لمعرفة حقيقة نواياه بحكم تعامله مع أمثاله من ذوي النفوس المغايرة خلال معاملاته التجارية المختلفة.
لم يطق البقاء في السرير، ونهض عنه والعرق يتفصد منه رغم اعتدال حرارة الجو، إلا أن لهيب الغــيرة كان يســتعر في جسده، مما أشعره بالغليان. أمسك "غيث" بهاتفه المحمول، وتحدث إلى والدته إذ ربما يفرغ ذلك الحنق المكبوت بداخله، فيستشيرها في شئونه، فتنصحه بما قد يغفل عنه سهوًا، فاستطرد ممهدًا:
-كيفك يامه؟ إنتي بخير؟
أجابته بصوتها الدافئ والمهتم:
-في أحسن حال يا ولدي، خلصت مصالحك ولا لساتك مشغول؟
تردد وهو يخبرها:
-أني...
سكت لهنيهةٍ ليستجمع جأشه، وقال:
-أني عند الجماعة.
على ما يبدو لم تفهم ما الذي يرمي إليه بجملته تلك، استفسرت منه:
-جماعة مين؟
حمحم موضحًا:
-عند "دليلة".
سألته في صوتٍ ينم عن دهشتها:
-مَرتك؟
أكد لها وهو يدلك رأسه:
-إيوه.
إلا أنه تفاجأ بها تنهال عليه بوابل أسئلتها الوجلة:
-حصلها حاجة؟ طمني يا ولدي؟ ماتخلعش جلبي عليها!
اندهش للغاية من ردة فعلها، حيث ظنت أن زيارته لها جاءت نتيجة تعرضها لشيء خطير، بالطبع لم يبلغها بما مر به من حادث عابر، لئلا يبلغ بها القلق مبلغه، وأخبرها بهدوءٍ:
-هي بخير، اطمني.
لكن "فاطمة" لم تقتنع برده، وسألته في ثمةٍ من الإلحاح:
-أومال صوتك ماله؟ كنك مش مبسوط؟
اعترف لها بندمٍ:
-الظاهر إني اتسرعت لما جولت أفوتها لحالها لأجل ما تفكر في جوازنا، وماتحسش إنها مجبورة علي...
لتشعر بذلك الاختناق في نبرته وهو ينهي جملته:
-أني خايف أخسرها للأبد.
دون تفكيرٍ أعلمته بجديةٍ:
-لو رايد إني أتحدت وياها جولي يا ولدي، من صبحية ربنا هكون عندك مطرح ما تكون، هي بتعملي خاطر وآ...
كان ممتنًا لأن والدته تكن مثل هذه المشاعر الطيبة العطوفة نحو زوجته، ولم تضمر لها أي نوايا خبيثة أبدًا، مما هون عليه الأمر، قاطعها عندما رأى منها الإصرار على مساعدته مرددًا بعزمٍ:
-أني عتصرف بطريقتي.
وصله صوت والدته المحذر بلهجةٍ بدت متحيزة لزوجته:
-بلاها الجسوة وياها يا ولدي، البنية غلبانة وما عتستحملش.
فصاح في تذمرٍ:
-وأني من ميتى جسيت عليها يامه؟
لترد عليه بنفس اللهجة المتحاملة عليه، مستمرة في اتخاذ صفها ودعمها:
-وأني مش خبراك لما بتعند؟
دلك فقرات عنقه متمتمًا:
-ربنا يعمل اللي فيه الصالح.
ليسمعها تطلب منه بمحبةٍ:
-ادعيه يا ولدي، وهو عليه جبر الخواطر.
تنهد يشكرها:
-كتر خيرك يامه.
ظلت تكرر عليه في تصميمٍ:
-لو بيدي حاجة أعملها يا ولدي جولي، وأني معاك.
ابتسم بعفويةٍ وهو يخبرها:
-حاضر عجولك، مش عستحي.
عادت لتوصيه للمرة الأخيرة بالاهتمام بأحواله، قبل أن ينهي معها الاتصال، ويتطلع إلى الباب الخشبي الذي يفصله عن لقاء من يعشق، يا ليته يحطم تلك الحواجز التي تحول بينهما، ويُعيدها إلى أحضانه!!!
............................................
التورم الظاهر أسفل جفنه الأيسر، بجانب الكدمات الزرقاء المتفرقة المنتشرة على جسده، أكدت أنه أمضى ليلة عصيبة للغاية جعلته يقاسي الويلات على يد أناس لا يعرفون للرأفة معنى. وقف "راغب" أمام وكيل النيابة يشكو له من تعنت الضابط المسئول عن احتجازه وحرمانه من حقه في التواصل مع أفراد أسرته، بجانب تعرضه للمضايقات العنيــفة من قِبل المحتجزين.
رأف الأخير بحاله، ومنحه الإذن بإجراء مكالمته الهاتفية، إلا أن صدمته بعجزه عن التواصل مع زوجته أو والدها جعلته يلجأ مضطرًا لمهاتفة أمه وإخبارها بإيجازٍ عن مأساته المفاجئة، فصرخت الأخيرة في ذعرٍ عندما علمت بما تعرض له:
-وإزاي يحصل فيك كده؟ هما مش عارفين وضعك إيه؟ ولا نسايبك يبقوا مين؟
كز على أسنانه أثناء حديثه الخافت، محاولًا ضبط انفعالاته خاصة وهو يعلم تمام العلم أنه لا يزال تحت مراقبة وكيل النيابة:
-مش وقته يا ماما، شوفيلي بس محامي أوام، وخلي بابا يتصرف، أنا ماينفعش أستنى في الحجز ده للحظة.
أتاه تعقيبها مزعجًا إلى حدٍ كبير:
-أبوك سافر مع أصحابه علشان يحضروا عزا واحد معرفتهم...
وقبل أن تدور برأسه الهواجس أعلمته:
-بس اطمن أنا مش هسيبكم، وجيالك وفي إيدي المحامي.
ليهتف في رجاءٍ:
-بسرعة يا ماما، أنا جبت أخري.
اضطر لإنهاء المكالمة، ليعيد الهاتف إلى وكيل النيابة الذي أخذه منه، وتركه على سطح المكتب وهو يردد:
-شكرًا يا فندم.
أشار له بالجلوس مُخاطبًا إياه:
-اتفضل ارتاح.
تحرك نحو المقعد المُشار إليه، واستقر عليه مستشعرًا تلك الوخزات الموجعة في أنحاء جسده، كتم أنينه مرغمًا، وتساءل في لهجة بذل فيها الجهد ليجعلها تبدو هادئة:
-ممكن أعرف سبب القبض عليا؟
أجابه وكيل النيابة موضحًا:
-في الأول، إنت عليك حكم في قضايا مؤخر وتبديد عفش، وآ....
إلا أن "راغب" لم يعطه الفرصة لإتمام حديثه، فقد استفزته الأسباب التي بدت من وجهة نظره غير منطقية، ولا تستحق أن ينال بسببها كل تلك المذلة والمهانة، لذا قاطعه في شيءٍ من الحدة:
-في محامي مسئول يخلصها، مش معقول يتقبض عليا علشان سبب تافه زي ده!!!
ورغم ذلك تعامل وكيل النيابة بحرفيةٍ وخبرة مع نرفزته الظاهرة معللًا:
-يا حضرت اللي ما تعرفوش إن أحكام القضاء نافذة أيًا كانت القضية إيه هي، ودوري إني أنفذ القانون وآ...
مجددًا عاد "راغب" ليقاطعه مدعيًا بالكذب، لعله بذلك يحوز على تعاطفه الضمني:
-يا باشا أنا مقصرتش مع طلقتي، بالعكس كانت مبهدلاني معاها، وطول الوقت عايش في تهديد بسببها، لدرجة إني بقيت أمشي أبص ورايا من كم الرعب اللي عايش فيه....
طالعه الوكيل بنظرات ثابتة، ولم يعلق بشيء، فيما واصل "راغب" تزييف الحقائق بإضافة المزيد من الادعاءات الباطلة:
-فمايخلش عليكم دور البراءة اللي عملاه، دي هي مفترية وظالمة، وأنا مصدقت طلقتها وارتحت منها، يا فندم دي عيلتها كلها بلطجية وسوابق وناس نَوَر، وبعدين هما عاملين الحوارات بالكدب علشان يطلعوا مني بمصلحة.
لم يحد وكيل النيابة بناظريه عنه، وأخبره:
-كل ده ما يخصنيش، وأنا أصلًا مستدعيك لحاجة تانية.
للحظةٍ تفاجأ "راغب" من الأمر، وبدت ثورته الانفعالية غير مجدية، أرجع ظهره للخلف متسائلًا:
-خير؟
تطلع وكيل النيابة إلى ما بحوزته من أوراقٍ، واستطرد مستعرضًا:
-في بلاغات متقدمة ضدك إنك بتستغل نفوذك وبتتلاعب في حسابات عملاء البنك اللي إنت شغال فيه.
ثار "راغب" بشدةٍ، وطرق بيده في عصبيةٍ على سطح المكتب مستنكرًا:
-كدب، محصلش الكلام ده....
ليزمجر فيما يشبه الهجوم:
-أكيد طليقتي اللي وراه، مش بقولك عاوزة تخرب حياتي بأي شكل.
لكن وكيل النيابة ظل على بروده خلال تعامله معه، وعقب بحنكةٍ:
-تمام، خلينا نبدأ التحقيق بشكل رسمي، ونشوف الوضع معاك إيه بالظبط.
نفخ "راغب" بصوتٍ مسموع وهو يدمدم بحقدٍ:
-اتفضل يا باشا.
..............................................
آن أوان المواجهة مهما حاولت تأجيلها، أصرت "إيمان" على الذهاب إلى قسم الشرطة، للقاء زوجها السابق، ومحاسبته على ظلمه الشديد لها، بالرغم من تأكيد المحامي بأن حضورها من عدمه لن يؤثر على مسار القضية في شيء، خاصة وهو لديه توكيل رسمي منها بالتعامل مع المسائل القانونية.
تم الاتفاق على الذهاب بسيارة "عادل"، والذي أصر على مرافقتها حتى النهاية، فجلست بالخلفية وإلى جوارها استقرت "دليلة"، فيما صمم "غيث" على التواجد معهم، متعمدًا ألا يترك زوجته بمفردها تواجه المجهول مهما عاندته.
عندما أصبحت السيارة قريبة من قسم الشرطة، أبطأ "عادل" من سرعتها، لتميل "دليلة" على شقيقتها تسألها في توجسٍ، مستشعرة ما تمر به من لحظاتٍ عصيبة:
-إنتي متأكدة إنك عايزة تخشي جوا؟ مافيش داعي يا "إيمان"!
الغضب العارم الذي غشاها الآن غطى على أي مشاعر أخرى، فهتفت في صوتٍ جريح:
-أنا عايزة أشوفه وهو مذلول، ده كفاية غدره بيا، إنتي نسيتي عمل فيا إيه؟
أحست بالقهر في رنة صوتها المرتعشة، فأشفقت عليها قائلة في تعاطفٍ ومؤازرة:
-اهدي يا حبيبتي، إن شاء الله ربنا هيجيبلك حقك منه.
كتم "عادل" تنهيدة مزعوجة نغزت صدره لرؤيتها على تلك الحالة البائسة، وهتف في حمئةٍ:
-هو بصراحة يستاهل إنه يترمى مع الأشكال الضالة، خليه يعرف قيمة النعمة اللي كانت معاه.
ردت عليه "دليلة" مؤيدة:
-معاك حق.
ليقول كذلك في نبرة ذات مغزى موجهًا كلامه إليها على وجه الخصوص:
-وزي ما قولتلكم إن القانون في الآخر هو اللي بيمشي، وعلى رقبة الكل، ولا إيه يا آنسة "دليلة"؟
الرسالة الخفية المرسلة عبر طيات عباراته كانت موحية إلى حدٍ كبير، ووصل مضمونها إلى "غيث"، فتساءل في تحفزٍ:
-تجصد إيه بحديتك عاد؟
أجابه بغطرسةٍ:
-أقصد إن اللي ما يتحلش بالذوق والأدب، القانون موجود يخلصه، ويعلم صاحبه الأدب.
في مضمون ما فاه به استشعر "غيث" أنه يحط من شأنه، فالتفت برأسه ناظرًا إلى "دليلة"، وسألها مباشرةً، وعيناه حمراوتين إلى حدٍ كبير من غيظه المكبوت:
-عاجبك اللي عيجوله ده؟
لترد عليه بما استفزه فعليًا:
-أنا شايفة إن أستاذ "عادل" مقالش حاجة غلط.
حدجها بنظرة نارية مهددة قبل أن يهسهس:
-بجى إكده؟
فأخبرته بما يشبه التحدي، وكأنها تسعى جاهدة لإخراج أسوأ ما فيه تحت الضغط، فتكشفه، وتثبت في نفس الوقت لنفسها أنه لا يستحق نيل فرصة ثانية معها:
-أيوه، طالما مش قادرين نتفاهم ولا نحل مشاكلنا بأسلوب متحضر، خلاص نلجأ بقى للمحاكم.
أيدها "عادل" في رأيها مرددًا بتشجيع:
-بالظبط.
لحظتها استدار "غيث" برأسه ناحيته، وسدد له نظرة محذرة وهو يلكزه في كتفه، قبل أن يخبره بلهجةٍ منذرة:
-خليك محضر خير يا جدع إنت، بدل ما تشوف مني الوش التاني، وساعتها عتجول يا ريت اللي جرى ما كان.
استخف به "عادل" متحديًا:
-خد بالك أنا مابخفش من التهديد!!
فيما ظل "غيث" على خشونته معه محذرًا بغلظة:
-ولا أني عهزر إمعاك! أني أعرف أحمي اللي يخصني كويس.
ليرد عليه الأخير متسائلًا في تهكمٍ:
-أنا مش فاهم إنت جاي معانا ليه؟ ده موضوع عائلي، مايخصكش.
لكنه أعطاه الرد الناجز:
-طول ما "دليلة" مَرَتي، فأني مسئول عن أي حاجة تخصها حتى لو كانت كيف حبة الرمل.
كلماته تلك، وبهذه الطريقة المتملكة جعلت قلبها يخفق بقوةٍ رغم قناع اللا مبالاة الذي تضعه على وجهها، سرعان ما بلعت ريقها لتخفي الربكة اللحظية التي انتابتها، فيما همهم "عادل" متابعًا وصلة عدم اكتراثه به:
-هرتلة على الفاضي.
مد "غيث" ذراعه ناحيته، وقبض على كتفه بشيءٍ من القسوة وهو يسأله:
-بتجول إيه سمعني؟
أجابه وهو يرمقه بنظرة حادة من طرف عينه:
-بقول مسيرها تخلص.
ليسخر "غيث" هذه المرة منه مؤكدًا:
-عشم إبليس في الجنة.
..........................................
ركع ذلك الرجل القوي على إحدى ركبتيه ليتمكن من تثبيت أُضحــيته، قبل أن يضع نصل سكــينه الحـــاد على عنقها ليــنحــرها بقوةٍ ومن مرة واحدة، فغطت دمـــائها الأرضية الترابية، بينما تعالت أصوات الزغاريط المبتهجة، ولما لا والجميع يحتفي بسعادةٍ بالمولود الذكر الذي أتى بعد شوقٍ وانتظار؟
نهض "محروس" من موضع جلوسه على المصطبة ليقدم التهنئة إلى قريبه المتفاخر:
-مبروك ما جالك.
رد عليه الأخير بزهوٍ:
-تسلم يا "محروس"، وعجبال ما نفرحوا بعوضك.
في نبرة شبه مهمومة أردف:
-جول يا رب.
ليحفزه قائلًا بنبرة موحية:
-البذرة موجودة، الرك ع الأرض اللي بتطرح.
زم "محروس" شفتيه مبديًا امتعاضه:
-ماهو على يدك اتجوزت بدل الحُرمة تلاتة، ولسه ربنا مش رايد أجيب الواد اللي يشيل اسمي.
أخبره قريبه بشيءٍ من اللؤم:
-لسه مافتش على جوازك من التالتة كتير، وبعدين الشرع محللك أربعة، ولو مافيهاش الرجا، اتجوز الرابعة.
صدمه بنصيحته الماكرة، وهتف معترضًا وقد اتسعت عيناه نسبيًا:
-لسه بدري على الحديت ده عاد.
لكن الأخير ظل متشبثًا باقتراحه مشددًا:
-طول ما الجيب عمران، ما يهمكش من حد، وكله جصاد الخلق.
ازدرد ريقه، وأومأ برأسه هاتفًا:
-جول يا باسط!
ليعود بعدها لمجالسة الرجال وعلى وجهه ابتسامةٍ باهتة، فما زالت فكرة الظفر بمولود يحمل امتداد نسله تزداد تعشيشًا في رأسه.
............................................
النظرة التي اعتلت وجهها فور أن وقعت عيناها عليه وهو يجلس القرفصاء ويداه مكبلتان بالأصفاد الحديدية جعلت غليل نفسها يشفى، فكم تمنت أن تراه وهو ذليل النفس كسير الكبرياء! تقدمت "إيمان" نحو طليقها الذي انتفض قائمًا في تحفزٍ عندما لمحها مقبلة عليه، ليجدها تخاطبه في شماتةٍ استثارته على الأخير:
-أنا جاية النهاردة علشان أشوفك كده، حقيقي تستاهل تتذل وتدوق المرار بحق اللي عملته فيا.
رمقها بنظرة احتقارية قبل أن يهنيها بفجاجةٍ، وغير مبال بأي شيءٍ:
-مكونتش أتخيل إنك تطلعي واطــية كده!
ما زال ينجح رغم اختلاف الموقف في التحقير من شأنها، فردت عليه في ألمٍ:
-أنا برضوه؟
استمر في إهانتها بوضاعةٍ منقطعة النظير:
-ده إنتي بلوى وما صدقت خلصت منها، حلال فيكي إني أطلقك وأرميكي في الشارع! لأحسن تكوني مفكرة نفسك ست، ده إنتي واحدة معيوبة!
صرخت فيه وهي تسد أذنيها عن سموم كلماته اللاذعة:
-اخرس، إنت إنسان مريض وحقود.
من تلقاء نفسه تدخل "عادل" للزود عنها بشــراسةٍ، وقد اُستُفز من دناءته:
-ما تحترم نفسك، وإلا هعمل فيك محضر سب وقذف!
نظر له "راغب" شزرًا، وقام بالسخرية منه:
-وده بقى المحامي اللي إنتي جيباه يلملك القرشين؟ ما إنتي طول عمرك جعانة وأهلك زيك.
هذه المرة تولت "دليلة" الرد عليه، فهاجمته لفظيًا:
-إنت ســافل وحيـــوان، وحلال فيك الحبس.
نظر ناحيتها وأهانها بوقاحةٍ:
-بس يا ****!!
لحظتها اندفع "غيث" للأمام بعدما سحبها خلفه، ليكون كالسد المنيع لها، ثم انتصب بكتفيه زاعقًا بحمئةٍ مضاعفة:
-واه، ما تحفظ لســانك يا جالوس الطين بدل ما أجل منك؟
هزأ منه "راغب" أيضًا:
-وإنت مين بقى؟
طوح "غيث" بيده مهددًا:
-أني اللي هجطع خبرك من الدنيا لو لسانك غلط في حق مَرَتي!
ليرد عليه بإهانةٍ فجة:
-أها، قولتلي، إنت البـأف الجديد اللي لافتك عليك بدل السوابق التاني؟
انقض عليه "غيث"، وأمسك به من عنقه ليقطع مجرى الهواء عنه وهو يتوعده:
-جسمًا بالله ما ععمل اعتبار إننا في المركز وأشج رجبتك!
في التو، تدخل أفراد الشرطة للفض بينهما بأعجوبةٍ، ليقوم الضابط المسئول بتوجيه تحذيره شديد اللهجة إليهم:
-لو ده اتكرر تاني هحبسكم كلكم.
استغل "راغب" الفرصة، وبادر بتوجيه أصابع الاتهام إلى "غيث" و"عادل":
-يا باشا هما اللي هجموا عليا، احميني يا حكومة، أنا عايز أعمل محضر إثبات حالة.
إلا أن الضابط تجاهل شكواه، وأمره في صرامةٍ:
-اسكت، ماسمعش حسك، إنت مشوارك لسه طويل.
تساءل مستفهمًا:
-يعني إيه؟
لكن مجي والدته شتت نظرته الحائرة عنه، ليتطلع إليها وهي تصرخ في لوعةٍ:
-ابني حبيبي، عملوا فيك إيه؟
هتف يسألها في لهفة لا تخلو من القلق:
-ماما! جبتي المحامي؟
أمسكت به من ذراعيه، وشملته بنظرة فاحصة وهي تسأله:
-أيوه، راح يقابل وكيل النيابة يفهم منه في إيه بالظبط؟ قولي إنت إيه اللي عملك فيك كده؟
ثم انتبهت لتواجد "إيمان" وشقيقتها، فانقلبت سِحنتها، وسادت تكشيرة عظيمة عليها، لتتساءل في اشمئزازٍ:
-إنت إيه اللي موقفك مع دول؟
أجابها "راغب" في بُغض:
-ما الهانم كسبت القضايا اللي رفعاها عليا، وعايزة تحبسني؟ ومش مكفيها كده، رايحة تلفقلي تهم جديدة؟
صرت "نجاح" على أسنانها تهسهس في غلٍ:
-آه يا بنت الـ....، والله ما هسيبك!
ثم أرخت قبضتيها عن ذراعي ابنها، واندفعت تجاه "إيمان" لتتشاجر معها بدنيًا، وبكل ما تضمره في نفسها من كراهيةٍ وحقد؛ لكن "دليلة" حالت دون وصولها إليها، وكادت تتلقى الضربة الشرســة عنها، لولا أن أمسك "غيث" بمعصمها قبل أن تمسها بسوءٍ. شهقت "نجاح" مذهولة، وقبل أن تستفيق من صدمتها، وجدت نفسها تُدفع بخشونةٍ وقسوة إلى الخلف، فارتد جسدها الهزيل أمام بطشه بقوةٍ وكادت تفقد اتزانها، لتظل عيناها محدقتان به وهو يأمرها بغلظةٍ:
-باعدي يا حُرمة عنها بدل ما عيطلع مني كف يجيب خبرك وما هراعي واصل إنك وَلية!
تفاجأت بتعديه السافــر عليها، وصاحت تهينه في عصبيةٍ:
-ولولوا عليك عشرة وسكتوا.
هذه اللحظات العصيبة جعلت "دليلة" تتفاجأ أيضًا من ردة فعل "غيث" السريعة، إنه دومًا حاضرٌ من أجلها، هو حولها لحمايتها، هو في محيطها لإنقاذها في أكثر المواقف تأزمًا وحرجًا.
مرة ثانية تدخل ضابط الشرطة للسيطرة على الوضع عندما تلاحم طرفي المشكلة موجهًا إنذاره للجميع:
-ما تحترموا نفسكم، إنتو هنا في قسم! هي مش سويقة!
مثل ابنها، هتفت "نجاح" ملقية التهم جزافًا:
-هما اللي جايين يتهجموا علينا، اتصرف يا حضرت الظابط.
أشار إليها بإصبعه آمرًا:
-بس خلاص!!
اضطرت مرغمة أن تلتزم الصمت، وتراجعت عائدة إلى ابنها لتتحدث معه.
اقترب "غيث" من "دليلة" يسألها في اهتمامٍ قلق:
-إنتي بخير؟
طالعته بهذه النظرة الجامعة بين الامتنان والافتنان وهي تومئ برأسها إيجابًا:
-أيوه.
ليخبرها في جديةٍ غير ممازحة:
-لو يدها كانت طالتك كنت جطعتها.
ابتسمت رغم حساسية الموقف بابتسامةٍ صافية مشابهة لتلك التي يحلم برؤيتها على صفحة وجهها، حينما تخلو حياتهما من الهموم والأثقال. على مضض شتت نظرته المتأملة فيها عندما تحدث "عادل" بجديةٍ:
-الأفضل تطلعوا تستنوا في العربية لحد ما نشوف هيحصل إيه.
أيده "غيث" في اقتراحه قائلًا:
-أول مرة تجول حديت صح، مالهاش عازة الوجفة إهنه.
والتفت يأمر زوجته:
-خدي خيتك يا "دليلة"، واجعدوا في العربية.
بدا الخروج من ذلك المكان الكئيب حلًا مناسبًا، فلم تعترض عليه، وردت في انصياعٍ تام:
-ماشي.
وأحاطت بذراعها كتفي شقيقتها، لتضمها وتحتويها بعدما سمعت أذناها ما لا يسر، همت بسحبها إلى الخــارج؛ لكنها لم تجرؤ على التقدم خطوة واحدة للأمام، فقد أبصرت اقتحـــام مجموعة من الأشخــاص الملثمين، والمدججين بالســلاح والعُتــاد لقسم الشرطة في وضح النهار ...................................... !!!
