رواية لولا الغرام الفصل السابع
«بسم الله لا قوة إلا بالله»
«لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.»
«واهمٌ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ كَسْرِي، أَوْ فَرْضَ رَأْيِهِ عَلَى حُدُودِ سَمَائِي، لَسْتُ اِمْرَأَةً هَادِئَةً تُسَاقُ حَيْثُمَا أَرَادُوا، بَلْ أَنَا العَاصِفَةُ الَّتِي تُعِيدُ تَرْتِيبَ المَشْهَدِ مِنْ جَدِيدٍ، عِنَادِي لَيْسَ مُجَرَّدَ رَفْضٍ عَابِرٍ، بَلْ هُوَ جِدَارُ النَّارِ الَّذِي أحمِي بهِ وُجُودِي، كَرَامَتِي هِيَ الرَّايَةُ الَّتِي لَا تَنْكِسُ، وَثَبَاتِي عَلَى مَوْقِفِي هُوَ النَّصْرُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي يَعْجَزُ عَنْ إِدْرَاكِهِ السَّائِرُونَ خَلْفَ القَطِيعِ.»
"فاطمة بدران "
بقلمي «روز أمين»
_____________
خيّم الصمت على المكان،وحُبست الأنفاس ترقباً لما ستمليه عليهم فاطمة من شروطٍ، تقدم زوجها نحوها بخطوات واثقة، وقف أمامها كالجبل، يلتهم عينيها بنظرات قوية حادة عجزت عن إخفاء دهشته، لينطق أخيراً بنبرة يملؤها الذهول:
-هي حصلت يا فاطمة؟ بتتشرطي عليا وقدام الكل؟
ضاق صدر رقية من معاملة ابنتها لزوحها الخلوق، وظلت تراقبها بنظراتٍ ثاقبة، منتظرة ما سيخرج من فمها ليزيد الموقف إشتعالاً فوق اشتعاله.
ابتلعت فاطمة ريقها، وشعرت بوخزة من شدة الخجل أمامه، نظرت إليه بعينين تفيضان بالأسف والتبجيل، وقالت بصوتٍ متهدج:
-لا عشت ولا كنت لو فكرت في كده يا حاج
وتابعت بأعين تفيض عشقًا ممتزجًا بالاحترامِ:
-إنت سيدي وتاج راسي،وكلمتك سيف على رقبتي.
لكنها سرعان ما استجمعت شتات قوتها، ورفعت رأسها بكبرياء كي لا تظهر ذرة ضعف واحدة أمام الحاضرين، ثم أردفت بقوة وصرامة:
-أنا شرطي يخص نسايب إبنك.
انعقد حاجباه باهتمام وسألها وعيناه تلاحقان ملامحها:
-وايه هو شرطك ده يا فاطمة؟
نقلت نظراتها الحادة إلى ذلك المترقب لحروفها"علي"، وبصوتٍ قويٍ وعنيد، التفتت نحو صادق قائلة:
-الجوازة هتتم يا صادق، بس بشرطهم هما، زي ما اتفقوا مع العريس بالظبط، يعني اتفاق الحاج عزام معاهم ملغي.
بتر صادق كلماتها بعدم استيعاب:
-يا ريت توضحي كلامك أكتر يا أبلة.
وقفت شامخة كالجبال،ليخرج صوتها راسخًا وهي تقول:
-مش هما عاوزين بنتهم جنبيهم؟خلاص، يشبعوا بيها، بس مش هيكون ليها أي مكان ولا مرسى في بيتي.
ثم وجهت سبابتها بحدة نحو ابنها، واتسعت عيناها بسخطٍ مسترسلة حديثها:
-تيجي زيها زي الغريبة، تقعد ضيفة، تاخد واجبها، وتتكل على الله هي وجوزها.
استمع لصوت تكسير قلبه في تلك اللحظة، ونظر إليها بذهول،اغرورقت عيناه بدموعٍ حارقة حبسها بأعجوبة، وهو يسألها بنبرة مختنقة بالوجع:
-هتعامليني زي الغريب أنا ومراتي يا ماما؟!، جالك قلب تقوليها؟!
شاحت بوجهها عنه، وردت عليه بكبرياء جاف ونبراتٍ تملؤها القسوة:
-ده قرارك إنتَ وأهل مراتك.
تدخل زوجها محاولاً تهدئة النيران المشتعلة، وقال بصوت رخيم:
-استهدي بالله يا فاطمة، ما يصحش اللي بتقوليه ده.
رمقته بذهولٍ وتمتمت:
-وكان يصح اللي هما عملوه يا حاج؟!
بينما تحدثت رقية بصوت العقل والرزانة:
-صلي على النبي يا فاطمة واخزي الشيطان، إنتِ عاوزة تضحكي الناس عليكِ؟ فرحي ابنك بشقته وهاتي له أوضة نوم وحطيها فيها.
انتفضت غاضبة ورفعت سبابتها إلى السماء وأقسمت بجبروت أذهل الحاضرين:
-الله في سماه ما هيحصل يا ماما، ولا هخلي نعمة تمشي كلمتها عليا ولا تقهرني أبداً.
صمتت لبرهة تحت أنظار الجميع المترقبة وتابعت بابتسامة ساخرة:
-مش هي شرطت؟ خليها بقى تشبع بالشقة الإيجار هي وبنتها.
ثم التفتت بنظراتها نحو "أشرف"، وقالت بنبرة حملت وعيداً ونصراً:
-الشقة اللي فوق دي من النهاردة بقت بتاعت أشرف، وهتبقى من نصيب بنت الأصول اللي تستاهلها.
إنفعل أشرف وبصوتٍ مرتفع صاح مستنكرًا:
-وأنا مش موافق يا ماما، والشقة دي بتاعت علي ولا يمكن هحط رجلي فيها لو إيه حصل.
إلتفتت لترمقه بنظرات مستعرة، قبل أن تنطق بإشاراتٍ أخرسته:
-انتَ تسكت خالص، كفاية عليا خيبة واحدة.
إعتدلت لتطالع زوحها من جديد، ثم صاحت مستنكرة:
-شقة ٢٥٠ متر يرمح فيها الخيل، ما عجبتش بنت نعمة واتبطرت عليها هي وأمها،أنا بقى هحَرمها عليها، وأظن ده أقل رد لاعتباري قدامهم .
أعماها الغضب عن الشعور بنجلها، وعن تلك الآلام التي كانت تمزق صدره وتدميه، كان يراقب الوجوه بدقة، وحين لمح رغبة والده في الحديث، قاطع كلماته بعبارات حاسمة، لفرض التهدأة وإخماد نيران الجميع:
-وأنا موافق يا ماما، أنا وأشرف واحد، واللي يفرحه ويريحه، أكيد يفرحني.
زفرت أنفاسها بقوة ورفعت رأسها بكبرياء منتصر،تحت ارتياح عايدة التي استحسنت قرار شقيقتها ورأت فيه نصرًا عزيزًا لها أمام تلك المرأة المتعجرفة"نعمة"،بينما إقتربت أماني من شقيقها لتسأله بريبةً:
-هتعمل إيه يا صادق.
نطق مرجحًا العقل:
-مقدرش اتدخل يا أماني، أي كلام أو اعتراض هيولع الدنيا بين أختك وجوزها،وانتِ أدرى الناس باختك وعِندها،والحاج عزام مش هيسكت.
أشارت فاطمة لنجلها نحو الهاتف وهي تقول:
-كلم الهانم خطيبتك وبلغها بشرطي وشوف هتقول لك إيه.
تحامل على وجعه وأجابها بثباتٍ استدعاه بإعجوبة:
-بعدين هبلغها.
لم تكتفي بضربات ابنها الموجعة عند هذا الحد، بل زادت في عنادها وقالت بقسوةٍ مما زاد الامور تعقيدًا:
- مفيش بعدين، كلمها حالاً قدامنا وعرفنا رأيهم إيه.
وتابعت باهانة متعمدة،غير آبهة بكسر كبريائه أمام الحاضرين:
-بدل ما نتفاجأ باتفاق تاني من ورى ضهرنا.
-فاطمة.... قالها عزام بحزمٍ وتابع وعيناه تطلقان شررًا، بعدما وصل معها إلى ذروة غضبه:
-كفاية لحد كده، مش قولتي اللي عندك، مش عاوز اسمع صوتك تاني.
ابتلعت اهانتها في صمتٍ تجنبًا لاندلاع ثورة زوجها الخامدة، بينما رفع "علي" سماعة الهاتف وتحدث إلى داليا، طلب منها بهدوءٍ إبلاغ والديها وموافاته بردهما في أقرب وقت، ثم أغلق الخط، خيم على المكان صمتٌ ثقيل، جلس الجميع يترقبون بقلقٍ قرار أسرة العروس، وقفت "أماني" وتحدثت تحت صمت الجميع:
-أنا هدخل أعمل شاي
ثم حولت بصرها نحو شقيقتها وتابعت:
-تعالي ساعديني يا عايدة.
ما إن دخلتا إلى المطبخ، حتى واجهتها أماني ببركان غضبها:
-ولعتيها وارتاحتي يا عايدة؟
اتسعت عيناها بذهول، وردت مستنكرة:
-أنا اللي ولعتها يا أماني؟!، الحق عليا اني خايفة على أختك وابنها من جوازة الشوم دي
اتجهتْ نحو الموقد وأشعلت النار لتضع إبريقُ الشاي، قبل أن تلتفت فجأة وتتفوه بحدة:
-ملناش دعوة، هما احرار في بعض، خلينا احنا بعيد يا عايدة، الجوازة لو باظت "علي" عمره ما هينساها لك.
قررت أن تدخل لها من باب العزة والكرامة وتابعت:
-ولا عاوزة جوز اختك واخواته البنات يقولوا خالاته غيرانين وعاوزين يفركشوا الجوازة، علشان يتجوز عيلة من بناتهم؟.
احتدت ملامحها لتصيح معترضة:
-فشر،قطع لسان اللي يجيب سيرة بناتنا بكلمة،وبعدين يا حبيبتي بناتنا لسه صغيرين، انتِ بنتك عيلة في تالتة اعدادي، وأنا "شهيرة" يادوب تانية ثانوي،يعني لسه بدري على موضوع الجواز.
قطع حديثهما دخول دليلة التي تحدثت إلى أماني على استحياء:
-تحبي أساعدك في حاجة يا طنط؟.
ارتسمت ابتسامة دافئة على وجه أماني وهي تنظر إلى ابنة شقيقها المهذبة، وهمّت بتقديم الشكر لها، إلا أن صوت عايدة الحاد قاطعها فجأة،وهي تقول بغلظة :
-وبعدين معاكِ يا دليلة، أنا كام مرة قولت لك بلاش كلمة طنط دي، إحنا مش غُرب علشان تقولي لنا يا طنط، إحنا عماتك يا حبيبتي.
تملك الخجل من الفتاة، وأطرقت برأسها نحو الأرض قائلة:
-أنا آسفة يا عمتو، بس أنا لساني أخد على كلمة طنط.
عاتبتها قائلة بحدة:
-اشمعنا طنط مبطتلعش غير لعماتك يا دليلة، ما أنا سمعاكِ بوداني المرة اللي فاتت وانتِ بتقولي خالتو رغدة.
صاحت بها أماني وقد طفح الكيل :
-جرى إيه يا عايدة، ما بالراحة شوية على البنت، هي مغلطتش في حاجة علشان تأنبيها بالشكل ده.
ثم تطلعت إلى الفتاة وقالت بنبرة ودودة وابتسامةً تقطرُ حنانًا:
-قولي اللي تحبيه يا حبيبتي، دي حتى طنط طالعة منك زي العسل.
في لحظة، تغيرت ملامح الفتاة من الحزن إلى قمة البهجة، واتسعت ابتسامتها. زفرت عايدة لتفرغ شحنة الغضب الكامنة في صدرها، ثم أمسكت بكتف الفتاة وتحدثت إليها بلين، بعدما شعرت أنها تعدت على سكونها، وأردفت:
-حقك عليا يا دليلة، موضوع ابن عمتك معصبني ومخليني مش طايقة نفسي .
-ولا يهم حضرتك... قالتها ببراءة لتنطق أماني:
-روحي يا حبيبتي اقعدي في الجنينة بعيد عن الدوشة دي، لحد ما الموضوع يخلص على خير.
أومات لها وابتسمت لتنسحب إلى الحديقة.
******
في ردهة الشقة الخاصة بالسيد عبدالله، كانت تجلس بالمقعد المقابل لوالديها،تطأطئ رأسها في خزيٍ كتلميذٌ خائب يقف عاجزًا أمام معلمه بعد فشله في أداء واجبه، وذلك بعد رمي قنبلتها وإبلاغهما بشرط والدة "علي"،خيم الصمت للحظةٍ لم تدم كثيرًا، حيث مزقها صوت "نعمة" التي هبت واقفة وهي تصيح باشتعالٍ:
- نعم؟! هي الست فيفي هتمشينا على مزاجها وتفرض شروطها علينا؟ دي شقتك
ثم تابعت باستنكارٍ حاد:
-وبعدين ده كان اتفاق الرجالة من الأول، ولا هو لعب عيال وكل شوية الكلام هيتغير؟!
حاولت داليا تخفيف حدة الموقف، فتمتمت بهدوء لتهدأ من ورع والدتها:
-مش مهم الشقة يا ماما، أنا أصلاً مش عايزاها، وبعدين مش انتِ كان كل همك اني أسكن جنبك ؟، واهو حصل.
ثم تعمقت بعينيها واسترسلت عاتبة:
-عايزة إيه بقى من شقة البلد ولا غيرها؟
لم يشفع لها تظاهرها بالرضا وتنازلها عن الشقة أمام ثورة والدتها، بل زادها ذلك غضبًا وعنفًا، رمقتها الأم بنظراتٍ حارقة وقالت بصوت يرتجف حنقًا:
-انتِ عبيطة يا بت إنتِ ولا إيه؟!، دي شقة ٢٥٠ متر بحالهم! عايزاني أسيبها لها كده بالساهل؟،وبعدين دي حقك وأنا لا يمكن اتنازل في حقك أبدًا.
تحدث السيد عبدالله بنبرة هادئة لعله يطفئ النيران المشتعلة في صدر زوجته:
-خلاص يا نعمة، كبري دماغك وبلاش تعقدي الأمور أكتر،يا ستي خليها تشبع بيها .
إحتد صوتها لتنطق بتحدٍ وعناد أعمى:
- مش هيحصل يا عبد الله، أنا مش هخلي اللي اسمها فيفي دي تمشي كلامها علينا.
صمتت للحظة تبحث فيها عن مبرر قوي تحتمي خلفه، قبل أن تتابع بزيفٍ:
- وبعدين حاجة البنت كتيرة، والشقة اللي هنا مش هتكفي الجهاز ده كله، أنا كنت عاملة حسابي آخد نص العفش والحاجة وأروح أرصهم في الشقة اللي هناك،منه توسع عليهم هنا،ومنه لما يروحوا هناك في الأجازات تبقى الشقة جاهزة للمعيشة.
أطلق الرجل زفرة قوية بضيق،ثم تطلع إليها وتحدث بهدوءٍ مستجديًا وعيها وحكمتها:
-بلاش تعندي وتحطي العقدة في المنشار يا نعمة،انتِ ست طول عمرك عاقلة ومخك كبير.
ثم تمعن بالنظر إليها بذات مغزى،وقال بلهجةٍ غلبت عليها السخرية:
-وبعدين إحنا هنضحك على بعض؟ دي حاجة بنتك يا دوب على القد، ويبقى كتر خير الدنيا لو كفوا الشقة اللي هنا.
لم يمهلها فرصةً للرد، بل تابع مفسرًا:
-ثم إن الشقة اللي مأجرينها الولاد واسعة، وتشيل قد الحاجة اللي انتِ جايباها مرتين.
وقعت كلمات عبدالله عليها كالصاعقة، معريةً حقيقة أفكارها التي حاولت إخفاءها، تملكها الارتباك لثوانٍ، لكنها استمرت في عنادها، وقفت في مواجهته، وعيناها تمتلأن بتحدٍّ صارم وهي تقول بحدة:
-بس أنا بقى مش موافقة على الشرط ده، وهروح أودي حاجة بنتي في الشقة وارصها، وتخبط دماغها في أجدعها حيطة
صمتت للحظة تلتقط أنفاسها الغاضبة، ثم تابعت بنبرة تفوح منها الغطرسة:
-يا إما كده، يا بلاش منها الجوازة دي كلها.
كانت تجلس والنيران تأكل أحشائها، تنقل نظراتها الحائرة بين والديها، بينما قلبها يصرخ بصمت ويتمزق مع كل كلمة تُقال، وبلحظة غاب عنها وعيها، ولم تشعر بنفسها إلا وهي تنتفض واقفة، وتصرخ بجنونٍ أطاح بآخر حصون صبرها:
-كفاية بقى يا ماما، كفاية حرام عليكم، واقفين لبعض إنتِ وطنط فيفي وعمالين تقطعوا في بعض زي الديوك
انهارت حصونها واتسعت عينيها بذهولٍ تأثرًا بحالتها،رفعت يدها المرتجفة أمام وجه أمها، ودموع الألم تغرق وجنتيها وهي تقول بصوتٍ مخنوق:
-مش حاسين بوجعي أنا وعلي؟ ولا حاسين بفرحتنا اللي كسرتوها بعندكم انتوا الاتنين؟
وصاحت تهددها بوعيدٍ صارم:
-يكون في علمك، أنا لو متجوزتش علي مش هتجوز خالص، وهفضل عايشة كده لوحدي طول حياتي.
اقتربت خطوة أخرى منها، ونظرت في عينيها مباشرة وهي تصرخ بمرارة وقسوة:
-هخليكي تتحسري عليا وتحسي بالذنب كل يوم مية مرة، وانتِ شايفاني بدبل قدام عيونك بسبب قرارك وعِندك.
هب والدها واقفاً بذعر ليحتوي الموقف، لكن قواها الخائرة خذلتها. تأرجحت الصور أمام عينيها، وتلاشى ما تبقى من تماسكها، ليسقط جسدها كجثة هامدة غائبة عن الوعي.
انخلع قلب نعمة، وجرت نحوها لاهثةً بلهفة، حملت رأس ابنتها بين أحضانها وهي تصرخ باسمها بهلعٍ:
-داليا، حد يلحقني يا ناس.
بينما هرع والدها لإحضار زجاجة عطر من الداخل ليساعدها على الإفاقة، وبدأ يمررها حول فتحتي أنفها، بعد لحظات مرت كالسنين، بدأت تفتح جفنيها ببطءٍ واهن، وأول ما رأت كانت دموع والدتها التي تنهمر بغزارة، ما إن رأتها نعمة تستعيد وعيها حتى هتفت بنبرة تقطرً ألمًا:
-كده يا داليا، عاوزه توجعي قلبي عليكِ يا بنتي؟
تعمقت الفتاة بعينيها لترمقها بعتابٍ صامت، ونظرات يملأها الانكسار، لم تحتمل تلك النظرة، فانحنت برأسها وقالت بقلبٍ خاضع لأجل صغيرتها:
-خلاص يا داليا، أنا موافقة على شرط حماتك، وهحط الجزمة في بقي عشان خاطرك يا بنتي.
احتضنت رأسها بقوة لتخرج كلماتها ممتزجةً بشهقات الدموع:
-إنتِ عندي أهم من أي حاجة، وكل حاجة تهون قصاد سعادتك.
ارتسمت على شفتي الفتاة ابتسامة واهنة متعبة، لكنها كانت كافية لتعيد الروح إلى والديها من جديد،اطمئن عبدالله على نجلته ثم اتصل بـ"علي" ليزف إليه خبر موافقتهم، تنفس الجميع الصعداء بعدما عاد الفرح ليأخذ مجراه، واتفقوا على إتمام مراسم الزفاف في موعده المحدد.
******
استقبلت فاطمة الخبر بمجموعة من المشاعر المتضاربة، فبين فرحتها العارمة بسعادة ابنها التي ارتسمت على محياه، إمتلأ قلبها بشعورٍ جارفٍ بالانتصار، انتصار أعاد لكرامتها المهدورة اعتبارها أمام الجميع.
راحت تتلقى المباركات من والدتها وشقيقتيها اللواتي فرحن لأجل حل المشكلة وعودة الأجواء إلى طبيعتها الهادئة، في تلك الأثناء، انسحب عزام بابنه إلى زاوية هادئة، رافقه صادق الذي شعر بارتياحٍ عارم أسعد روحه، نظر عزام إلى ملامح ابنه المنكسرة، وربت على كتفه بحنو مبررًا بحكمة موقف زوجته:
-أنا مش عايزك تزعل من اللي عملته أمك يا علي، هي معذورة، دي ست مقهورة وحلمها اتدمر على إيدك
تنفس صادق بضيق وكسا الحزن ملامحه وهو يستمع لحديث زوج شقيقته، بينما تمعن علي في الكلمات، ليتابع الأخر بانكسارٍ بدى بنبراته:
-أمك بقالها شهور بترتب لفرحك، ونفسها تطلعه في أحسن شكل، كانت بتخطط لكل حاجة ممكن تسعدك إنتَ ومراتك، وكل ليلة تقعد تكلمني عن حاجات محتاجاها في الشقة وكمان للبيت تحت، وتفكر إزاي تخلي مراتك مرتاحة ومبسوطة معانا، وانت في لحظة جيت هديت كل اللي هي بنته ، فالست غصب عنها اتجننت.
نكس علي رأسه في خزي واضح، وتمتم بنبرة ملأها الأسى:
-أنا مش زعلان منها يا بابا، بالعكس، أنا زعلان عليها وعلى زعلها، بس للأسف، الظروف كانت ضدي وضدها
وتابع مبررًا اتخاذ خطوته:
-أنا كل يوم بروح شغلي في ساعة إلا ربع، وطبعًا حضرتك عارف إن نص الطريق من هنا للمدينة مش متسفلت، واليوم اللي الدنيا بتمطر فيه، مفيش سواق بيرضى يتحرك من الموقف، ومعظمهم بيخافوا على عربياتهم من شدة الطين اللي بيملا الشوارع.
تنفس عزام الصعداء، وربت على كتفه مجدداً وهو يقول:
-أنا مش مستني منك مبررات يا علي، خلاص، كل الكلام ده فات أوانه يا ابني.
أبحر في عمق عينيه باسطًا أشرعة الطمأنينة التي رست في أعماق قلب الشاب، ليتمتم برقة:
-بس عاوز أطمنك، الشقة دي بتاعتك، واتبنت واتشطبت على ذمتك أنت ومراتك، وامك بنفسها اللي هتسلمها لك بعد الجواز، مش انا اللي هقول على امك وحنيتها.
تنفس الصعداء بثقل كمن يزيح جبلاً عن صدره، ثم تابع حديثه:
-هي حبت ترد كرامتها قدام حماتك، وأنا مقدرتش أجي عليها أكتر من كده
وتابع واعدًا:
-إن شاء الله أول إجازة هتنزلها هنا بعد الفرح، هتيجي تلاقي شقتك جاهزة ومستنياك، وفيها أوضة نوم كاملة.
تدخل صادق في الحوار، ووجه نظراته الدافئة لابن أخته الحبيب، مكملاً بابتسامة أشرقت قلب الشاب:
-وانتريه وتليفزيون وتلاجة هدية مني أنا كمان يا سيدي.
تضاعفت سعادته وهو يستشعر التفافهما حوله وغمرهما إياه باهتمامٍ صادق. لم يكن بحاجة إلى تلك الأشياء المادية، بل كان يتوق إلى احتواء روحِه الضائعة وبث الأمان في أوصالها. ومِن بين دموعه المحبوسة، اندفع يضم والده بقوة، فبادله "عزام" باحتضانٍ عميق، جعله يتنفس بعمق وكأن روحه الغائبة قد عادت إليه أخيرًا، ثم التفت ليحتضن خاله بامتنان شديد وهو يقول:
-ربنا يخليكم ليا وميحرمنيش منكم أبداً.
ربت صادق بقوة على ظهره تحت عيون تلك التي تراقبهم عن بُعد وقلبها يتمزقُ، تريد أن تهرول إليه وتضمه إلى صدرها ليطمئن قلبهُ ويهدأ، ولكن، ألا لعنة الله على الكبرياء.
******
داخل أروقة أحد النوادي الاجتماعية والمعروفة في العاصمة بأنها تخص أبناء الطبقة الأرستقراطية، كانت "نهلة" تتألق في ملعب التنس، تتحرك بخفة ورشاقة بزيها الرياضي المكون من شورت قصير وقميص ذي أكمام قصيرة، بينما يضبط خصلات شعرها قبعةٍ أنيقة، وعلى مقربة من الملعب، كانت"راندا" تجلس بصحبة إحدى صديقاتها، تتابع حركات ابنتها بفخرٍ وانتشاء.
التفتت صديقتها نحوها وبابتسامة هادئة سألتها بفضولٍ:
-مفيش أخبار جديدة تخص نهلة يا راندا؟
اعتدلت في جلستها، وقالت ونبرة الزهو تسبق كلماتها المتعالية:
-والله الأخبار كتير يا لميا، بس البنت لسه ما لقتش الشخص اللي يناسبها.
ثم أضافت بكبرياء وهي ترفع رأسها بزهو:
-أو بمعنى أصح، باباها لسه ملقاش اللي يستاهل يديها له، ما انتِ عارفة، نهلة بنتنا الوحيدة ولازم اللي يتجوزها يكون مميز ويعيشها في نفس مستواها
تغلغل الكبرياء في نبراتها، وتعاظم وهي تقول:
-والأهم من ده كله، يكون قد نسب منير الخولي ومناصب إخواتها.
ألقت عليها المرأة سؤالاً ذات مغزى:
-معقولة لحد دلوقتي ما جالهاش عريس بالمواصفات دي يا راندا؟
ردت بنبرةٍ تملؤها غطرسةٌ أشدّ مما مضى:
-كتير وحياتك، بس البنت بتتدلل، ما انتِ عارفة بنات اليومين دول ودلعهم.
اطلقن ضحكاتهن، ثم قطع حديثهن اقتراب نهلة، وجسدها يرتعش قليلًا بفضل المجهود والأنفاس المتهدجة إثر اللعب، اقتربت بابتسامة وقالت بأنفاسٍ متهدجة :
-هاي، إزيك يا طنط؟
تأملتها المرأة وهي تشملها بتقييم دقيق، ثم بادرتها بابتسامة مصطنعة:
-هاي يا حبيبتي، وبعدين فيكِ يا نهلة؟
تطلعت الفتاة عليها بتمعنٍ جدي، لتتابع الأخرى بمجاملة:
-انتِ كل يوم بتحلوي عن اللي قبله
وتابعت بملاطفة:
-سيبي حبة لبنات جيلك،بدل ما انتِ مستحوذة على الجمال كله لوحدك.
ضحكت نهلة بدلالٍ وردت بثقة:
-ميرسي يا طنط على المجاملة اللطيفة دي.
التفتت المرأة إلى راندا قائلة بنبرة درامية:
-مجاملة إيه بس يا نانا؟ انتوا معندكوش مرايات في بيتكم ولا إيه يا راندا؟
ابتسمت الأخيرة بزهوٍ وانتشاء لتعظيم المرأة من حُسن ابنتها ، بينما التفتت نهلة إلى والدتها متجاهلة تملق السيدة،وقالت:
-مامي، أنا هروح آخد شاور وأغير هدومي، يا ريت تطلبي لي حاجة آكلها بسرعة عشان جعانة جدًا.
أجابتها راندا بنبرة هادئة:
-اوكِ يا نانا، يلا روحي ومتتأخريش.
انصرفت نهلة لتغتسل وتبدل ثيابها، وبعد قليل، كانت تسير في ممر النادي وبرفقتها صديقة دراستها الجامعية "سالي" التي التقتها بالصدفة، التفتت إليها سالي وسألتها بفضولٍ:
- أخبار رشيد إيه يا نانا،بتشوفيه؟
انتفض جسد الفتاة وارتسم الهلع على محياها وهي تلتفت برعب نحو والدتها التي لم تكن تبعد عنهما سوى عدة أمتار، همست بصوتٍ غلب عليه الارتباك:
-وطي صوتك لماما تسمعنا.
طالعتها بذهولٍ وهي تسألها باستنكار:
-هو انتِ مش قايلة لـ مامتك عن رشيد؟
هتفت بلهفة نافية:
-لا طبعاً
ثم تنهدت بخيبة أمل انعكست جليًا على ملامح وجهها وهي تتابع مستطردة:
-ماما لو عرفت هتخرب الدنيا وهتجبرني إني أسيبه.
وتابعت بأعين تفيض غرامًا:
-وأنا لو رشيد بعد عني ممكن أموت فيها.
سألتها الفتاة بحيرة ونظرات مشفقة على حالها:
-طب وبعدين؟ هتعملي إيه في المشكلة دي؟
رفعت كتفيها باستسلامٍ ، لكن بريقًا من الأمل لمع في عينيها فجأة وهي تقول:
-مفيش قدامي حل غير إني أصبر لحد ما رشيد يتخرج ويشتغل، وساعتها يجي يتقدم لي.
ثم ابتسمت برقة وأردفت بثقة لا تعلم من أين مصدرها:
-وأنا متأكدة إن بابا هيقف معايا في قراري، أصلك ما تعرفيش بابا بيحبني وبيخاف عليا قد إيه، ده حبيبي لو طايل يجيب لي نجمة من السماء هيعملها.
وتابعت والامل يقطرُ من نظراتها الولهة:
-وأكيد لما يشوفني مبسوطة مع رشيد وقد إيه بحبه، هيوافق على طول.
نظرت إليها سالي بريبة وشك،ثم سألتها:
-تفتكري؟
لم تتوانى في أجابتها بكل ثقة ويقين:
-شور.
******
جاء الليل حاملًا معه نسماتٌ رائعة ووعودًا جديدة، عمّ السكون أرجاء المكان واكتست الأجواء بهدوء مريح بعد نهارٍ عاصف، داخل المنزل جلست فاطمة برفقة شقيقاتها وأمها يرتبن التجهيزات لليلة الحناء التي تقرر إقامتها في المنزل، حتى عايدة، رغم اعتراضها السابق، إلا انها لم تقوى على مقاومة الفرحة التي تسللت إلى قلبها وعادت لتظلل على الجميع، كانت سعادتها حقيقية من أجل ابن شقيقتها، وشعرت بانتصار عظيم لرأي فاطمة الذي فرض نفسه في النهاية على حماة ابنها، في تلك الأثناء، خرجت دليلة إلى (البراندا) تستنشق بعض الهواء المنعش ، فجذب انتباهها ذبول شجرة الليمون القابعة بجوار السور، أحضرت سطلاً مملوءًا بالماء واقتربت ترويها باهتمام، وأثناء إنشغالها بصب الماء، تناهى إلى مسامعها صوتٍ مألوف من خلفها يهمس بنبرة هادئة:
-إزيك يا دليلة.
التفتت لتجده شهاب، ابن عمتها أماني،طالب الامتياز بكلية طب المنصورة، اتسعت ابتسامتها وأشرق وجهها بسعادةٍ عفوية وهي تجيبه:
-إزيك يا دكتور.
ابتسم بدوره وقال بلطف:
-حمد الله على سلامتكم، نورتوا مصر، ولو إنها متأخرة شوية.
إرتسمت ابتسامةً خفيفة على محياها، وردت بمشاكسة:
-ما هو انتَ اللي مكنتش موجود لما جينا نزور تيتا.
أومأ برأسه واجابها برصانة:
-كنت في إسكندرية بحضر ندوة تبع الكلية.
تحدثت بلهفة والسعادة تقفزُ من عينيها:
-يا بختك، تعرف إني نفسي ازور اسكندرية أوي.
في هذه اللحظة، كان أشرف يلج من البوابة الخارجية بعدما أنهى مقابلة مع أحد أصدقائه، وما إن وقعت عيناه على دليلة وهي تقف مع شهاب، متبادلة معه الابتسامات والضحكات، حتى اشتعلت النيران في عروقه، واجتاحته موجة عارمة من الغضب جعلته لا يطيق نفسه، بخطوات سريعة مشحونة بالغضب اتجه نحوهما، ووقف حائلًا بينهما، ثم وجه حديثه لشهاب بنبرة جافة:
-شهاب!، إنتَ هنا من إمتى؟
أجابه بتلقائية لم تخلُ من تهذيبه:
- لسه داخل من شوية، جيت أسلم على خالك وبالمرة آخد ماما معايا.
رمقه أشرف بنظرات حادة، وسأله بفظاظة تجلت بنبراته:
-وسلمت؟
لم يهتم بحدة إبن خالته، بل التفت إلى دليلة ورمقها بابتسامة جذابة قبل أن يقول:
-كنت داخل وشوفت دليلة بتسقى الشجر، فجيت أسلم عليها الأول.
تصلب جسده وقال بنبرة آمرة وقاطعة:
-مش سلّمت خلاص؟
ثم أشار بيده نحو بوابة البيت الداخلية مستطردًا:
-ادخل شوف خالك.
استغرب شهاب من هذه الحدة غير المبررة، لكنه تجاهل ذلك الشعور وانسحب لداخل المنزل.
التفت أشرف بكامل غيظه نحو الفتاة، التي عادت تسقي الشجرة من جديد غير عابئة عن ذلك المشتعل، سألها بصوت يغلي من غيرته:
-شهاب كان بيقولك إيه؟
رفعت كتفيها بلامبالاة أثارت جنونه وقالت باقتضاب:
-ولا حاجة.
ارتفع صوته بنبرة أكثر حدة لينطق باسلوبٍ هجومي:
-ولا حاجة إزاي؟! أنا شايفكم بعيني واقفين بتتكلموا وتضحكوا.
لم تلتفت إليه، وظلت على جمودها وهي تجيب بلا مبالاة:
-كان بيسلم عليا واتكلمنا شوية.
اندفع يسألها بضيق:
-أيوا يعني اتكلمتوا في إيه؟
استدارت ونظرت إليه بتحدٍّ وضيق بعدما استنزف سلامها النفسي بكثرة اسألته، وقالت بنبرة حاسمة تجلى بها الضيق:
-إنت سخيف أوي يا أشرف، هو أنت عاوزني أقولك اللي حصل بيننا بالحرف؟!
تأججت الغيرة في صدره حتى أعمته، وكاد أن ينهرها ويفقد السيطرة على أعصابه، لولا دخول "عزام" في تلك اللحظة من الخارج، ما إن رأته دليلة حتى تركت سطل الماء وهرولت نحوه هربًا من حصار ذلك المتطفل، وقالت بمرح طفولي وهي تحتمي بوجوده:
-دكتور شهاب ابن طنط أماني جه يا عمو.
تبسم عزام وربت على كتفها، ثم أشار بيده نحو الداخل قائلًا:
-طب تعالي ندخل له
وتابع وهو يُشير إلى ذلك الكيس الذي يمسكه بيده:
-أنا جبت لك طبق حلويات مشكل،وآيس كريم كمان
اشتدت سعادتها وتحركت للداخل بخطوات سريعة، تاركة خلفها ذلك الذي يحترق قلبه بنيران غيرةً عمياء تكاد تلتهم الأخضر واليابس بطريقها.
******
انقضى اليوم أخيرًا، توجه صادق وابنته برفقة والدته للمبيت في بيتها، بعد أن ودع الجميع وأبلغهم بقرار سفره مع بداية فجر اليوم الجديد،تحت حزن الجميع من مغادرته، بينما كان أشرف على وشك فقدان عقله من أفعال تلك الصغيرة التي نجحت في إشعال ثورته العارمة، وتركته عاجزًا تمامًا عن إخماد نيرانها.
عادت عايدة وأماني إلى منزليهما، بينما انزوت فاطمة في غرفتها لتنال قسطًا من الراحة بعد يوم عصيب، جلست على حافة الفراش وراحت تضع بعض الكريمات المرطبة وتدلك بها بشرة يديها، تناهى إلى مسامعها صوت دقات خفيفة على الباب، هتفت بنبرة مستغربة:
-ما تدخل يا حاج، إنت بتستأذن وانت داخل أوضتك؟
انفتح الباب ببطء، ليطلّ منه "علي" بوجه يكسوه الخجل، رآها تجلس على طرف الفراش، فقال بصوت متهدجٍ مكسور:
-أنا "علي" يا ماما.
ارتعش جسدها وتملكها ارتباكٍ شديد ألجم لسانها عن الكلام، شاحت بوجهها عنه في جفاء، لكنه لم يستسلم وتحرك نحوها بخطواتٍ متعثرة وساقين تئنان من التوتر، حتى وقف أمامها مباشرة.
وبلحظة انهار جسده ليركع تحت قدميها، متشبثًا بكفيها، وانحنى يطبع عليهما قبلات حارة كاعتذارًا لما بدر منه في حقها، ثم هتف بنبرة تقطرُ ندمًا:
-أنا آسف يا ماما، أرجوكِ سامحيني، والله العظيم ما كنت عارف إن الموضوع هيأثر فيكِ بالطريقة دي
واسترسل بنبرة يملؤها الوجع:
- أنا آسف.
ابتلعت ريقها وصمتت لبرهة، وأمام فيض دموعه وتذلله، لم تجد مفرًا من حنان الأمومة الكامن في أعماقها، انحنت عليه، وضمت رأسه إلى صدرها في عناق دافئ طال انتظاره.
رفع رأسه إليها وعيناه تلمعان بفرحة طفولية قائلًا بملاطفة:
-خلاص كده سامحتيني يا فيفي؟
ابتسمت بوجهه بحنان، ثم وكزته في كتفه بمحبة وقالت عاتبة:
-يعني بيهمك زعلي أوي يا واد؟.
التقط يدها التي وكزته بها، وراح يقبلها بشغفٍ ولهفة وهو يهمس:
-انا مليش بركة غيرك يا ماما.
ثم دفن راسه بحجرها وبات يتمسح بها كقطة سيامي وهو يقول:
-وحشتيني، وحشتيني أوي يا فيفي.
******
مرت الأيام سريعًا، لتشرق أخيرًا شمس تلك الليلة المنتظرة، "ليلة الحناء" غمرت الفرحة بيت السيد "عزام"، فقد كان المنزل يمتلؤ بالأحباب والأقارب الذين توافدوا من كل مكانٍ، يحملون في قلوبهم مشاعرٍ دافئة لمشاركة العائلة فرحتها الكبرى بزواج نجلهم الأول، وقفت "فاطمة" في وسط المنزل برأسٍ شامخة، تستقبل الضيوف بوجه متهلل وقلب يكاد يقفز من شدة سعادته، بينما كانت زغاريد النساء تملأ الأرجاء، ونغمات النساء والطبل والغناء تضفي على المكان سحرًا دراميًا دافئًا، يعكس عمق الروابط والمحبة.
