رواية حين يجبر العشق الفصل السابع 7 بقلم لولا نور


 رواية حين يجبر العشق الفصل السابع 


داخل غرفة صفوان العامري... ✦

كان الصباح ثقيلًا على غير عادته.

ضوء الشمس يتسلل باهتًا من خلف الستائر، بينما جلس صفوان فوق فراشه بصعوبة.

لم يعد المرض مجرد تعب عابر...

بل بدأ يترك أثره واضحًا فوق ملامحه وهيبته التي طالما أرعبت رجال الجنوب.

وقف سلطان أمام النافذة صامتًا.

يراقب الساحة الخارجية للدار حيث يتحرك الرجال والخدم كعادتهم.

لكن شيئًا بداخله كان يشعر أن كل شيء لم يعد كما كان.

قطع صفوان الصمت بصوت متعب:تعال يا سلطان."

التفت سلطان فورًا ، واقترب من الفراش ثم جلس على المقعد المقابل له.

ظل صفوان يتأمله للحظات طويلة.
وكأنه يحاول حفظ ملامحه.

ثم قال فجأة: عارف إنك زعلان مني."

انعقد حاجبا سلطان مستغرباً: على إيه؟"

ابتسم صفوان ابتسامة خافتة واجابه بوهن: على حاجات كتير."

ساد الصمت للحظات.

قبل أن يتابع: الجوازة...والثأر...وكل حمل شيلته فوق ضهرك غصب."

تنهد سلطان بضيق: اللي فات فات يا حج المهم صحتك دلوقتي...

هز صفوان رأسه ببط ،ثم قال لا...في حاجات مينفعش تفوت من غير ما تتقال."

رفع سلطان عينيه إليه. فوجده ينظر له نظرة مختلفة...نظرة أب أكثر منها نظرة شيخ.

ثم قال بهدوء :البِت اللي تحت..."

فهم سلطان المقصود فورً وتصلبت ملامحه.

أما صفوان فأكمل لسه بتحبها؟"

صمت سلطان. ولم يجب.

فاكتفى صفوان بالنظر إليه طويلًا ثم قال: سكوتك إجابة."

زفر سلطان بضيق: مش كل سؤال ليه إجابة يا بوي."

هنا سعل صفوان بقوة حتى اضطر لالتقاط أنفاسه بصعوبة.

فمال سلطان نحوه فورًا وتابع بقلق:  كفاية كلام دلوقتي بلاش تتعب نفسك ....

لكن صفوان أشار بيده رافضًا.ثم قال بصوت أضعف:اسمعني للأخر."

صمت سلطان منتظراً باحترام ....

فأكمل صفوان : في ستات الراجل يحبها...وفي ستات تبني له بيت."

انعقد حاجبا سلطان.

أما صفوان فتابع: والشيخ يا ولديي ما بيختارش بقلبه بس."

ثم رفع عينيه إليه مباشرة وتابع :  الشيخ بيختار اللي تقدر تشيل اسمه بعده."

شعر سلطان بثقل الكلمات.

لكن صفوان لم يتوقف بل أكمل بنبرة أكثر عمقًا :أنا شوفت سارة."

صمت لحظة ، وشوفت حور."

ثم أردف: وفي فرق كبير بين اللي الراجل يتمناها لنفسه...واللي يتمناها لبيته."

اشتدت نظرات سلطان قليلًا.

لكن صفوان لم يتوقف.بل أكمل بنبرة أكثر حسمًا وأهو بما إننا فتحنا السيرة هقولها لك صريحة."

ساد الصمت داخل الغرفة ثم تابع: أنا مش موافق على سارة."

انعقد حاجبا سلطان فورًا.

فأكمل صفوان قبل أن يتكلم: مش عشان أصلها...ولا عشان أهلها...ولا عشان كانت بتعرفك من غير ارتباط رسمي وده ضد عوايدنا ودينا ....

صمت لحظة يلتقط أنفاسه بصعوبة.
ثم رفع عينيه إليه مباشرة: أنا مش موافق عليها لأنها أول ما دخلت الدار...جابت معاها وجع ومشاكل وفتنة."

اشتدت ملامح سلطان.

أما صفوان فتابع: الست اللي تدخل  بيت رجل متجوز تطلب بحقها فيه وتبجح وهي عارفه انه. متجوز و تخلي أهله يقفوا قصاد بعض...دي عمرها ما هتبقى راح لصاحبه."

زفر سلطان بضيق: سارة معملتش حاجة."

ابتسم صفوان ابتسامة باهتة : يمكن."

ثم أردف بهدوء : بس أنا عشت عمري كله أقرا الناس يا سلطان."

وتابع بعد لحظة صمت: وفي ناس وجودها رزق...وفي ناس وجودها ابتلاء."

ثم قال ببطء شديد: وسارة... مش الست اللي أتمنى أشوفها شايلة اسم العامري بعدي."

ساد الصمت. ولأول مرة لم يجد سلطان ما يرد به ....

وفي تلك اللحظة...

سمع صوت طرقات وانفتح باب الغرفة ....

دخلت حور وهي تحمل صينية الطعام بين يديها.

توقفت فور أن رأت سلطان داخل الغرفة.

ثم قالت بهدوء: اسفه اذا كنت هقاطعكم ....

هز صفوان رأسه فورًا : تعالي يا بتي."

اقتربت حور من الفراش. ووضعت الصينية فوق الطاولة الجانبية.

ثم انحنت قليلًا نحوه: حضرتك عامل إيه النهارده ياحج صفوان ....

ابتسم صفوان ابتسامة خافتة. رغم التعب الذي ينهش جسده.: أحسن الحمد الله وبتحسن  لما بشوف وشوش طيبة."

ابتسمت حور بخجل بسيط. ثم بدأت ترتب الطعام أمامه بعناية.

وكأن الأمر صار جزءًا من يومها المعتاد.

أما سلطان...فوجد نفسه يتابعها بصمت.

يتابع حركتها الهادئة. وطريقتها الطبيعية داخل الغرفة.

وكأنها تنتمي للمكان منذ سنوات.

لم ينتبه لنظرته الطويلة.

لكن صفوان انتبه. ورأى ما لم يره ابنه نفسه.

فرأى نظرة توقفت أكثر مما ينبغي. واهتمامًا لم يعد مجرد واجب.

فابتسم في سره. ثم قال فجأة: سلطان."

انتبه سلطان فورًا.: نعم يا حج؟؟

أشار صفوان نحو الباب.وتابع : سيبني مع مرتك شوية."

تفاجأ الاثنان معًا.

أما حور فرفعت عينيها نحوه بدهشة.

بينما عقد سلطان حاجبيه مستغرباً :  لو عاوز حاجة قولي وانا اعملها لك ؟؟

قاطعه صفوان بحزم رغم ضعفه: قولت سيبني مع حور."

ساد الصمت للحظة. ثم تنهد سلطان مستسلمًا ونهض ثم  القي نظرة أخيرة على حور قبل أن يتحرك نحو الباب.

ولم تمر تلك النظرة على صفوان مرور الكرام.

بل تابعها بعين شيخ خبر الرجال عمرًا كاملًا.

وحين أغلق سلطان الباب خلفه...

التفت صفوان إلى حور.

وارتسمت فوق وجهه نظرة رضا وراحة  وظل صفوان ينظر إلى الباب المغلق لثوانٍ...

قبل أن يعيد بصره إلى حور.

أما هي فبدا عليها الارتباك قليلًا.، فالحج صفوان العامري لم يسبق أن طلب الحديث معها منفردة.

ابتسمت بخفة محاولة كسر الصمت : خير يا حج؟ 

هز صفوان رأسه ببطء.

ثم أشار إلى المقعد المقابل له: اقعدي يا بتي."

جلست حور بهدوء. وعيناها تراقبان شحوب وجهه الذي ازداد خلال الأيام الأخيرة.

شعرت بانقباض خفي داخل صدرها.فقالت بصدق: إنت  انهارده شكلك تعبان أكتر من الأول."

ابتسم صفوان ابتسامة صغيرة.:العمر يا بنتي."

هزت رأسها معترضة: لا...اللي زيك ما يقولش كده."

ضحك بخفوت سرعان ما تحوّل إلى سعال متعب.

فأسرعت تصب له كوب الماء. وأعطته إياه دون تردد.

تناوله منها.وارتشف منه بهدوء وبطء  وظلت يدها ممدودة حتى تأكدت أنه استعاد أنفاسه.

راقبها صفوان بصمت.

ثم قال فجأة: إنتِ زعلانة مني؟"

تفاجأت من السؤال وقالت فورًا: أنا؟ ليه؟"

نظر إليها طويلًا. ثم قال: عشان أنا السبب في الجوازة دي."

ساد الصمت للحظات.

خفضت حور عينيها إلى يديها.

ثم قالت بهدوء صادق: في الأول أيوه."

لم يغضب.

بل بدا وكأنه كان ينتظر هذه الإجابة.

فتابعت بصدق:  كنت شايفة إن حياتي كلها اتاخدت مني في يوم واحد."

صمتت لحظة.، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة باهتة.وتابعت : بس بعدين فهمت إن نصيب ربنا مهما لف ورجع...بيوصل لصاحبه."

بقي صفوان يتأملها طويلًا. وكأن كل كلمة قالتها أكدت شيئًا كان يشعر به منذ البداية.

ثم قال: عارفة أكتر حاجة ريحتني؟"

رفعت عينيها إليه.

فأكمل: إنك دخلتي الدار من غير ما تحاولي تثبتي نفسك لحد."

انعقد حاجباها بعدم فهم.

أما هو فتابع: لا نافقتي حد...ولا جريتي ورا حد...ولا حاولتي تكسبي حد بالعافية."

ابتسم ابتسامة خافتة.: فضلتي زي ما إنتِ."

اهتز شيء داخل حور.

لأنها للمرة الأولى تشعر أن أحدًا داخل تلك الدار يراها فعلًا.

ثم قال صفوان بهدوء: أنا شوفت ستات كتير في حياتي."

وصمت لحظة قبل أن يكمل: بس قليل اللي يعرفوا يبقوا سند لراجل."

ازدادت حيرتها.

أما هو فثبت عينيه عليها مباشرة.

وقال ببطء شديد: وسلطان محتاج سند ...محتاج حب."

شعرت أن الكلمات أصابت مكانًا عميقًا داخلها.

لكنها لم تتكلم.

فأكمل صفوان:الناس كلها شايفاه قوي."

ابتسم بأسى. وتابع : بس انا  الوحيد اللي عارف حجم الحمل اللي فوق كتفه."

ثم أضاف بصوت أضعف:والحمل ده هيزيد."

هبطت الكلمات ثقيلة داخل الغرفة. كأنها نبوءة لا مجرد حديث.

ثم مد يده نحوها ببطء.
فترددت لحظة قبل أن تضع يدها داخل يده.

فضغط عليها برفق.

وقال لأول مرة بصراحة كاملة: أنا مطمن عليه معاكي."

اتسعت عيناها متفاجئة!!!!

أما صفوان فتابع: ومطمن على دار العامرية كمان."

اختنق شيء داخل حلقها. ولم تعرف لماذا شعرت برغبة مفاجئة في البكاء.

فأكمل وهو يبتسم بتعب: يمكن أول مرة أقولها...بس أنا كنت غلطان في حاجات كتير."

ثم رفع عينيه إليها.: لكن اختيارك لسلطان...عمره ما كان واحدة منهم."

ساد الصمت....صمت طويل ومؤثر.

قبل أن تنخفض عينا صفوان قليلًا. ويبدو عليه الإرهاق بوضوح.

فنهضت حور فورًا.وقالت بلطف: كفاية كلام النهارده."

ثم عدلت الوسادة خلف ظهره بحركة عفوية.وساعدته على الاستلقاء.

فابتسم وهو يراقبها.

ابتسامة أب يرى ابنته لا زوجة ابنه.

وقبل أن تغادر...

استوقفها صوته الضعيف: حور."

التفتت إليه. فقال وهو ينظر إليها نظرة عميقة غريبة: مهما حصل بعدي..."

توقفت أنفاسها دون سبب.

أما هو فأكمل: اوعي تسيبي سلطان مهما حصل .

ابتسمت حور بخفوت محاولة الهروب من وقع كلماته.

لكن صفوان ظل يراقبها. ثم قال فجأة: تعرفي يا حور...أكتر حاجة خلتني أرتاح ليكي؟"

رفعت عينيها إليه باستفهام.

فأكمل بهدوء: إنك عمرك ما بصيتي لسلطان كأنه شيخ العامرية."

انعقد حاجباها بعدم فهم.

أما هو فتابع: كل اللي حواليه شايفين اسمه...ونفوذه...ومكانته."

ثم ابتسم ابتسامة صغيرة. وتابع : إنتِ الوحيدة اللي طول الوقت شايفاه سلطان وبس."

شعرت حور باضطراب مفاجئ. فأخفضت عينيها سريعًا.

لكن صفوان لم يترك لها فرصة الهروب. وقال بنبرة أكثر عمقًا: واللي يشوف الراجل قبل اسمه...صعب قلبه يبقى فاضي ناحيته."

تجمدت أنفاسها.

أما هو فابتسم وكأنه تأكد من شيء كان يعرفه منذ البداية.

ثم قال بخفوت: متخافيش... بعض الحاجات مش محتاجة تتقال علشان تبقى واضحة."

احمر وجه حور رغمًا عنها.

فأشاح صفوان بصره عنها رحمةً بخجلها. وأكمل وكأنه لم يقل شيئًا:المهم...إنك تفضلي زي ما انتي .

.............................

✦ في الحديقة الخلفية للسرايا... ✦

كان المساء يهبط ببطء فوق الدار.

والهواء يحمل برودة خفيفة سبقت غروب الشمس.

جلست سارة على المقعد الحجري المعتاد.....تراقب الحديقه امامها  بشرود.

منذ حديث هانم معها وهي تعيش على أمل واحد...

أن سلطان ما زال لها.

انتبهت على وقع خطوات خلفها  فرفعت رأسها بسرعة.

لتجده يقف أمامها بملامح جامدة على غير عادته.

نهضت فورًا. وشيء من الأمل لمَع داخل عينيها.ونادته بلهفه :سلطان..."

لكنه لم يبادلها الابتسامة.،بل قال مباشرة: عاوز أتكلم معاكي."

شعرت بتوتر خفي لكنها حاولت التماسك.وتابعت: وأنا كمان."

أشار نحو المقعد.: اتفضلي اقعدي."
جلست. بينما ظل هو واقفًا.

الأمر الذي جعل قلبها ينقبض دون سبب.

ساد الصمت لثوانٍ. قبل أن يتحدث أخيرًا: إنتِ لازم ترجعي القاهره وفوراً .....

تجمدت ملامحها. وكأنها لم تسمع جيدًا : إيه؟"

أعادها بوضوح أكبر:لازم تسافري يا سارة."

اتسعت عيناها بصدمة. ونهضت واقفة.:بعد كل اللي حصل؟"

ظل صامتًا.

فتابعت بانفعال: طب واللي بينا ؟؟

اشتدت ملامحه فورًا. وقال بحدة: قصدك اللي كان بينا!!!

ارتبكت للحظة، لكنها تماسكت: بس انا شايفه غير كده.

أطلق زفرة طويلة، وأدار وجهه بعيدًا عنها. ثم قال: إنتِ شايفة اللي عاوزة تشوفيه."

شعرت وكأن أحدهم صفعها.

أما هو فأكمل: اللي بينا كان ومكملش ....

هزت رأسها بعنف.: لا."

نظر إليها مباشرة. فوجد بعينيها نفس الإصرار القديم.

نفس التعلق الذي كان يومًا يسعده.

أما الآن... فصار يؤلمه.

فقال بهدوء أثقل من الغضب: أنا مش بقول إني نسيت."

اهتز قلبها.....لكن الجملة التالية حطمتها. :أنا بقول إن اللي بينا انتهى."

ساد الصمت......صمت موجع.

قبل أن تهمس: عشان حور؟"

أغلق عينيه للحظة. ثم قال: عشان ده الواقع."

اقتربت منه خطوة وتابعت بتصميم متحدي : ولو أنا موافقة أبقى زوجة تانية؟"

انعقد فك سلطان بقوة. وكأنه لم يتوقع منها أن تقولها مرة أخرى.

فأكملت بسرعة: أنا موافقة بكل حاجة."

رفع عينيه إليها. ثم قال ببطء: بس أنا مش موافق."

شحب وجهها بالكامل حتي صار باهتاً ...

أما هو فأكمل:أنا اتجوزت."

صمت لحظة وتابع وراضي بجوازتي....ومش انا الرجل اللي ممكن يتجوز اتنين ....

شعرت وكأن الأرض تهتز تحت قدميها.

وتابعت بصعوبة: حتى لو مش بتحبها؟"

هنا صمت سلطان.....صمت طويل أربكها.

ثم قال أخيرًا:الحب مش كل حاجة."

وأردف بنبرة أعمق: وفي رجالة بتتعلم ترضى بالنصيب اللي ربنا كتبهولها ...

اختنقت أنفاسها.

أما هو فتابع: وأبويا كمان مش موافق على اللي بيحصل ده."

رفعت رأسها بسرعة وتساءلت : يعني هو السبب؟"

هز رأسه فورًا.: لا."

ثم أضاف بحسم: أنا السبب."

ساد الصمت طويلاً  قبل أن يقول الجملة التي أنهت كل شيء: خدي كرامتك وارجعي يا سارة...

قبل ما اللي باقي بينا من احترام يضيع هو كمان."

ثم استدار وغادر.

تاركًا إياها واقفة مكانها. تبكي للمرة الأولى...

لا لأنها خسرته، بل لأنها بدأت تشعر بخسارتها امام نفسها ......
...................

✦ بعد منتصف الليل... ✦

كان السكون يخيّم على دار العامرية...

سكون ثقيل لا يقطعه سوى صوت الرياح العابرة بين الأشجار.

أما سارة...

فلم تستطع النوم. جلست فوق طرف الفراش وعيناها متورمتان من البكاء.

تستعيد كل كلمة سمعتها منذ وصولها. من صفوان...من حور...واخيراً من سلطان...

وكأن الجميع اتفقوا على إخبارها أنها جاءت متأخرة.

أغمضت عينيها بقوة.

لكن صوت سلطان عاد يطاردها من جديد: اللي بينا انتهى."

اهتز جسدها كله.

وأعقبه صوت صفوان: ده مكان ما بقاش ليكي فيه نصيب."

فتحت عينيها بسرعة. وشعرت باختناق شديد.

ثم نهضت فجأة. دون أن تعرف إلى أين تذهب.
أو ماذا تريد.

لكن قدميها كانت تتحركان وحدهما حتي وجدت نفسها أمام غرفة صفوان... ✦

توقفت للحظات أمام الباب بتردد ثم دفعت الباب ببطء.

كان الضوء الخافت يملأ الغرفة.

وصفوان مستلقيًا فوق فراشه. يبدو أكثر تعبًا مما رأته آخر مرة.

فتح عينيه فور إحساسه بدخول احد عليه ...

وحين رآها... قطب حاجبيه مستغرباً : إنتي؟؟؟

اقتربت سارة ببطء...وعيناها ممتلئتان بالدموع.: كنت عاوزة أكلم حضرتك."

تنهد صفوان بتعب.: دلوقتي؟"

هتفت فجأة وقد انفجر ما بداخلها:أيوه دلوقتي!"

ساد الصمت.

ثم تابعت  متسائلة بصوت مرتجف: ليه؟"

نظر إليها بعدم فهم.

فأكملت : ليه عملت فيا كده؟"

زفر صفوان ببطء. وأغلق عينيه للحظة.

وكأنه كان يتوقع أن تأتي هذه المواجهة يومًا.

ثم قال بوضوح : أنا معملتش فيكي حاجة."

ضحكت سارة بمرارة.: معملتش حاجة؟"

اقتربت أكثر وتابعت بحقد : إنت اللي فرضت عليه الجوازة. ...إنت اللي حكمت عليا أخسره."
إنت اللي قررت إن حياتي كلها تترمي في الزبالة."

اشتدت أنفاس صفوان وقال بحدة رغم ضعفه: كفاية."

لكنها لم تتوقف. كانت سنوات الوجع كلها تخرج دفعة واحدة: لأ مش كفاية!"
أنا استنيته سنين وفي الاخر اجبرتوه  يتجوز واحدة غيري. ولما جيت آخد حقي... وقفتلي إنت كمان."

سعل صفوان بعنف. حتى انحنى قليلًا فوق الفراش.

لكنها كانت غارقة في ألمها.

لم تنتبه أو ربما لم ترد أن تنتبه.

رفع يده نحو الطاولة الجانبية. باحثًا عن قناع الأكسجين.

لكن يده المرتعشة أسقطته أرضًا.

ارتطم القناع بالأرض وتدحرج بعيدًا.

ساد الصمت.

نظر صفوان نحو القناع....ثم نحو سارة.

كانت تراه وترى صعوبة أنفاسه. وترى يده التي تحاول الوصول إليه.

وتعرف أنها تستطيع التقاطه خلال ثانية واحدة.

ثانية واحدة فقط.!!!! لكنها لم تتحرك.

شيء مظلم داخلها كان يصرخ: دعية 
دعيه يشعر بالعجز الذي عشته.
دعيه  يتذوق بعض ما ذقته.

اشتدت أنفاس صفوان أكثر. وأخذ يبحث بعينيه عن أي شيء يساعده.

ثم قال بصعوبة شديدة: سارة..."

ارتجف قلبها .....لكنها بقيت مكانها.

تحدق فيه. والدموع تنهمر من عينيها.

مد يده نحوها.....كأنه يطلب المساعدة...... أوالرحمة. ....أو أي شيء.

لكنها لم تتقدم.

مرت ثوانٍ طويلة، ثقيلة ،مرعبة.

ثم بدأت ملامح صفوان تضعف أكثر.

وانخفضت يده ببط حتى سقطت بجواره.

اتسعت عينا سارة فجأة. وكأنها استفاقت من غيبوبة. وهمست تناديه بارتعاش : عمي؟"

اقتربت خطوة.

لأول مرة ظهر الخوف الحقيقي على وجهها:  عمي!"

لكن صفوان لم يرد.

ارتجفت أنفاسها. وأسرعت تلتقط القناع من الأرض. ثم حاولت إعادته إليه...
لكن جسده لم يستجب...

شحب وجهها بالكامل.وتراجعت للخلف خطوة. ثم أخرى.وعيناها معلقتان به.غير قادرة على استيعاب ما حدث.

همست بصوت مكسور:أنا... أنا ماكنتش أقصد..."

لكن الغرفة لم تجبها.

وبقي صفوان العامري ساكنًا... للمرة الأولى منذ عرفته... مات صفوان العامري .!!!!!
......................

✦ في صباح اليوم التالي... ✦

كان الصباح قد بدأ يتسلل ببطء إلى دار العامرية...

لكن على غير العادة...

لم يخرج صفوان العامري إلى شرفته. ولم يُسمع صوته. ولم يطلب أحدًا.

في البداية لم ينتبه أحد.

فالجميع يعلم أن مرضه اشتد خلال الأيام الأخيرة.

أمام غرفة صفوان... ✦

وقفت الخادمة تحمل صينية الإفطار.

طرقت الباب بخفة.:يا شيخ صفوان..."

لم يجبها أحد.

طرقت مرة أخرى....ثم ثالثة.

لكن الصمت ظل كما هو.

بدأ الخوف يتسلل إليها.

فدفعت الباب ببطء..ودخلت.

وفي اللحظة التالية...

انطلقت منها صرخة حادة هزت أرجاء السرايا كلها.

"الحقوووووواااااااااااااااااا الشيخ صفوان مات ....

في الطابق العلوي...

كانت حور تخرج من جناحها في تلك اللحظة.

فتوقفت مكانها فور سماع الصرخة.

شعرت بقلبها يهبط فجأة. ثم اندفعت نحو مصدر الصوت.

وفي الوقت نفسه... خرج سلطان خلفها .. عابس الوجه. قلق النظرات.وهو يسرع نحو غرفة والده.

بدأ الخدم يتجمعون.
وهانم تهرول بجزع .... وعامر يخفي حقده خلف قناع الخوف .....والفوضى تعصف بالمكان...

داخل غرفة صفوان... ✦

توقفت حور عند الباب.وشحب وجهها بالكامل.

أما سلطان...فدخل مباشرة. ليجد والده مستلقيًا فوق فراشه هادئًا بصورة مؤلمة. ساكنًا بصورة لم يعهدها فيه يومًا.

وقف مكانه....دون حركة.... دون كلمة..... دون نفس تقريبًا.

بينما كانت الأصوات من حوله تتعالى.

لكنه  لم يكن يسمع شيئًا. كان ينظر فقط. إلى الرجل الذي ظل طوال عمره جبلًا لا يهتز.

والذي بدا الآن... كأي جسد أنهكه الموت.

اقترب ببطء. ثم جلس إلى جوار الفراش.

وحدق طويلًا في وجه أبيه. كأنه ينتظر أن يفتح عينيه.
أن يوبخه.....أن يأمره بشيء...أن يفعل أي شيء. لكن صفوان ظل ساكنًا.
إلى الأبد .

وقفت حور عند الباب. وعيناها امتلأتا بالدموع.

لكنها لم تبكِ.

كانت تنظر فقط إلى سلطان. لأنها رأت شيئًا أخافها أكثر من الموت نفسه.

رأت الانكسار لأول مرة. في عيني سلطان العامري .

داخل غرفه سارة... ✦

كانت سارة جالسة فوق الفراش. لم تنم طوال الليل.

كلما أغمضت عينيها... رأت يد صفوان وهي تمتد نحوها.

وسمعت صوته وهو ينادي اسمها.
وكلما حاولت الهرب من الذكرى... عادت إليها من جديد.

ثم فجأة...

وصل اليها اصوات الصراخ ....

نهضت بفزع. وقلبها بدأ يخفق بعنف.

تسمرت مكانها وهي تستمع إلى الأصوات القادمة من الخارج.

ثم سمعت إحدى الخادمات تبكي وهي تمر بالممر: الشيخ صفوان مات..."

شحب وجه سارة بالكامل وكأن الدم انسحب منه دفعة واحدة.

ارتجفت أصابعها.ثم تراجعت خطوة للخلف.وأخرى.
حتى اصطدمت بحافة الفراش.وسقطت جالسة عليه.

لا..." خرجت الكلمة هامسة مرتعشة.
ثم هزت رأسها بعنف.: لا..."

ارتفع صوت أنفاسها بصورة مرعبة. وشعرت بأن جدران الغرفة تضيق حولها.

عادت صورة صفوان إلى عقلها. وهو يحاول الوصول إلى القناع.....وهو ينظر إليها....وهو يمد يده نحوها.

فوضعت كفيها فوق أذنيها بعنف. كأنها تحاول إسكات الذكرى.

لكنها لم تستطع.....لأنها كانت تعلم...

أن صفوان العامري مات.

وأنها كانت آخر شخص رآه قبل موته.

وأن هذا السر.. قد يدفنها حيّة قبل أن يحتضن القبر جسد صفوان ذاته .....
...........

بعد ثلاثة أيام... ✦

انتهت أيام العزاء الأولى...

لكن دار العامرية ما زالت غارقة في السواد.

الرايات السوداء ترفرف فوق الأسوار.

والرجال يتوافدون من كل أنحاء الجنوب.

شيوخ...وعمد...وكبار عائلات.

جاؤوا جميعًا لتقديم واجب العزاء في وفاة صفوان العامري.

وفي الوقت نفسه...

ليروا بأعينهم الشيخ الجديد للعامرية ....

✦في السرادق الكبير الممتد منذ اعلان وفاه كبير العامريه قبل ثلاثه ايام ✦

كان السرادق ممتلئًا عن آخره.

الوجوه المعروفة....والأسماء الثقيلة.

والهيبة التي لا يجتمع مثلها إلا في الأحداث الكبرى.

جلس سلطان في مكان والده  لأول مرة.

المكان الذي ظل طوال عمره يراه من بعيد.

أما اليوم... فأصبح له.

ورغم ثبات ملامحه...

كان الجميع يشعر  بحزنه الكبير علي والده وبثقل المسؤولية فوق كتفيه.

ساد الصمت للحظات.

قبل أن ينهض الشيخ عارف. كبير مشايخ الجنوب.

وتوجه بخطوات ثابتة نحو سلطان.ثم توقف أمامه.

ونظر إليه طويلًا. قبل أن يقول بصوته الجهوري: البقاء لله يا ولدي."

أومأ سلطان برأسه.

فأكمل الشيخ عارف: أبوك كان جبل."

صمت لحظة. ثم تابع: والجبال لما تقع...بتسيب مكانها فراغ كبير."

ساد الصمت داخل السرادق ...

أما سلطان فظل ثابتًا.

فأردف الشيخ عارف: لكن رجال العامرية عمرهم ما سابوا فراغ وراهم."

ثم وضع يده فوق كتف سلطان.

وقال أمام الجميع:وانت جبل زي ابوك والوحيد اللي تليق تكون مكانه....
"خير خلف لخير سلف" 

ساد السرادق صمت ثقيل.

ثم بدأ الرجال يرددون كلمات التأييد. واحدًا تلو الآخر.

بينما ظل سلطان جالسًا. صامتًا.

يشعر أن الحمل الذي كان يحمله أبوه وحده... أصبح الآن فوق كتفيه.كله.

بينما عامر العامري وصبري الرفاعي كلاً منهم تلمع اعينهم بحقد وغل نحو  سلطان حتي وان اختلفت اسبابه .......

.............................

على الجانب الآخر...

كان مجلس النساء لا يقل ازدحامًا.

نساء الجنوب من كل مكان. يتبادلن العزاء والنظرات. والأحاديث الخافتة.

وفي صدر المجلس...

جلست حور ....ترتدي السواد.

ملامحها هادئة رغم حزنها ...ورأسها مرفوع بثبات.

تستقبل المعزيات واحدة تلو الأخرى. وترد بهدوء يليق بمكانتها.

حتى أن كثيرات بدأن ينظرن إليها بإعجاب صامت.

إحداهن همست لصديقتها : دي مرت الشيخ سلطان؟؟

أومأت الأخرى :  أيوه هي بت الرفاعية ...

فقالت بإعجاب: ثابتة بشكل يليق بالعامرية."

بينما همست امرأة أخرى: ربنا يقويها...شايلة المجلس كله لوحدها طول ايام العزا ... 
فعلاً مرت شيخ علي حق ....

وصلت الكلمات إلى مسامع هانم وماجده التي انقبض فكها قليلًا بحقد ....

بينما هانم كانت تراقب حور من بعيد بكره وتري في دخولها لدار العامريه دخول الشوم والفال السيء .

ثم تحرك بصرها نحو سارة. الجالسة بشرود جانبها 

بعيدة عن الجميع كأنها لا تنتمي للمكان.

وهنا...

همست إحدى النساء: هي مين البنت دي؟"

التفتت أكثر من امرأة نحو سارة.

وتكررت الهمسات.: قريبتهم؟" من أهل الشيخ؟"
انا اول مره اشوفها هنا ....

ساد فضول واضح بين الحاضرات.

وهنا...

رفعت ماجدة رأسها وقالت بنبرة بدت عادية...

لكنها كانت محسوبة بدقة: دي سارة."

ثم أضافت: خطيبة سلطان  من مصر !!!!

ساد الصمت لثوانٍ.

ثم تبادلت النساء النظرات سريعًا.

وتحولت الهمسات إلى دهشة واضحة.

خطيبته؟"طب ومراته ؟؟ وإزاي قاعدة هنا؟ وإيه موقف مرات الشيخ؟"

أما حور...

فلم تلتفت.

ولم تبدُ عليها أي ردة فعل. بل جلست  بنفس الثبات.

وكأن شيئًا لم يُقال.

لكن في آخر المجلس...

كانت تجلس امرأة تراقب كل شيء بصمت.نرجس الرفاعي ... والدتها ...

منذ دخولها وهي تتابع ابنتها بفخر خفي... ثباتها.هيبتها. وطريقتها في استقبال نساء الجنوب كأنها وُلدت لتكون زوجه شيخ ....

لكن كلمات ماجدة...

جعلتها تلتفت نحو سارة لأول مرة. ثم عادت تنظر إلى حور طويلًا بتمعن.

وكأنها تبحث عن شيء ما في وجه ابنتها.

وفي تلك اللحظة...

رفعت حور عينيها فالتقت نظراتها بنظرات والدتها.

ثوانٍ قليلة فقط... لكنها كانت كافية.

رأت أمها التوتر الخاطف الذي مرّ في عينيها.

ورأت النظرة التي هربت سريعًا.

ورأت الصمت الذي لم يكن صمت امرأة واثقة...

بل صمت امرأة تعرف الحقيقة.

فأدركت أم حور أن ما قيل عن سارة ليس مجرد شائعات.

وأن هناك امرأة أخرى تقف في ظل زواج ابنتها.

أما حور...

فما إن هربت بعينيها بعيدًا حتى شعرت بانقباض مؤلم داخل صدرها.

لقد فهمت نظرة أمها جيدًا.

وفهمت ما الذي دار في عقلها.

ولأول مرة منذ دخولها دار العامرية...

شعرت أن معركة جديدة توشك أن تبدأ.

معركة لن تكون مع سارة...ولا مع هانم... ولا مع ماجدة. 
بل مع أهلها أنفسهم ومع كبير الرفاعية...

الذي لن يقبل أبدًا أن تبقى ابنته في زواج يشاركها فيه أحد.

فأخفضت عينيها نحو الأرض.

بينما كانت تشعر أن العاصفة القادمة...

قد تكون أخطر من كل ما سبق
...........................

في دار الرفاعية... 

كان الليل قد استقر فوق الدار بثقل هادئ...

لكن في صدر الدار لم يكن الهدوء داخليًا.
كان يجلس هاشم الرفاعي وولده هارون ومعهم صبري ابن شقيقه في انتظار عوده والده حور كي يطمئنا عليها حتي وان اظهر صبري عكس ذلك ….

وبعد قليل عادت والده حور …..
كانت ملامحها مختلفة هذه المرة.أثقل من المعتاد.

أهدأ من اللازم.
جلست أمامهم دون مقدمات، وكأن في صدرها ما يمنعها من الإطالة.

سألها  هاشم مباشرة: خير مال وشك مقلوب كده ليه يا ام هارون؟؟

سكتت لثوانٍي ثم قالت: دار العامرية حالها مش زي كل مرة."

رفع نظره إليها ببطء : تقصدي إيه؟؟؟
قصدك يعني علي موت صفوان ؟؟

همس صبري بصوت منخفض لكنه وصل الي مسامع عمه : الله يحرقه مطرح ما راح عقبال ولده ان شالله.

رمقه هاشم بنظره اخرسته ….ثم عاد بنظره الي زوجته يحسها علي اكمال حديثها….

تنهدت نرجس بهم : العزا كان كبير..."

ثم توقفت لحظة، وكأنها ترتب ما ستقوله.

بس وسط الناس كلها...في حاجة كانت ملفتة أكتر من العزا نفسه."

ضيق عينيه وتابع بنفاذ صبر : يعني إيه؟"
ما تتكلمي عدل من غير الغاز ….

رفعت عينيها إليه مباشرة  وقالت : حور."

ساد صمت خفيف وتبادل الثلاث رجال النظرات بقلق واهتمام ….

ثم أكملت: واقفة وسط الستات...رافعه راسها...مستقبلة العزا كأنها مكانها من سنين."

هز رأسه ببطء.

فقالت بعد لحظة: بس ما كانتش وجودها لوحدها اللي ملفت."

رفع حاجبه في انتظار المهم :  في ست غريبه ظهرت في العزا اسمها سارة."

تغيرت نبرة صوته قليلًا: وإيه اللي خلاها ملفتة؟
ترددت لحظة ثم قالت: مش وجودها نفسه...لكن الطريقة اللي الستات كانوا بيتكلموا بيها عنها ماجدة قالت إنها…. انها  كانت خطيبه  سلطان .

ساد الصمت فورًا.

ثم أكملت بهدوء: والكلام ما وقفش عند كده...الهمس كبر...والنظرات كلها بقت رايحة جاية بينها وبين حور."

توقفت لحظة ثم أضافت: وحور ما اتكلمتش .""بس أنا شفت بعيني..."

سكتت وكأنها لا تريد إكمال الجملة.

فقال ببطء: شُفتي إيه؟"

ابتلعت غصة صغيرة مره في حلقها :  شوفت الحقيقه في عنيها اللي هربت بيها من عينيا….

ساد الصمت المريع بينهم….
والرجال دماءها تغلي كالمرجل غيره كرامتهم وكرامه ابنتهم وغضب من سلطان …

ثم هتف هاشم  بهدوء بطيء: انتي متاكده من الكلام ده ؟؟

لم تجب…. لكن نظرتها اجابته …

تغيرت ملامحه واربدت بغضب كبير : الموضوع ده لو حقيقي ، النار هتولع من تاني ، رغم ان رماد الاولي لسه منطفاش….

نهض هارون ولده وتحدث بغضب مكبوت : هنعمل ايه يا بوي ، هنهملوا واد صفوان يجيب ضره لاختي؟؟

هب صبري من جلسته وهتف بجنون وهو يخرج سلاحه من جيب جلبابه: الله في سماه لاكون مبيته في تربته جار ابوه يوم ما يعملها وانا اصلاً كده كده منت هعملها بس شكله هو اللي مستعجل علي قدره.

 هتف هاشم فيهم بغضب وأضاف:ولا كلمه منك له الموضوع ده يخصني انا وبس ومحدش فيكم له صالح بيه ، واللي هيتعداني هو حر …..
…………………………

✦ داخل جناح حور... ليلًا ✦

كان الليل قد استقر على دار العامرية بثقلٍ هادئ...

لكن داخل الجناح، لم يكن هناك هدوء حقيقي.

كانت حور قد أعدّت العشاء في صمت، ورتّبت كل شيء بعناية، كأنها تحاول أن تمنح المكان بعض الهدوء وسط الفوضى التي تعيشها الدار منذ أيام.

وصوت خطواته قطع هذا الصمت.

دخل سلطان.

كما هو منذ الصباح... او منذ ثلاثه ايام ….

صلب، هادئ، حزين ، لا يُفصح عن شيء.

أغلق الباب خلفه، ونظر حوله قليلًا.

ثم وقع بصره عليها … ثم تحرك باليه وهو يخلع چاكيت بدلته عنه بارهاق وجمود …..

اقتربت حور منه مسرعه وساعدته في خلع چاكيت البدله …..

تصلب جسد سلطان فور شعوره بيديها علي اكتافه ولكنه لم ينطق ….

هتفت حور بخفوت من خلفه : انا مجهزه لك الحمام…
ادخل خد دش دافي وتعالي علشان تتعشي ..::

استدار بحسده اليها فكان قريباً منها للغايه …
عينيه  جامده حزينه ……
وعينيها ملهوفه ومشتاقه رغم حزنها ….
 ثم أومأ برأسه دون تعليق، واتجه إلى الحمام .

لم يسأل ، لم يعترض ، لم يفتح بابًا لأي حديث.

ظل كما هو... صامتًا من الداخل والخارج.

بعد دقائق...

خرج وقد بدل ملابسه لملابس بيته سوداء كئيبه .

وجد المائدة مجهزة وحور بجانبها تنتظره …

توقف عندها لحظة ثم هتف ببرود واضح :  أنا مش جعان."
.

لكن حور لم تستسلم …فقط اقتربت منه بهدوء وهي تمد يدها تجذبه من يده بحنو : تعالي بس …
انا مستنياك وقلت هنتعشي سوا انهارده ..
ده لو مكانش يضايقك …..

نظر إليها نظرة قصيرة. ثم جلس.

ليس اقتناعًا... بل استسلامًا مؤقتًا.

ساد الصمت بينهما لم ياكل … لم يمس الطعام بيده.
هتفت حور وهي تضع الاكل امامه : يالا سمي الله وكل ، انا جهزت لك الاكل اللي بتحبه….

سلطان بضيق: ماليش نفس ، كلي انتي…

ابتسمت حور بحلاوه : هو من جهه هاكل فانا هاكل لاني جعانه بس مش هاكل لوحدي ، هاكلك بايدي..
ثم اعقبت قولها وهي ترفع الملعقه بالطعام امام شفتيه ….

نظر سلطان الي يدها الممدوده بالطعام ثم الي عينها الخضراء الصافيه التي تطالعه بنظره حانيه اجبرته علي الخضوع لها وفتح فمه وابتلع الطعام …

ابتسمت حور بظفر ثم اكلت هي الاخري من نفس الطبق ونفس الملعقه بعده في حركه عفويه منها ولكنها هزت شيء كبير داخل سلطان الذي اندهش من تصرفها ….

مر بعض الوقت ، هو ياكل بصمت دون شهيه وهي تراقبه بصمت.

حتى قالت أخيرًا بصوت هادئ: اتكلم يا سلطان ، بطل تكتم جواك … ا

رفع عينيه إليها فورًا مندهشاً : انا مش بكتم حاجة."

ابتسمت ابتسامة خفيفة: واضح بدليل انك بقالك تلات ايام مش بتتكلم .:…
"

نظر إليها….نظرة طويلة.

وفيها أول شرخ صغير في صلابته.: مش عايز أتكلم."

ردها جاء أهدأ: أحيانًا السكوت بيكسر أكتر من الكلام."

ساد صمت أثقل من قبل.

ثم فجأة.. قال بصوت منخفض حزين :  أنا مش فاهم حاجة ، انا حاسس اني في كابوس …

سكت…. ثم أكمل، وكأن الكلمات تُسحب منه بالقوة:

أبويا..."

توقف…. لم ينطق اسمه بسهولة.

ثم قال: كان طول عمره واقف زي الجبل ، حصن قوي  مفيش حاجة تهزه.""أنا كنت شايفه جبل... مش إنسان."

ابتلع غصة مره كالعلقم في حنجرته وتابع : وفجأة... الجبل وقع وانهار …/

تغير صوته قليلًا: وأنا واقف مش عارف أعمل إيه."

رفع عينيه إليها، وهذه المرة لم يكن فيها صلابة بل ضعف غريب …

انا كنت فاكر نفسي اني قوي وجامد بس موته كسرني ….طلع الموضوع أكبر مني

ساد الصمت تمامًا.

حور لم تقاطعه. لكن نظره عينيها تغيّرت.ونبضات قلبها اهتزت لوجعه ….

ثم نهضت ببط اقتربت منه دون كلام. جلست ارضاً أمامه مباشرة وهو متكأ بمرفقيه علي ركبتيه ….

وبهدوء شديد، وضعت يدها على يديه .

لم يبعدها…لم يتحرك.

فقط تنفس بعمق وكأن شيئًا داخله اهتز …

ثم قالت بصوت خافت: امفيش حاجه مهما كانت كبيره اوعي تسمح لها انها تكسرك ….
انت سلطان العامري ، شيخ العامريه …

نظر إليها….لأول مرة، بلا قناع وفي عينيه دمعه حائره تود السقوط ثم تابع بانهزام :  أنا تعبان اوي يا حور."

خرجت الجملة أخيرًا كما هي. خام... صادقة... مكسورة.

ساد الصمت لحظة.
رفعت حور يديها تكوب بها وجهه الحزين ونظرت داخل عينه وتابعت بصدق وتصميم: سلطان ، انت بشر مش حجر ….
اتعب واحزن وعيط ، بس هنا …..
واكملت بهمس داخلها : جوه حضني لكنها لم تملك الشجاعه لتنطقها ….

ثم تابعت: اوعي تسمح لضعفك وحزنك انه يظهر قدام حد ، العامريه والجنوب كله محتاجين جبل يتسندوا عليه ، محتاجين اسد يقف في وش اي حد يجي عليهم ….
لو حسوا بضعفك هيفرموك تحت رجليهم …
وانت مكانك فوق الراس مش تحت الرجلين يا سلطان …..

نظر سلطان اليها بنظره صعبت عليها تفسيرها ….
اقشعر بدنها عندما وضع يديه علي يديها فوق وجنتيه وتابع باحتياج شديد ودمعه حزينه اخيراً سمح لها بالسقوط او ربما سقطت غصب عنه دون ارادته : خاليكي جانبي يا حور انا محتاج لك ….

لمعت عين حور بابتسامة عاشقه وضربات قلب متلاحقه من السعاده والعشق ثم حركت اناملها الرقيقه علي وجنته الخشنه ومسحت دمعته : لاخر نفس فيا هكون جنبك ومعاك يا سلطان…
واكملت في نفسها " سلطان قلبي "….

ومن دون مقدمات رفعها من علي الارض واحبسها جانبه ثم القي بنفسه وجسده وروحه في حضنها الواسع التي استقبلته وضمته اليها بحنان امومي وقلب زوجه ووجدان عاشقه ….

ثم احتوته في حضنها بهدوء تربطه علي روحه المتعبه …..
وهو شعر براحه كبيره تسكنه …. لم يتماسك هذه المرة.

بل كأن كل ما كان يثبته سقط دفعة واحدة.

لم يكن سلطان العامري شيخًا ولا رجلًا قويًا أمام الجنوب والمجلس، ولا سلطان رجل الاعمال ابن المدينه….

كان مجرد إنسان... مجرد رجل يحتاج الب انثاه…

وساد الصمت بينهم فقط اصوات انفاسهم ودقات قلوبهم هما المسموعين….

لكن هذا الصمت لم يعد ثقيلاً كما كان من قبل.

كان مختلفًا …. كان أهدأ. كأن شيئًا داخله بدأ يستسلم أخيرًا.

حور لم تتحرك. ظلت تضمه، ذراعاها حوله، تمنحه مساحة لا يملكها منذ أيام.

أما هو...

فكان مستندًا إليها بصمت. صدره يعلو ويهبط بثقل واضح.

وكأن كل ما كان يحمله طوال الأيام الماضية بدأ يتساقط دفعة واحدة.

مرّت دقائق طويلة... ثم أصبح تنفسه أبطأ ، أهدأ وأكثر انتظامًا.

شعرت حور بذلك قبل أن تراه.

فهمست بصوت خافت جدًا:سلطان..."

لم يجب.

أخفض رأسه أكثر وضم نفسه داخل احضانها اكثر ثم استسلم تمامًا سكنت حركته واسترخت كتفاه.واحكم قيده علي خصرها وذهب قي ثبات عميق مرتاح لاول مره منذ عاد الي الجنوب!!!!!؟؟

اما حور وكأنها تخشى أن يستيقظ فجأة ويكتشف أن هذه اللحظة لم تكن حقيقية.

مرّت لحظات طويلة...وهي فقط تنظر إليه.

وتدرك، دون أن تعترف لنفسها بصوت عالٍ...

أن شيئًا تغير. ليس في سلطان فقط. بل بينها وبينه أيضًا.

وفي الخارج...

كانت دار العامرية كلها غارقة في حزنها.

لكن هنا...

في هذا الركن الصغير من الجناح...كان هناك شيء آخر يولد بصمت……..

تعليقات