رواية ولو بعد حين الفصل الثامن
احتاجت حبيبة ثلاثة أيام لتستعيد وعيها ببطء، ثلاثة أيام لم يترك فيها فارس المستشفى، كان يجلس مع والده زكريا ويطلب منه أن يريح نفسه بينما يظل هو مستيقظًا لربما تستعيد وعيها، كان شديد التأثر لفقد والدته ويشعر بالذنب، في اليوم الرابع خرج فارس من المستشفى
كان عنده فضول يعرف نتيجة التحليل، وصل فارس المعمل وطلب نتيجة التحاليل، الموظفة المختصة لم تعترض
مسك فارس التحليل بين يديه، تردد لحظة ثم فتحها
كانت النتيجة متطابقة تمامًا، ابتسم فارس بسخرية وهمس كنت هخسر كل حاجة لو تأخرت شوية، وشعر براحة ضمير لأنه حتى تلك اللحظة كان يحمل نفسه نتيجة ما فعله في حبيبة، لكن الآن ما فعله يعد دفاعًا مشروعًا عن حقه، حتى لو كان ذلك الشاب ابنهم فإنه لم يتمتع بحنانهم مثله ولن يفقد أي شيء، لكن هو سيفقد ذلك الحنان، إنه الشخص الوحيد المتأذي من تلك الحقيقة، أما ناصر فلديه حياته ولن تتغير
بص فارس على الموظفة والتي فهمت هو عايز إيه، طلع من جيبه فلوس كثيرة حطها تحت الأوراق
عايز النتيجة دي تتغير، أنا مش هاخد الملف معايا هسيبه هنا
بسيطة همست الموظفة وفتحت شاشة الكمبيوتر، سابت البيانات الأساسية الاسم والعمر ونسخت نتيجة تانية حطتها مكان النتيجة الأصلية وطبعت الورقة
أول ما الدكتور ما يسيب المكتب هختمها وتبقى سليمة مية في المية
أنا بعتمد عليكي همس فارس، أمي ست كبيرة ودماغها خرفت شوية، مفهوم يا باشا مفهوم
&&&&&&&&
كان ناصر ينتظر نتيجة التحليل رغم ثباته الظاهري كان صدره يحترق، حبيبة قالت إنها هتتصل بيه لما النتيجة تظهر
مر اليوم الرابع على ناصر طويل جدًا، تاريخ ظهور النتيجة، لكن حبيبة لم تتصل به، صبر نفسه ليوم تاني والأمل داخل قلبه يتراقص، مكنش عايز فلوس ولا ورث كان محتاج حضن أمه
لكن الأيام مرت وحبيبة متصلتش، مبقاش فيه شك عنده إن النتيجة مطلعتش متطابقة وحبيبة مش قادرة تتصل به حفاظًا على مشاعره
كان ناصر يتقلص كل يوم عن الآخر، قل شغفه للعمل، كان يلوم نفسه إنه تبع أمله ولو لبضعة أيام، لم يكن يعرف أن الأحلام تقتل أيضًا
نحف جسده وأصبح يشرد لوقت طويل، لقد شعر تجاه حبيبة بمشاعر مختلفة عما يشعره تجاه صفية
كان قلبه يدق بطريقة مختلفة، لقد تمنى أن تكون والدته
حتى لو لم يذهب للسكن معها أو مع زوجها، كان يكفيه أن يعرف أصله، أن يدعو في الصلاة لوالديه، وللحظة فكر أن سبب عدم اتصال حبيبة به هو زوجها وخوفه من وجود احتمالية نصب
يا رجالة؟ همس ناصر، أنا هروح مشوار، لما توصل عربية الشحن حملوا البضاعة، السلام عليكم
قصد ناصر عنوان معمل التحاليل، وقف على الباب بتردد
ثم قصد الاستقبال، أنا عملت تحليل هنا وعايزه من فضلك
اسمك إيه؟
اسمي ناصر، واللي كانت معايا في التحليل اسمها حبيبة
ابتسمت الموظفة، تحليلك جاهز من زمان يا أستاذ، أنا افتكرتكم نسيتوه
سأل ناصر هو مفيش حد وصل يسأل على التحاليل قبلي؟
لا، ردت الموظفة وهي بتسلم الملف
قرأ ناصر النتيجة وشعر بجسده يترنح، قعد على الكرسي في الاستراحة، همس كنت متوقع إيه يعني يا ناصر؟
إنت مقدر ليك تعيش وحيد بقية حياتك، من غير أصل ولا فصل، إنت قصة غير مكتملة في رواية كاتب لعين
حس بصداع يعصف بعقله، وقف وحط الملف قدام الموظفة
لو الست وصلت هنا ياريت متقوليش إني اطلعت على نتيجة التحليل ممكن؟
رأت الموظفة الدموع في عيون ناصر، شاب جميل بيبكي مثل الأطفال، همست حاضر يا أستاذ أوعدك محدش يعرف حاجة
مشى ناصر في الشوارع، عاد إلى ماضيه القديم، شاب يحمل حقيبة وينادي في الشوارع يعرض خدماته
هناك أشياء يمكننا تغييرها وأخرى لن تتغير أبدًا
&&&&&&&&&&
بعد أسبوع تمكنت حبيبة من الكلام، حكت لزكريا وللشرطة عن الحادثة التي تعرضت لها، لم تتهم أي شخص
قعد زكريا جنبها مكسور، بقى كده يا حبيبة كنتي عايزة تسيبيني؟
الحمد لله يا زكريا قدر ولطف
مش قولتلك ميت مرة تاخدي بالك وإنتي سايقة؟
رفضتي توظيف سائق خاص وشوفي كان هيحصلك إيه
أمر الله يا زكريا ومعنديش اعتراض عليه، حاولت أن تنهض
لكن زكريا منعها بالعافية، ولا حركة، مش هتسيبي سريرك غير لما تبقي كويسة خالص
أي حاجة عايزاها اطلبيها مني أو من ابنك فارس اللي عينه مغفلتش من وقت الحادثة
دخل فارس الغرفة، قبل يد والدته وأخذها في حضنه ودموعه نازلة
ألف سلامة عليكي يا أمي، تركت حبيبة نفسها لحضن ابنها
لكن قلبها كان في مكان تاني، كانت عايزة تعرف نتيجة التحليل إيه
كانت عارفة عنها متقدرش تبعت فارس أو تأتمنه على حاجة زي كده، لكن زكريا عشرة عمر، لما قعدوا مع بعض طلبت منه يجيب نتيجة التحليل عشان قلبها يستريح
زكريا معترضش، قال حاضر يا حبيبة هعمل كل اللي إنتي عايزاه
وصل زكريا معمل التحاليل وأخذ النتيجة من الموظفة
قرأ النتيجة بزعل، حاجة زي كده ممكن تقضي على حياة حبيبة، الحقيقة صعبة وحبيبة عايشة على أمل وزكريا مش ممكن ينزع منها الأمل ده، قعد في العربية يعيط مثل الطفل
مش عارف يعمل إيه، فكر كثير أوي وبعد ساعة طلب ابنه فارس يقابله خارج المستشفى
اسمع يا فارس يا ابني اللي بطلبه منك دي حاجة كبيرة أوي
لكن إنت ابني الوحيد وأتمنى تقف جنبي في اللي هطلبه منك
تنهد فارس بصعوبة، همس في سره يبقى الموظفة ضحكت عليه، تغيرت ملامح وشه ولاذ بالصمت
واصل زكريا كلامه، الكلام اللي هتسمعه صعب شوية
لكن أنا مليش يد فيه، والدتك كانت عايشة على حلم
وأنا مقدرش أخد منها الحلم ده، حبيبة هتموت، هتروح مني
بكى زكريا بحرقة، فارس قال خير يا بابا فيه إيه قلقني؟
أنا وأمك فقدنا طفلنا الوحيد من زمن طويل، من فترة أمك كانت معتقدة لما شافت شاب يشبهه إنه ممكن يكون ابنها
من ورا ضهري راحت عملت تحاليل النسب والتحليل طلع مش مطابق
تنهد فارس بارتياح، طيب والعمل يا بابا؟
همس زكريا أنا عارف أمك مش هتستحمل الخبر ده في حالتها دلوقتي، أنا مضطر أكدب عشان صحتها
وإنت لازم تساعدني، لما أدخل عندها هقول إن التحليل كان مطابق، وإنت هتعلن فرحتك بكل ده
الحقيقة هتكون محصورة بيني وبينك وصمت زكريا وبين الشاب ده، حبيبة مش لازم تعرف حاجة، ولما صحتها تتحسن
أنا هفتح موضوع الورث، طبعًا أنا كتبت كل حاجة باسمك يعني مفيش قلق، بس أنا هطلب تحليل تاني وطبعًا نتيجة التحليل هتكون سلبية وقتها حبيبة بنفسها هتتصرف
أنا متأكد من كده، بس مش عايزها تيجي من ناحيتي فاهم يا فارس؟
فاهم يا بابا حاضر
دخل زكريا غرفة العناية المركزة قعد على الكرسي جنب حبيبة
رفعت حبيبة وشها بسرعة، فين التحليل يا زكريا؟
قال زكريا وهو بيبوس إيد حبيبة اطمني يا حبيبة نتيجة التحليل طلعت متطابقة، أخيرًا لقينا ابننا اللي كان ضايع من عشرين سنة
زغردت حبيبة، صوتها هز المستشفى كلها، زكريا بص على حبيبة مش عارف يفرح ولا يحزن، شاف وشها رجع شباب من تاني وتحركت من على السرير بسرعة
حبيبة؟ حبيبة؟ همس زكريا بضعف، أنا عملت اللي طلبتيه مني، لكن أنا ليا طلب كمان
خير يا زكريا اطلب أي حاجة أنا موافقة، فين ناصر ليه مجاش يطمن عليا؟
اصبري همس زكريا، ناصر أنا هكلمه بنفسي وهيجي يعيش معانا، بس أنا قولتلك ليا طلب
مش عايز حد يعرف أي حاجة لحد ما نتأكد، ناصر ابننا هيعيش معانا ولما أتأكد هعلن ده للعالم كله، بس لحد الوقت ما يحين عايزك توعديني الموضوع يفضل سر بينا
أوعديني يا حبيبة؟
همست حبيبة أوعدك يا زكريا، وفارس هنعمل معاه إيه؟
قال زكريا، أنا قولت لفارس على الحقيقة وفرحان إن هيكون ليه أخ، لكن من فضلك الموضوع يفضل سر بينا
اديني رقم ناصر عايز أكلمه، أحضر زكريا هاتف حبيبة من الحقيبة وطلع بره الغرفة
كلم ناصر وعرفه بنفسه وطلب يقابله فورًا دون تأخير
ناصر طار من الفرحة، صحيح والده مقلش إنه ابنه ولا عبر عن أي حاجة، صحيح إنه متكلمش عن نتيجة التحليل غير المطابقة، فكر ناصر إن نتيجة التحليل كان فيها غلط لكن مش مهم هو مش عايز غير حبهم وعطفهم
وصل ناصر بسرعة، زكريا كان في انتظاره في الفيلا
طلب منه يدخل ويقفل باب المكتب وراه
قعد ناصر وقلبه بيدق بقوة، ملف التحليل كان قدام زكريا
فتحه وطلب من ناصر يقرأه، ناصر فتح التحليل وقرأه
حس نفسه بيغوص في الأرض، جسمه ارتعش وهمس متخفش يا بيه أنا عمري ما كنت شخص وحش ولا يمكن أقبل حاجة مش بتاعتي، كان ممكن تقول الكلمتين في التليفون ابعد عن مراتي وأنا عمري ما كنت هظهر في حياتها أبدًا، يمكن أنا ابن حرام لكن أخلاقي الحمد لله كويسة وأعرف ديني كويس
قال زكريا بالعكس، أنا عايزك تظهر، وتظهر كثير أوي كمان
إنت هتعيش معانا هنا وهتكون ابننا لكن الحقيقة هتكون بيني وبينك وحبيبة مش هتعرف عنها حاجة لبعض الوقت
أنا عارف اللي بطلبه منك صعب جدًا، لكن يا ابني مراتي هتضيع مني، حبيبة عملت حادثة وقاعدة في المستشفى بين الحياة والموت، إنت بس تقدر تنقذها
أرجوك يا ابني وافق، أنا هديك كل حاجة تحلم بيها
أخرج زكريا دفتر شيكاته، اكتب الرقم اللي يعجبك وأنا هوقع عليه
بص ناصر على الراجل المدمى ورغم إن قلبه كان يتمزق أكتر منه قال، شيل شيكك يا بيه أنا مش محتاج فلوسك
أنا شغال وبكسب لقمتي من عرق جبيني، حض الله بيني وبين الحرام
أنا موافق يا بيه عارف ليه؟
عشان الست اللي شفتها وقعدت معاها تستاهل كل خير
طيب الحمد لله، إحنا هنستنى إيه يلا بينا على المستشفى
&&&&&&&&
وصل ناصر وزكريا المستشفى ورغم إنه عارف إن حبيبة مش أمه لكن حاجة جواه خلته يطلع السلم جري وسط استغراب زكريا، ناصر طلع السلم جري وللصدفة من غير ما أي شخص يقله مشى على غرفة حبيبة، قلبه كان بيدله، فتح ناصر
غرفة والدته، أزاح الممرضة المعترضة بيده، ركض على حبيبة
أمي؟ ألف سلامة يا أمي ألف سلامة عليكي، شدة وتزول إن شاء الله، باس ناصر إيد حبيبة ورجلها والدموع نازلة من عينيه ضمها لحضنه بكل قوة وحبيبة بتبكي هي كمان
من على باب الغرفة همس فارس في ودن أبوه زكريا، الولد بيمثل كويس إنت عرضت عليه كام؟
لكن زكريا كان يتابع اللي بيحصل بذهول، مستحيل أي إنسان يزيف مشاعره بالشكل ده، حبيبة شاورت لزكريا تعالى إنت واقف ليه بعيد؟
زكريا قرب منهم والتلاتة بقوا في حضن بعض، ارتجف قلب زكريا فجأة، مشاعر غريبة اجتاحت صدره، إنه رجل أعمال يؤمن بالمنطق، ليه قلبه بيدق بالطريقة دي؟
حاول أن ينزع نفسه من الحالة لكنه وجد نفسه يعيط أكتر
يعيط على حبيبة وعلى حالتها عندما تعرف الحقيقة
فارس وقف متسمر على الباب، شعر إنه ليس فردًا من العائلة
أسقط منها سهوًا، فارس غمز زكريا بعينه تعالى يا ابني سلم على أخوك
قعد ناصر تحت السرير غارق في مشاعر مشحونة، شعر بالحرج من زكريا، ود لو يعتذر عن تهوره لكن حبيبة رفضت إنه يتحرك بعيد عنها
