رواية مالم يحكي الفصل التاسع بقلم دنيا شعبان
ـ ما لسه بدري يا هانم! إيه؟ كنتِ ناوية تباتي برا البيت النهارده؟
مرَّ شهرٌ كامل، وشعرت نور أخيرًا بسعادة حقيقية بعدما بدأت العمل مع سارة في الشركة. أحست أنها عادت إلى حياتها الطبيعية التي افتقدتها منذ زمن طويل، وأنها استعادت جزءًا من نفسها كان ضائعًا وسط كل ما مرت به.
أما اللحظة التي أمسكت فيها بورقة طلاقها من عاصم، فكانت أشبه بغريق ظل يصارع الأمواج طويلًا ثم وصل أخيرًا إلى الشاطئ لينجو بنفسه.
كانت حياتهم تسير بهدوء واستقرار. صفاء كانت تراقب ابنتها بسعادة غامرة وهي ترى ضحكتها تعود من جديد، وترى الحياة تدب فيها بعد أن ظنت يومًا أنها فقدتها للأبد.
أما يونس... فكان حبه واضحًا للجميع، حتى لمن لا يريد أن يراه، لكن نور لم تكن مستعدة لأن تعيش داخل وهم جديد. كانت تقنع نفسها دائمًا أنه يعاملها بهذه الطريقة فقط لأنه يريد مساعدتها والوقوف بجانبها، لا أكثر.
وطبعًا، لم يكن يمر يوم واحد دون المشاجرات المعتادة بين سارة وأحمد، وكأن الشجار أصبح جزءًا أساسيًا من روتينهم اليومي.
في منتصف الليل...
داخل شقة عاصم، كان الغضب ينهش أعصابه ببطء.
كل بضع ثوانٍ كان ينظر إلى ساعة الحائط المعلقة أمامه، منتظرًا عودة داليا من الخارج. فمنذ زواجهما تقريبًا، لم تمر ليلة واحدة إلا وعادت فيها متأخرة.
كان يهز ساقه بعصبية، ولأول مرة في حياته يشعر بثقل الانتظار.
هو الذي اعتاد أن ينتظره الجميع... لم يعتد يومًا أن ينتظر أحدًا.
وفي تلك اللحظة، تذكر نور...
تذكر كيف كانت تطلب منه فقط بعض الوقت.
بعض الاهتمام.
بعض اللحظات التي تجمعهما.
تذكر كيف كان يرفض دائمًا أو يؤجل أو يتجاهل.
ولأول مرة شعر بندم حقيقي يشق صدره.
انتفض من أفكاره على صوت مفاتيح تدور داخل الباب.
وقف فورًا وكأنه كان ينتظر تلك اللحظة.
دخلت داليا وهي تدندن بصوت منخفض، أغلقت الباب خلفها، وقبل أن تتجه نحو غرفتها أوقفها صوته الحاد:
ـ ما لسه بدري يا هانم! إيه؟ كنتِ ناوية تباتي برا البيت النهارده؟
وقفت أمامه بملل من نفس الحديث الذي يتكرر كل ليلة، ثم قالت ببرود:
= عاصم، عامل إيه يا حبيبي؟
ردها البارد كان كافيًا ليفقد ما تبقى من هدوئه.
ـ كنتِ فين؟ راجعالي نص الليل ولا هامك كلام الناس والجيران هيقولوا علينا إيه؟
رفعت حاجبها بلا مبالاة وقالت:
= جيران؟ وهم مالهم بينا أصلًا؟ وبعدين أنت عارف إني طول عمري متعودة على السهر... إيه الجديد في كده؟
ـ الجديد إنك بقيتي واحدة متجوزة! يعني المفروض أرجع ألاقي مراتي مستنياني... مش أنا اللي أقعد أستناها!
ضحكت بسخرية خفيفة وقالت:
= أمم... بس ده كان زمان يا حبيبي، أيام نور مش أيامي أنا. آه، أنا عمري ما هبقى زي نور. مش أنا اللي أدفن نفسي في الحياة عشان حضرتك تبقى مبسوط. تؤ تؤ... مش أنا.
لم يستطع السيطرة على أعصابه أكثر.
اقترب منها وأمسك ذراعها بقوة وهو يهزها بعنف:
ـ إنتِ متعرفيش تبقي زي نور أصلًا! لو عرفتي هي كانت بتعمل معايا إيه وكانت بتتمنى مني إيه... هتتكسفي من نفسك!
نزعت ذراعها من قبضته بعنف وقالت:
= ولما هي كانت بتحبك أوي كده... سبتها ليه؟ ها؟ قولي!
ثم أكملت والغضب يملأ صوتها:
= أنت ما تستاهلش منها ولا حاجة من اللي كانت بتعملهالك. عارف ليه؟ عشان أنت أناني ومش بتفكر غير في نفسك وبس. وتبقى أهبل لو فكرت إني ممكن أعيش أسيرة في مملكتك وأبقى تحت طوعك زيها، لأن وقتها مصيري هيبقى زي مصيرها... وده مستحيل أسمح بيه.
وفي ثانية واحدة...
هبطت صفعة قوية على وجهها، تردد صداها في أركان الشقة.
وقبل أن تستوعب ما حدث، كان قابضًا على شعرها بقوة يشدها إليه بعنف.
ـ أنا اللي غلطان... أنا اللي دمرت بيتي بإيدي!
كانت أنفاسه تخرج غاضبة وهو يكمل:
ـ بس كل ده هيتحل... وبكرة هوريكي أنا أقدر أعمل فيكي إيه. وساعتها مش هيبقى ليكي مكان هنا في بيتي.
اقترب أكثر من أذنها وهمس بصوت مخيف:
ـ بيت نور.
ثم دفعها بقوة.
سقطت على الأرض وارتطم رأسها بالحائط.
نظر إليها بنظرة مليئة بالغضب والاحتقار، ثم اتجه نحو الباب وغادر دون أن يلتفت إليها مرة أخرى.
وضعت يدها فوق رأسها تتأوه من الألم، ثم تمتمت بتحدٍّ:
= هنشوف مين اللي هيندم الأول يا عاصم.
أخرجت هاتفها من حقيبتها واتصلت بأحد الأشخاص...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
في صباح يوم جديد...
كانت نور تجمع أغراضها داخل حقيبتها بسرعة وهي تقول بصوت مرتفع:
= ماما، أنا نازلة الشركة... عايزة حاجة؟
خرجت صفاء من المطبخ بسرعة وهي تحمل طبقًا مليئًا بالسندوتشات.
اقتربت منها وقالت:
= استني يا حبيبتي، افطري الأول قبل ما تنزلي.
ردت نور وهي ما زالت ترتب أشياءها:
= هفطر في الشركة. مش عارفة إزاي النوم أخدني كده!
وقبل أن تتحرك، أمسكتها صفاء من يدها.
= اهدي شوية يا بنتي، الشغل مش هيطير.
ثم أمسكت سندوتشًا وقربته من فمها.
أخذت نور قضمة صغيرة، فأكملت صفاء:
= وبعدين مش هتستني سارة عشان تمشوا سوا؟
ردت نور والطعام ما زال بفمها:
= لأ، بعتتلي رسالة وقالت إنها هتروح بدري عشان عندها شغل كتير النهارده.
وحين حاولت صفاء إعطاءها قضمة أخرى، رفعت نور حقيبتها بسرعة وقالت:
= أنا همشي بقى عشان مش عايزة أتأخر أكتر من كده.
ثم خرجت قبل أن تمنعها والدتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
داخل مكتب يونس...
كان الثلاثة يقفون حول المكتب يخططون لشيء ما.
= حلو أوي كده، متأكدة إنها هتفرح بيها جدًا.
قالتها سارة بحماس واضح.
أما يونس فكانت السعادة تلمع في عينيه وهو يقول:
ـ يا رب... أنا مش عايز غير كده. وربنا يقدرني وأسعدها طول العمر.
هز أحمد رأسه وقال بسخرية:
ـ مالك يا ابني؟ اجمد شوية! أدي أخرة الحب... شايف نفسك بقيت عامل إزاي؟
= وماله الحب يعني؟!
ردت سارة بسرعة.
= بدل ما تشجعه وتديله طاقة أنه يكمل.
ـ يتشجع؟! إنتِ محسساني إنه رايح حرب، مش رايح يتقدم لوحدة!
= طبعًا ده رأيك... ما أنت مبتحسش زي البشر أصلًا.
ـ ليه حد قالك إني معنديش قلب؟
نظرت إليه بسخرية وقالت:
= مش محتاجة حد يقولي... كفاية اللي بشوفه.
تنهد يونس بيأس من مشاجراتهما المعتادة، ثم ابتعد خطوتين وأخرج علبة صغيرة من جيب سترته.
فتحها ببطء.
وفي الداخل كان خاتم رقيق يلمع.
نظر إليه بحب وهمس لنفسه:
ـ خلاص... فاضل القليل بس، وتبقي معايا للأبد يا نور.
ـ هعوضك عن كل الأذى اللي شفتيه في حياتك.
وفجأة...
توقف عند سماع طرقات خفيفة على باب المكتب.
رفع رأسه سريعًا.
كانت نور قد دخلت.
فأغلق العلبة فورًا وأعادها إلى جيبه قبل أن تلاحظ شيئًا.
= صباح الخير.
قالتها بابتسامة هادئة.
فرد الجميع في وقت واحد:
ـ صباح النور.
ـ إيه اللي أخرك يا نور كل ده؟
قالها يونس بجديةٍ مزيفة، فشعرت نور بالتوتر فورًا وقالت بسرعة:
= أنا آسفة بس...
وقبل أن تكمل جملتها، انفجر الجميع في الضحك.
نظرت إليهم باستغراب وهي لا تفهم ما الذي يحدث.
اقترب منها يونس مبتسمًا وقال:
ـ أنا بهزر معاكي يا نور، وبعدين إنتِ من حقك تتأخري براحتك.
تبادل سارة وأحمد النظرات وهما يحاولان كتم ضحكاتهما، ثم قالا في صوت واحد:
ـ وإيه كمان؟
احمر وجه نور قليلًا من الخجل، فرفعت يدها وأعادت خصلة من شعرها خلف أذنها، ثم تراجعت خطوتين إلى الخلف.
لاحظ يونس ارتباكها، ولم يشأ أن يضغط عليها أكثر، فقال بسرعة وهو يغيّر الموضوع:
ـ النهارده الكل يعتبر نفسه في إجازة، وأنا عازمكم الليلة على العشاء.
تظاهرت سارة وأحمد بالمفاجأة حتى لا تشك نور في شيء.
= بس النهارده عندنا اجتماع مهم مع العميل.
قالتها نور باستغراب.
ابتسم يونس ابتسامته الساحرة التي كانت قادرة على خطف القلوب وقال:
ـ أنا أجلت الاجتماع، وكلمت العميل بنفسي كمان.
عقدت حاجبيها باستغراب.
أكمل يونس وهو ينظر إلى سارة:
ـ سارة، ممكن تاخدي نور وترجعوا البيت ترتاحوا شوية لحد معاد العشاء.
ثم غمز لها سريعًا من طرف عينه دون أن تنتبه نور.
= إحنا ممكن نكمل شغل عادي، وبليل نطلع على المطعم على طول.
قالتها نور ببساطة.
أما يونس فشعر أن كل الخطة التي أعدها ستنهار في لحظة.
فتدخلت سارة فورًا وهي تقترب منها:
= فيه حد مديره يديه إجازة ويبقى عايز يقعد في الشغل؟
= أنا بس قصدي...
قاطعتها سارة سريعًا:
= أنا عندي اقتراح أحلى... نروح نقعد مع صفصف لحد معاد العشاء.
ابتسمت نور وقالت:
= خلاص تمام.
وبعد دقائق خرجوا من الشركة.
وكانوا يجلسان داخل سيارة يونس بعدما أصر على أن يوصلهما السائق بنفسه.
وبعد فترة قصيرة، لاحظت نور أن الطريق ليس طريق منزلها.
فالتفتت باستغراب وقالت:
= حضرتك رايح فين؟ ده مش طريق بيتي.
ابتسمت سارة بمكر وقالت:
= ومين قالك إننا هنروح البيت على طول؟ أنا فكرت نروح المول ونختار فستان رقيق للسهره بتاعة النهارده... إيه رأيك؟
رفعت نور حاجبها وقالت:
= سهرة؟ ده مجرد عشاء يا سارة.
ضحكت سارة وقالت:
= وفيها إيه؟ هو لازم يبقى فيه مناسبة كبيرة عشان ندلع نفسنا؟ لو مدلعناش نفسنا دلوقتي هندلعها إمتى؟
تنهدت نور وقالت:
= بس أنا عندي فساتين كتير، ممكن ألبس أي واحد منهم.
= بس أنا حابة النهارده تبقي لابسة حاجة جديدة ومميزة.
ضيقت نور عينيها بشك وقالت:
= وأنا ليه؟ هو إنتِ مش هتجيبي فستان معايا؟
شعرت سارة للحظة أنها أوشكت على كشف الخطة كلها.
فقالت بسرعة:
= أكيد طبعًا! هو إحنا بنتعزم على العشاء كل يوم؟
وصلوا إلى المول.
وظلوا يتجولان بين المحلات لفترة طويلة.
وكلما أعجب نور فستان، كانت سارة ترفضه بحجة أن لونه كئيب أو لا يليق بها.
إلى أن وقعت عيناها على فستان أحمر قرمزي.
كان رائعًا بكل معنى الكلمة.
توقفت أمامه بإعجاب شديد.
أما نور فرفضته فورًا.
لكن كعادتها أمام إصرار سارة، لم تستطع المقاومة طويلًا، ووافقت في النهاية.
وبعدها عادوا إلى منزل صفاء.
وفضلوا داخل غرفة نور لبعض الوقت.
ثم حان وقت الاستعداد.
وقفت سارة أمام المرآة ترتدي أقراطها بعدما انتهت من ارتداء فستانها، ثم قالت وهي تنظر نحو باب الحمام:
= يلا يا نور، كل ده في الحمام؟
وما إن أنهت كلامها حتى سمعت صوت الباب يُفتح.
التفتت نحوه.
وفي اللحظة التالية خرجت نور.
فتجمدت سارة في مكانها لثوانٍ.
كانت أشبه بلوحة فنية.
الفستان القرمزي كان مصممًا وكأنه خُلق خصيصًا لها.
أبرز جمالها بطريقة ساحرة، وجعلها تبدو أكثر إشراقًا وجاذبية.
صفرت سارة بإعجاب وقالت:
= إيه القمر ده! الفستان تحفة عليكي!
نظرت نور إلى نفسها بتردد وقالت:
= بجد؟ يعني شكلي حلو؟ أصلّي حاسة إنه أوفر شوية... كان ممكن ألبس أي طقم عندي وخلاص.
هزت سارة رأسها بقوة وقالت:
= يا بنتي والله شكلك تحفة! وبعدين طقم إيه بس؟ ده مش هيبقى لايق على المناسبة دي خالص يا رورو.
ثم غمزت لها وعادت إلى المرآة تكمل تجهيز نفسها.
وفجأة رن هاتفها.
نظرت إلى الشاشة.
كان أحمد.
فسرعان ما تمالكت نفسها وقالت بتمثيل مبالغ فيه:
= دي رانيا جارتنا اللي بتتصل... يا ترى فيه إيه؟
نظرت إليها نور بقلق وقالت:
= اهدي، إن شاء الله خير.
هزت سارة رأسها بسرعة ثم أجابت المكالمة.
وفور أن فتحت الخط، جاءها صوت أحمد الساخر:
ـ كل ده عشان تردي يا راديو؟
رسمت على وجهها ملامح الخوف وقالت بصوت مرتفع:
= ماما؟! طيب... طيب أنا جاية حالًا!
كانت نور تراقبها والقلق يزداد داخلها.
بينما قال أحمد في الطرف الآخر ببرود:
ـ ممثلة فاشلة أوي.
أغلقت سارة الهاتف بسرعة، ثم أمسكت حقيبتها وقالت بتوتر مصطنع:
= نور، أنا لازم أمشي... ماما تعبت فجأة ولازم أبقى معاها.
انتفضت نور من مكانها فورًا:
= أنا جاية معاكي.
ردت سارة بسرعة شديدة:
= لا لا، تيجي فين؟! إنتِ ناسية إن يونس عازمنا على العشاء؟ لازم تروحي.
= عشاء إيه بس؟ مامتك أهم، نطمن عليها الأول.
تنهدت سارة وقالت:
= رانيا قالتلي إنه تعب بسيط ومش مستاهل القلق. أنا هروح وأطمنك، وإنتِ روحي ليهم عشان شكلنا ما يبقاش وحش.
ثم اتجهت نحو الباب.
وقبل أن تخرج التفتت إليها وقالت:
= آه صح... يونس قال إنه هيبعت السواق عشان يوصلنا. أول ما يوصل هيبعتلك رسالة عشان تنزلي.
ثم خرجت بسرعة قبل أن تسمع أي اعتراض.
جلست نور على طرف السرير بتوتر.
لم تكن تعرف ماذا تفعل.
لا تريد الذهاب وحدها...
وفي الوقت نفسه تشعر أن من غير اللائق أن تحرج يونس أو ترفض الدعوة.
وبينما كانت غارقة في أفكارها، اهتز هاتفها معلنًا وصول رسالة جديدة.
أمسكته بسرعة.
كانت رسالة من يونس.
أخبرها فيها أن السائق وصل بالفعل وينتظرها أسفل المنزل.
أغلقت الهاتف ببطء.
ثم أطلقت زفرة طويلة وهي تدرك أن كل طرق الهروب أُغلقت أمامها...
وأنه لم يعد أمامها سوى أن تذهب.
