رواية رماد الانتقام الفصل العاشر بقلم هاجر سلامه
مرت أيام قليلة تفيض بالدفء والسكينة في قصر الجبالي، كان جسار يعامل بيري كملكة متوجة، يغمرها بحنان جارف وكأنه يعوضها ويعوض نفسه عن سنوات الحرمان العاطفي.
لكن هذا المشهد الرومانسي كان يقع على قلب الجدة فاطمة كالجمر المحر..ق بالنسبة للعجوز الصارمة، جسار يضيع، ويغرق في عشق ابنة الرجل الذي يتمتع بماله وحريته على حساب دماء ابنتها وحفيدتها الصغيرة.
وفي ظهيرة أحد الأيام، استغلت الجدة ذهاب جسار إلى مكاتب المجموعة لإنهاء بعض الأوراق الرسمية، وتحركت بخطوات ثقيلة مستندة إلى عصاها نحو حديقة القصر حيث كانت بيري تجلس تقرأ كتاباً بابتسامة رقيقة. وقفت الجدة أمامها، ونظرت إليها بعيون حادة تخفي وراءها عاصفة من الوعيد.
الجدة بنبرة جافة وقوية: "قومي معايا يا بيري.. سيبك من الكتب والدلع ده، في مكان لازم تشوفيه، وحقايق لازم تعرفيها عشان تفوقي من الوهم اللي أنتي عايشة فيه".
بيري بقلق واستغراب وقفت: "حاضر يا حاجة فاطمة.. مكان إيه؟ وجسار عارف إني هروح معاكي؟"
الجدة بضحكة ساخرة: "جسار لو عارف مش هيخليكي تخطي خطوة واحدة هناك.. تعالي ورايا وانتي ساكتة".
قادتها الجدة نحو الجناح الغربي المهجور من القصر، وتوقفت أمام غرفة مغلقة بقفل حديدي ضخم.
أخرجت الجدة مفتاحاً قديماً من جيب عباءتها، وفتحت الباب ببطء ليصدر صريراً موحشاً.
دلفت بيري خلفها، لتتسع عيناها بذهول وصدمة مروعة وهي تتأمل جدران الغرفة.
كانت الغرفة عبارة عن متحف للجريمة؛ الجدران مغطاة بالكامل بصور قديمة لوالدة جسار وشقيقته الطفلة نور، وبجانبها تقارير طبية شرعية، ومحاضر شرطة قديمة صفراء اللون.وفي المنتصف، كانت هناك لوحة ضخمة تجمع خيوطاً حمراء تصل بين صور الضحايا وبين اسم واحد محفور باللون الأسود العريض: "عاصم السلحدار".
وتحت اسمه، كانت هناك مستندات تثبت شراءه لأعضاء الطفلة نور، وشيكات بنكية موقعة بخطه للقـــتلة الملثــــمين، وعقود تنازل الـ 50% التي أجبره جسار عليها مؤخراً كجزء من الانتقام.
سقطت الدموع من عيني بيري كالشلال، وشعرت بأنفاسها تنسحب من صدرها وهي تقرأ المستندات والأدلة الدامغة بخط يد والدها الحبيب. تهاوى عالمها الوردي بالكامل، واكتشفت أن الأب الحنون المدلل ليس سوى سفاح مصاص دمــــاء بنى ثروته على أنقاض عائلة بريئة.
الجدة بقسوة وهي بتشاور على الصور: "شايفة؟ ده أبوكي عاصم بيه اللي بــيموت فيكي! الراجل الحنين اللي كبرك بالدلع والفلوس.. الفلوس دي تمن كلــــية نور حفيدتي الطفلة اللي ماتـــت وعندها 6 سنين! تمن قهر بنتي واغتـــصابها ومـــوتها! جسار اتجوزك عشان يحرق قلب أبوكي عليكي زي ما حرق قلبه.. عرفتي أنتي هنا ليه دلوقتي؟"
بيري بانهيار وبكاء ونحيب يقطع القلب وهي بتخبي وشها بإيديها: "لا.. لا مش ممكن بابا يعمل كده! بابا طيب وحنين.. حرام عليكي متقوليش كده!".
الجدة بزجر: "الأوراق دي مبتكدبش.. خط إيده وشيكاته وبصماته مبتكدبش! جسار عاش خمستاشر سنة في الغربة بيـــموت في اليوم مية مرة عشان اللحظة دي.. عشان يذل عاصم السلحدار بيكي!".
وفي هذه اللحظة العاصفة، رن صوت خطوات سريعة ومذعورة في الممر. كان جسار قد عاد إلى القصر، وأخبره الحراس أن الجدة أخذت بيري إلى الغرفة المغلقة. اندفع داخل الغرفة وعيناه تتطايران رعباً وخوفاً، ليتسمر في مكانه وهو يرى بيري منهارة على الأرض والأوراق من حولها، والجدة تقف بشموخ المنتصر.
شعر جسار ببرودة تجري في أوصاله، وتملكه رعب حقي من أنه خسر بيري للأبد، وأن قناع ماضيه الأسود قد انفك أمامهما ليدمر حبهما الجديد. نظر إلى بيري بعيون مليئة بالخوف والانكسار، وانتظر منها أن تصرخ في وجهه أو تكرهه وتفر هاربة.
لكن ما حدث زلزل كيان الحوت.
رفعت بيري عينيها الحمراوين من كثرة البكاء، ولم تنظر إليه بنقمة أو كره؛ بل نظرت إليه بنظرة تفيض بالشفقة، والحزن، والوجع المبرح على طفولته المحترقة. نهضت من على الأرض بخطوات مرتعشة، وتخطت الجدة، وارتمت في صدر جسار العريض، ودفــنت رأسها في عنقه، وضمت خصرها بيديها بكل ما أوتيت من قوة ونحيبها يملأ الغرفة.
تصلب جسد جسار بصدمة، ثم أحاطها بذراعيه يضمها إليه كأنه يتشبث بحياته، وراحت أمواجه الهائجة تهدأ في حضنها الدافي.
بيري بانهيار وهي بتبكي في حضنه وبتشدد من مسكته: "سامحني يا جسار.. سامحني بالنيابة عنه! أنا آسفة قوي على كل الوجع اللي عيشته.. إزاي؟ إزاي عيشت كل السنين دي لوحدك بالوجع ده كله؟ إزاي قلبك استحمل كل القهر ده وأنت طفل صغير؟"
جسار بدموع حقيقية نزلت على كتفها وبنبرة مذهولة ومكسورة: "بيري.. أنتي.. أنتي مش كرهاني؟ مش عايزة تمشي وتسبيني بعد ما عرفتي إني اتجوزتك عشان أنتقم من أبوكي؟"
بيري رفعت وشها وبصت في عينيه بحنان جارف، ومسحت دموعه بإيدها المرتعشة: "أنا زعلانه ومقهورة إني شوفت أبويا واحد تاني خالص.. شوفت فيه وحش مكنتش أعرفه، وعمري ما هسامحه على اللي عمله في أمك وأختك.. بس أنا زعلي عليك أنت أكبر يا جسار.. أنت عيشت في جحيم بسببه، وأنا مستحيل أسيبك لوحدك تاني بعد الليلة دي.. أنا هفضل معاك وأهون عليك كل اللي فات".
وقفت الجدة فاطمة تتأمل المشهد بذهول وعدم تصديق؛ فقد كانت تظن أن هذه الحقيقة ستقتلع الحب من جذوره، لكن براءة بيري ونقاء قلبها حوّلا خنجر الانتقام إلى طوق نجاة جديد ربط قلوبهما إلى الأبد برباط لا يمكن لأي قوة أن تفصمه.
نظر جسار إلى جدته بعيون حاسمة ومعلنة للانتصار، ثم حمل بيري بين يديه برفق وخرج بها من الغرفة المظلمة نحو جناحهما، تاركاً وراءه رماد الماضي، ليبدأ صفحة جديدة من العشق الذي ترفع فيه بيري راية السلام فوق حصون جسار الجبالي المنـــيعة.
