رواية ما استردة القلب الفصل العاشر بقلم ريهام ناجي
في مساء اليوم نفسه...
كنت قاعد في جنينة الفيلا، قدامي فنجان القهوة،
من ساعة ما رجعت من الشركة وأنا ساكت على غير عادتي.
وبعد دقايق...
خرج بابا وقعد على الكرسي المقابل ليا،
بصلي بابتسامة خفيفة.
_واضح إن دماغك مشغولة،
مش بعادة تكون في البيت وساكت كدا.
ابتسم يونس ابتسامة باهتة.
_ممكن.
سكت شوية، وبعدين سألت بهدوء:
_هو... حضرتك تعرف الآنسة رُهام منين،
قصدي يعني تعرفها معرفة شخصية؟
رفع بابا عينه بإستغراب.
_غريبة بتسأل ليه؟
_عادي استغربت بس.
ابتسملي وقال.
_باباها كان راجل محترم...
واتعاملنا مع بعض سنين في الشغل،
وكان بينا علاقة صداقة مش عميقة أوي يعني.
هزيت راسي وأنا بسمعه.
_بس مستغرب حاجة.
_أيه هي؟
_إزاي بنته تشتغل موظفة عندنا؟
بابا اتنهد.
_وأنا مستغرب زيك.
في اللحظة دي...
دخلت ماما وهي شايلة صينية الشاي،
بصتلنا.
_خير؟ بتتكلموا على مين؟
رد بابا عليها وهو بياخد منها الكوباية.
_رُهام... بنت محمود الخولي.
_رُهام مين..
حاسة إني سمعت الاسم دا قبل كدا؟
ابتسم بابا فجأة وقال وهو بيبصلي:
_البنت اللي جيت قولتلك عليها قبل كدا نخطبها ليونس،
بس هو ساعتها رفض وقال مش وقته.
رفعت عيني بسرعة لأول مرة.
_أيه؟
بصلي بابا بهدوء.
_قبل وفاة باباها الله يرحمه بكام شهر...
كنت بفكر أفتح الموضوع معاه.
سكت لحظة.
_بس حضرتك رفضت أصلًا فكرة الجواز وقتها،
وقلت إن لسه بدري.
ماما ابتسمت وهي بتبصلي.
_فاكرة أنا قولت بالحرف:
"مش وقته يا ماما."
فضلت ساكت وأنا مش مصدق الموضوع...
أما بابا فكمل وهو سرحان:
_وبعدها بفترة بسيطة... محمود اتوفى،
وساعتها الموضوع كله اتقفل.
ساد صمت قصير...
محدش فينا اتكلم.
أنا كنت بحاول أستوعب إن البنت اللي بقالي شهر بشوفها كل يوم في الشركة...
واللي شوفتها قبلها في فرح صاحبي وعجبتني،
كانت في يوم من الأيام مرشحة تبقى زوجتي.
الغريب...
إني وقتها رفضت حتى أشوفها.
اتنهدت بهدوء، وبعدين سألت بابا:
_بس... أيه اللي حصل بعد وفاة باباها؟
بصلي بابا، وكأنه هو كمان كان بيفكر في نفس السؤال.
_معرفش التفاصيل.
عقدت حواجبي.
_إزاي؟
_بعد الوفاة علاقتنا بالشركة قلت جدًا،
وكل واحد انشغل بشغله،
وآخر حاجة عرفتها إن الشركة كملت شغلها عادي.
سكت لحظة، وكمل:
_عشان كده استغربت لما شوفت رُهام عندنا.
اتدخلت ماما وهي بتحط كوباية الشاي قدامي.
_يمكن حبت تعتمد على نفسها.
هز بابا راسه بالنفي.
_لو أي بنت تانية... ممكن،
لكن بنت محمود؟
لا.
سكت ثواني وكمل:
_أنا فاكر إن محمود كان قالي،
إنه بيجهز بنته من وهي لسه في الكلية،
عشان تمسك الشركة من بعده.
الكلام ده خلاني أبص لبابا باهتمام.
_يعني حضرتك متأكد؟
_متأكد.
ابتسم ابتسامة خفيفة وهو بيفتكر.
_فاكر مرة قالي:
"رُهام هي أكتر واحدة فاهمة الشركة بعدي ومن بعد ابن عمها."
رجعت أسند ضهري للكرسي..
ابن عمها!
هو أيه اللي حصل؟
أيه اللي يخلي واحدة أبوها كان مجهزها تدير شركة كاملة...
تشتغل موظفة عادية؟
وكمان...
ولا مرة ذكرت ده في الشركة،
ولا حتى في الـCV،
ولا حاولت تستغل اسم والدها.
قطع شرودي صوت بابا.
_يونس.
رفعت عيني.
_لو سألتني...
أنا شايف إن البنت دي وراها حكاية كبيرة،
ومش شكلها من الناس اللي بتحب تتكلم عن حياتها الخاصة.
فضلت ساكت...
لكن لأول مرة...
حسيت إن فضولي بقى أكبر من إني أتجاهله.
وفي مكان ما جوايا...
كان فيه إحساس بيقولي إن اللي حصل لرُهام...
مكانش مجرد قرار إنها تغير شغلها،
بل دا شيء أكبر من كدا.
______
في مساء اليوم التالي.
كان محمد قاعد في الصالة بيقلب في التليفزيون،
وسارة خارجة من المطبخ بكوبايتين شاي.
حطت واحدة قدامه، وقعدت جنبه،
ابتسم.
_تسلم إيدك.
ابتسمت.
_بالهنا.
سكت شوية قبل ما يبصلها فجأة، وهو بيفتكر مكالمة يونس له الصبح،
وهو بيسأله عن موضوع رُهام،
وليه خبت إنها تبقى بنت رجل الأعمال محمود الخولي،
وليه مذكرتش دا وأسئلة غير دي كتير،
اتفاجأ منها محمد أصلًا لإنه مكنش يعرف إنها بنت رجل أعمال،
واستغرب أكتر ليه سارة مجبتش له سيرة عن الموضوع.
_رُهام عاملة أيه في الشغل مع يونس؟
ابتسمت وهي بتاخد بؤ من الشاي.
_الحمد لله... مبسوطة في شغلها هناك.
هز راسه.
_واضح إنها ارتاحت هناك.
_اه الحمد لله.
سكت شوية، قبل ما يقول:
_بس أنا مستغرب حاجة.
لفت ناحيته.
_أيه؟
_ليه تسيب شركة باباها وتشتغل برا،
وتفضل تتنقل من شغل لشغل!
سارة وقفت لحظة واتصدمت.
_ أنت عرفت الكلام دا منين؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.
_عرفت مكان ما عرفت ليه مقولتليش،
وليه أصلًا مشتغلتش في شركة باباها،
لما هي طلعت غنية كدا ومش محتاجة الشغل برا؟
نزلت سارة عينها.
_الموضوع مش بالبساطة دي.
قرب منها شوية.
_طب أيه اللي حصل؟
سكتت كام ثانية، وبعدين هزت رأسها.
_متسألنيش.
_ليه؟
_لأن دي حياتها...
وهي محلفاني إني مهما حصل،
محكيش لحد أي حاجة تخصها.
ابتسم محمد وهو بيحاول يهون عليها لما شافها مخضوضة.
_حتى أنا؟
بصتله بثبات.
_حتى أنت.
اتنهد.
_أنا بس كنت مستغرب.
ردت بهدوء:
_وأنا مقدرة استغرابك...
لكن في حاجات مش من حقي أحكيها،
ولو رُهام حبت تعرف حد...
هتكون هي اللي اختارت.
اتنهدت وكملت:
_غير كده، أنا مستحيل أخون ثقتها.
سكت محمد، واكتفى بهزة خفيفة من رأسه.
_معاكي حق.
لكن جواه...
كان متأكد إن السر اللي رُهام مخبياه،
هو نفس السر اللي يونس بيدور عليه من ساعة ما عرف حقيقتها.
______
كنت قاعدة في أوضتي، واللاب قدامي، بحاول أركز وأكتب بارت جديد من الرواية اللي بكتبها.
لكن رنة الموبايل قطعت تركيزي،
بصيت للشاشة...
لقيتها سارة.
ابتسمت ورديت.
_ألو.
جالي صوتها بسرعة، وكأنها مستنية أرد.
_رُهام.. عاملة أيه؟
_الحمد لله... أنتِ عاملة أيه؟
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
_رُهام... عايزة أقولك على حاجة.
قلبي انقبض من نبرة صوتها.
_خير؟
اتنهدت واتكلمت بسرعة.
_هو... بصراحة محمد عرف أنتِ مين وبنت مين، وجه سألني،
بس أنا والله مدتهوش عقاد نافع،
ومقولتش له حاجة، ومعرفش أصلًا عرف منين، مرضاش يقولي.
سكت ثانية، وأنا بفتكر اللي حصل إمبارح في الشركة،
واستنتجت إنه أكيد يونس اللي قاله، بما إنهم صحاب وأكتر،
بس اللي شد انتباهي إن ليه يونس يسأله عني أصلًا، وليه اهتم إنه يعرف عني حاجة!
فوقت من تفكيري اللي دام لثواني على صوت سارة:
_رُهام روحتي فين؟
_سألك عن أيه؟
اتنهدت وقالت:
_سألني ليه بتشتغلي برا، وليه بتتنقلي من شغل لشغل،
لما أنتِ في الأساس عندك شركة باباكِ.
فضلت ساكتة.
أما هي فكملت:
_والغريب... إنه مقاليش عرف منين.
نزلت اللاب من على رجلي، واتنهدت بهدوء.
_بس أنا عارفة.
_عارفة أيه؟
_عارفة هو عرف منين.
حسيت بصدمتها لما سكتت ثواني،
وبعدين قالت:
_إزاي يعني عارفة، طب عرف منين؟!
ابتسمت ابتسامة باهتة وقولت:
_أظن من يونس
_أيه... يونس!
يونس.. يونس صاحب محمد اللي أنتِ شغالة في شركته،
طب هو عرف منين أصلًا عشان يقول لمحمد؟
قالتها سارة بسرعة
أخدت نفس هادي، وبدأت أحكيلها اللي حصل.
من أول الاجتماع...
لحد ما دخلت مكتبه أسلمه الملف...
ولحد اللحظة اللي دخل فيها والده.
كنت بحكي بهدوء، لكن كل ما افتكرت الموقف...
كنت بحس بنفس التوتر اللي حسيت بيه وقتها.
ولما خلصت...
سارة فضلت ساكتة كام ثانية،
قبل ما تقول بعدم تصديق:
_يعني... عمو عبد الرحمن أبو يونس طلع عرفك؟
_أيوة.
_وأكيد استغرب لما شافك عندهم،
بما إنه عارفك وعارف أنتِ بنت مين،
وإزاي بتشتغلي عندهم.
ضحكت بمرارة.
_أيوة استغرب جدًا...
وأكتر سؤال فضل يكرره...
إزاي بنت محمود الخولي تشتغل موظفة عندنا.
اتنهدت سارة.
_أنا كنت حاسة إن اليوم ده هييجي.
ابتسمت بهدوء.
_وأنا كنت بدعي ميجيش.
سكتنا لحظة...
قبل ما تقول سارة بقلق:
_طب ويونس؟
سندت ضهري على الكرسي.
_دا اللي مستغرباه، ليه اهتم بالموضوع كدا لدرجة إنه يسأل جوزك!
_متسألنيش، لإني أنا كمان مستغربة.
غمضت عيني للحظة، وأنا بزفر بهدوء.
_أنا كل اللي كنت عايزاه...
إني أكون مجرد موظفة عادية.
سألتني سارة باستغراب:
_وده يضايقك في أيه؟
ابتسمت بغصة وقولت:
_لأني كنت عايزة أول ظهور لرُهام محمود الخولي،
يكون وأنا واقفة في مكان بابا...
بعد ما أكون رجعت حقه اللي وعدت أرجعه.
_اللي حصل حصل يا رُهام.
هزيت راسي بهدوء.
_عارفة... بس المشكلة إني خايفة الموضوع ميقفش عند إن يونس عرف.
سكتت ثانية،
وأنا بفتكر في نظراته وقت ما والده عرفني.
_واضح إنه استغرب...
وواضح إنه هيحاول يفهم، ودا شيء متمنهوش.
قالت سارة بهدوء:
_ولو سأل... لو سألك أنتِ؟
ابتسمت بمرارة.
_مع إنه ملهوش يسأل أو يتدخل في حياتي الشخصية،
بس دا لو سأل يعني هقول الحقيقة اللي ينفع تتقال... وبس.
_والباقي؟
نزلت عيني على اللاب اللي قدامي.
_الباقي... مش وقته.
ساد بينا صمت قصير.
بعدها قالت سارة بصوت حنون:
_متقلقيش... إن شاء الله تعدي على خير.
ابتسمت لها ابتسامة صغيرة.
_يا ربّ.
أنهينا المكالمة، وحطيت الموبايل جنبي،
بصيت للشاشة اللي قدامي... كانت صفحة الرواية لسه مفتوحة،
والكلمات اللي كنت بكتبها من شوية قدامي زي ما هي.
حطيت إيدي على لوحة المفاتيح...
لكن لأول مرة من وقت طويل...
معرفتش أكتب حرف واحد.
كل اللي كان بيلف في دماغي سؤال واحد...
هل يونس هيكتفي باستغرابه... ولا هيبدأ يدور ورا الحقيقة؟
