رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الفصل المائة والرابع عشر
لست يا صديقي نكرة كما تسمعهم ينعتونك...
فإن منحتك نفسك فرصة واحدة لترى نفسك فلن تجد سوى شخص واحد معلوم بين حشود من النكرة حولك، العبرة لم تكن بفسفاك بل بجوهرك الحقيقي، فإن رأيت نفسك تلمع في الظلام فاعلم أنك على صواب وإن جاهدوا لإثبات غير ذلك لك...
" بداية جديدة تكتب أحرفها من ذهب ">
سمعتهم آلاف المرات يقولون العبرة بالخواتيم ولكن لم أكن أفهمها حتى رأيتها تطبق اليوم علي، وكأنها ختما موثوقا كميثاق الزواج...
بعد يوم طويل امتلأ بالضحك والسعادة، كان يختم في آخره بأرق التهاني والدعوات لكليهما، أغلق باب المصعد خلفهما بعد أن انتظروهم في الأسفل، برغم سعادتها وعدم تصديقها حتى تلك اللحظة ولكنها كانت حبيسة خجلها، فبعد أن كان أجنبيا أمساء أصبحالآن زوجا له كامل الحق في التعبير عن حبه وسعادته دون أن يشعر بلجام تفيده...
أخرج زفرة قصيرة بعد أن تضايق من هذا الصمت، فلم يكن أبلها ليجهل ما تشعر به الآن ولذلك أراد أن يقلل من حدة هذا التوتر فمازحها مبتسما :
من زمان وأنا يقول عليكم جبابرة، لازم تطلعوا بتصيبكوا فأي حاجة فيها راجل، حتى الاسانسير أنا تقريبا واقف فحنة قد سيخ الشاورما وفستانك ما شاء الله واخد مساحة الاسانسير كلها.
نظرت "عنان" إلى نفسها وفستانها الذي لم يكن بهذا الوصف المبالغ الذي ذكره، فتنغض جبينها ومن ثم رفعت رأسها إليه واستنكرت قوله بكلماتها:
أنا وفستاني واخدين مساحة صغيرة على فكرة، عارف لولا إنك مبتشربش أي حاجة تسكر كنت قولت إنك عملت دماغ وبقيت تشوف الحاجة الضعف.
لم يستطع أن يمنع ضحكته على كلماتها التي خرجت تطعن حديثه السابق، وكأن الأمر أكثرت على ميراث بتصارعون فيه فيما بينهم، فأجابها بنبرة ضاحكة بقوله :
لأ ما هو في واحد كان قاعد بيحشش وأنا عملت دماغ مكانه.
جحظت عيناها في زعب عندما سمعت تلك الكلمات التي كانت كناقوس الخطر لها، وبعدها لم تشعر بنفسها عندما اندفعت نحوه وقبضت على خلته بيديها قائلة :
یا نهار مش فایت عازم ناس بتحشش ففرحنا يا " وهيب "؟ مصاحب حشاشين من ورايا
و متقوليش؟
تعالت ضحكته مجددًا ولم يستطع أن يمنع نفسه بعد ذلك، فحقا هو أولهم إذا رأى سيجارا مع أحدهم ينفر منه فورا، فكيف سيكون إن كان متعاطيا إذا، حاول أن يهدأ حتى يستطيع إجابتها ولكن وجد نفسه لا يستطيع التوقف، فتمة شيئا يدفعه إلى الضحك دون أن يشعر وقد لاحظت "عنان" ذلك بمهارة كعادتها ...
ولكن قبل أن تعيد سؤالها عليه أظلم المكان فجأة وتعطل المصعد بهما، كل ما رأنه كان ظلاما دامشا وما سمعته كانت أنفاسه السريعة وأصوات العائلة من الأسفل بعد أن إنقطع التيار الكهربائي، أضاء "وهيب" مصباح هاتفه لتظهر عينيه الدامعة إليها، ومن ثم قال:
إحنا فقر للدرجة دي علشان الاسانسير يعطل فيوم زي دا؟
رفع السماعة الموجودة أعلى لوحة الأرقام ظنا أن المصعد هو الذي تعطل، ولكنه تفاجئ بانقطاع الكهرباء فأعادها قائلا:
الكهربا هي اللي قطعت.
نظر إليها مبتسما وكأن الأمر بسيطا له، فلم تحبذ حين ذلك أن يتهرب من سؤالها ولذلك لم تأبى بما حدث وقالت بنبرة يشوبها الضيق:
منتهريش مني يا وهيب"، أنت بجد تعرف ناس بتحشش؟
نظر إليها مذهولا من تشكيكها بأمره، فأنكر سريعا قولها قائلا:
لا طبعا مش للدرجة دي، إذا كنت أنا ميطيقش اللي بيشرب سجاير هروح اصاحب حشاشين؟ أنا كنت بهزر معاكي مش أكثر لاني شايفك ساكنة ومش عايزة حتى تبصي فوشي، طب دا أنا حتى قمور.
زفرة عميقة خرجت بعد أن اطمئن قلبها بشأن ذلك، فرتبت خلته كما كانت وابتعدت خطوتين للخلف وهي تشعر بالخجل يكاد يبتلعها، فابتسم هو وقال بنبرة أكثر هدوء
بصراحة هو كان تحت مش فالفرح وسط الهيصة شميت الريحة من مدخل العمارة بس مين بقى اللي قاعد بيحشش الساعة ١٢ ونص بليل دا وقلبه جايبه أوي معرفش.
تلاقيه أساسا فايق زي الفرد وأنت اللي شميت عملت دماغ.
ضحك على حديثها وأيد برأيه كذلك بقوله :
شكلي كدا فعلا، والله واقف حاسس دماغي بتلف بيا ونازل علي ضحك بطريقة مش طبيعية، زودي على دول بقى بشوف حاجات غريبة معرفش بتيجي منين.
ابتسمت متحسرة على ما آل بهما في نهاية هذا اليوم، ليكون يوما للذاكرة لا ينسى ولو مز عليه مائة عام، نظرت له قرأته يضع الهاتف على أذنه منتظرا الجواب، فتعجبت من تصرفه ذاك فمن المفترض أن تكون الشبكة معدومة داخله ولذلك اقتربت منه قائلة :
وهيب" أنت بتكلم مين؟
لم تنتظر إجابته حين ذلك؛ بل سحبت الهاتف منه ونظرت إلى علامة الخط التي كانت
معدومة من الأصل، فسمعته يجيب بنبرة ضاحكة:
بكلم "رياض" ابن عمتي علشان يشوف حد من صحابه فالشغل يرجعلنا النور.
نظرت إليه في تأثر وقد قالت بنبرة بها شيء من الشفقة عليه:
يا حبيبي للدرجة دي الريحة صطلتك كدا؟
مديدة نحوها كي يأخذ الهاتف قائلا:
هاتی بس بدل ما نفضل كدا للصبح وهو هيرد على.
أمسكت بيده تمنعه مشيرة بالهاتف في وجهه تزامنا بقولها :
تتصل بمين يا " وهيب" إحنا فالأسانسير ومفيش شبكة أساسا.
نظر إلى الهاتف بعينين زائغتين مدققا النظر نحو موضعها، ثم تفاجئ وقال:
دا مفيش شبكة بجد.
ندبت حظها العسر على ما آل بها في مثل هذا اليوم، فلم يكن أمامها شيئًا سوى أن تنتظر حتى تعود الكهرباء مجددًا، أطلقت زفرة قصيرة وهي تدعو ربها فكم كانت تكره منذ صغرها الأماكن المغلقة، بينما جلس هو على أرضيته ولم يسمع سوى ضحكاته المكتومة، نظرت إليه في حسرة وهي لا تعلم ماذا تقول، فهذا ما كان ينقصهما في نهاية هذا اليوم..
في الطابق السفلي..
كان "يزيد" واقفا إلى جوار باب المصعد متكنا بجسده على الحائط وهو يضحك منذ دقائق معدودة، وعلى مسافة قريبة منه لم يكف "مهاب" عن الضحك تحت أعين الجميع التي شملتهم بحذر تام، فتبادلت "روان" نظرتها مع "جويرية" التي اقتربت منها في هدوء
وهمس قائلة :
هما اتجننوا ولا إيه ؟ بقالهم شوية بيضحكوا لوحدهم.
أنكرت "روان" معرفتها بالأمر وهي تنظر إلى زوجها الذي كلما حاول أن يهدأ يفشل في تمالك نفسه، حتى انتهى به المطاف بجلوسه على أولى درجات السلم حين شعر بدوار بسيط يفتحم رأسه، إلى هنا ولم تستطع "روان" أن تتمالك نفسها فاقتربت منه دون أن تخفي خوفها الواضح في عينيها، وضعت كفها فوق كتفه وقالت بنبرة خافتة :
في إيه يا "يزيد"؟.
كان يترنح في جلسته بشكل أصاب الشك في قلبها، حتى زاغت عيناه وأصبح كلما نظر إلى وجهها ضحك فشلت أمامه تلك المرة حتى رأته يستلقى بجسده على درجات السلم حين تقلت رأسه وساء وضعه سوء، منعته "روان" التي شعرت بالحرج الشديد من تصرفاته الغربية تلك أمام الغرباء، ولكنه أبعد يدها عنه وأشار إليها بقوله:
متلمسنيش، أنا راجل متجوز بعد إذنك مش بتاع الكلام دا عيب.
جحظت عيناها صدمة ولجم لسانها بسوط بعد أن أطرق إلى مسامعها هذا الحديث الوقححاولت الاقتراب التوبخه بنبرة خافتة ولكنه تراجع فوزا وابتعد مشيرًا نحو بنصرة الأيمن قائلا ينيرة ملأها الخمول
لا يقولك إيه أنا لسه متجوز جديد، حتى بصي الدبلة أهي..
نظرت إليه لثوان وهي لا تجد كلمانًا في خلدها لتقولها، لم تجد سوى الحسرة على ما ال به هو وصديقه الذي لم يتوقف عن الثرثرة بكلمات مبهمة لا أحد يفهمها غيره تقريبا، ولكن عندما نظر "يزيد" لم يجد خاتم زواجه فانتقل إلى بنصره الأيسر وعندما وجده أشار إليه مبتسما :
أهو شوفتي الدبلة لسه جديدة وبتلمع أهي حتى لو سألتيها هتقولك إني جددتها قبل الفرحبيومين.
وضعت "روان" يدها فوق رأسها وهي تستعوض ربها في زوجها، فالتفتت تنظر إليهم حتى رأت "خذيفة " يقترب أخيرا وهو ينظر إلى أخيه مستنكرًا ما يراه، وقف أمامه ونظر إلى "روان" وكأنه ينتظر تبريزا مقنعا لهذا المشهد، فأعطته الجواب على طبق من ذهب والحسرة عنوانا لحالتها :
معرفش إيه اللي جراله فجأة أنا زبي زيك، هو و مهاب" بيضحكوا زي ما أنت شايف كدا بدون سبب، وبدأ يعمل حاجات غريبة معرفش إيه اللي حصل كان واقف معاهم زي الفل. ألقى "خذيفة " نظرة أخرى على أخيه ثم اقترب منه ومال نحوه قليلا، فنظر إلى وجهه وقال:
مالك يا "يزيد" إيه اللي عامله دا؟.
نظر إليه "يزيد" مبتسفا وأجابه دون تردد:
مريح شوية، قولهم بقى ميفتحوش النور علشان مدروخ
بدأ الشك يتسلل إلى قلبه حين ذلك، فهو يعلم تلك الحالة جيدًا وأن يكون أخيه في هذا الطريق مستحيلا بالنسبة إليه، ولكن قبل أن يتحدث تسللت رائحة جذبت انتباهه فوزاء رائحة يعلمها جيدا ليست بغربية ويسهل التعرف عليها فورا، نظر إليها نظرة ذات معنى ومن ثم قال بنبرة خافتة :
أنا شامم ربحة حشيش حوالينا.
تنغض حبيتها واصابتها الصدمة عقب سماعها قوله، فما يقوله مصيبة فجة بلا شك، نعم هي نشم تلك الرائحة منذ دقائق معدودة ولكنها كانت تجهل مصدرها حتى أخبرها هو، شعرت بالاختناق منها فأشار هو إليها في جدية من أمره وقال بنبرة لا تقبل النقاش:
أخرجي استنى فالعربية ومتجيش حتى لو اتأخرنا، هشوف الحوار دا وأحاول أجيبه واجيلك.
لم تقدر على معارضته يوما منذ أن كانوا صغارًا، فهو بمثابة الأخ الروحي لها لا تقل أهميته عن أخوبها، أطاعته وخرجت فإن سيارته تصطف على جانب الطريق وفي المقعد الأمامي كانت " أيسل" تجلس وتضم صغيرها "يونس" لصدرها بعد أن غفى في لحظة سهو اقتربت منها وجلست خلفها حيث رأت "عدنان " يلعب بهاتف أبيه في اندماج نام...
ابتسمت عند رؤيتها له ولم تستطع أن تمنع نفسها من تقبيله، فجاءت صيحته الطفولية محتجا على فعلها :
یا عمتو هتخسريني.
قهقهت "روان" عندما نالت فرادها ثم نظرت إلى " أيسل " التي قالت:
أومال فين "يزيد" مجاش معاكي ليه؟.
" كان دوما قائدا في بيته قبل خارجه ">
في وقت متأخر من الليل..
كان "ليل" الجد يجلس في غرفة المعيشة، أسفل إضاءة خافتة يمتزجها ضوء القمر الفضي كان هادنا في مظهره؛ ولكن عقله لم يتوقف لحظة عن التفكير في أولاده وأحفاده كما اعتاد منذ أمد طويل، خلل أصابعه بين خصلاته الفضية زافرا بهدوء امتزجه قلق ونفاذ صبر بدا عکس طبیعته..
اقترب "قاسم" منه بخطى هادئة بعد أن لمحه من بعيد يجلس وحيدا، رافقة تلك الجلسة وبدون أن يتفوه بحرف أخذ كوب الشاي الذي كان ممسكا به منذ قليل وأخذ منه رشفة صغيرة متلذذا بطعمه :
أحلى كوباية شاي أشربها لحد دلوقتى مالك يا حج قاعد برضوا عمال تفكر فينا زي
عوايدك، والله أنت ما هتتغير يا ابن الدمنهوري.
ثبت "ليل" الجد نظره على ولده الأكبر الذي استطاع أن يكتسب مكانة خاصة في قلبه منذ أمد طويل، يفكر في كلماته قليلا قبل أن تخرج كلماتا أخرى تنزل طابقا على قلبه، فمعة وجد
نفسه يبوح عم يشعر به دون أن تقيده لجاما
أديك قولتها أهو مش هتغير وهفضل زي ما أنا بفكر شوية كالعادة مش أكثر.
ابتسم "قاسم" الذي اقترب منه قليلا حتى بدا قريبا منه ثم قال بنبرة مماثلة لهدوء أبيه:
طب ما تشاركني بدل ما تفكر لوحدك.
نظر إليه "ليل" قليلا ثم قال متسائلا:
أنت معندكش شغل الصبح ولا إيه ؟.
أخرج "قاسم" زفيرة قصيرة ثم قال :
لا أجازة بكرة، بيني وبينك أنا اطحنت عمليات الأسبوع دا لحد ما جيبت أخري، فخدت أجازة كام يوم كدا أرتاح فيهم شوية، وبالمزة أقعد مع العيال شوية وحشوني ولاد اللذين.
ابتسم "ليل" حين ذلك دون أن يتحدث، تاركا عقله يعود به لسنوات طويلة عندما كان ينهي جميع أعماله حتى يمنح نفسه وقتا لهم يجالسهم ويسمعهم، نظر إليه بعد ذلك وقال:
تعرف يا "قاسم" إنك فكرتني بنفسي زمان كنت زيك كدا برضوا طلعنا متشابهين فحاجة جديدة.
قهقه "قاسم" ولم يمنع نفسه من مشاكسته بقوله:
ابن الوز عوام يا عم.
اتسعت ابتسامة "ليل" حتى ظهرت أسنانه وأغلقت عيناه قليلا، فلم يستطع حين ذلك أن ينكر تلك الكلمات التي كانت برغم بساطتها صحيحة في معناها، فتنهد بعمق وقال:
تعرف إيه أكثر حاجة ضايقتني أول ما جيبت ۹۳ فالمية فالثانوية العامة ؟. !ايه؟
نظر إليه "ليل" نظرة ذات معنى ثم قال بنبرة بدا فيها ضيقه
إنك أول حاجة جريت على أمك تحضن وتبوس فيها ومجيتش على أنا الأول يا ابن المحترم.
ضحك "قاسم" دون أن يملك سيطرة على نفسه، فكان يظن أسبابا أخرى تتعلق بمجموعه حتى استطاع أن يفاجئه كما اعتاد، نظر إليه بوجه ضاحك ثم قال:
مش بقولك هتفضل زى ما أنت، طب ما أنا مغلطش ساعتها دى كانت مبتنامش من خوفها علي أنا و "عبد الله"، طب بذمتك يا حج مصعبتش عليك أول ما سمعت النتيجة وقعدت عالأرض تعيط من فرحتها بعد ما رجليها مبقتش شايلاها من توترها، مش هتتكر لإن أنت أولنا قلبك حركك ساعتها ولولا إنى جريت حضنتها كنت زمانك سابقني.
للمرة الأولى لا يجيب "ليل" فوزا على حديث ولده، فهو يتذكر هذا المشهد وكأنه حدث بالأمس، حيث كان يفقد تركيزه أثناء عمله ويجري مكالمته مع أبنته الصغرى ليتأكد من نجاحهما، وكم مرة أوقف اجتماعه كي يتصل ويطمئن قلبه عليهما، مسخ وجهه برفق وكأنه يحاول مسح تلك الذكرى من رأسه، ولكن لم يفلح الأمر معه فمثل تلك الذكريات لا يمكن نسيها مهما حدث..
نظرا معا إلى "عبد الله" الذي عاد من الخارج ويبدو التعب على وجهه واضحا، قبل رأس أبيه أولا ثم صافح أخيه كما اعتادا منذ الصغر وجاوره جالسا، معلنا عن فشله الذريع لإخفاء ألمه
متأوها بقوله :
مش طبيعي التعب اللي بقيت فيه دا، أنا فيا حاجة مش مظبوطة بقالي فترة.
نظر إليه "قاسم" من فوق كتفه يشمله بنظرة سريعة، وكأنه يؤكد لنفسه كلماته أولا في رأسه، بينما أتاه الرد من أبيه الذي لم تحيد عيناه عن موضعه بنبرة أكثر هدوء وعتابا:
مش قولتلك حد أجازة وروح أطمن على نفسك بدل العذاب اللي أنت معيش نفسك فيه دا؟.
أغمض "عبد الله" عيناه بعد أن أدرك خسارته الفاضحة قبل بداية هذا النقاش بينهما، أخرج زفرة قصيرة ثم نظر إليه بعينين بدا فيهما الإرهاق قائلا:
مش عارف يا بابا، حتى لو خدت أجازة عارف إن "عدنان" بيزن على بقاله يومين علشان أقعد معاه و "نوران" مش هنسيبنى وهتعاند و هتيجى معايا وأنا مش عايزها تروح معايا ولو روحت من وراها وعرفت هنشد قصاد بعض وأنا مش مستعد إني أدخل فخناقة معاها، أعمل إيه أنا بقى ؟.
استنكر توأمه مبرراته حين ذلك حتى بدا عليه عدم اقتناعه بها، فاعتدل بجلسته حتى يراه بصورة أوضح فقال:
لا أنا مش مقتنع بكلامك بصراحة يعني، وفيها إيه لم تروح معاك يعني هتعملك إيه هي يعني ؟.
لا يا عم أسكت بتستفسر كمية استفسارات من الدكاترة ولا كإنها بتحقق معاهم.
ضحك "ليل" بخفة وهز رأسه وكأنه بدا عليه عدم الاقتناع، وبنفس الوقت لم يستطع أن ينكر حديثه فهو يعلم جيدا أنهن خلقن هكذا، فليست الأننى كالذكر ولا الذكر كالأنثى، نظر إليه بوجه مبتسم ثم قال بنبرة هادئة:
دي طبيعتهم يا "عبد الله"، ربنا خالقهم كدا مش حاجة كدا فيهم وخلاص زي ليفل النكد وغيره، إحنا يمكن خلقنا ضيق بنحب نسمع وندي حلول هما مش كدا، هي تسمع وتستفسر عن حاجات فنظرك ملهاش لازمة إنما عندها هي ليها أهمية وتفرق، حدها معاك أحسن ما تعرف من برة وتتقلب خناقة عليك أنت، وخليك عارف إن أي حاجة بتعملها فمصلحتك علشان هي بتحبك وبتخاف عليك مش علشان قصدها تضايقك أو تعاند عالفاضي، دا حتى "نوران" مش كدا يعني ولو ناسي أفكرك.
أنهى حديثه بحيث لم يخفى على "عبد الله" الذي اعتدل في جلسته، وكأن كلمات أبيه الأخيرة أيقظت به شيئًا كان ساكنا منذ زمن، شعلة أضاءها مجددا لم يدري أنها إنطفأت وسط معارك الحياة، فرك كفيه بتوتر واضح كان سهلا لقراءته أمامهما، فابتسم "قاسم" وتمتم بنبرة خافتة يتغلغلها ضحكة مكتومة :
اللي يشوفك من شوية ميشوفكش دلوقتي وأنت فعيونك شعلة الخب بتنور ثاني يا عيون .."نوران"
ألقي نظرة ماكرة على أخيه بوجه ضاحك بعد أن زجره في ذراعه بقبضته، ثم قال:
مش بتقولك برضوا يا عيون "نوران" لم بتناديها؟.
ما تتلم بقى يا "قاسم" عالمسا.
ضحك حين ذلك بنبرة أعلى بعد أن استطاع إغاظته كما اعتاد، ثم اشاح رأسه بعيدا ناظرا إلى أبيه، محاولاً لجمها قدر استطاعته؛ فمهما أنكر "عبد الله " ذلك ففي الأخير تلك أكذوبة زائفة ليس لها أساسا من الصحة، فمؤخرا بدا يخفي حبه لها عنهم جميعا، محافظا عليه بينهما دون سبب وجيه، ولكن هكذا يكون ابن الليل..
by Beso Walid
في غرفة "عبد الله"...
كانت "نوران" جالسة فوق المقعد المجاور للشرفة، رأسها مستود على مسندا خشبيا للمقعد، تغفو بعد أن حاربت نفسها طويلا حتى يحين عودته من الخارج، ولكنها دوما تفشل في الأخير لتصبح فريسة لنومها، إنتصف الليل ودخل هو في هدوء كما اعتاد لتقع عينيه عليها فوزا، حفظت مكانها حتى حفرت صورتها في ثنايا عقله...
اقترب منها بخطى هادئة ولم يستطع أن يمنع ابتسامته عند رؤيتها، مال نحوها بجذعه في هدوء حتى لا يفزعها، وترك عيناه تتأملها قليلا مستذكرا حين ذلك كلمات أبيه قبل قليل، كان محقا في كل كلمة يقولها حتى وإن إحتج عليه، فبرغم أنه هو يحبها ويعشق خوفها الدائم عليه وبرؤيته لها هكذا ذابت اخر كلماته قبل أن تخرج وتمادى القلب عليه...
لتم جبينها في حب خالص وبرفق أمسك يدها المستقرة أسفل خدها وبيده الأخرى أسند
رأسها برفق تام حتى لا يتسبب في إفزاعها كما حدث من قبل، اقترب منها جاعلا رأسها مسنودة على كتفه ثم وضع ذراعا خلف ظهرها وآخرا أسفل ركبتيها ومن ثم حملها في حذر وهو يتمتم بنبرة خافتة :
أنت بتتخني ولا بتخسي يا "نوران"؟ مبقتش فاهملك حاجة وربنا.
تركها فوق الفراش بحذر وعينيه لم تفارقها لحظة، وضع الغطاء الخفيف فوق جسدها ثم استقام واقفا، زفرة قصيرة خرجت من صدره قبل أن ينتبه إلى رنين هاتفه، نظر إلى الشاشة يبصر اسم ولده البكري في تلك الساعة المتأخرة من الليل، فخرج إلى الشرفة وأجابه بنبرة هادئة :
مش عوايدك تكلمني فالوقت دا.
إحساسك طول عمره صح، إنزل قابلني قدام البوابة علشان أسلمك أبنك.
انعقد حاجبيه حين تلقى هذا الأمر الصارم من ولده، من جعله يظن أنه يمازحه بطريقة زيما تكون وقحة لا تناسب شخصيته المهذبة التي اعتادها، ولذلك رد عليه بنبرة حادة حين لم
بروفه الأمر:
أنت متصل تستظرف عالمسا؟.
لا مش استظراف يا حج بكلمك جد أبنك لو أتمسك حتى لو سليم أنا مش هعرف أتصرف معاه.
شعر "عبد الله " من نبرته بالجدية التي لا تحتمل المزاح، ولذلك تخلى عن حدته وسأله بنبرة أكثر هدوء:
متكلمنيش بالألغاز وقولي حصل إيه براحة.
سمع صوت تنهيدته عبر الهاتف وكأنه يحمل على عاتقه جبل ثقيل الوزن، ولكن كان الأمر بالنسبة إلى "خذيفة " أكبر من ذلك بكثير، فخوفه على أخيه تخطى كل التوقعات وبات الآن على محط خطوة من السقوط في الوادي إن لم يكن حذرا في خطواته
الموضوع باختصار كان في واحد فعمارة صاحبه اللي راح فرحه دا بيحشش، والريحة طبعا انتشرت لإننا مسكنا الباشا قاعد فالبضروم بيعمل دماغ وتقريبا مظبططش من كثر الشرب العريس عمل دماغ وابنك عمل دماغ وتالتهم عمل دماغ من شمهم بس للريحة، أنا سندته بالعافية وأديني عالطريق، ربنا يستر بس وملاقيش كمين قدامي.
"يزيد" أبني أنا عامل دماغ ؟!.
قالها "عبد الله" مصدوفا وتوقف عقله عند تلك اللحظة ولم يستمع لبقية الحديث، فما يقوله
أمر لا يمكن لعقله أن يستوعبه حتى وإن كان خلفا ...
نزل مجددا ووجهه يظهر عليه التوتر والصدمة، فنظر إليه "قاسم " متعجبا قبل أن يبادل أبيه الذي لم يخفى عليه الأمر، فقال بنبرة متسائلة:
في إيه يا "عبد الله" نزلت تاني ليه ؟.
لم يعرف "عبد الله " ماذا يقول إلى أبيه، وإن قال فكيف سيقول ذلك فهو نفسه لا يصدق حتى الآن، اقترب منهما وجلس مقابلا لهما وهو يفرك كفيه في توتر لاحظه أخيه الذي قال في ترقب
طالما بدأت تفرك كدا يبقى في حاجة، أتكلم ومتوترناش معاك اللي فينا مكفينا.
أطلق "عبد الله" زفيرة طويلة مستغفرا زبه بنبرة خافتة، ثم رفع رأسه ينظر لهما تزامنا بقوله الساخر:
مستني استلم أبني المسطول.
نظر الابن إلى أبيه متعجبا من رد أخيه عليه، فاستفسر الأب بعد أن تشتتت أفكاره قائلا: شكلك أنت اللي اتسطلت يا "عبد الله"، يعني إيه الرد دا مش فاهم ما تخليك مباشر.
أنا مباشر وذا الرد فعلا، "يزيد" عامل دماغ وأخوه جايبه وجاي فالطريق إيه الغريب فاللي بقوله.
هكذا رد "عبد الله" على أبيه وكأنه يحاول إقناع نفسه أيضًا أن ما يقوله ليس هراء، فنظر "قاسم" إلى أبيه الذي اعتدل في جلسته وظهرت الجدية على نبرة صوته عندما قال متسائلا:
عامل دماغ أزاي يعني؟ ابن عقيد وحفيد لوا راجع من فرح صاحبه اللي المفروض فرحإسلامي عامل دماغ ؟!.
لا يا حج أنت فهمت غلط مش فالفرح دا بعد ما زف صاحبه وهما فمدخل العمارة في واحد قاعد بيحشش فالبضروم ومحدش شايفه فعملوا دماغ من الريحة.
هكذا بادر "عبد الله" في توضيح المسألة إلى أبيه قبل أن يسيء الفهم بولده، هذا الشاب الذي يمدح بين الجميع هو وعائلته على أخلاقه وحسن سلوكه، فتنهد الجد الذي التزم الصمت، ضاحكا على أحفاده الذين لا ينجذبون سوى للمصائب.
د بداية الدرب جديدة تشهد على حبهما.">
في منزل " وهيب"..
بعد مرور دقائق على تعظل المصعد صعدا أخيرا إلى شفتهما التي تستقبل برحابة صدر قصتهما لتكون شاهدة على حبهما معا..
التفت إليها برأس ثقيل والابتسامة تعلو ثغره، شاعرا بخمول بدأ يفرض سيطرته على جسده، لا يدري أهذا بسبب إرهاقه أم أن الرائحة كانت أقوى مم يظن حتى تركت إثرها داخله، مسح فوق وجهه قليلا تحت عيناها التي كانت تراقبه، وعندما رفع رأسه إليها ابتسم وقال:
أنا هدخل أفوق نفسى قبل ما والدتك تطلع بدل ما تفهمني غلط هلاقيني فجأة بطلق بعد ما صدقت أكتب.
ابتسمت "عنان" بعد أن رأت تلك النظرة في عينيه، تلك النظرة التي تعلمها جيدا، نظرة الحب التي لا تفارق عيناه عندما يراها أمامه، فإن كان جاذا كما يراه الجميع، فبلحظة يصبحمحبا عاشقا إليها عندما يظهر ظلها أمام عيناه تركها ودخل سريعا إلى المرحاض ملقيا
حبات الماء على وجهه مرات متتالية...
بينما وقفت هي تبتسم وهي تنظر إلى أثره، وبلحظة ضحكت على ما انتهى به يومها الذي كانت تنتظره بفراغ الصبر، وأثناء انتظارها تركت عيناها تتأملان منزل أحلامها الذي وضعت فيه جزء منها كي يبقى أثرها خالدًا فيه لا يمحى ارتسمت ابتسامتها الراضية فوق ثغرها وبدأت تجوب فيها تتأمل أصغر تفاصيلها، غافله عنه حيث وقف خلفها يجفف وجهه ويتابعها ..
عجبتك ؟.
التفتت إليه بعد أن وصلها سؤاله الهادئ، فابتسمت وهي تنظر في عينيه وقالت بنبرة أعربت
عن سعادتها :
أوي طلعت أحلى بكثير من اللي كانت فخيالي.
اقترب منها والابتسامة الهادئة تعلو ثغره، وعندما وقف أمامها قال لها:
حلوة بوجودك فيها، عارفة قبل ما ندخلها كانت عادية خالص شكلها مبتحلوش غير بنور القمر.
توردت وجنتيها خجلا ثم نظرت أرضًا بعد أن فشلت في إخفاء ابتسامتها، فاقترب هو في هدوء حتى لا يخيفها قائلا:
بصي هنتفق أتفاق سواء حفك تتكسفي الموضوع لسه جديد عليكي بس متقلقيش يعني هتاخدي على بسرعة أنا عارف نبدأها واحدة واحدة ونفوق كدة علشان نصلي ركعتين لله ونشوف الحجة عملتلنا عشا إيه لاني جعان بطريقة غريبة والموضوع شكله كدة هيقلب معايا بهبوط فتلحق الدنيا قبل ما أهبط بجد ويسموني العريس المهبط.
ضحكت "عنان" أخيرًا بعد أن نجح في كسر هذا الحاجز الفاصل بينهما، وفورا اتسعت الابتسامة فوق ثغره عند أن رأى ضحكتها ولمعة عيناها، اقترب خطوة أخرى ولتم جبينها في حب من جعل نبض قلبها يتسارع بشكل ملحوظ ولكن بدلا من أن تبتعد ظلت واقفة مكانها تاركة عيناها تتأفلانه كيفما تشاء..
بعد مرور القليل من الوقت.
رحل جميع من رافقوهم إلى بيتهم ودام صمنا مريخا في الشقة، خرج " وهيب" إلى غرفة المعيشة وهو يجفف خصلاته المبتلة، ألقى نظرة سريعة نحو باب المرحاض ليجده ما زال مغلقا، فأخرج زفرة صغيرة ووقف أمام شاشة التلفاز وجهاز التحكم في يده، صمت دام
البضع دقائق ثم كسر صوت التلفاز السكون المحيط به...
خرجت "عنان" وهي تحكم المنشفة حول رأسها لتراه واقفا أمامها، فاقتربت منه بخطى هادئة تسأله عم يفعله بقولها :
بتعمل إيه يا "وهيب"؟.
قولت أشوف الراجل اللي كنت جايبه ظبط الدنيا ولا سايبها عايمة.
قولت أشوف الراجل اللي كنت جايبه ظبط الدنيا ولا سايبها عايمة.
صدح رنين هاتفه الموضوع فوق الطاولة خلفه بنغمة قصيرة، فابتسم دون أن يرى الراسل هو يعلم جيدا أفعال من تكون تلك ولذلك انتظر دقيقتان حتى تأكد من وجود جميع القنوات
الفضائية ثم التفت يأخذه وهو يقول:
مفيش غير المختل بتاعنا أكيد هو اللي باعتها.
وما إن أنهى قوله حتى صدق فيما قاله، فضحك ونظر إليها في يأس قائلا:
مش قولتلك مفيش غيره عيل سنجل بائس صحيح.
شرع في الرد عليه سريعا ثم أغلق هاتفه حتى لا يترك له الفرصة لمضايقته، فالتفت إليها ليراها قد ارتدت إسدال الصلاة وتجلس في انتظاره، ابتسم في وجهها ثم اقترب منها قائلا:
حاسس إني بحلم والله مش عارف أصدق لحد دلوقتي.
وقفت أمامه وابتسامتها مرسومة فوق ثغرها، ولم يقل حالها عنه؛ فهي مثله تماما ما زالت لا تصدق ولكن هذه الشقة التي سكن حبهما في تفاصيلها أثبتت لها ذلك الآن، لم تعد خلقا كما
كانوا يرونها بل تحول هذا الخلم الصغير إلى واقع ملموس لن يزول..
كان إمامها للمرة الأولى فارتجف قلبها بعد تكبيرة الإحرام ثم أسرها نبرة صوته وهو يتلو آيات القرآن، لم يكن مثاليا ولكن بقي شيئا فيها جعلها تريد سماعه الأطول وقت ممكن، وعنه فلم يكن حاله أفضل منها بكل تأكيد، فكان يشعر بلذة برغم غرابتها كانت جميلة، فقد كانت الحلم الذي بالأمس كان مستحيلا، واليوم أصبح حقيقة وليس كأن حقيقة ...
التفت إليها بعد أن أنهى صلاته تاركا عيناه تتأقلانها في حب لا يمكن إنكاره، اقترب منها قليلا ثم أمسك كفها الصغير بين كفيه وبدأ التسبيح على أصابعها وهو يقول بنبرة هادئة :
خليني أشاركك أول ثواب.
ارتجف قلبها من شدة تأثرها وفرحتها، ولم تستطع أن تمنع دموعها التي أخذت تسقط دمعة تلو الأخرى كما تسقط قطرات الندى من الشجر، فرفع عيناه بعد أن لمحها وابتسم، وعندما انتهى شد بلين عليه ثم رفع كفه الخر ومسح عبراتها بإبهامه برفق واقترب منها قليلا يلثم جبينها في خب، ثم قال:
عارف إنك اتأثرتي باللحظة، بس بصراحة دي كانت أول حاجة أنا كنت ناوي أعملها مع زوجتي، وحققتها الحمد لله معاها.
نظرت إليه نظرة يراها في عينيها لأول مرة، نظرة امتزج فيها الحب مع الطمأنينة، والأمان مع الأمل ولكن برغم ذلك حاوطها بذراعيه وضمها لصدره بعد أن رأى ذلك فيها، كانت تخشى أن تبادر فمنحها القبول دون أن يتحدث، شاكرا ربه على هذا العطاء حتى الرضا.
زالت غيمة الظلام بعد شروق شمس الأمل ">
ليس كل عبد مبتلى شكور..
وليس كل عبد ينعم في خيرات الله راض
هكذا يكون ميزان الحياة؛ ليس متوازنا كما يظن الكثير، ولكن يمكن أن تعلو كفة عن الأخرى وبعد وقت تنخفض لتعلو الأخرى، ليبقى في الأخير هذا الميزان يرجح هذا وينصف ذاك وبين هذا وذاك تعطي الحياة دروسا قاسية حتى يعلم الإنسان كيف يواجه صعوبتها بعقل واع ليس بنفس غافلة ...
بعد مرور يومين..
تسللت أشعة الشمس الخافتة عبر الستائر الشفافة البيضاء، لتتمدد على الأرض الرخامية بنعومة، وصولا إليه حيث كان ساكنا بمعالم وجه هادئة غير تلك التي تكون متصلبة عند استيقاظه، تململ قليلا وعقد حاجبيه بعد أن شعر بضوءها على عينيه ...
استلقى على ظهره متأفتقا واضعا أحد ذراعاه فوق عينيه، فلطالما أيقظه شيئًا بغير رضاه فلن يكون صباح هذا اليوم لطيفا، ولكن لم يمكن طويلا حتى شعر بفراغ بجانبه، أبعد ذراعه ونظر إلى جانبه فلم يجد " برلين" كما اعتاد تنفض جبينه قليلا ثم نهض جالسا وهو يناديها ولكن بعد دقيقتان لم يتلقى ردا من جعله يتحرك وهو يشعر بالقلق عليها ..
خرج يبحث عنها في أنحاء الشقة متأهبا لأي شيء قد يستدعي تحركه الفوري، ولكنه توقف فجأة قرب باب المرحاض بعد أن وصله صوت ضجيج في الداخل، ولذلك لم ينتظر وولج يجسد متصلب ليقف فجأة وهو يرى التعب يسيطر على جسدها ووجهها الذي بهت قليلا، فاقترب منها فورا وهو يقف إلى جانبها يتفحصها قائلا بنبرة بها قلق واضح
في إيه يا "برلين" إيه اللي حصل ؟.
عندما شعرت بكفه قرب كفها الصغير سارعت بالقبض عليه دون أن تسيطر على تلك الرجفة القوية التي اجتاحت جسدها النحيل، فخرج أنينها المتألم وبدأت تستسلم لهذا الألم الذي داهمها منذ باكورة الصباح، وضع كفه على جبينها يقيس حرارة جسدها دون أن ينتظر ردا
منها، فحالتها تكفي لتصف إليه إلى أي مرحلة وصلت إليها :
أنت مثلجة كدة ليه؟ وأزاي تعبانة بالمنظر دا ومتصحنيش.
قالها "مينا" بنبرة يشوبها الخوف عليها ثم حاوطها بذراعه وقال:
تعالي أوديكي المستشفى.
رفضت طلبه بهزة صغيرة من رأسها، فاحتل الضيق صدره وقال بنبرة غير راضية :
هو إيه اللي لا يا "برلين" مش شايفة حالتك عاملة أزاي أكيد مش هسيبك كدا يعني. مش قادرة أروح فأي مكان يا "مينا" علشان خاطري متعاندش معايا أنا مش قادرة اتناقش دلوقتي.
قالتها بنبرة سكن فيها الألم بشكل ملحوظ، فلم يتردد ورفعها على ذراعيه وخرج بها حيث غرفتهما، وضعها فوق الفراش برفق ثم جلس أمامها وأخذ هاتفه قائلا:
خلاص هجيبلك دكتورة ومش عايز أسمع كلمة لا.
صمتت مرغمة وهي تصارع آلامها تحت عيناه التي لم تفارقها لحظة، وبعد دقيقتان عاد إليها وهو يمسك كفها البارد يضغط عليه بدفء كفيه قائلا:
الدكتورة قريبة مننا ۱۰ دقايق وتكون هنا استحملي شوية كمان معلش.
بدأ رنين هاتفه يعلو معلنا بذلك عن بداية يومه وما ينتظره فيه، فأجاب عندما لمح أسم "حسام" قائلا:
صباح النور يا صاحبي، لا صاحي بقالي شوية، ودا ليه يعني ؟..
نظر إلى "برلين" ومد كفه يبعد خصلة عن عينيها يعيدها خلف أذنها مستمعًا في الوقت نفسه إلى صديقه بإنصاب حتى أنهى ما كان يريد قوله، فتنهد "مينا" بعمق وقال :
والله يا "حسام" ما كنت ناوي أتأخر النهاردة عليكم بس غصب عني صحيت لقيت مراتي تعبانة أوي حتى معرفتش أوديها المستشفى طلبتلها دكتورة وقاعد مستنيها، حتى معرفتش سيادة اللوا لسه دماغي مش فيا دلوقتي بصراحة.
فأتت إليه الإجابة على بساط أحمدى عندما شعر "حسام" باضطراب صديقه قائلا:
يا عم متشيلش هم لو على دي مقدورة، هكلمهولك أنا مش مشكلة وخليك معاها النهاردة طالما الوضع صعب كدا وأنا هحاول أتصرف فالموضوع دا وهرد عليك بليل كدا.
ابتسم "مينا" بامتنان إلى هذا الرفيق الذي دوما يضع أولويته في المرتبة الأولى، فأجابه بنبرة هادئة ممتنة :
تشکر یا "خس" ونردها لك فالأفراح قريب إن شاء الله.
قهقه "حسام" على حديثه وأجابه بنبرة ضاحكة بقوله:
هستناك ياض أوعى تخلع هفضحكم ثاني يوم على جروب الدفعة أنت خر.
ضحك "مينا" حين ذلك مدركا أنه لا يمزح حيال ذلك، فقال:
لا وعلى إيه كفايانا فضايح إحنا بقينا علامة مسجلة هناك هجيلك يا عم خلاص.
ماشي يا عمنا هسيبك مع المدام بقى زمانها بتقول علينا معدومين الإحساس والدم هي تعبانة واحنا بتضحك.
اتسعت ابتسامة "مينا" الذي لم تفارق عيناه زوجته التي سمعت كلمات "حسام" الأخيرة ولم تستطع حين ذلك أن تمنع ابتسامتها، فأجابه قائلا:
يا عم خلصانة، شوف كدا هتعمل إيه وأنا هستناك عموما.
أنهى مكالمته وصب تركيزه مجددا عليها، فنظرت إليه بابتسامة واهنة وقالت:
مش دا صاحبك اللي بيقعد يكلم القط بتاعه.
ضحك "مينا" على وصفها لصديقه دون أن يمنع نفسه، فهكذا اشتهر بينهم عندما تم الإمساك به يوما وهو يضم قطه "مشمش" ويحادثه بكل جدية، أخرج زفرة طويلة ثم أجابها بنبرة هادئة :
أيوه هو، "حسام " اللي فاضحنا فكل مكان بسبب عمايله، بس طيب أوي بنقعد معاه نعيط من الضحك، فظيع أقسم بالله.
تأملته "برلين" بوجه مبتسم وعينين ذابتلين دون أن تتحدث تركت العنان لعقلها يفكر قليلا حتى أطرق لها السبب على حين غزة، تبدلت معالم وجهها قليلا وبدون أن تشعر شدت على كفه فانتبه هو لذلك فوزا وقال:
مالك يا حبيبي، حاسة بحاجة ؟.
ولكن قبل أن يتلقى جوابها سقطت عيناه على عقارها، نظر إليها مجددا وقال متفحصا إياه:
أنت مخدتيش العلاج إمبارح ؟.
هزت رأسها برفق وقالت بنيرة واهنة :
خدته والله بس معرفش في إيه أول مرة أتعب بالمنظر دا لدرجة إني حتى مش حاسة
باللي واجعني.
شد من قبضته فوق يدها الموضوعة على بطنها وقال :
معلش هانت خلاص الدكتورة تيجي تكشف عليكي وتطمنا.
وبعد مرور القليل من الوقت..
كانت الطبيبة تفحص "برلين" في هدوء تام تحت عينان "مينا" الذي كان متوترا بشكل فاضح، وبعد أن أنهت فحصها استقامت في وقفتها ونظرت إليه قائلة :
هطلب منها تعمل تحليل دم.
تنفض جبينه قليلا ثم أشار إليها بقوله المستفسر:
تحليل دم ليه ؟ حتى مقولتليش تشخيصك لحالتها يا دكتور علشان أبقى عارف على الأقل
مراتي فيها إيه تاعبها بالمنظر دا.
تحدثت الطبيبة بعملية بعد أن شعرت بخوفه على زوجته قائلة :
إحنا ماشيين على العلاج اللي كنت كتباهولها من كام شهر وهي منتظمة عليه زي ما قولتلها، وفي آخر كام كشف كنت ملاحظة تطور ملحوظ فحالتها وأنا شاكة إن في حمل بناء على كشفي ليها وعلشان كذا طلبت إنها تحلل دم علشان دا الوحيد اللي هيأكدلنا فممكن تعمله وتجيلي الساعة 8 ونص كشف لإن لو في حمل كدا العلاج مبقاش ليه لازمة إحنا عالجنا المشكلة خلاص وبالتالي هبدأ أحطلها نظام جديد تمشي عليه.
جحظت عينان "برلين" في ذهول وتسارع نبضها بجنون عندما سمعت كلماتها الأخيرة. بينما ارتجف جسد "مينا" فور سماعه لحديثها وتقلت أنفاسه بشكل ملحوظ، فإن صدق حديثها لا يعلم كيف سيكون الحال به وفور رحيل الطبيبة عاد "مينا" إلى مكانه ولكن كان أقرب إليها من قبل..
نظر إليها بعينين تائهتين وكأنه يريد أن يجد مرساه بها، وحدها تستطيع أن تسحبه إلى برها سالفا، تنتشله من هذا الهجوم الذي أشله عليه عقله قبل قلبه، سحب هاتفه وعبث فيه قليلا تحت عيناها التي كانت تراقبه، فوجدته يقرأ بتركيز ما كتب إليه من دفعها للنظر في هاتفه بفضول..
ساکت ليه يا "مينا"، بتفكر فايه من ساعة ما الدكتورة مشيت؟.
نظر إليها قليلا بعد أن نجحت في جذب انتباهه الكامل إليها، اقترب منها حتى أصبح بينهما مسافة قصيرة، أشهر الهاتف إليها وهو يقول:
احتمال كبير أوي يكون كلام الدكتورة صح، بصي كدة.
قرأت ما كتب أمامها واتجهت بعينيها إليه فورًا وكأنها تبحث عن جوانا مضمونا منه
فحاوطها بذراعه وضمها لصدره برفق ثم اسند ذقنه أعلى رأسها وقال:
عندي إحساس قوي إنك حامل، وأتمنى يجد بس منتسرعش قبل ما نتأكد الأول وبإذن الله خیر، متخافيش طول ما أنا جنبك.
" كان اللين الذي في قلبه خاصا بشكل قريب ">
في شقة "علي"..
كان الضجيج فيها اليوم لطيف: أصوانا صغيرة تصدح بتناغم يذيب القلب وتلين له الروحفإن جاء إليه أحدهم منذ زمن وأخبره أن هكذا سيكون مستقبله فبالتأكيد لن يصدقه...
تأوه عاليا وامتزج به ضحكاته عقب استسلامه إلى هذا الهجوم الذي شن عليه، حيث اختل توازنه بعد أن رفض "ثائر" تركه وبالتالي سقط أرضًا وهو فوقه يضحك ويرفض تركه
ولكن دام الصمت فجأة عندما سكن " على " وأغمض عيناه كمن غدر به وضريه في ظهره نظر "تاثر" إليه واقترب منه بوجهه بحذر يتأكد أنه ما زال على قيد الحياة...
ولكن في لحظة غادرة فتح " على " عيناه ثم حاوط جسده الصغير بذراعيه من جعل " ثائر" يصرخ ضاحكا عندما أشل هجوم قبلاته عليه، خرجت "لارين" وهي تمسك بصحنين صغيرين والابتسامة تزين ثغرها عندما رأت هذا المشهد الذي دغدغ قلبها خبا دون شك، جلست فوق الأريكة إلى جانب الصغيرتين وعندما رأت ولدها لا يقدر على التقاط أنفاسه مدت يدها وضربت ظهر زوجها بخفة قائلة :
خلاص یا "علي" كفاية الواد مش قادر ياخد نفسه.
توقف " على " فورا وابتعد قليلا عن صغيره والابتسامة تعلو ثغره، فرآه يلهث بشكل مفرط
رفع حاجبه حين ذلك عاليا وقال بوجه مبتسم
علشان تعاندني تاني حلو وتقولي أنت مش قدي طلعت أنت اللي مش قدي يا نوتي.
اغتاظ "ثائر" كثيرا من هذا اللقب الذي يبغضه، ولذلك لم يتردد وقبض على وجه أبيه يقرصه بغضب طفولي وكأنه بذلك يعاقبه، فتأوه " على " الذي أبعد كفيه دون أن يفلتهما وقال بنبرة مغتاظة:
ياض أنت مبتتعلمش أبدا.
متقوليش نوتي
هكذا أعرب الصغير عن غضبه من أشعل غيظ "علي" الذي بحركة واحدة لم يستوعبها ولده حمله على ظهره ووقف مكبلا إياه، من جعل "ثائر" يصرح خوفا وهو يطلب منه إنزاله
فعاند " على " أمامه وقال:
مش هنزلك قبل ما تتربى يا قليل الأدب.
مامي، ممكن تخليه ينزلني.
هكذا بدأ "ثائر" يستعطف والدته بنبرة حنونة ونظرة بريئة من جعلها تنظر إلى زوجها وتقول :
نزله يا "على".
مش هيحصل، يعني يبقى محترم معاكي وبريء وأنا يعملي فيها عريجي، لم يكلمني حلو الأول ساعتها أبقى أفكر.
هزت رأسها في يأس وهي تحمل صغيرتها "نيروز" كي تطعمها، بينما نظر "تاثر" إلى أبيه ببراءة استطاع إتقانها وقال:
بابي خلاص نزلني أنا آسف أنت حبيبي.
رفع " على " حاجبه ونظر إليه مستنكرا حديثه، فنظر إلى زوجته التي كانت تبتسم وهي تعلم ما يخطط إليه ولدها، ففكر " على " قليلا قبل أن يقول بنبرة حذرة
هتعمل كدا تاني؟.
خالص.
مش مديك الأمان بس ماشي هصدقك هسيبك وإياك تعمل كدا تاني لو هعديها فعلشان خاطر "لارين" مش أكثر لإني مبقدرش ارفضلها طلب.
أنهى حديثه وأنزله أرضًا في هدوء، وعندما وقف على قدميه أخيرا استغل الفرصة لصالحه وقبض على كفه يعضه بأسنانه الصغيرة، تأوه "علي" مجددًا وقبل أن يمسك به كان الصغير بهرب بسرعة غير عادية، هاربا من أبيه وهو يضحك بطفولة، نظر " على " إلى كفه حيث تركت أسنانه أثرها عليه، بينما ضحكت "لارين" ونظرت إليه حيث تمتم هو بغيظ:
دا أنا لو مربي نسناس مش هييقى بالعفرتة دي والله.
حمل صغيرته "فيروز" برفق ثم جلس إلى جوار زوجته وهو يغدق خدها الصغير بقبلاته الصغيرة، فلمحته بطرف عينها وقالت بوجه مبتسم:
مالك شغال بوس فالعيال النهاردة كدا ليه ؟.
أجابها "علي" من بين قبلاته لصغيرته قائلا:
وحشوني أوي.
رفعها "علي" في الهواء فجأة لتشبه الطير الصغير الذي يرفرف في السماء، نظر إليها مبتسما فضحكت هي وأخذت ترفرف بقدميها ويديها الصغار من جعله يضحك ويضمها مجددا إلى صدره، اقترب من زوجته ثم انحنى قليلا بجذعه نحو صغيرته الأخرى يقبلها بحنو، ولكن بلحظة قطع هذا الجو العائلي رنين الباب، فاقترب منه وهو يحمل صغيرته ويضمها بحذر..
أيوه نعم؟.
قالها وهو ينظر إلى الشاب الواقف أمامه حيث بدا عليه التوتر والتردد بشكل فاضح، رفع يديه ونزع خوذته حتى يظهر وجهه بوضوح إليه، ومن ثم قال بنبرة بها شيء من القلق :
اسف لو ازعجتك.
هر " على " رأسه برفق ينفي قوله باهتمام
ولا إزعاج ولا حاجة اتفضل.
أنا والله ما شحات ولا جاي أعمل أي شيء من هذا القبيل، أنا بس محتاج مساعدة لو ليك يعني فشغل المكن الصيني.
إزداد اهتمام " على " أكثر مستشعرا صدقه في حديثه، ولذلك قال بنيرة هادئة :
بفهم فيها شوية، قولي إيه مشكلتك لو هعرف أساعد مساعد.
رفع الشاب يدة يمسح حبات العرق عن جبينه وهو يشرح إليه ما حدث
أنا شغال دليفري وكنت بوصل أوردر فالعمارة اللي جنبك هنا، مسافة ما طلعت أوضل الأوردر ونزلت لقيت المكنة عطلانة معرفش حتى إيه اللي حصل حاولت أدورها مفيش ولا لاقي حد يساعدني وبوابة الأمن بعيدة عني أوي يعني والجو حر جدا، فقولت أجرب حظي عديت على 3 قبلك اللي قال معرفش واللي قفل الباب فوشي وكأني بشحت منه واللي مفتحش أساسا، لحد ما لقيت نفسي قدام شقتك أينعم انا خدت شوية أول ما شوفت ملازم أول " علي طارق" بس قولت أخد الريسك وأنا وحظي يعني.
ابتسم "علي" عقب أن أنهى حديثه ومن ثم مازحه بقوله :
هو أنا هاكلك يا عم ما كلنا واحد، وبعدين متأخذ نيش مبيخافش غير اللي عليه حاجة.
ابتسم الشاب ابتسامة مرة يسخر من حاله بقوله:
كلنا واحد يا خويا وقت الشدة، إنما المناصب وفرق الطبقات والكلام دا صدقني مفيش إلا لو مجدعة وداق المر قبل الحلو بناكلها بالحلال فزمن ما يعلم بيه إلا المولى وبرغم كدا محدش عنده رحمة، أنا ماشي جنب الحيط يجيب الجنيه علشان أعرف أتجوز بقالي 4 سنين معلقها معايا لحد ما بقى شكلي زفت قدام عيلتها علشان لسه مخلصتش الشقة، وأنت عارف يقى الفلوس مبتجيش بالساهل وياريت بلاقي تقدير .... مش حابب أدوشك والله.
ابتسم "علي" الذي ربت فوق كتفه برفق ثم قال :
يا عم متشيلش هم محلولة بإذن الله استنانی دقیقتین بس.
هر الشاب رأسه موافقا وهو يخفي وجهه بعد أن ترقرق الدمع في عينيه دون أن يشعر، فليست الحياة حلوة المذاق على الجميع، بل هناك من يتجرع مرارتها بصمت حتى يكتسب الحلال وبرغم ذلك في أعين الجميع ليس كفة بما يكفي ليصلح للزواج، هكذا كانت الحياة بها آلاف القصص المخفية لا أحد يعلم عنها شيئا سوى أن أصحابها يعانون في صمت تام..
بينما اقترب "علي" من زوجته وترك أبنته إلى جانبها هامسا لها بما سيفعله سريعا، وبعدها دخل المطبخ وأخذ زجاجة عصير باردة من الثلاجة وزجاجة مياه ثم خرج، رافق الشاب إلى حيث ترك دراجته وحين ذلك شملها بعينيه سريعًا قبل أن يقول:
بصراحة يا صاحبي مستخسرها فشغلك، بعدين باين عليها جديدة.
مذ كفه حين ذلك ومزره عليها، بينما تحدث الشاب بعد أن أرتدى خودته مجددا وقال:
مش جديدة أوي يعني موديل السنة اللي فاتت جيبتها بدل مرمطة المواصلات، بعدها رفدوني من الشغل ولم دورت لقيتهم طالبين دليفري روحت عملت انترفيو وشرط يكون معايا مكنة فحمدت ربنا ساعتها إنها معايا يا دوب لسه مخلص قسطها الشهر اللي فات.
بدأ "علي" يتفحصها باهتمام أسفل عيناه وهو يقول بنبرة هادئة :
إلا قولي حوار جوازك دا، حسيتك شايل الهم أوي بس عرفني بيك الأول.
تنهد الشاب حين ذلك وكأن مجرد ذكره بهذا الموضوع يجعله يشعر بثقل على صدره وكأنه جبلا ووضع فوقه استند على دراجته إلى جواره وقال بنبرة مثقلة :
أسمي "نصير" عندي ٢٧ سنة خريج حقوق وشريعة إسلامية، معرفتش اشتغل بشهادتي فقولت أدور مش هخسر حاجة بس ملقتش، أنا وخطيبتي اتقابلنا صدفة كانت لسه أولى حقوق وأنا رابعة حبيتها بسرعة مش عارف استوعبها لحد النهاردة، فاتقدمتلها وأهلها كانوا رافضين لأنها لسه صغيرة وقدامها 4 سنين كلية، بصراحة فقدت أملى وأنا من جوايا مش عارف أبعد بس هي فاجئتني بموافقتها، أهلها كانوا رافضين علشان سنها بس هي تمسكت بيا، اتخطبنا واتفقنا على ٣ سنين خطوبة وقتها كنت عامل حسابي على إني هتخرج واشتغل بشهادتي واجهز شقتي..
بس طبعا كل دا محصلش الدنيا انشقلبت فجأة، لحد من سنة كدا أهلها بدأوا يعاملوني معاملة مش ولا بد بسبب حوار الشقة وشايفين إني خالفت الاتفاق مع إني قعدت معاهم وفهمتهم وضعي وأنا مش قاعد بالعكس بدور على شغل هنا وهناك، بس طبعا مكالش معاهم بس هي اللي متمسكة بيا برغم إني قولتلها لو شايفة إني مش مناسب ولا قد كل كلمة يبقى نفضيها بالمعروف، قعدت تعيط ساعتها ورفضت وتمسكت بيا أكثر مكدبش عليك أنا وهي اتعلقنا ببعض أوي على مدار الـ ٣ سنين دول، حتى كانت تقيلة على قلبي وأنا بقولها لها، هي قالت لأهلها ساعتها إنها هتستناني حتى لو لعشر سنين جايين ورفضت إننا نسيب بعض ...
ابتسم " على" وهو يستمع إلى حديثه، وبنفس الوقت يحاول إصلاح دراجته النارية، بينما أكمل "نصير" حديثه وقال:
حاولت مخيبش تقتها فيا وبجانب شغلانة الدليفري بدور على شغلانة ثانية تساعد شوية. يمكن هي جاهزة بس أنا لسه ناقصني كذا حاجة فالشقة وعلى ديون قد كدا مش عارف هسدها أزاي لسه، وبيني وبينك برضوا شغلانة الدليفري دي مش واو يعني، الواحد بيشوف ناس منهم المحترمين واللي عندهم رحمة، واللي قليل الأدب ويدوس عليك وكأنك خدام عنده وفي البخيل والكريم بس يعني مش جايبة همها القبض اللي باخده بحطه كله فالشقة وبخلي معايا ٥٠٠ جنيه وصدقني بيعدي أول أسبوع وبتلاقيني من غير قبض وبمشي استلف من دا ودا..
طب تصدق بالله الست اللي كنت بوصلها الأوردر دي طالبة أوردر بمبلغ ما شاء الله شیفانی عطشان وينصهر تحت الخوذة خلاص والجو حر استخسرت فيا كوباية منه، والله يستغرب وحظي إني فمكان أصلا بعيد زي طريقه سفر زي أكتوبر والمستقبل والمناطق الراقية دي، وبرغم إن ربنا كارمها مستخسرة فالعباد، طب هتصدقني لو قولتلك إني كنت بوضل اور در وكان لبنت فوالدها هو اللي طلبه وهي متعرفش حاجة وهو بيحاسبني لقيته مديني زيادة عن مبلغ الأوردر بـ ۱۰۰۰ فأنا اتفاجئت وبرجعله الألف جنيه و جنيه وبقوله يا حج في ألف جنيه زيادة قالي ما أنا عارف دي ليك، أنا فضلت متنح شوية ما هو أكيد دا مش قلة نوم مني فيقوله أزاي يعني يا حج قالي يا ابني أنا ربنا كرمني بعد ضيقة شديدة وبنتي ربنا كرمها وخرجت من عملية كبيرة أوي بخير وخدت عهد على نفسي إني هطلع ألف جنيه لأي حد
شقيان وأنا حسيتك محتاج والدنيا مزنقة معاك فاقبلها ...
اندهش "علي" في تلك اللحظة من جعله يرفع رأسه لينظر إليه، فرآه يشيح برأسه بعيدا وهو يخفي عبراته عنه، فأدرك حين ذلك أنه في معاناة مأساوية لا يعلم عنها أحدًا غير ربه. ترك ما كان يفعله والتفت إليه بكامل جسده وقال بنبرة هادئة :
بص الحياة مليانة اختبارات و ابتلاءات یا تكون قدها وتعافر حتى لو متداس عليك يا تعلن استسلامك ولا كإن كان ليك وجود وياما هتقابل الناس مش زي بعضها يا "نصير" وأنت وشطارتك فالتعامل معاهم بس علشان أنا استجدعتك بعد اللي حكيته دا وحاسك طيب وتستاهل مساعدة أنا هشوفلك طريقة كدة وهحاول أشغلك بشهادتك وأنت ونصيبك بقى، أهم حاجة بس تبقى تمام بدل ما تفضحني ويقولولي جايبلنا محامي أي كلام.
ابتسم "نصير" أخيرا منذ بداية اللقاء بالكامل، وكأنه كان يستعد لاستقبال مرارة أخرى طعمها أكثر قسوة من اعتاد، ولكنه نفى سریعا ظنونه به قائلا:
لا متقلقش مش هخذلك والله، أنا طالع منها بأربع سنين امتياز قسم جرایم و حافظ كل قانون بينص على إيه خطني أنت بس وهتتفاجئ بيا.
هر " على " رأسه برفق بعد أن رأى الصدق في عينيه والحماسة في صوته، فمنحة ابتسامة
هادئة وقال :
يبقى إتفقنا، أنا على أشغلك وأنت عليك ترفع راسي ويبقى كدا ديل بينا.
لمعت عينان "نضير" في سعادة طاغية بعد أن كان في حالة كرب شديد و بدون تردد منه قال:
دیل، وأنا أوعدك إني مش مصغرك مهما حصل .
بين ماض أسود ومستقبل مشرق وولدت نجمة.">
في شقة "شهاب"...
مرت بهم الأيام كنسمة الهواء الدافئة، بين ماض سعى "شهاب" في الخلاص منه وأمام مستقبل مشرق ينتظره كان هو بطل الرواية، أسطورة تستحق أن تروى قصتها للجميع، فما رأه لم يكن هيئا؛ ومن بعد الشقاء جاء اليسر إليه، كمكافئة عم ذاقة وأجبر على تقبله ...
كانت "مريم" الآن قد بدأت شهرها الخامس منذ أسبوع مضى، وبدأ الأمر يزداد صعوبة عليها أكثر من كانت تظن كانت من النساء اللواتي لا تكبر بطونهن بشكل مفرط، وهذا أتاحالفرصة أمام "شهاب " لمضايقتها طيلة الوقت كانت تقف في المطبخ بعد الطعام قبل
وصوله، وعيناها كانت تذهب تجاه الساعة المعلقة على الحائط بين الحين والآخر وكأنها
تنتظر شيئا ما ...
ولكن توقفت حركة يدها فجأة وتأوهت ألما خفيفًا داهمها واختفى كأنه لم يكن، وضعت يدها على بطنها البارزة وهي تتأكد إن كان ما شعرت به حقيقة أم خيالانا وهمية، لكن بعد دقيقة واحدة تكرر الأمر معها بضربة خفيفة الأثر من جعلها تترك ما تفعله وتصب تركيزها الكامل على هذا الشعور الجديد..
اتسعت الابتسامة على ثغرها وتسلل شعور دافئ دغدغ قلبها بلطف، لقد تحرك صغيرها أخيرا وبدأ يعلن عن وجوده بطريقته الخاصة، ترقرق الدمع في عينيها ولم تغد تدرك ما يجب أن تفعله، أغلقت الموقد بعد أن نضج الطعام وخرجت إلى غرفة المعيشة تسير بحذر حتى لا تؤلمها ضربة أخرى تباغتها ...
فتح الباب في تلك اللحظة بنغمة هادئة يعرب فيها عن وصوله، وعندما رأها تقف على مقربة منه بتلك الحالة تحركت غريزته فوزا اقترب منها ممسكا كتفها برفق وهو يسألها بنبرة مشبعة بالخوف
مالك يا "مريم"، إيه اللي حصل يا حبيبي؟.
أتحرك يا "شهاب".
لم تستطع أن تخفي الأمر عنه وقالت أول ما جال في رأسها، مم جعل جسده يتصلب فجأة أثر الصدمة التي تعرض إليها ولم يتردد في وضع يده عليها منتظرا الشعور به بقلب يلهث تلهما وشوقا، انتظر بصبر يتنافى مع ما يشعر به من حماسة، ضربة أخرى خفيفة الأثر أصابت موضع كفه فتجمد وتوقفت أنفاسه قليلا قبل أن ينظر في عينيها قائلا:
دا بجد ... دا بجد والله ؟.
لم ينتظر أن يسمع تأكيدها فقد أجلسها برفق فوق الأريكة القريبة منهما وجاورها فوزا، مال نحوها واضعا أذنه فوق بطنها منتظرا إجابة أخرى، فقبل يومين كان موعدهما مع الطبيبة التي طمأنتهم وكشفت لهما عن نوعه، فاهتز كيانه عندما أدرك أن أول العطاء ولد صغير يحمل أسمه ويكون أول اصدقائه الأوفياء، حينها فقط أدرك كيف يكون العطاء من بعد الشقاء..
رفع رأسه فوزا ينظر لها ضاحكا بعد أن شعر به مجددا، يكاد يقسم أن هذا اليوم هو من أحب الأيام التي مرت به صب انتباهه معه مجددا تاركا زوجته تتابع بعينين دامعتين فرحته بتلك اللحظة، لثم موضع ضربته بحنو ثم ترك يده فوقها منتظرًا واحدة أخرى قائلا بوجه مبتسم:
أحلى مسا عليك يا صاحبي، فرضت حضورك من أولها، شكلك طالع لأبوك ولا إيه؟.
ضحكت "مريم" حين ذلك؛ فرفع رأسه ينظر إليها قائلا بتساؤل:
بتضحكي على إيه؟.
هزت رأسها برفق ثم نظرت إليه بوجه ضاحك وقالت:
افتكرت كلام "أحمد" آخر مرة عليك.
رفع نفسه قليلا بعد أن أنتبه لها بالكامل دون أن يبتعد عنها وقال مترقبا
قال على إيه علشان دا يعرف عني كثير.
هرت كنفيها قليلا وهي تجيبه قائلة:
قالي أول ما يتحرك و "شهاب" يعرف هتلاقيه بيمسي عليه ولا كأنه واحد صاحبه عالقهوة.
أخرج زفرة طويلة يائسة بعد أن أدرك سلاطة رفيقه الذي دوما يفضح أمره قبل حدوثه فأغمض عيناه قليلا وتمتم متوعدا إليه :
ماشي يا "أحمد"، طول عمرك واطي، أدي اخرة اللي يعاشر صاحبه لسنين طويلة أخرتها فضايح.
نظرت إليه "مريم" وقد رفعت ذقنه لها كي تتثنى لها رؤيته وقالت بوجه مبتسم تيجي فمراتك أحسن ما تيجي فحد غريب ساعتها مش هتعرف تبص فوشه ثاني.
تنهد بعمق وابتسم حين ذلك وهو ينظر لها، فاقترب منها يلثم خدها قائلا:
على رأيك تيجي فيكي أحسن وبعدين ما إحنا واحد فالآخر مين هيعرف عني كل حاجة غيرك يعنى يا أم الواد.
ضحكت "مريم" على مصطلحاته التي قد اعتادتها منذ أن كانت بين أخويها ثم نظرت إليه وقالت:
لا إحنا نستقر على أسم ليه، إنما تقول أم الواد رايح جاي دي مش عجباني.
تمام، ولا هزعلك نختارله أسم بس أهم حاجة تكون متفقين عليه مع بعض.
أبدت موافقتها فورًا وأخذا يفكران في أسم له يميزه عن بقية الصبية، حتى مر بهم الوقت بين اقتراحات كثيرة حتى استقرت في الأخير على اسم فريد له، وعند ذلك قالته بحماسة:
لقيته خلاص احنا نسميه "راكان " ايه رأيك؟.
فكر "شهاب" قليلا في الإسم وهو يردده قائلا:
راكان شهاب الدين العطار" ... عجبني.
اتسعت ابتسامتها حين أبدى إعجابه به، فقالت هي:
معناه الوقار والثبات والرزانة.
زي أبوه يعني.
قالها ليس ليتعالى به ويتكبر عليها، بل كان غرضه الممازحة كما أحب دوما أن يمازحها
فضحكت عندما فهمت ذلك واسندت رأسها فوق كتفه قائلة :
أيوه بالظبط، أبوه فعلا كدا وأنا بحبه.
رسمت الابتسامة فوق ثغره ولف ذراعه حولها يضمها لصدره ولثم رأسها بحب، فلم تفشل يوما أن تجعل حبه لها يتفاقم، بل هي تعلم جيدا كيف تأسره بنظرة صغيرة وهو لم يكن سوى محبا لها ولوجودها الدائم حوله، وفوق كل ذلك كانت وستكون المرأة الوحيدة التي تراها عيناه، كيف لا وكانت الوحيدة من قبلت به وهو يسير ببصيرته، فقط لأنها أحبته في جميع حالاته، ومقابل ذلك قد توجها ملكة على عرش قلبه.
