رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والتاسع والعشرون
بعض البشر لا يظهرون إنسانيتهم إليك إلا عندما يجدونك عند حافة الانهيار، ولم يبق منك إلا حطام، وكأن رؤيتهم للآخرين محطمين ومنهزمين هو دواء لهم، أو ربما في ضعفك تتحرك في دواخلهم مشاعر قديمة ، وعليك أن تدفع الثمن مثلهم.
تأوهت أشرقت من شدة الألم وهي تحاول تحريك جسدها، ثم بدأت بفتح عينيها بثقل والسعال بصوت خفيض.
اجتذب سعالها مسامع مراد الذي جلس في زاوية من الغرفة منذ ساعات الصباح الأولى بعد أن تم نقلها إلى غرفة عادية في المشفى.
استند مراد بكلا يديه على المقعد الجالس عليه متأهباً لخطوته القادمة عندما تبصر وجوده.
توقفت عن السعال وابتلعت ريقها لشعورها بجفاف حلقها، ثم رفعت جسدها قليلاً حتى يتسنى لها النداء على أحد لإنقاذها.
ـ متتحركيش، أنا هنادي ليكي على الدكتورة.
جحظت عيناها على وسعهما، وازداد وجهها شحوباً عندما تسلل صوته إليها. ألتفتت نحو مصدر الصوت ببطء، وسرعان ما كانت أنفاسها المنتظمة تحول إلى هادرة.
ـ أنت جايبني هنا عشان تموتني!
قالتها بنبرة مرتعشة وهي تحاول نزع مجسات الأجهزة الملتصقة على جسدها، ثم أردفت صارخة:
ـ أنت ليه مموتش؟ ليه لسا عايش؟
تجمدت قسمات وجه مراد، ثم سحب نفساً عميقاً ووضع يده على جرحه، وقد عجز عقله عن التصرف.
استكملت صراخها بانهيار أتت عليه الطبيبة المختصة بحالتها.
ـ متقربش، أبعدوا عني، عايز يموتني، هو ممتش ليه؟!
أسرعت الطبيبة وفتاة من طاقم التمريض نحوها لـ تهدئتها.
ـ أهدي يا مدام أشرقت، فين بس ضبط النفس يا سيادة المستشارة؟ أهدي بقى وأنا هعملك كل اللي أنتِ عايزاه.
دخل عدنان الغرفة والتقط ذراع مراد برفق حتى يخرج معه ويترك الأمر للطبيبة التي أملى عليها رئيس قسمها أن تتعامل مع الوضع بحذر دون إعطائها مهدئات أخرى مهما كان الأمر.
تنفست الطبيبة الصعداء عندما انغلق الباب وصارت بمفردها مع مريضتها.
ـ خدي نفسك براحة واهدي كده يا سيادة المستشارة، معقولة واحدة في جمالك ومكانتك تنهار كده؟ لا لا، سيبنى إيه للستات الضعيفة!
أطبقت أشرقت أجفانها بوهن، وانسابت دموعها وتمتمت بنبرة صوت مرتجفة:
ـ مش عايزه أشوفه، هو السبب، هو عايز يموتني.
انقبض وجه الطبيبة وقد بدأت شكوكها تتأكد، وقبل أن تتساءل عن السبب الذي يدفعه لقتلها وكيف تستمر في زواج كهذا وهي من عائلة مرموقة كما سمعت وتأكدت في الصباح من والدها لحكم عمله كمحامي.
ـ أرجوكي ساعديني أخرج من هنا، أنا لازم أهرب، هو هيموتني لأني حاولت...
ازداد وجه الطبيبة انقباضاً وهتفت حتى تحثها على مواصلة الكلام.
ـ حاولتِ تعملي إيه؟
زاغت عينا أشرقت في الغرفة، ثم أشاحت بوجهها، فأسرعت الطبيبة هناء قائلة:
ـ أخرجي أنتِ يا تغريد وبلغيهم إن مدام أشرقت بقت كويسه وهديت، وأنا هفضل معاها شوية لحد ما تهدأ خالص وتكون مستعدة أنهم يشوفوها ويطمنوا عليها.
هزت الواقفة رأسها وغادرت، وفور خروجها من الغرفة أبلغتهم بما أمرتها به الطبيبة هناء.
ضاقت حدقتا عدنان وتذكر مهاجمة هذه الطبيبة له بالأمس وطريقة تحدثها معه، وفجأة برقت عيناه بنظرة مخيفة، ثم أسرع بالالتفاف بجسده وأشار لأحد رجاله باتباع الممرضة.
تنهد مراد بصوت مسموع وهو يمرر أصابعه على خصلات شعره، ثم صاح بضجر:
ـ أنا هدخل ليها.
أحتدت عينا عدنان وأسرع بالوقوف قبالته قائلاً بوجه مستاء:
ـ إحنا مش ناقصين فضايح في المستشفى، وتعالا معايا علشان تغير على جرحك لأنه بينزف، وممكن في لحظة تقع من طولك قدام رجالتك!
وبسخرية أردف:
ـ مش كفاية غفلتك وكنت هتموت! عنيفة بنت المستشار، يلا، ميجوزش عليه غير الرحمة دلوقتي.
انتفخت أوداج مراد مقتاً، وأطبق على يديه، ثم استدار بجسده محدقاً نحو باب الغرفة المغلق:
ـ الدكتورة بتعمل إيه جوه معاها؟ أنا عايز أدخل ليها عشان أحذرها لو عملتها تاني وموتت أبني، لان المرة دي في موتها!
تجهم وجه عدنان وتنهد بسأم، ولم يعجبه إصراره على الاحتفاظ بهذا الطفل بعد كل ما حدث من ورائها وسعيها في فضحهم.
شعر مراد بثقل رأسه أثناء وضع يده على مقبض الباب، وقد لفت ترنحه انتباه عدنان الذي كانت عيناه في تلك اللحظة معه.
ـ مش قولتلك جرحك بينزف ولا مستني تقع قدام رجالتك ويقفوا يتفرجوا عليك؟ اتحرك معايا!
أزاح مراد ذراعه عنه بنفور وتساءل بضعف:
ـ فين إلهام؟ خليها تجي بسرعة، هي هتعرف تتعامل معاها وتبلغها خبر وفاة والدها.
التوت شفتا عدنان بسخرية، فهذا ما اقترحه عليه هذا الصباح.
ـ أنا جيت يا مراد.
هتفت بها إلهام بأنفاس لاهثة وقد وقفت على مقربة منهم، ولا تعلم لما اجتاحتها مشاعر العطف نحو مراد الذي جعله عدنان نسخة أقذر منه.
دفع مراد ذراع والده عنه مجدداً واتجه بخطوات بطيئة ومترنحة نحوها، مما زاد رجفة قلب إلهام عليه بعد أن أبصرت حالته الواهنة.
ـ قوليلها إني مش هأذيها تاني، لكن متفكرش تتخلص من أبني، تولده وتسيبهولي!
أومأت إلهام برأسها دون أن تتحدث، وتمنت لو استطاعت أخذه بين ذراعيها والبكاء.
ـ إلهام، اتصرفي بسرعة! سيلين لسا مكلماني وبتقولي اخواتها راحوا الفيلا وبيدوروا عليها وكأنهم شاكين في حاجة حصلت ليها.
خارت قوة مراد من شدة ضعفه، فأسرعت إلهام بإسناده صائحة:
ـ دكتور بسرعة، الجرح بينزف!
....
تحجرت عينا زينة ونظرت إلى صديقتها التي أتت للتو إليها واحتضنتها.
ـ بيكذبوا عليا، أبنه بيكذب صح؟ عشان لو كلامه كان صح كانت خالتو قالت لي!
شددت نيفين من احتضانها، فدفعتها زينة عنها وتساءلت:
ـ نيفين، أنتِ ليه ساكتة؟ قوليلي أنهم بيكذبوا عليا.
أطرقت نيفين رأسها، ثم انتفض جسدها من الفزع عندما اجتذبت زينة منها حقيبة يدها.
ـ زينة، أنتِ واخده التليفون ليه؟ زينة أبوس أيدك هاتي التليفون متكلميش حد!
صرخت زينة عليها وهي تحاول الأفلات من يديها.
ـ هكلم هشام، أنا حافظة رقمه كويس، أكيد هيرد!
لم تجد نيفين مفراً أمامها إلا تأكيد حقيقة موت هشام.
ـ والله العظيم مات، عمل حادثة ومات! عشان كده ولاده كانوا هنا، وطنط إلهام كلمتني أجيلك بسرعة لأنها كانت متأكدة إنك هتعرفي الخبر منهم.
وأردفت نيفين بأنفاس هادرة ونبرة صوت متحشرجة:
ـ ده ذنبك يا زينة، ذنبك!
سقط الهاتف من يد زينة، وبلسان ثقيل رددت:
ـ هشام مات؟ مات وتخلى عني؟! هو قالي إنه عايز البيبي وهيتجوزني... لا لا، هشام عايش وهنتجوز...
وأردفت بحلق جاف ونبرة صوت مهزوزة وهي تحتضن بطنها:
ـ بابا ممتش، هو لسا عايش ومش هيسيبنا لوحدينا!
ضغطت نيفين على شفتيها حتى لا تبكي على حال صديقتها التي أضاعت حياتها، وأصبحت تحمل في أحشائها طفلاً غير شرعي من رجل في عمر والدها، والأفظع أنه والد زوجة شقيقها.
ـ أنا هروحله، لازم نهرب سوا عشان طفلنا!
وانفلتت شهقة قوية من شفتيها عندما تخيلت ما سيحدث لها من والدها وشقيقها مراد بعد موت هشام:
ـ بابا ومراد هيقتلونا، أنا لازم أهرب!
اتسعت حدقتا نيفين بهلع وهي ترى زينة تندفع نحو باب الشقة حتى تهرب.
ـ ألحقينا يا روحية! كلمي طنط إلهام بسرعة.
خرجت الخادمة مهرولة من المطبخ وفي يدها عبوة بخاخ نثرته سريعاً عند أنف زينة، وعندها تمكنوا من إمساكها.
....
أرتجف جسد أشرقت عند دخول إلهام الغرفة، وأسرعت بإطباق يدها على الورقة التي أعطتها لها الطبيبة هناء والتي بالفعل أوشكت على المغادرة بعد أن قامت بمهامها كطبيبة.
ارتسم الحنق على وجه الطبيبة هناء عند رؤيتها لرئيسها بالقسم "الطبيب علاء" برفقة هذه المرأة.
ـ دكتورة هناء، في حالات تانية مستنية إشرافك.
هزت رأسها بوجه ممتعض واقتربت منه وتحدثت إليه بصوت خافت:
ـ مدام أشرقت متنفعش تخرج، ولا حتى نقدر نقولها على وفاة والدها...
بدتْ الحيرة على وجه الطبيب علاء، ثم نظر نحو إلهام وهز رأسه إليها.
لم يكن انتباه أشرقت معهم وكأنها في عالم آخر.
أشار الطبيب علاء إلى الطبيبة هناء حتى تغادر معه بعد أن حركت له إلهام عينيها.
ـ خلينا نتكلم بره يا دكتورة هناء ونسيب مدام إلهام مع مدام أشرقت.
أرادت الطبيبة هناء أن توجه حديثها إلى إلهام، لكن الطبيب علاء أسرع باجتذاب ذراعها والخروج بها من الغرفة.
زفرت إلهام أنفاسها على دفعات متتالية وصوبت نظرها نحو أشرقت.
ـ فين أختي يا عدنان يا هتيمي؟ ابنك عمل فيها إيه؟!
صدح صوت قصي عالياً، فانتفضت أشرقت من شرودها وهتفت بصوت مبحوح:
ـ قصي!
نظرت إلهام نحو باب الغرفة المغلق، فعليها فعل شيء سريع حتى تجعل أشرقت لا تتحدث عن أفعال مراد معها، وتمر الأمور بسلام إلى أن تغادر هي وزينة البلاد.
استجمعت إلهام شتاتها واتجهت نحو أشرقت سريعاً قائلة وهي تترقب انفتاح الباب في لحظة خاصة وأن الشجار بالخارج بدأ يشتد.
ـ والدك العزيز سيادة المستشار ضحك على زينة وتجوزها عرفي وحامل منه! كلمة هتنطقيها هتضيع قصادها عيلتك كلها، احفظي لسانك عشان السر يفضل محفوظ، وبلاش نشعل نار إحنا مش قدها...
انفتح الباب مع آخر كلمة تهديد نطقتها إلهام قبل اندفاع قصي داخل الغرفة، وقد تنقل بعينيه بين وقوف إلهام وبين ملامح وجه شقيقته الشاحب والفاقد للحياة.
ـ شد حيلك يا سيادة الرائد!
تمتمت بها إلهام حتى تداري ارتباكها، ثم أسرعت في مغادرة الغرفة وفي داخلها خوف قوي ألا تتبع أشرقت نصيحتها.
....
وقف عزيز مذهولاً لا يستوعب ما قالته له، وهو من ظن أنه عندما يعود إليها سيجدها تستقبله بوجهها البشوش وحضنها الدافئ ونظرة عينيها التي تفيضان بالحنان.
ـ مش مستوعب كلامي يا عزيز بيه صح؟ لأنك أكيد مش مصدق إن ليلى الطيبة متستقبلكش باللهفة والحب!
انطفأت لمعة الشوق من عيني عزيز وأصبحت ملامح وجهه خاوية من أي شعور.
اقتربت منه وأردفت بنبرة صوت خفيض أعادت الابتسامة لوجهه رغم لذاعة كلامه:
ـ يا ريت تكمل اهتمامك بالآخرين وعطفك الجميل على الكل، وأوعاك تفتكر ردة فعلي منك عشان موضوع الخلفة؛ لأني لأول مرة أعرف أن عندك ضيق أفق وغبي يا عزيز بيه!
ألقت حديثها بوجهه ثم مضت في طريقها نحو مسكن عمها.
ـ استني يا ليلى، هاجي معاكي عشان أطمن على عايدة.
استدارت نحوه ثم رمقته بنظرة حانقة وشفتين ملتويتين، وقد جَعَله الأمر يرغب بالضحك.
ـ هستحمل أي حاجة منك يا ليلى، المهم متبعديش عني!
همس كلامه في نفسه وسار وراءها بخطوات سريعة ووقف أمامها قبل دخولهم إلى عايدة.
ـ بلاش نزود هموم عايدة يا لولو، وأي غضب عايزه تطلعي عليا خليه وأحنا لوحدينا.
نظرت إليه بنظرة مستنكرة، فابتسم ابتسامة عريضة أظهرت نواجذه.
ـ وعلى فكرة، الراجل الغبي صاحب الأفق الضيق عايز يقولك وحشتي قوي، وأي حاجة تعمليها فيه هيحسها منك زي أكل الزبيب كده!
رفرفت بأهدابها ثم قوست شفتيها بامتعاض لما تسمعه منه، وفي لحظة خاطفة باغاتها باقتطاف قبلة من خدها المتورد!
أزاحت شهد بعنف ستار النافذة التي أبصرت من خلالها هذا المشهد.
....
تنهدت عايدة بأنفاس ثقيلة وهي تلهي نفسها بترتيب أغراض المطبخ.
ـ مرات عمي، مرات عمي، أنتِ فين؟
هتفت بها ليلى إلى أن وجدتها داخل المطبخ.
ـ أنتِ بتعملي إيه في المطبخ؟ مش إمبارح الدكتور قالك أرتاحي؟
ابتسمت عايدة وهي تربت على ذراع ليلى بحنو:
ـ شغل البيت بيلهيني يا ليلى، وأنا الحمد لله كويسة مادام سعيد أخويا بخير.
ردت ليلى سريعاً حتى تؤكد لها أنه بخير وحالته تتحسن.
ـ الدكاترة طمنوا عزيز عليه وحالته في تحسن، لكن لسا الزيارة له ممنوعة، أخرنا نبص عليه ونمشي علطول.. أه صحيح، عزيز بره عايز يطمن عليكي وعلى شهد.
قطبت عايدة جبينها وتساءلت بوهن:
ـ هو عزيز بيه رجع من السفر؟
أومأت ليلى برأسها وهي تحمل عنها ما تمسكه بيديها:
ـ أيوة لسا راجع وفات على المستشفى الأول.
أخفضت عايدة رأسها وهتفت برجاء:
ـ ليلى، أنا مش عايزه عزيز بيه يعرف حاجة، مش عايزاه يحس إن كل اللي عمله مع بنتي راح بالساهل!
وبصوت مخنوق من شدة حرقة فؤادها أردفت:
ـ بنتي خيبت أملنا كلنا، وبقت عايزه تعيش عيشة مش بتاعتنا.. أه يا حسرة قلبك يا عايدة!
دمعتا عينا ليلى وأسرعت باحتضانها:
ـ ليه رجعتي تعذبي نفسك بالكلام؟ الحمد لله ربنا فوقها بدري، وخداع سمية وصاحبتها ليها انكشف، وعم سعيد حالته مستقرة وفي تحسن.
ابتعدت عايدة عنها ومدت يديها تحتضن بهما وجه ليلى بحنان:
ـ غصب عني يا ليلى، بنتي كسرتني! بقى أنا بنتي تروح ديسكوهات وترقص في حضن الرجالة؟!
انعقد لسان ليلى عن الكلام فور تذكرها لتلك الصور التي رأتها بالأمس وقد أرسلت إلى هاتف زوجة عمها في نفس الساعة التي حدث فيها حادث العم سعيد.
ـ خلينا نخرج لعزيز بيه، أكيد جاي من السفر تعبان وعايز يرتاح.
....
تعجبت سمية عندما وجدت هارون يسير في حديقة الفيلا ويتحدث بالهاتف، وقد فعل هذا متعمداً.
اقتربت منه بخطوات هادئة وحذرة إلى أن رأته يصوب الهاتف نحو وجهه قائلاً:
ـ أكد لك أكثر من كده إيه يا بيسان؟ وبلاش قلقك الزيادة عليا!
امتعض وجه سمية وأنتظرت أن ينهي مكالمته.
افتر ثغر هارون بابتسامة خفيفة عند انتباهه على وجودها وأشار لها أن تقترب منه.
ـ تعالي يا حبيبتي، أكدّي لها إني بقيت بخير، وقولي لي إزاي أنتِ مهتمية بيا وخايفة عليا.
توترت سمية في بادئ الأمر والتقطت منه الهاتف وهتفت بصوتها الناعم:
ـ كده تقلقي على بابا وهو معايا يا بوسي؟ مع إني لحد النهاردة زعلانة منكم أنتوا الاتنين لأنكم خبيتوا عني ميعاد سفرك!
أنطلقت من شفتي بيسان زفرة طويلة، فهي حتى هذا اليوم ليست مقتنعة بقرار والدها.
ـ متقلقيش، أنا هقنع هارون أنك ترجعي تمسكي تاني الشغل هنا بدالنا، لأن خلاص عايزة أتفرغ له ونقضي الباقي من عمرنا سفر وفسح.. ولا إيه يا حبيبي؟
ابتسم هارون ثم أشاح وجهه عنها حتى لا تفضحه عيناه.
ـ أتمنى يا حياتي نعمل كده، وبفكر أمسك سيف كمان جزء من شغلنا.
احتلت الدهشة قسمات وجه سمية ومثلها كانت بيسان.
ـ هو أنا متردد شوية، بس بصراحة أنا لما راجعت نفسي لقيت إني عملت معاه قرارات صارمة.. لكن خذوا في علمكم أنا لسا بفكر.
ابتسمت بيسان وتمنت لو صدق والدها في كلامه وأعطى سيف فرصة، فهي رغم اقتناعها أن سيف لا يناسبها كحبيب وزوج، إلا إنها تعشقه بحماقة عقل مراهقة.
ـ حبيبي أنت يا هارون!
قالتها سمية وهي تقبل خديه، فأغلق هارون عينيه حتى يسيطر على مشاعره وألا يصرخ عالياً ويخبرها أنه أصبح يعلم عن كل قذارتها، وأن بعد أيام سيكون الحساب عسيراً ولن يرحمها.
ـ سلام يا بوسي دلوقتي، عشان بابا محتاج جلسة مساج أنا هعملها له بنفسي.
....
غادرت ليلى غرفة شهد بقلة حيلة بعد أن أخبرتها أنها لا تريد رؤية أحد.
ـ هكذب وأقول نايمة وأمري إلى الله.
تمتمت بها ليلى في خفوت وسارت نحو الصالة، لكن فجأة تيبست أقدامها عندما التقطت أذناها ما قالته زوجة عمها.
ـ عيشتي أنا وبنتي هنا مبقاش ليها لازمة.
انقبضت قسمات وجه عزيز وتساءل في ذهول:
ـ أنتِ بتقولي إيه يا عايدة؟.
خرجت تنهيدة خافتة من شفتي عايدة وواصلت كلامها:
ـ أنا عارفة إنك هتزعل من قراري، لكن ده كان لازم يحصل من وقت موت عزيز؛ هو كان سواقك يا عزيز بيه وأنا كنت بشتغل عندك، لكن الوضع خلاص أختلف، وبقى واجب علينا نخرج من البيت.
أصاب الوجوم وجه عزيز ثم هز ساقيه وقال:
ـ ليه أخدتي قرارك دلوقتي بالذات يا عايدة؟.
أشاحت عايدة بوجهها عنه ثم رأت ليلى واقفة وعلى ما يبدو أنها استمعت إلى حديثها:
ـ أنا واخده القرار من بعد موت عزيز، لكن كنت محتاجة وقت.
رفع عزيز رأسه ثم ضم حاجبيه واستدار برأسه جهة المكان الذي وجهت عايدة نظرها إليه.
ـ تعالي يا ليلى قولي رأيك في كلام عايدة.
ابتلعت ليلى ريقها وسارت إليهم، وفي عينيها نظرة حائرة من هذا القرار الذي اتخذته زوجة عمها في تلك الفترة العصيبة.
ضاق عزيز ذرعاً بصمتهن ونهض فجأة قائلاً بنبرة صارمة:
ـ لينا كلام تاني بعد ما يخف العم سعيد الأول، ولا أنتوا شايفين إن الكلام ده ينفع دلوقتي؟.
ألقى عزيز بكلامه ثم سار أمام نظراتهن وغادر.
ـ روحي ورا جوزك يا ليلى وبعدين نتكلم.
....
دفنت زينب وجهها في صدر صالح باكية بعدما فقدت قدرتها على تحمل رؤية انهيار أشرقت عند قبر والدها.
ـ خدني العربية يا صالح من فضلك.
احتضن صالح خصرها وتحركوا معاً غير منتبهين على أي شيء حولهم.
أبصر مراد تحرك زينب و صالح ، لكنه كان متخفياً ومبتعداً عن الأعين في تلك اللحظة.
وضعت إلهام يدها على كتف مراد قائلة:
ـ خلينا نمشي عشان جرحك ما يفتحش تاني، وكمان وجودك هيشعل النار ومش هتتحمل تشوفك.
امتد نظره مجدداً نحو أشرقت، ثم أزال النظارة عن عينيه وقال:
ـ خليكي جنبها، دخولك ليها قبل ما تعرف الخبر من إخواتها هداها وخلاها ما تتكلمش عن حاجة.
أخفت إلهام ابتسامتها الساخرة، فلولا ذلك التهديد الذي ساومتها عليه لكان الوضع لم يمر بهذا الهدوء.
نظرت نحو أشرقت وأفراد هذه العائلة ولم يرف لها جفن على ما خططت له، وفي نفسها قالت:
ـ أنت اللي اختارت نهايتك يا سيادة المستشار، ولو بنتك ما طاوعتنيش هتحصلك، ويا ريت لبنى هانم تعملها وتريحنا.
....
فاضت الدموع من عيني شهد بسخاء عندما شاهدت صور خطبة لميس وساهر.
ضربت موضع قلبها بقهر ثم اجتذبت خصلات شعرها وشعثتها، وقبل أن ينفلت من شفتيها صوت صراخها، وضعت الوسادة عند فمها وصرخت صرخة مكتومة.
ألقت بهاتفها وأخذت تسير في غرفتها بدون هوادة إلى أن برقت عيناها بنظرة حاقدة:
ـ سابني عشان أنا بنت سواق، لكن لميس هانم الكدابة المخادعة بنت سفير!.
...
التمعت عينا رغد سعادةً عند وقوفها أمام أحد اليخوت الرائعة التي يضمها مرسى سفن هذا المنتجع الذي قضت فيه أروع يوم منذ مجيئها إلى إيطاليا.
ـ تسمحيلي؟.
قالها ساري وهو يمد لها بيده حتى يساعدها في صعود اليخت.
تعثرت إحدى قدمي رغد عند صعودها، فأسرع ساري باحتضان خصرها وضمها إلى صدره.
تلاقت نظراتها معه وبدأت دقات قلبها تخفق سريعاً.
ـ أنتِ جميلة أوي يا رغد.
ابتلعت رغد ريقها بتوتر وأبتعدت عنه ونظرت حولها متسائلة بنبرة مهزوزة:
ـ هنتعشى هنا ونرجع علطول الفندق مش كده؟.
انفرجت شفتا ساري عن ابتسامة خبيثة لم تراها.
ـ أكيد يا فاتنة.
استدارت رغد بكامل جسدها نحوه وابتسمت بحرج، فأمام هذا الرجل تضيع جرأتها وتشعر وكأنها معراة ولا يسترها شيء.
....
دخلت ليلى غرفة شهد في قلق بعد أن هاتفْتها وطلبت منها المجيء إليها:
ـ في حاجة محتاجاها مني يا شهد؟ قوليلي عايزه تتكلمي في إيه، أنا هسمعك يا حبيبتي وإن شاء الله حياتنا هترجع زي الأول وأحسن كمان.
قطعت شهد كلامها قائلة:
ـ ليلى، أنا أخدت قرار في حاجة.
توجست ليلى في نفسها خيفةً وانتظرت أن تسمع ما قررته.
ـ سيف لازم يطلبني للجواز.
