رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والثلاثون
نظرة الذهول التي التمعت في أعين ليلى جعلت شهد تستشاط غضباً، وفي رأسها تردد نفس الصوت الذي صار مسيطراً عليها بشدة، خاصة بعد صدمتها في لميس وسمية.
"كلهم بيدوروا على مصلحتهم ويجوا عندك أنتِ يستغفلوكي، وكأنهم شايفين أنك متستحقيش الحياة اللي هما عايشنها؛ ما إزاي شهد بنت السواق والخدامة توصل وتكون حاجة!"
ـ سكتي ليه يا ليلى؟ نسيتي كلامك ليا إنك هتقفي جانبي وهتجبيلي حقي، ولا ساعة الجد الوعود بتتبخر؟!
تساءلت شهد بصوت خفيض ساخر وهي تعقد ساعديها، ثم أردفت وهي تشير نحو باب الغرفة:
ـ لو موقفتيش جانبي هخرج دلوقتي وأروح لأبيه عزيز وأحكيله عن اللي سيف حاول يعمله فيا، وكمان هحكيله إن سمية هانم لعبت عليا عشان ابنها!
وبنبرة أكثر حدة وأقرب للصراخ صاحت:
ـ سيف والست والدته هما السبب في كل حاجة بتحصل لينا!
اقتربت منها ليلى سريعاً وباغتتها بتكميم فمها:
ـ صوتك يا شهد! لمرات عمي تصحى من النوم على صوتنا! المرادي مش هتتحمل صدمتها فيكي وفي سيف!
حاولت شهد الإفلات من قبضتها:
ـ أنتِ وعدتيني تقفي جانبي.. أنا كل يوم بتأكد إن بابا مات ومعنديش حد، حتى ماما بقت بتكرهني، أنا بقيت لوحدي خلاص!
تقهقرت ليلى إلى الوراء وكادت أن تتعثر في خطواتها بعد أن دفعتها شهد عنها:
ـ أنا مش عايزه مساعدتك خلاص، ولا عايزه حاجة من حد!
اندفعت شهد نحو الفراش وتكوَّرت عليه باكية، أغلقت ليلى عينيها متنهدة بفتور ويأس:
ـ ضحكوا عليا وأنا صدقتهم، خلوني زيهم واحده رخيصة!
وبحرقة واصلت شهد كلامها الذي ارتجف معه قلب ليلى قهراً عليها:
ـ لميس كانت عايزاني أكون زيها.. قالتها ليا وهي بتضحك وشمتانا فيا!
تذكرت شهد ما حدث قبل أمس في منزل لميس، عندما وقفت لميس أمامها وهي تمسك يد ساهر وتنظر إليها بنظرة شامتة وقالت لها باستهزاء:
"كل واحد لازم يحلم على قده يا بنت السواق اللي كان فاكر نفسه بيه!"
انهارت شهد في بكاء مرير عندما اقتحمت تلك الكلمات رأسها، وأسرعت في وضع كلا يديها على شفتيها حتى لا تصدر شهقاتها صوتاً:
ـ ليه ضحكوا عليا؟ ليه خدعوني؟ أنا بكرهكم كلكم!
تدافقت الدموع في مقلتي ليلى تأثراً، وقد استطاعت شهد تحريك مشاعرها بكلامها.
ألقت شهد بالوسادة أرضاً، ثم نظرت حولها لتبحث عن هاتفها، وفور أن ألتقطته يدها رفعته وهتفت بصوت باكي:
ـ تعالي شوفي صورهم سوا! هما مبسوطين وأنا قاعدة ببكي على حياتي! أنا هموت نفسي عشان ترتاحوا مني كلكم!
انتفض قلب ليلى بوجل وأسرعت نحوها:
ـ أنتِ بتقولي إيه يا شهد؟! ليه وعلشان مين؟!
وضعت شهد الهاتف أمام أعين ليلى وفي عينيها توقد الحقد:
ـ شوفي عملوا فيا إيه! ضحكوا عليا وخلوني شبههم، وبعدين فازوا هما ببعض وأنا خسرت كل حاجة!
ضاقت حدقتا ليلى نحو الصورة التي تعكس بهجة لميس وذلك الشاب وهما يتبادلون خواتم الخطبة.
ـ يوم حادثة خالي لما شافنا سوا، كان واخدني يعرفني على جدته عشان تقنع والده إنه يوافق على جوازنا.
وأردفت بمرارة بعد أن انطلقت ضحكة هستيرية من شفتيها:
ـ جدته من والده طلعت متوفية يا ليلى! يعني كان بيكذب عليا وبيستدرجني، ولولا حادثة خالي كنت روحت معاه زي الهابلة!
انفلتت شهقة قوية من شفتي ليلى، وتمتمت بنبرة غاضبة:
ـ حسبي الله ونعم الوكيل فيه! يا رب ما يفرح في حياته أبداً!
ارتمت شهد في حضن ليلى تهتف بنحيب:
ـ سيف هو السبب يا ليلى، هو أول راجل يلمسني، وبعدين قالي إنك عندي زي نيرة...
وابتعدت عن ذراعي ليلى ثم طأطأت رأسها قائلة:
ـ أنا من يومها بقيت أشوف نفسي وحشة، وإن خلاص مبقتش البنت البريئة...
وبحرقة واصلت كلامها حتى تستميل ليلى أكثر إليها:
ـ بكره سيف هو كمان هيعيش حياته مع بيسان!
عقدت ليلى كلا حاجبيها، فالتوت شفتا شهد تهكماً:
ـ بيسان هي العروسة المناسبة للبشمهندس سيف، لكن شهد بنت السواق لأ!
وفجأة دفعتها شهد عنها :
ـ أبعدي عني يا ليلى، أنا خلاص عرفت نهايتي هتكون إزاي!
قفزت شهد من الفراش واتجهت نحو أحد أدراج خزانة ملابسها، ثم أخرجت شريطاً من الحبوب تحت أنظار ليلى التي وقفت مدهوشة من حالة ابنة عمها.
ـ أنا هريح ماما مني عشان تعرف ترفع راسها من تاني، وخالي لما يخرج بالسلامة ميكرهنيش، وسيف يبطل يبص ليا بصة الكره، وأبيه عزيز ونيرة يفضلوا يشوفوني شهد البريئة!
توسعت حدقتا ليلى فزعاً عندما اتبعت شهد كلامها بسحب أكبر عدد من الحبوب.
ـ شهد!
صرخت ليلى عالياً، صرخة جعلت عايدة تستيقظ من نومها العميق وتهرع إلى غرفة ابنتها.
احتضنت ليلى بذراعيها شهد في اللحظة التي انفتح فيها الباب ودخلت عايدة وفي عينيها نظرة ذعر.
....
التمعت أعين رغد باستمتاع وهي تتطلع إلى مقاطع الفيديو والصور التي التقطتها على الجزيرة:
ـ الصور والفيديوهات وقت ما أنشرها هتعمل ضجة حلوة، والكل هيسأل عن الجزيرة!
قالتها ثم رفعت رأسها ووجهت أنظارها نحو ساري الذي جلس مسترخياً على المقعد ويدخن سيجارته.
ارتبكت عندما وجدته محدقاً بها، فأسرعت بخفض رأسها والنظر إلى شاشة هاتفها وأردفت قائلة بتوتر:
ـ أنا هعمل للجزيرة دعاية!
ثم استكملت كلامها بمزاح حتى تخفي عن أعينه ارتباكها الواضح:
ـ أعمل حسابك يكون فيه تخفيض لمتابعيني، ويكون لهم بروجرام خاص ومميز!
تجلجلت ضحكات ساري التي شقت سكون الليل وتلاطم الأمواج الهادئ.
عبست رغد بشفتيها بتذمر وهي تجمع خصلات شعرها التي بدأت تضايقها بسبب الهواء، وتساءلت بحنق:
ـ أنت بتضحك على إيه؟!
ـ أنتِ لذيذة وممتعة أوي يا رغد.
لم يكن ساري رجل أعمال محنكاً فقط، بل كان أيضاً ماهراً في تفرس خلجات النفس، وأكثر شيء أصبح متأكداً منه هو أن رغد تحب المديح عن حسنها وتحدث برزانة:
ـ يا بنتي.. قد احمرّن خدودش! مالش تستحي هكذا؟!
انفرج ثغر رغد عندما خرج الكلام منه بلهجته الأم.
قهقه ساري مجدداً وقد ازداد استمتاعه معها، ثم عاد إلى تفرسها بأعين ثاقبة.
شعرت رغد بالحرج ثم أشاحت بوجهها عنه متسائلة:
ـ هو الأكل هيجهز أمتى لأني جعانة؟
....
جلست ليلى جوار عايدة، محتضنة كفوف يديها حتى تعطيها شعور الاطمئنان ، وفي داخلها كانت تحمد الله أنها استطاعت بأعجوبة إخفاء تلك الحبوب التي سقطت من يد شهد.
ـ يعني كانت بتفكر تاخد كل الحبوب من شريط الدواء! الحمد لله إن أكتر من نصه كان خلصان.
هذا ما ظنته عايدة، وسعت ليلى في إقناعها به حتى لا يزداد خوفها ، فيكفيها ما تعيشه.
اكتفت ليلى بهز رأسها، فهي حتى هذه اللحظة لا تستوعب الحالة التي وصلت إليها شهد.
ـ ليلى، أنتِ متأكدة إنها مأخدتش حاجة من الشريط؟!
هذا السؤال سألته زوجة عمها لمرات لا تذكر عددها، لكن هذه المرة اتبعت سؤالها وهي تحاول النهوض من الفراش:
ـ خلينا ناخدها المستشفى عشان نتأكد.. أنا قلبي مش مطمن!
أسرعت ليلى قائلة حتى لا تجعلها تنهض:
ـ يا مرات عمي، لو كانت أخدت حاجة من شريط الحبوب كنت أنا لوحدي أخدتها الطوارئ! أقعدي واطمني.
سالت دموع عايدة والتي أصبحت لا تجف، وقالت وهي تضرب على موضع قلبها:
ـ عايزه تحرق قلبي عليها! آه يا شهد، هونت عليكي يا بنتي؟!
أطبقت ليلى شفتيها حتى لا تبكي:
ـ قوليلي أعمل إيه يا ليلى؟! منهم لله ضحكوا على بنتي وكانوا عايزين يضيعوها.
رمقتها ليلى بنظرة مترددة ثم طأطأت رأسها حتى تخفي حيرتها عن عينيها:
ـ بلاش أنتِ بالذات تقسي عليها.. كلامك بيدمرها وبيخليها حاسة إن مفيش حد هيتقبلها! أنتِ أهم داعم يا مرات عمي.
ردت عايدة بنبرة حزينة:
ـ للأسف هي كسرتني يا ليلى، ومن حرقة قلبي على خيبتي في تربيتها بقول الكلام ده ليها!
وابتلعت عايدة ريقها بمرارة ثم واصلت كلامها:
ـ أنتِ شوفتي كام مرة اتخنقت مع سعيد بسببها، وكلامه في الآخر طلع صح! أنا كنت عامية وقولت بنتي استحالة تكسرني!
ضمتها ليلى بذراعيها لعلها تهون عليها:
ـ صدقيني بكره كل حاجة هتعدي، وشهد هتتعلم من غلطتها، لكن بلاش نجلدها بكلامنا ونظرتنا ليها.
ابتسمت عايدة من بين دموعها:
ـ أنتِ بنت حلال يا ليلى.. ربنا يسعدك يا بنتي ويجبر بخاطرك!
واستطردت عايدة قائلة وهي تدفعها برفق من أمامها:
ـ مش عايزه أشوفك عندنا غير الصبح.. يلا على الفيلا وخليكي جنب جوزك، هو برضه له حق عليكي وأكتر مننا كمان، وأنا ميرضنيش تخربي بيتك يا بنتي؛ لأني
ما زلت عندي أمل قوي إن حبكم هيرجع أقوى من الأول، لكن لازم تيجي في حياتنا اختبارات زي الريح القوية علشان تفوقنا ونتعلم.
خرجت تنهيدة طويلة وثقيلة من شفتي ليلى، فهي لأول مرة تشعر بحاجز نحو عزيز، لكنها مرغمة على عدم اتخاذ القرار الآن.
....
رفعت رغد عينيها عن طبق الطعام الشهي، ونظرت إلى ساري الذي لم يزحزح عينيه من عليها:
ـ أنت بتبصلي كده ليه؟! نظرتك بتوترني على فكرة!
افتر ثغر ساري ثم مضغ قطعة اللحم التي دسها بين شفتيه قائلاً بنبرة صوت رخيمة:
ـ من يرى حسناء في جمالك لا يزيح عينيه عنها يا فاتنتي.
تخضبت وجنتا رغد بحمرة خفيفة وعادت لتناول طعامها.
كانت أمسية رائعة، أمسية استطاع فيها ساري أن يجعلها تغير فكرتها عنه.
برقت عيناها بلمعة خفيفة بعد أن توقفت عن الضحك:
ـ أنت طلعت كمان كوميدي أوي يا مستر ساري!
توقف ساري عن الضحك ثم نهض من مكانه فجأة وقال:
ـ تذكرت مكالمة عمل هامة.. تناولي الطعام حتى نعود إلى الفندق.
اندهشت رغد من تغيره المفاجئ واستدارت برأسها ترمقه بنظرة حائرة.
....
حبست ليلى أنفاسها عند اقترابها من باب غرفة المكتب المفتوحة، وقد تركها عزيز مفتوحه عمداً حتى ينتبه على عودتها.
ضمت ما بين حاجبيها وهي تستمع إلى محادثته الهاتفية التي تخص العمل، ثم انفكت عقدة حاجبيها بعد تأكدها أن المتصل ليست نارفين التي كانت تحادثه قبل ذهابها إلى مسكن عمها.
استكملت خطوات سيرها متجهة نحو الدرج، وقد اندهش عزيز من عدم دخولها إليه بعد أن لمح خيالها بالقرب.
تنهد بفتور وأسرع في إنهاء مكالمة العمل حتى يصعد إليها.
جلست ليلى على الفراش بوهن ثم زفرت أنفاسها بتعب؛ فما عساها أن تفعل في أمر شهد؟ فهي بعد رؤيتها لأفعالها أصبحت متأكدة أنها تحتاج إلى علاج نفسي يعيدها إلى صوابها.
ـ ليلى!
انتفضت من شرودها بطريقة ملحوظة اجتذبت أنظار عزيز ثم نهضت من الفراش وسارت نحو غرفة الملابس الجانبية حتى تنتقي لنفسها ما ترتديه للنوم.
التقطها عزيز برفق من ذراعها ثم مرر يديه على خديها متسألاً:
ـ كنتي سرحانة في إيه وكأنك شايلة هم الدنيا كلها؟! قوليلي يا ليلى، هتخبي على عزيز حبيبك؟!
حدقت به بنظرة طويلة ثم داعبت شفتيها ابتسامة مستخفة:
ـ ما أنت عملت كده! كنت بتشوفني ببص ليك بضياع وأنا مش فاهمة حاجة، لأ، وكمان كنت بتزيد جفا وقسوة عليا!
وأردفت بنبرة صوت مقهورة بعد أن نفضت يديه عنها:
ـ جرب شعور التوهان يا عزيز.. جرب وذوق من نفس الكأس علشان تجرب شعوري وأنت سيبني كل ليلة لأفكاري وحيرتي لحد ما انطفيت!
اهتزت مقلتاه وانعقد لسانه عن الكلام، والسؤال الذي اقتحم رأسه هذه اللحظة: هل خسر ليلى حقاً؟
...
سرت رعشة عجيبة في أوردة رغد، وبعدها انطلقت الضحكات من شفتيها ونظرت إلى ساري الذي أعطاها ظهره وانشغل بتدخين سيجارته بذهن شارد:
ـ جسمك شبه أجسام عارضين الأزياء!
هتفت بها بأعين لامعة بعد أن طوقت خصره بذراعيها، ثم بدأت في تمرير يديها على عضلات بطنه.
لم يندهش ساري من فعلتها، فخلطة الأعشاب المركبة بعناية بدأ مفعولها، وقد منحها نفس الشيء الذي أرادت تجربته مع صالح، لكن الفرق أنه هو من يقوم بالدور الآن.
تحركت رغد ببطء إلى أن صارت في مواجهته وتساءلت بنبرة ناعمة ومغنجة:
ـ ليه أنت الليلة دي شبهه...؟
أظلمت أعين ساري عندما فهم عمن تتحدث.
ـ هو الجو حر كده ليه؟!
أردفت بها وهي تقف على أطراف أصابعها، ثم شرعت في مداعبة عنقه.
حاول إبعادها لأنه أدرك أنها لعبة سخيفة وحقيرة، وهو لم يعتاد على نَيْل النساء بتلك الطريقة؛ فمن يريد نيلها يشير إليها فقط وتأتي له طوع بنانه، وإذا أصبح الأمر صعباً يتزوجها بعقد عرفي وأحياناً رسمي بشروط يضعها هو.
ـ شفايفك غليظة أوي!
خرجت الكلمات منها بإغواء، ثم بعدها أخذت الخطوة التي أثارته.
ـ أنتِ كنتي عايزه تعملي معاه كده، صح؟!
تساءل بعد أن انتهت القبلة التي بادرت هي بها.
ثم صاح عليها:
ـ ردي!
أومأت برأسها وعلى شفتيها ابتسامة عريضة؛ ابتسامة أشعلت غضبه وجعلته يلتهمها كما يلتهم الأسد الجائع فريسته.
....
نظرت سماح إلى صغيريها بنظرة طويلة تحمل وجعاً، ثم مدت يدها ومررتها على خصلات شعر كل منهما:
ـ سامحوني، بهدلتكم معايا!
انسابت دموعها وهي تضع يديها على الفرشة البالية التي ينامون عليها، فالغرفة التي استأجرتها ليس بها إلا أغراض بدائية.
شعرت بتحرك أحد صغارها فأسرعت بمسح دموعها قبل أن يفتح عينيه، لكنه عاد للنوم سريعاً.
تمددت بجسدها جوارهما ثم وضعت يديها على بطنها وغمغمت بصوت مختنق لذلك الذي ينبض في رحمها:
ـ ليه عايز تيجي؟ ليه متمسك بالدنيا ، أنت مش شايف حياتنا؟
وتذكرت كلام الطبيبة لها اليوم في الوحدة الصحية عندما ذهبت للفحص:
"ما شاء الله، الحمل بقى مستقر يا مدام سماح وصحة البيبي كويسة."
...
في تمام الساعة الثانية عشرة ظهراً، دخلت إلهام إلى فيلا عدنان بوجه عابس، وفور أن علم بوجودها خرج من غرفة مكتبه وفتح لها ذراعيه مرحباً ثم احتضنها:
ـ الفيلا نورت يا إلهام!
ابتعدت عنه حانقة بعد أن التقطت عينيها وقوف إحدى الخادمات.
ـ عايزه أتكلم معاك يا عدنان في أمر مهم.
هز عدنان رأسه وقد بدأ يشعر بالريبة والفضول معاً.
أردفت إلهام وهي تدور بعينيها حولها:
ـ خلينا نتكلم في مكان محدش يعرف يتصنت علينا،
ما دام أنت اختارت يكون كلامنا هنا في الفيلا.
ضحك عدنان بصوت عالٍ بعد أن فهم مقصدها، وقال وهو يشير إلى غرفة مكتبه:
ـ متقلقيش، سيلين مسافرة لبنان، وأنا من أيام لسه مغير طقم الخدم والحراسة!
تنهدت إلهام بخفوت واتبعته في صمت إلى أن أغلق الباب.
ـ وحشتيني.
هتف بها عدنان بعد أن حاصرها بذراعيه، فأسرعت بالتملص منه قائلة:
ـ عدنان مش وقته! خليني في المهم عشان ميعاد طائرتي أنا وزينة بعد ساعات.
...
رفع عزيز عيناه عن أوراق العمل التي أمامه بعد أن استمع إلى ترحيب السيد "جابر" سكرتيره.
ابتسم سيف بتوتر بعدما تلاقت عيناه مع عيني عمه، وازداد توتره عندما تساءل عزيز بقلق عن سبب قدومه:
ـ سيف، فيه حاجة؟! شكلك ميطمنش، عم سعيد كويس؟!
أخفض سيف رأسه ثم ابتلع ريقه. اتجه عزيز إليه بوجه غادرت منه الدماء، وقال بحزم:
ـ بص في عيني يا سيف، لأن قلبي بيقولي فيه حاجة أنت وليلى مخبينها عني!
أشاح بوجهه عنه ثم أطبق أجفانه، وضاعت شجاعته، لكن عليه أن يستجمع شتات نفسه ويخبره بفعلته مع شهد قبل أن تفعل ليلى هذا ويسقط من نظر عمه إلى الأبد.
يتبع...
#رواية ظنها دمية بين أصابعه ❤️
اقتباس من الفصل القادم إن شاء الله وهعلن عن يوم نزوله على صفحة سحر الفيروز.
ـ مراد!
تجمدت ملامح وجه مراد عند وقوفه قرب سيارته، وقبل أن يتخذ حارسه ردة فعل ويتجه نحو زينب، أشار له مراد بالابتعاد.
اقتربت منه زينب تلك الخطوات الفاصلة بينهما، ثم أغلقت أجفانها وقالت بنبرة صوت متوسلة يتغلغلها الارتعاش:
ـ "محدش عنده حقيقة اليوم ده غيرك.. قولي هي عملت فيا إيه؟"
وانسابت دموعها وأردفت بنبرة صوت مرتعشة:
ـ "لما جيت تنقذني، لقيتني فين؟"
ورغماً عنها بدأت تجهش بالبكاء، فهي تخاف أن تسمع ما سعت قديماً زوجة أبيها أن تفعله.. أن تجعلها امرأة مدنسة بالخطيئة!
...
جحظت أعين سمية من الصدمة وسقط السلاح من يدها عند اقتحام الشرطة الفندق:
ـ اعتقلوها!
نظرت إلى جسد كمال الوزير المنبطح أرضاً، ثم وزعت أنظارها عليهم وصرخت:
ـ مقتلتهوش! مقتلتهوش!
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
تلاطمت الأمواج بقوة على جانبي اليخت المستقر عند مرساه، وقد بدأ هبوب الرياح يشتد منبئاً بطقس سيء اليوم رغم أن بداية الصباح كانت دافئة.
نظر الحارسان الواقفان على رصيف المرسى حولهما، ثم صوبا أنظارهما نحو اليخت وقد بدءا يضجران من وقوفهما هكذا منذ ساعات في انتظار مغادرة الضيفة الجميلة.
ـ لقد تبدل الطقس فجأة وعلينا المغادرة لوكا.
قالها الحارس دانتي وهو ينظر إلى صديقه الذي يقف جواره ثابت الحركة رغم اهتزاز جسده بسبب قوة الرياح التي هبت فجأة.
ـ الأوامر أن نظل واقفين إلى أن تغادر الضيفة.
رد مقتضب تحدث به الحارس لوكا دون أن يحرك عينيه عن ظهر اليخت.
تأفف دانتي من شدة ضيقه بعد أن أصبحت قوة الرياح لا تحتمل وقال:
ـ السيد ساري غادر منذ ساعات حتى طائرته بالتأكيد أقلعت، فإذا رحلنا من هنا لن يعلم بالأمر، وعندما تستيقظ تلك الجميلة ستغادر بالتأكيد.
وبتهكم واصل دانتي كلامه:
ـ على ما يبدو أن السيد ساري لم يتركها إلا عند حلّول الصباح.
امتعض وجه الواقف من ثرثرة زميله وتحرك أخيراً خطوتين ثم تنقل بعينيه في جميع أنحاء المرسى.
ـ لوكا، سوف أدخل أنا إلى اليخت وأرى لماذا تأخرت، ربما حدث لها أمر سيء.
كاد أن يتحرك دانتي، فأسرع لوكا بوضع يده أمامه وزجره بنظرة حازمة.
...
رفعت رغد رأسها المدفون بين ركبتيها بعد أن اجتذب انتباهها الغائب تأرجح اليخت بها.
أغلقت عينيها الذابلتين من أثر البكاء، ثم استجمعت قواها ونهضت من أرضية اليخت بجسد مترنح.
ـ سيدتي، سيدتي، هل تسمعيني؟
هتف بها الحارس لوكا بعد أن اضطر لصعود اليخت ورؤيتها.
استكمل الحارس لوكا كلامه بالإنجليزية لعلها لا تفهم اللغة الإيطالية المحلية.
ـ سيدتي؟ سأدخل الغرفة لو لم تعطيني ردّاً.
انتظر لثوانٍ محدودة، ثم دخل الغرفة على حرج وهو مطأطأ الرأس ظناً منه إنه سيجدها عارية.
سقطت فردة الحذاء من يد رغد بعد أن فقدت القدرة على ارتدائها.
أخرج الحارس لوكا سلاحه تزامناً مع رفع رأسه، ثم صوبه نحو الجهة التي التقطت أذناه منها الصوت.
لم تنظر رغد نحوه رغم سماعها ندائه وحركة قدميه، واكتفت بالتحديق إلى حذائها الذي لا تستطيع ارتدائه بسبب رعشة يديها.
ـ سيدتي، هل أنتِ بخير؟
لا رد أتى منها، ولا حتى التفتت بوجهها إليه ثم عادت تمد يدها في صمت نحو فردة الحذاء.
زفر الحارس لوكا أنفاسه بضيق، واكتفى بالصمت مثلها إلى أن تنتهي من ارتداء ذلك الحذاء.
خرجت زفرات الحارس لوكا في نفاذ صبر هذه المرة، ثم تحرك إليها وجثا على ركبتيه أمامها.
ـ اسمحي لي سيدتي، فأنتِ لستِ بحال جيد.
هزت رغد رأسها رافضة، ثم انكمشت على نفسها واحتضنت فردة الحذاء.
ـ سيدتي، العاصفة تشتد وعلينا الرحيل من هنا والعودة إلى الفندق، وأتوقع أن رحلتك ستؤجل للغد.
واستطرد قائلاً :
ـ السيد ساري أخبرنا أن نظل معك إلى أن تصعدي الطائرة.
ثم تابع حديثه حتى يلهيها إلى أن ينتهي من ربط الحذاء:
ـ أنا لم أُصعد إلى هنا إلا عندما وجدت أنا وزميلي دانتي أنك تأخرتي، فالسيد غادر روما منذ أكثر من سبع ساعات.
توجهت أنظار رغد نحوه، وقد خرج صوتها أخيراً في تساؤل:
ـ سافر؟
لم يفهمها لوكا بسبب تحدثها باللغة العربية، لكنه استنتج من دهشتها أن أمر مغادرة سيده لم تعلم به.
ـ انتهينا سيدتي.
قالها لوكا فور أن انتهى من ربط الحذاء لها، الذي كان عملاً شاقاً بالنسبة لرجل لا يواعد النساء.
نظرت رغد إلى قدميها، ثم رفعت رأسها إليه، فقال سريعاً وهو يتحرك أمام عينيها الشاردتين:
ـ رتبي هيئتك سريعاً، سأنتظرك بالخارج.
...
أغلق ساري الجهاز اللوحي بعد أن وصله للتو مقطع فيديو تظهر فيه رغد وهي تتجه مع حارسيه بخطوات بطيئة نحو السيارة.
ترك عقله يسترجع ما حدث من تجاوب حدث بينهما، وما كاد أن يفعله بها، لكن في اللحظة الأخيرة تراجع عن الأمر وسيطر على نفسه وعليها وانسحب هارباً من سحرها عليه.
ـ أنتِ من دفعتيني لأفعل ذلك معك حتى تستفيقي من غبائك وركضك وراء صالح الزيني.
تمتم بها ساري بوجه مكفهر، ثم وضع الجهاز اللوحي بإهمال جانبه على المقعد داخل السيارة المنطلقة نحو الفندق الذي تضمه إمارة دبي وسيقيم به.
....
هل يتراجع في قراره، أم يكون رجلاً هذه المرة ويتحمل نتيجة أفعاله ويخلص نفسه من خطايا تكبّله؟
ـ سيف!
صاح عزيز باسمه وقد بدأ صبره ينفذ منه، وأردف بنبرة جادة وكأنه يعطيه إشارة نحو نتيجة صمته:
ـ تفتكر أني مش هعرف في يوم إيه اللي مخبيه عني يا ابن أخويا؟
واتبع كلامه بجدية أشد بعد أن رمقه بنظرة ثاقبة خفق معها قلب سيف.
ـ ما فيش حاجة بتفضل مستخبية مهما طالت الأيام أو قصرت، لكن كنت أتمنى أني أعرفها منك أنت.
ابتلع سيف لعابه ثم تمتم بنبرة صوت مهزوزة وهو يخلل أصابعه في خصلات شعره:
ـ عمي أنا...
توتره الواضح جعل حاجبين عزيز يعقدان في توجّس، وقبل أن يتكلم عزيز ، اخترق صوت سيف مسامعه بكلمات لم يفهمها في البداية:
ـ أنا كنت هضيع شهد.
تجمدت قسمات وجه عزيز وتساءل:
ـ كنت هتضيع شهد إزاي؟
نظر سيف نحوه بنظرة تحمل الندم والأسف:
ـ كنت في ليلة راجع سكران.
أنتفض قلب عزيز بقوة هادرة وأشار إليه أن يستكمل كلامه.
ـ عمي، أنا ما كنتش ليلتها في وعي صدقني وكنت متقل في الشرب، أنا عارف إنك مصدوم فيا.
هز عزيز رأسه في حسرة وتركه يتحدث، فتابع سيف حديثه بلسان ثقيل:
ـ ليلتها لقيت شهد قدامي في الجراچ وقربت مني تساعدني، وبعدها معرفش إزاي لمستها.
أطبق عزيز على يديه بقوة متسألاً بصوت متهدج:
ـ لمستها إزاي؟
ثم استكمل تساؤله وهو يفترس بالنظر نحوه:
ـ مبقتش بنت؟
رد سيف سريعاً وهو يهز رأسه:
ـ لا يا عمي، ليلتها ربنا فوقني لأن لو كان ده حصل أنا...
انقطع الكلام عن لسان سيف عندما سقطت كف عزيز بقوة على وجهه.
ـ أنا عملت إيه في حياتي عشان كل يوم تثبت لي إن عمري ضاع هدر معاك يا ابن سمية!
انسابت دموع سيف في صمت، فدفعه عزيز من أمامه وصاح دون أن يهتم أن يسمع أحد من العمال صوته:
ـ ده جزاء تربية أهلها ليك، إزاي قدرت تضحك في وش العيلة الطيبة اللي ربيتك أنت وأختك!
وبصوت مخنوق واصل كلامه:
ـ عملتك دي من أمتى؟ اوعى تقولي إن حادثة العم سعيد كان وراها إنه عرف بعملتك!
أسرع سيف بالوقوف أمامه قائلاً:
ـ لا لا، الحادثة حصلت بسبب...
توقف سيف عن الاسترسال في الكلام ثم أشاح بوجهه، فألقى عزيز عليه نظرة ساخرة:
ـ حصلت بسبب إيه؟ ما تقول يا ابن أخويا ولا أقول لك خلي بقية التفاصيل اسمعها من شهد وليلى...
وعند إتيانه على ذكر كلتاهما، أسرع سيف في سرد كل شيء حدث منذ عمل شهد في شركة والدته دون علم عايدة والعم سعيد وتركها لجامعتها حتى تتبع نهج والدته إلى ذلك اليوم الذي رآها فيه العم سعيد عند الشركة.
حرك عزيز رأسه في عدم استيعاب لكل ما يسمعه، وقد تردد صوت سمية في أذنيه عندما أخبرته في آخر لقاء جمعهم إنها ستجعله يندم على مثاليته وظنه أنه سيحصد كل ما هو طيب لأنه أجاد وضع بذوره والاعتناء بها، لكن هيهات، لقد انتصرت سمية وخسر هو.
ـ سامحني يا عمي.
تمتم بها سيف بصوت منكسر ثم غمغم في نفسه:
"مقدرش أصارحك إني في يوم مشيت ورا سمية هانم وكنت عايز أهدملك حياتك مع ليلى."
ـ أسامحك!!!
قالها عزيز باستنكار ثم رفع يديه ووضعهما على رأسه وغمغم بقهر:
ـ كنت فاكرك سند لي يا ابن أخويا، كان عنده حق عم سعيد لما كان بيقول لي بتضيع عمرك هدر يا بني.
وفي هذه اللحظة تذكر ليلى، المرأة التي دخلت حياته لتعلمه معنى السلام، امرأة تحملت عقده وأعطته كل ما لديها بسخاء، وحتى في خصامها وهجرها له لا يجد منها إلا قسوة واهية.
وقف سيف أمامه وهتف بنبرة متوسلة:
ـ أنا مستعد لأي قرار وأي عقاب، لكن بلاش أشوف صدمتك فيا يا عمي.
خرجت ضحكة عزيز باستهزاء وربت على كتفيه:
ـ أنا بعلن انهزامي في تربيتك يا ابن أخويا، وصل رسالة لـ سمية إن الأرض ما طرحتش خير زي ما كنت فاكر.
....
قطب عدنان جبينه وهو ينظر إلى التقارير الطبية التي تشرح حالة إلهام، ثم تساءل بعد أن قذف بتلك الأوراق إليها:
ـ أنا مش فاهم حاجة، ما تقوليلي التقارير دي فيها إيه وبلاش قلق لأني على آخري.
أخفضت إلهام رأسها وهي تنظر نحو الأوراق التي صارت ملقاةً أرضاً:
ـ عدنان، أنا اكتشفت من فترة إني مريضة كانسر، علشان كده كنت بسعى إن أجوّز زينة ووافقتك على قرار جوازها في أسرع وقت، لكن....
انقبضت عضلات وجه عدنان وصاح عليها:
ـ لكن إيه! أنتِ هتنقطيني يا إلهام.
ـ لما قررت أبدأ علاج وأحارب المرض، اتقال لي إن خلاص المرض في المرحلة الأخيرة وشكلي كده هموت يا عدنان.
اقترب منها عدنان بهلع بعد أن ذكرت الموت ورفع وجهها إليه، وقد ساعد شحوبه هذه الأيام على إتقان الدور ببراعة:
ـ احنا هنشوف أشهر دكتور في العالم كله ونروح له، وبلاش نبرة اليأس دي ما بحبهاش.
ألقت إلهام بجسدها بين ذراعيه باكية:
ـ ما كنتش فاكرة إن المرض هيتنتشر بالسرعة دي، أنا ممكن أموت يا عدنان.
أحْتَدَتْ أعين عدنان وأبعدها عنه ثم قبض على فكها بقوة:
ـ أنتِ بتضحكي عليا يا إلهام صح؟ عايزة تتأكدي من حبي ليكي، عارفة لو بتكذبي أنا....
قطعت حديثه بقبلتها وتشبثها به، قبلة شعر فيها بملوحة دموعها ويأسها وصدق كلامها.
ـ أنا بحبك يا عدنان، لازم تسمعها مني يا حبيبي قبل ما أموت.
تهجدت أنفاس عدنان بعد أن ابتعد عنها، فأسرعت بإطباق شفتيها على شفتيه مرة أخرى.
ـ يمكن دي تكون آخر لحظة حلوة تجمعنا يا حبيبي.
وعدنان بين يديها كان كالطفل الصغير الذي أخيراً نال حلوته برضى محبوبته ، استمر تقاربهما الحميمي هذا لبعض الوقت، وسرعان ما أدرك عدنان مرارة ما تمنحه إياه؛ إنها تمنحه قبلة الوداع بالتأكيد.
تعجبت إلهام عندما دفعها بكل قوته ثم هتف بنبرة يائسة أدهشتها:
ـ جايّة تقولي لي بحبك دلوقتي يا إلهام! جايّة تديني الحاجة اللي كنت باخدها منك بالغصب! لا، مش هتموتي وتسبيني، أنا هخليهم يجهزوا الطيارة ونسافر سوا لأفضل بلد بتعالج حالتك.
قالها ثم أسرع نحو طاولة مكتبه حتى يلتقط هاتفه ويعطي الأمر لرجاله.
سيطرت إلهام على ذهولها سريعاً وأسرعت في أخذ الهاتف منه قائلة بضعف أصبح سلاحاً لها:
ـ عدنان حبيبي، سيبني الأول أسافر أنا وزينة لأني محتاجة أجمع معاها ذكريات حلوة قبل ما أمشي من الدنيا...
أسرع عدنان بضم وجهها بين راحتي كفيه متمتماً بصوت متحشرج:
ـ هتتعالجي يا إلهام وهنعلن جوازنا يا حبيبتي.
ابتسمت إلهام من بين دموعها واحتضنت هي الأخرى وجهه بين راحتي كفيها:
ـ ما فيش أمل يا عدنان، خليني أجمع بس ذكريات حلوة معاكم خصوصاً مع زينة، أنت عارف أنا روحي متعلقة بيها إزاي.
وأمام ضعفها وإظهار مشاعرها له، خضع عدنان:
ـ هسافر معاكم، هنروح سويسرا.
ابتلعت إلهام ريقها وهزت رأسها بالموافقة:
ـ تمام يا حبيبي.
...
سار سيف بالطريق شارداً ومتهدل الكتفين بعد أن جرّده عزيز من كل الرفاهيات التي نالها دون تعب، وجعلته شخصاً غير مسؤول ولا يعرف قيمة النعم التي لديه.
توقف عن السير ثم جلس على الرصيف باكياً بحرقة، وصوت عزيز يتردد صداه في أذنيه:
"هتشتغل عندي زي أي عامل، ليك مرتبك وبس، لا في عربية ولا في فلوس هتتحط في حسابك تاني، وخليك ساكن في البيت اللي أنت عايش فيه، وأي مكان أكون فيه تمشي منه."
ثم ألقى عليه بالقرار الذي لا يعرف كيف سينفذه وهو لا يرى شهد إلا شقيقة له:
"غلطتك مش هتتصلح إلا لما تتجوز شهد، وخلي سمية هانم تفرح وتوقف أحلامها وطموحاتها عليك مع بنت هارون."
اجتذب وضعه وهيئته أعين المارة، وقد وقف البعض يرمقونه بنظرة حائرة ومشفقة، والقليل منهم وضع يده على كتفه مربتاً عليه.
ـ وحد الله يا بني، الدنيا مش مستاهلة حاجة كله رايح.
قالها له رجل يظهر عليه كبر السن ويفترش فرشَة على بعد قريب منه، وقد اقترب منه حتى يواسيه.
التقط سيف أنفاسه ثم مسح دموعه ونظر إليه.
ـ والله ما مستهلة حاجة وأنت شاب صغير تقدر تقوم من تاني.
ثم أردف بحسرة:
ـ البكا على اللي راح ما بيعملش حاجة يا بني، ياريت كان اتقال لي ده من زمان ما كانش الحال وصل بيا لهنا.
حدق به سيف، فابتسم الرجل متسائلاً:
ـ اسم الكريم إيه!!
....
أرتسمت الدهشة على وجه المعزين عندما استمعوا إلى همس رحاب شقيقة هشام إلى تلك السيدة التي جلست بينهن وقد سمحت لها أشرقت برؤيتها.
ـ ما تقدر بقية الناس وتخرج تستقبل العزا.
قالتها إحداهن، فتمتمت الأخرى:
ـ شكلها من قرايب جوزها.
لوت الأخرى شفتيها ونظرت حولها:
ـ بيقولوا بينهم خلافات، وأبوها قبل ما يموت كان هيطلقها منه.
واتبعت حديثها وهي تنظر نحو سما ويسرا باستنكار:
ـ شكل جوازة أخوها من بنت يسرا جابتهم الأرض، ربنا يشفيكي يا لبنى وتقومي منها.
...
دخلت إلهام غرفة أشرقت تتبعها رحاب التي تشعر بالدهشة من تقبل ابنة شقيقها لرؤية هذه المرأة رغم أن علاقتهم مع تلك العائلة ستنقطع بالطلاق عن قريب.
رفعت أشرقت عيناها عن صورة تجمعها بوالدها وقالت بصوت ضعيف:
ـ معلش يا عمتو، ممكن تسمحي لينا نكون لوحدنا.
تلاقت عين إلهام بأشرقت، فتنهدت رحاب قائلة بفتور:
ـ أنا هكون قريبة من الأوضة.
عقدت إلهام حاجبيها باستياء ثم التفتت نحو رحاب قائلة:
ـ متقلقيش عليها معايا يا رحاب هانم.
تطلعت إليها رحاب بضعة ثوانٍ ثم انسحبت من الغرفة وأغلقت الباب.
أخذت إلهام نفساً عميقاً، فتساءلت أشرقت بصوت متعب لكنه يحمل اللهفة نحو حقيقة تمنت سماعها:
ـ أنتِ كنتي بتكذبي عليا؟
افتر ثغر إلهام عن ابتسامة مستخفة واستدارت إليها ثم سارت نحوها وردت على اتهامها لها بالكذب:
ـ أنا مش هتكلم، هخلي المكالمة دي تتكلم بدالي.
ضاقت حدقتا أشرقت في ترقب، فوضعت إلهام أمامها الهاتف بعد أن فتحت المكالمة المسجلة.
فاضت الدموع بغزارة على وجنتي أشرقت عندما اخترق أذنيها صوت والدها وهو يخبر زينة أنه سيتزوجها ويعترف بالطفل لكن عليها إعطاء بعض الوقت.
وضعت أشرقت يدها على شفتيها ثم أخذت تهز رأسها رافضة ما سمعت.
ـ لا، استحالة بابا يعمل كده ويخون ماما.
تجهم وجه إلهام وأجابتها بصوت حرصت على أن يكون هادئاً:
ـ تفتكري من مصلحتي إن يكون ده حصل؟ أنا كنت أتمنى يكون كذب، سيادة المستشار دمر بنت أختي، وياريت قادرة أنزل الطفل وأخلصها منه.
وأردفت إلهام بنبرة غاضبة وخافتة حتى لا يسمع أحد حديثهن:
ـ لو الطفل نزل ممكن تتحرم من أمومتها طول العمر، وده كله ليه؟ عشان راجل عينه فارغة زي والدك.
لم تتحمل أشرقت سماع هذا عن والدها، فالتقطت ذلك الهاتف وقذفته أرضاً.
ـ أخرسي، متتكلميش عن بابا كده، أنا هفضحكم كلكم.
شعرت إلهام بالخطر عندما وجدت أشرقت تثور عليها، فأسرعت بتكميم فمها:
ـ أشرقت، أنا دلوقتي مش عدوتك، أنا جاية أبلغك إني هاخد زينة وأسافر عشان تولد بره.
حاولت أشرقت التملص منها، لكن بسبب وهن جسدها استطاعت إلهام السيطرة عليها.
ـ اسمعيني كويس يا أشرقت، طفلك من مراد هو اللي هينقذ أخوكِ أو أختك من زينة، لو عايزاه يموت افضحي سرنا، مع أني أكيد في يوم هيتعرف السر لأن الدفاتر القديمة مسيرها في يوم تتفتح.
ارتعشت أجفان أشرقت وهدأ تنفسُها ، فسحبت إلهام يدها عن فمها سريعاً بعد أن شعرت بعدم قدرتها على التنفس.
خرجت شهقات قصيرة ومتقطعة من شفتي أشرقت، وحاولت التقاط أنفاسها.
ـ حافظي على حياة طفلك من مراد عشان حياة عيلتك...
وأتبعت إلهام حديثها:
ـ لما لبنى هانم تقوم بالسلامة هتأكد ليكي خيانة والدك لو لسا مش مصدقاني.
انتهت إلهام من مهمتها قبل سفرها واتجهت نحو الهاتف الملقى أرضاً حتى تلتقطه، ثم وضعته في حقيبتها ونظرت نحو أشرقت قبل أن تغادر:
ـ أنا مش بساومك يا أشرقت، أنا بحافظ على حياة بنت أختي اللي والدك سيادة المستشار المبجل ضيعها.
...
لم تصدق ليلى أن عزيز أتى إليها في الوقت المحدد الذي اتفق فيه معها على اصطحابها لتأدية واجب العزاء لعائلة اللواء نائل.
استقلت ليلى السيارة جواره، ثم انطلق بها دون أن ينطق بشيء، وهي فعلت مثله، لكن الأمر أثار دهشتها في طريق عودتهما؛ فصمته أصبح عجيباً بالنسبة إليها، خاصة أنه يحاول إصلاح الأمور بينهما، وفي الصباح حاول معها كثيراً حتى تتحدث معه وأيضاً لاطفها ببعض الكلمات والمداعبات التي جعلتها للحظات ساهمة ومتخضبة الوجه من شدة خجلها.
تنهدت ليلى تنهيدة طويلة ثم نظرت إلى الرسالة المرسلة التي أعلن هاتفها عن وصولها ولم تجد أمامها إلا عدم الرد على رسالة بسام الآن، والتي كانت تنص على أنه وجد لها مكاناً تستطيع استئجاره والعمل فيه هي والسيدة أميمة التي سيُعرفها عليها عندما يتقابلان، وهو على يقين تام أنها تعرفها لكنها لا تتذكرها.
أعلن هاتفها عن وصول رسالة أخرى، وهذه المرة يخبرها أنهم بحاجة إلى دعم زوجها "السيد عزيز" حتى يعطيهم من تلك الأقمشة التي لا يستوردها سوى مصنع الملابس الذي يملكه.
ألقت الهاتف داخل حقيبة يدها بضيق، ثم تأففت بصوت مسموع، جذب هذه المرة ذهن عزيز الشارد في مصيبة ابن شقيقه وقرار تزويجه من شهد.
توقف عزيز بالسيارة قرب حدود الفيلا، وقبل أن تتساءل عن سبب توقفه المفاجئ، وجدته يمد يده إليها قائلاً بنبرة صارمة:
ـ هاتي التليفون بتاعك يا ليلى.
...
استندت زينب برأسها على كتف سما التي أخذت تربت على ذراعها برفق، وكأنها تواسي نفسها وتواسيها هكذا.
ـ سما، قومي معايا.
قالتها يسرا وهي تسحبها من جوار زينب التي كانت شاردة في عالمها المظلم وصوت تلك المرأة التي أعادت لها ذكريات قاسية.
ـ في إيه لا ماما، مالك بتسحبيني كده ليه؟
نظرت يسرا نحو القليل من النساء الجالسات ثم همست لها:
ـ جوزك اتخانق مع جوز أخته وجاي مناخيره بتنزف دم وشكله متبهدل، اخلصي بقى تعالي معايا.
أزاحت سما يدها عنها واستدارت نحو زينب قائلة بصوت خافت:
ـ زوزو، ما تيجي معايا عشان نهدي قصي ونفهم سبب خناقته تحت، أنا مش عارفة عمي الله يرحمه كان فين عقله وهو بيناسب الناس دي!
نظرت إليه وتساءلت بحلق جاف:
ـ هو مراد جه العزا تحت؟
زفرت سما أنفاسها حانقة، وقد تولت يسرا أمر الرد:
ـ جه واتخانق هو وقصي والعيلة لمت الدور بسرعة عشان الفضايح.
ثم أردفت يسرا بضيق وهي تجتذب سما وراءها:
ـ اخلصي بقى.
سارت سما أمام أعين زينب التي أخذت تردد قبل أن تنهض:
ـ الحقيقة عنده هو، لازم أعرفها منه.
...
خفق قلب الخادمة شادية بوجل وارتعشت يديها وهي تلتقط علبة الدواء التي تعطيها إليها سمية:
ـ طول مدة سفري، تحطي حباية في عصير هارون بيه قبل ما ينام، مفهوم؟
أومأت شادية برأسها، فابتسمت سمية وربتت على خدها:
ـ عيوني مراقباكي يا شادية، خدي بالك وما فضلش ليكي معايا غير فرصة واحدة.
....
خرجت أنفاس زينب بلهاث بعد أن توقفت عن ركضها في جميع الاتجاهات التي يدخل منها المعزين، وقد تسلل اليأس منها واعتقدت أنه غادر، لكن عيناها برقت فجأة عندما لفت انتباهها مغادرة سيارة والده "عدنان".
دارت بعينيها بالمكان وهي ما زالت تتوارى وراء إحدى السيارات، وسرعان ما انتبهت على مغادرته من سرداق العزاء.
ترقبت سيره نحو سيارته المصطفة على بعد، وقد أتبعه أحد الرجال.
ـ مراد!
تجمدت ملامح وجه مراد عند سماع صوتها، وقبل أن يتخذ حارسه ردة فعل سريعة ويتجه نحوها، أشار إليه بالابتعاد.
اقتربت منه زينب تلك الخطوات الفاصلة بينهما، ثم أسدلت أهدابها وقالت بنبرة صوت متوسلة يتغلغلها الارتعاش:
ـ محدش عنده حقيقة اليوم ده غيرك.. قولي هي عملت فيا إيه؟
وانسابت دموعها وأردفت بنبرة صوت مختنقة:
ـ لما جيت تنقذني، لقيتني فين؟"
ورغماً عنها بدأت تجهش بالبكاء، فهي تخاف أن تسمع ما سعت قديماً زوجة أبيها أن تفعله.. أن تجعلها امرأة مدنسة بالخطيئة!
