رواية لولا الغرام الفصل الرابع عشر 14 بقلم روز امين


 رواية لولا الغرام الفصل الرابع عشر 

«بسم الله لا قوة إلا بالله»
«لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.» 


«أكتبُ إليك لا التماسًا لعطفٍ، بل بحثًا عن إجابةٍ لعلامة استفهامٍ تكاد تفتك بصدري، لقد تركتني في حيرةٍ تنهشُ عقلي وقلبي، أُقلبُ دفاتر الماضي، أُراجعُ كل الكلماتِ، وأستحضرُ مواقفي، ثم أتساءلُ بذهولٍ، على أي ذنبٍ أُعاقب؟ وأي خطيئةٍ ارتكبتُ ليكون جزائي بكل هذه القسوةِ؟
لقد ظلمتني ، والأشد إيلاماً من وجع الظلم ذاته، هو أنني أُجلد اليوم بسياط صمتك دون أن أعرف ما هي جريمتي، أبكي ليس لأن الظلم نال مني، بل لأن السهم جاء منكَ أنتَ، أنتَ الذي كنت أهرب من العالم لألوذ بأمانه، صرت الخوف الذي يلاحقني، والوجع المقيم في أعماقي.» 
«دليلة صادق بدران» 
بقلمي «روز أمين» 
_______*________

رشقها بنظرة نارية وبصوت يقطر غضبًا سألها:
-كنتي بتعملي إيه مع أشرف ابن عمتك فوق لوحدكم؟!
ابتلعت ريقها بخوف، وأجابت بصوتٍ ينتفض ارتعاشًا بفضل هيأته المخيفة:
-أنا كنت بنشر الغسيل وهو اللي طلع ورايا...بالكاد أنهت جملتها لتُصاب بصاعقةٍ هزت جسدها بالكامل عندما نزلت تلك الصفعة القوية التي استقرت على وجنتها، اتسعت عيناها بذهولٍ وهي تتطلع بعتابٍ إلى والدها، وقد شل عدم الاستيعاب حركتها، فتلك هي المرة الأولى التي يعنفها فيها والدها جسديًا، لم يكتفي بصفعها فحسب، بل اندفع نحوها كثورٍ هائج وقبض على رسغها بقوة، وراح يهزها بعنفٍ مدفوعاً بذعرٍ شديد على فلذة كبده البريئة حد السذاجة:
-ولما لقيتيه طلع وراكي ليه منزلتيش في نفس اللحظة؟!

شهقت بقوة وانهمرت دموعها الساخنة لتحرق وجنتيها، أمام هذا المشهد القاسي، هرولت "منى" بخطى سريعة نحو صغيرتها، حاولت بكل ما أوتيت من قوة تخليص الفتاة من بين قبضتيه، ثم قالت بأعين تنطقُ رجاءًا:
-اهدى يا صادق مش كده، ما حصلش حاجة لكل ده. 

هتف بصوتٍ رعدي وعصبية مفرطة، نتيجة هلعه المبالغ فيه على صغيرته،فراح يفرغ غضبه بتلك المسكينة قائلاً باستنكار:
-وأنتِ عاوزاني أستنى لما يحصل حاجة يا منى؟!

ثم التفت نحو دليلة وأكمل بغضبٍ عارم أعمى بصيرته:
-ولد في عز شبابه، وبنت مراهقة عندها ١٥ سنة، يبقوا في مكان لوحدهم ليه؟!

من بين شهقاتها المتتالية وصوتها المتقطع من شدة البكاء، حاولت الدفاع عن براءتها:
-والله يا بابا ما عملت حاجة غلط، أنا كنت بنشر الغسيل وهو طلع، وأنا كملت النشير ونزلت على طول من غير ما أنطق بكلمة واحدة.

صاح بحدة وجسده ينتفض بالكامل من فرط غيرته الخانقة على الصغيرة:
-يتحرق الغسيل، كنتي سبتيه بطبقه ونزلتي، ولما البيه ينزل كنتي طلعتي كملتي
وأشار بحدة أبلغ:
- ولا كان عنه ما اتنشر أصلاً

ترجته منى بنبرة خافتة، وهي تحثه على التريث والهدوء:
-اهدى يا صادق ووطي صوتك لاخواتك يسمعوك.

واسترسلت بنظراتٍ عاتبةً محاولةً السيطرة على الموقف:
- يقولوا علينا إيه بس؟!

رمقها بنظرة حارقة أخرست لسانها، فابتلعت باقي كلماتها مرغمة، انطلقت من صدر الفتاة شهقة حزينة يئن لها الحجر، وبرغم هذا لم يتراجع صادق،بل تمادى، إذ أشار إليها بسبابته مهددًا:
-قسمًا بالله الموضوع ده لو اتكرر، لهوريكِ وش لصادق بدران، عمرك ما شفتيه يا دليلة. 

ثم نهرها بوجهٍ مكفهر وعينين متسعتين:
-فاهمة ولا لأ؟!

أومأت برأسها عدة هزات متتالية وسريعة، ونطقت من بين دموعها التي تقطع نياط القلب،والهلعُ يقفز من مقلتيها:
-فاهمة،والله فاهمة.

رمقها بنظرة أخيرة قبل أن يشيح بوجهه نحو زوجته، ليمطرها بحديثٍ يفيض عتبًا وقسوةً: 
-اقعدي مع بنتك يا مدام وفهميها إنها كبرت، وإيه اللي يصح وإيه اللي ما يصحش. 

نطق بكلماته الحادة تحت نظرات "منى"المنكسرة، فقد كان أسلوبه الفج غريبًا على مسامعها، وتجربة مريرة تشهدها منه للمرة الأولى، فهي لم تعهد منه سوى اللين وحُسن الأخلاق طوال سنوات زواجهما،والآن تراهُ شخصًا غريبًا عنها. 

استدار بحدة ليفتح الباب مغادراً، وقبل أن تخطو قدماه عتبة الغرفة، تجمد في مكانه حين وجد شقيقته الكبرى "فاطمة" واقفة أمامه مباشرة، فقد حضرت بعدما تملك منها القلق، لترى ما الذي أشعل ثورة شقيقها إلى هذا الحد، وبدا من نظراتها المذهولةِ أنها استمعت إلى جزء ليس بالقليل من حديثه الثائر.

دفعته بكفها على صدره برفقٍ حازم، لتحثه على التراجع للداخل، فتراجع خطوة إلى الخلف مرغماً، ولجت هي الأخرى وأغلقت الباب خلفها بعزم، ثم هتفت بنبرة حادة ، امتزجت فيها حرارة الصدمة بمرارة العتاب:
-إيه اللي أنا سمعته وأنا برة ده يا صادق؟! معقولة تشك في أخلاق أشرف؟!

ثم تابعت والصدمة مازالت تحتل ملامح وجهها:
-أشرف اللي لو لقى دليلة عريانة هيغطيها يا صادق؟!

برغم الحب الجارف والاحترام العظيم الذي يكنه في صدره لشقيقته الغالية، إلا أنه نحى احترامه جانباً هذه المرة، وتحدث بحدة سيطرت عليه وهو يوضح لها: 
-أنا ما قصدتش ابنك بالاسم يا فيفي، أنا أب، ومن حقي أخاف على بنتي من أي حد مهما كان هو مين. 

نقلت بصرها نحو الفتاة فوجدتها منهارة، يخترق صوت شهقاتها القلوب، فتحركت نحوها بخطوات سريعة وسحبتها برفق من بين أحضان والدتها، وما إن رفعت وجه الفتاة حتى صعقت مما رأت، كانت أصابعه الغليظة قد تركت علامات التهاب واضحة فوق وجنة تلك الرقيقة، وتصبغت بشرتها البيضاء باللون الأحمر القاني. 

صاحت بحدة ونظراتٍ غاضبة تكاد تفتك به: 
-يا نهارك أسود، هي حصلت تمد إيدك على البنت كمان؟!
تنهد بألم مكظوم وصدمة أدمت قلبه وهو يرى آثار صفعته الحادة تنطق بقسوته، بينما استرسلت شقيقته وهي تهز رأسها بذهولٍ:
-لا، ده أنت شكلك اتجننت رسمي. 

جذبت الصغيرة من جديد واحتضنتها بقوة داخل صدرها،لتتزايد شهقات دليلة وارتفعت بنحيب مزق قلب الجميع، مما أشعل غضب "فاطمة" أكثر، فهتفت متوعدة بنبرة قاطعة:
-طب والله إيدك ما تتمد عليها تاني، لا أنت أخويا ولا أعرفك، أنا بقول لك أهو. 

احتدت ملامحه بقسوة، وتحدث بعصبية مفرطة محاولاً فرض سيطرته كأب:
-من فضلك يا أبلة، بلاش تدخلي اللي بينا في علاقتي ببنتي.
وتابع موضحًا بصرامة: 
-أنا من حقي أربي بنتي بالطريقة اللي أنا شايفها صح، واللي تحافظ عليها. 

صاحت لائمة بحدة ونظراتٍ متوعدة:
-ده لما تكون بنتك قليلة الأدب. 

ثم خفضت نبرتها قليلاً وهي تتلمس خصلات شعر الفتاة بحنوٍ إخترق قلبها:
-لكن دي الله أكبر عليها، ما فيش مخلوق في البلد كلها شافها إلا أما شكر في تربيتها وأخلاقها، وقالوا صادق ابن الحاج بدران عرف يربي بصحيح، تقوم انتَ تعمل فيها كده؟!

تطلع إلى ابنته وإلى ملامحها المكسورة، وألجمت الكلمات لسانه فلم يستطع نطق حرف واحد يبرر به قسوته، تحرك بحدة نحو الباب وصفقه خلفه بقوة هائلة أرعدت جدران الغرفة.

أبعدت الفتاة وهرولت خلف شقيقها على الفور للحاق به ومحاولة تهدئة روعه، بينما التفتت الفتاة بجسد يرتجف نحو والدتها، ونطقت بنبرات متقطعة، وعينين زائغتين من فرط رعبها وهلعها مما جرى:
-والله العظيم يا ماما ما عملت حاجة غلط.

اقبلت "منى" نحوها وأجابتها بنبرة باكية وقلبٍ يتمزق لأجلها:
-عارفة يا حبيبتي، اهدي يا قلبي، اهدي.

ثم سحبتها لتسكنها بين أحضانها، وباتت تربت على ظهرها بحنانٍ جارف، علّها تطفئ النيران المشتعلة في جسد صغيرتها الخائفة.

______*______

غلبت الصدمة على ملامح عايدة فور رؤيتها لصادق وهو يمسك بالفتاة بعنفٍ مفرط، يجرها خلفه بقسوة قبل أن يغلق الباب، تملكها الرعب، لكنها لملمت شتات نفسها وأسرعت بخطوات متخبطة لتنظر إلى أشرف، الذي كان واقفاً في مكانه كالصنم، تائهًا من هول ما رأت عيناه.

أرسلت إليه بإشاراتٍ من عينيها أن يتبعها إلى الحديقة ثم اندفعت نحو الخارج، لحق بها وعلامات الهلع والصدمة تكسوان وجهه، وما إن اقترب منها، حتى استدارت إليه وعيناها تشتعلان حدة وغضبًا، وهمست بصوتٍ مكظومًا من وطأة الانفعال:
-إنتَ إيه اللي عملته ده يا منيل؟!

كان التوتر ينهشُ صدره، ويعتصر قلبه خوفاً على "دليلة"، يشعر بعجز تام يشلُ تفكيره عن التصرف الصحيح،ولا يعرف ما الذي يجب عليه أن يفعله بتلك اللحظة، أجابها بنبرة حادة ملقيًا عليها كامل اللوم:
-ما عملتش غير اللي قلتي لي عليه، مش أنتِ اللي قلتي لازم أعرف رأيها قبل ما ترجع القاهرة؟!

اتسعت عيناها بذهول صاعق، اقتربت منه خطوة لتهمس بهسيسٍ وهي تعنفه بحدة:
-تقوم تطلع لها فوق السطوح يا أذكى اخواتك؟!

ثم تراجعت خطوة، والهلع يغزو نظراتها وهي تلتفت حولها خوفًا من القادم:
-ربنا يستر وخالك ما يجيش يبهدلك أنت كمان. 

ارتجف جسده ارتباكاً، وبدت الحيرة واضحة جلية على تقاسيم وجهه، لكن مشاعره جرفته نحو حبيبته، فقال بنبرة حاسمة نابعة من خوفه عليها:
-مش مهم أنا يا خالتي، المهم دليلة، أنا لازم أبرأها قدام خالي وأقول له الحقيقة واللي يحصل يحصل.

تبدلت ملامحها فوراً إلى الصرامة، ورفعت إصبعها تحذره بلهجة حازمة:
-إياك يا أشرف، إوعى تجيب له سيرة الموضوع ده نهائي.
أخذت نفسًا عميقًا ثم تابعت بعدما غلبت العقل:
-إصبر لحد ما الدنيا تهدى ونشوف الأمور رايحة على فين.

نظر إليها بصدمة وعينين تملؤهما خيبة الأمل، وقال بنبرة يائسة كمن يرى حلمه يتسرب من بين يديه:
-كلامك ده معناه إني ممكن أسافر قبل ما أطلبها من خالي؟!
ثم تابع يوضح لها بمرارة وضيق الوقت:
-أنا مش هطول في الجيش يا خالتي، كلها إسبوع ولا اتنين وهانزل أخلص أوراق السفر وهاتكل على الله على طول.

حاولت عايدة تهدئته، متحدثةً بلغة العقل والمنطق لامتصاص ثورته:
-ساعتها هنبقى نشوف حل يا أشرف،لو كلمت خالك وهو غضبان كده،هتترفض وبالتلاتة، المهم دلوقتي شوف أي سبب قوله لخالك عشان يرحم المسكينة اللي جوه دي.

______*_______

بخطوات عاصفة يملؤها الغضب اندفع "صادق"، فهرعت "فاطمة" خلفه، وقبل أن يتجاوز الرواق، تملكت ذراعه بقوة وجذبته إلى داخل غرفتها موصدةً الباب، خشية أن يخرج بهيئته تلك فيرى زوجها غضبه المبالغ فيه، ورغبةً منها في الحفاظ على وقار وصورة شقيقها الرزينة أمام "عزام".

بعد أن قامت بغلق الباب بعزم، استدارت تواجهه ونبرتها تحمل أمراً صارماً لا يقبل النقاش:
-اهدى يا صادق، اهدى واسمعني.
ثم رفعت سبابتها مهددة، وحذرت بملامحها وعينيها قبل إصبعها المرفوع في وجهه:
-إوعى الكلام اللي اتقال بينا جوه ده يطلع منه حرف واحد لأي حد، حتى لاخواتك البنات. 
وتابعت بحدة تعود لحرصها على سمعة ابنة شقيقها الغالي:
-الكلام لو اتنتور هنا ولا هنا، مش هيبقى حلو في حق دليلة، وسُمعة بنتك مش لعبة، أنت فاهمني يا صادق؟!
شعر بمنطقية حديثها، فتراجع قليلاً وهز رأسه موافقاً على مضض:
-تمام يا أبلة.
ثم لمعت عيناه بتحدٍ وشراسة وهو يضيف بحدة:
- بس يا ريت تنبهي ابنك،إنه بعد كده ياخد باله من تصرفاته كويس. 

استمع كلاهما إلى طرقات خفيفة على الباب قبل أن يُفتح، ويدلف "أشرف" بوجهٍ شاحب يغلب عليه الحزن، اشتعلت عينا "صادق" وامتلأت بالحدة فور رؤيته، فتقدم الشاب بخطوات متمهلة حتى وقف أمام خاله، وتطلع إليه بعيون يملؤها الندم والأسى، وتحدث بعدما قرر أن يتحمل المسؤولية كاملة ليبرئ ملاكه الصغير:
-أنا عارف إن حضرتك زعلان مني، ومن غير دخول في تفاصيل لأن الموضوع كله محرج للجميع، أنا متحمل كل الغلط لوحدي
وتابع ببسالة:
- دليلة ما ذنبهاش أي حاجة.

خرج صوت "صادق" كالرعد، وبنبرة اتهامٍ قاسية سأله:
-كنت طالع فوق ليه يا أشرف؟! وليه في الوقت ده بالذات؟!

ابتلع غصته بصعوبة، وسارع باختلاق حجة واهية ليتدارك الموقف ويداري حقيقته:
-بابا كان قايل لي أطلع أشوف إذا كان لسه فيه ماية من بتاعة المطر متخزنة على السطوح، ولا نزلت كلها من المزراب.

سأله "صادق" وعيناه تخترقانه بنظرات مشحونة بالحنق والاتهام الشديد، بينما التزمت "فاطمة" الصمت، متفهمةً تماماً غيرة شقيقها وحنقه كأب يخاف على ابنته:
-أبوك طلب منك الموضوع ده من ساعتين وأنا قاعد معاكم، اشمعنى ما طلعتش غير في الوقت ده بالذات؟!
حاول ترتيب كلماته بثبات برغم ارتباكه، وبرر قائلاً بعدما أتقن حيلته:
-كنت ناسي يا خالي، ولما افتكرت طلعت، وصدقني أنا ما كنتش أعرف إن دليلة فوق، ولو أعرف أكيد ما كنتش هطلع غير لما تنزل.

تعمق بنظراته الحادة في عمق عيني الآخر، ورغم كذبه وضعف حجته، إلا أنه رأى فيهما صدقه ونقاء روحه، وربما شفع لأشرف ذلك الحب الجارف الذي يكنه خاله لأولاد شقيقته، وخاصة أشرف الذي طالما شعر تجاهه بأنه ابنه البكري وسنده.

تنهد بثقل، وعندما لمح "أشرف" بوادر اللين والتصديق في عيني خاله، استغل الموقف وترجاه بنبرة متوسلة:
-علشان خاطر ربنا يا خالي بلاش تقسى على دليلة، وتحاسبها على حاجة هي ما لهاش أي ذنب فيها.

شرد "صادق" للحظات، ثم تحرك بآلية نحو الباب وغادر الغرفة في صمت، دون أن يمنحه رداً قاطعاً.
ما إن اختفى أثره، حتى التفتت "فاطمة" نحو ابنها، وأشارت بيديها تلومه ونداء العتاب يملأ صوتها:
"يعني كان لازم تطلع والبنت فوق؟!"
أجابها بنبرة مجهدة يحاول طمأنتها:
"خلاص يا ماما حصل خير.. أديني فهمت خالي اللي حصل، وهو اقتنع.
هتفت بحدة وحرقة قلب على ابنة شقيقها:
-بعد إيه؟! بعد ما ضربها. 
ارتجف قلبه بعنف، واجتاحه شعور مؤلم بالصدمة، وسأل بنبرة خذلها الثبات:
-ضربها؟!
تنهدت "فاطمة" بحسرة وألم يعتصرانها وهي تقول:
-البنت جوه مفطورة من العياط يا قلب أمها، وصوابع خالك معلمة على وشها صباع صباع. 

انفطر قلبه أشلاءً، واجتاحه ذنب ثقيل وبشع تملّك من روحه حتى شعر بالاختناق. كاد الحزن يفتك به وهو يتخيل وجنتها الرقيقة تلتهب بسببه، وتمنى من كل جوارحه لو كان باستطاعته أن يركض إليها في هذه اللحظة بالذات، ويضمها بين ذراعيه ويحميها، ويمسح عنها الألم والحزن الذي تسبب فيهما دون قصدٍ منه.

_______*_______

داخل غرفتها، كانت تقف خلف زجاح النافذة، تتأمل أغصان الأشجار المتشابكة في الحديقة بعينين يملؤهما الشجن وذهنٍ شارد، ممسكة بهاتفها المحمول تتحدث من خلاله بصوت خافت يحمل وهنًا مع إحدى صديقاتها ،انفتح الباب فجأة ودلفت مايا، تقدمت بخطواتٍ واثقة حتى وقفت إلى جوارها، مما دفع نهلة لإنهاء المكالمة على عجلة والالتفات نحوها.

أطلقت تنهيدة عميقة ثم التفتت نحو النافذة وقالت:
-عمو منير قاعد تحت والكل إجازة النهاردة، تعالي ننزل ونقعد معاهم شوية.

عقدت حاجبيها بجمودٍ ثم هزت رأسها برفضٍ حاسم، لتستأنف مايا كلامها بنبرة عتاب حانية:
-حاولي تدوبي جبل التلج اللي اتبنا بينكم ده يا نهلة، انتِ مش هينفع تعيشي في البيت لوحدك .

ثم نظرت إليها بعينين يملؤهما الحزن وأردفت:
-يا نهلة أنتِ من ساعة اللي حصل وأنتِ حابسة نفسك في أوضتك، حتى الأكل بتطلبيه يجيلك هنا، ده لو أكلتي أصلاً. 

تنهدت بقوة وبقلبٍ يئن وجعًا تحدثت بنبرة يملؤها الألم:
-مش قادرة يا مايا، مش قادرة أرجع معاهم زي الأول.

لمعت عينا الأخرى بنظرة دهاء مبطنة، وحاولت الاقتراب خطوةً أخرى عليها، لإقناعها قائلة:
-لازم تضغطي على نفسك وتقدري يا نانا، لازم ترجعي ثقتهم فيكِ من جديد.

ثم صمتت لبرهة قبل أن تتابع بمراوغة جديدة عليها:
-مش يمكن لما تحاولي تقربي تقدري تتفاهمي، وتـقنعي باباكي بـ رشيد؟

انتفضت نهلة برفضٍ قاطع تجلى بعينها، فقد أبت أخلاقها النبيلة أن تسلك هذه الطرق الملتوية، وقد ظهر الألم جليًا على ملامحها وهي تصيح:
-أنا مش منافقة علشان أعمل كده يا مايا. 

ثم أردفت بغصة مريرة وقفت بحلقها:
-مش هقدر أقعد معاهم على سفرة واحدة وأنا من جوايا مش طايقة أبص في وش حد منهم. 

نظرت إليها بتعجب وتساءلت باستغرابٍ:
-ولحد امتى هتفضلي كده؟

رفعت رأسها بكبرياءٍ، وتلاقت عيناها مع الأخرى بنظرة تتأجج بالتحدي والشموخ وهي تقول:
-لحد ما يعترفوا إني بني آدمة وليا حقوق زيي زيهم بالظبط، وإن مش من حقهم يختاروا لي الإنسان اللي هعيش معاه في بيت واحد.

          ********
في الطابق السفلي، تظهر ملامح الراحة والاطمئنان على وجوه الجميع، وهم يتبادلون بعض الأحاديث العائلية، كان المحور الأساسي لنقاشهم هو الزفاف المرتقب لابنهم الثاني "رفيق"،على ابنة رجل أعمال شهير ينتمي إلى ذات طبقتهم المخملية.

بثقة هادئة، نزع "منير" الغلاف السلوفاني عن سيجاره الفاخر، وأشعله بقداحته الفضية، ارتشف نفساً عميقاً قبل أن ينفث الدخان في الهواء ليتصاعد على شكل دوائر رمادية، ثم التفت نحو زوجته وتحدث بنبرة جادة لا تقبل التهاون:
-عايزك تهتمي بكل تفصيلة في تجهيزات الفرح يا راندا.
وتابع مؤكدًا: 
-عاوزه فرح محصلش، الناس تقعد تتكلم على فخامته لشهور قدام.

عدّلت من جلستها، ورفعت ساقًا فوق الأخرى بكبرياء ملازم لها، ثم ردت عليه بثقة عالية:
-ما تقلقش يا منير، أنا جايبة أشطر منظمة حفلات في مصر كلها، ومتابعة معاها خطوة بخطوة.
وتابعت مسترسلة بتفاخر: 
-عاوزة أقول لك إن البنت عاملة شغل هايل، ما شفتوش قبل كدا في أي فرح حضرته.

هز "منير" رأسه برضا، بينما تدخل "حسام" وهو يقول بجدية، موجهًا نظراته نحو والده:
-إحنا لازم نركز كويس جداً في اختيار نوعية المعازيم يا باشا، الفرح ده تقيل، ومش أي حد ينفع يحضره.

أمّن "منير" على كلامه بإيماءة خفيفة، ليتدخل "رائد" وقال بأسلوبه العملي المعتاد:
-خلينا نكتب قائمة المعازيم حالاً وناخد رأي بعض، ولو فيه اسم مش مناسب نستبعده.

استطرد متسائلاً:
- إيه رأيك يا باشا؟

اكتفى بهزة بسيطة من رأسه دون أن ينطق ببنت شفة، سحق سيجاره في المنفضة الكريستالية المستقرة على الطاولة أمامه، ثم نهض وفرد ظهره مستعداً للمغادرة، استوقفته زوجته بنظرة مستغربة وهي تسأله:
-انتَ رايح على فين يا منير؟ إحنا لسه مخلصناش كلامنا. 

رغم انغماسه الظاهري معهم ومشاركتهم الحديث، إلا أن روحه كانت في مكانٍ آخر،معلقةً في الطابق العلوي حيث تقبع ابنته، كان الشوق ينهش قلبه، ويدفعه الحنين نحو تلك التي غابت عنه طوعاً، فمنذ ذلك اليوم المشؤوم وخذلانه الكبير لها، قررت أن تعاقبه بأبشع عقاب يمكن أن يذوقه أب يعشق ابنته،وهو الحرمان من رؤية ملامحها، الملامح التي يرى فيها أغلى ما يملك في هذا العالم. 

لم تكن "نهلة" مجرد ابنة عادية في حياة "منير"، بل كانت تمثل له العالم بأكمله، والركن الدافئ والمريح الذي يهرب إليه من قسوة عمله ومظاهر حياته الفارغة، وحتى من علاقته الجافة مع راندا.
 لم يعد يطيق هذا البعاد أكثر، وقرر أن يكسر الحواجز ويصعد إليها بنفسه، علها تغفر وتعود إلى أحضانه من جديد. 

التفت إلى زوجته، وتحدث بهدوء ورزانة حاول اصطناعهما ليداري لهفته:
-رتبوا القائمة مع بعض وأنا هشوفها بعدين.

ضيقت عينيها بريبة تحاول قراءة ما وراء سطور صمته، فتابع حديثه ليقطع الشك باليقين ويرضي فضولها:
-أنا طالع أشوف نهلة وأقعد معاها شوية.

        _____*_____
صعد درجات السلم بخطوات يسبقها الحنين، وعيناه معلقتان بالأعلى. 
انتظر "حسام" حتى اختفى أثر والده تماماً، ثم التفت إلى أشقائه ووالدته، وتحدث بنبرة يملؤها الاستغراب والرفض القاطع لطريقة والده:
-أنا حقيقي مش قادر أستوعب إن راجل من أهم وأكبر رجال الأعمال في الشرق الأوسط كله، يكون بالضعف ده قدام حتة بنت مكملتش عشرين سنة؟! 

صمت لبرهة، ثم تابع باستهجان وضيق: 
-معقولة مش قادر يفهم إنها بتضغط عليه ببعدها عنه؟ نهلة مش سهلة،هي ذكية جداً ولئيمة، رسمت الخطة بمنتهى الذكاء وماشية في تنفيذها بمنتهى الدقة، وعندها أمل كبير إن الباشا يضعف قدامها ويوافق مجبر على الشحات بتاعها. 

اشتعلت النيران في أعماق "رائد"، وتملكه الغضب حتى هتف بعلو صوته متوعداً:
-ده في بُعدها، على جثتي لو حصل اللي بتفكر فيه ده. 
تدخلت "راندا" لتهدئة الأجواء، أرجعت ظهرها إلى الخلف ببطء، وتنفست براحة تامة، ثم تحدثت بنبرة تقطر ثقة واطمئناناً:
-اهدى يا رائد، أنا مش عايزاكم تقلقوا خالص، منير مش سهل، ومش هو الراجل اللي يتلوي دراعه حتى لو من بنته اللي روحه متعلقة فيها.

ابتسمت بسخرية وتابعت:
- أنتوا بتتكلموا عن منير الخولي، صاحب إمبراطورية الخولي جروب.

صمتت قليلاً لتضفي على كلماتها بعض الدهاء، ثم تابعت وعيناها تلمعان:
-ونهلة مهما وصل بيها درجة الدهاء وخبث التفكير والتخطيط، فعمرها ما هتوصل لدماغ منير، وبعدين ما تنسوش حاجة مهمة جداً.

انتبه الجميع لكلماتها، وبلحظة توجهت جميع الأنظار نحوها، فابتسمت ابتسامة متهكمة واستأنفت: 
-إن دهاء نهلة اللي بنتكلم عنه هي وارثاه من منير نفسه، وهو أكتر واحد فينا فاهم دماغها بتفكر إزاي، 
واشاحت بكفيها: 
-يعني من الآخر هو كاشف كل خططها، ده غير إن أبوكم مستحيل يفكر يأذيكم بأي شكل، وأكتر حاجة مطمناني هي إن منير لا يمكن يضحي بمستقبل نهلة، ولا هيجوزها إلا للراجل اللي يتأكد إنها هتكون أسعد واحدة معاه.

تحدث رفيق بجدية وثبات أيد بهما موقف والدته:
-ماما عندها حق يا حضرات، الباشا أعقل واحد فينا، وعمره ما أخد قرار تحت ضغط، ولا خلي عواطفه تتحكم فيه وتسيطر على قراراته مهما كانت الظروف، 
واسترسل مستشهدًا: 
-وإلا مكانش وصل للمكانة اللي هو فيها النهاردة.

ساد الصمت أرجاء المكان، وأمّن الجميع على كلماته العقلانية، واثقين في أن ثبات والدهم، لن ينهار أمام دهاء تلك العنيدة.
______*______

العودة مرةً آخرى إلى منزل السيد "عزام"، حيث كان الدفء ينبعث من "راكية" النار المشتعلة في ركن الغرفة، والتي كان يجلس جوارها "عزام" و"صادق" يلتجئان إليها من برودة الطقس. 

بينما في المطبخ، كانت النساء ينهمكن في إعداد وجبة الغداء، بينما انزوت "منى" في غرفتها تحتضن ابنتها التي لم تكف عن البكاء منذ تلك اللحظة القاسية حتى غلبها النوم.

التفت "عزام" نحو "صادق" بنظرة أب حانية وموجهة، وتحدث بنصح صادق:
-طبعاً أنت عارف إن أنا بحبك وبعتبرك زي علي وأشرف بالظبط، علشان كده هتكلم معاك بكل صراحة ومن غير ما أزوق الكلام ولا أرتبه، حتى لو هتزعل مني يا صادق.

رفع "صادق" عينيه نحوه، ورد عليه بهدوءٍ مصحوب بحزن يملأ قلبه:
-أنت بالذات من حقك تكلمني بالشكل والأسلوب والطريقة اللي تريحك يا أستاذي.
واستأنف بتهذيب: 
-اتفضل، أنا سامعك.
تنحنح "عزام" وتنهد بعمق، ثم قال بنبرة عاتبة:
-أنت غلطت في تصرفك مع بنتك.

تصلب جسده وبلع ريقه بتوتر شديد، واجتاح الخوف قلبه خشيةً أن يكون علم بما حدث، لكن "عزام" تابع مسترسلاً،فهو لم يلاحظ نزول "أشرف" خلف "دليلة" من الطابق العلوي:
-أنا شوفتك وأنت بتشد بنتك من إيدها وتجرها على أوضتكم، ودي غلطة كبيرة وقعت فيها يا صادق، دي بنت، والمفروض تتعامل بلين.

صمت قليلاً، ثم أردف بإشادة وتقدير:
-ده أنا طول عمري بستشهد بيك وواخدك مثل أعلى في معاملتك، سواء مع مراتك أو في تربيتك لدليلة وأخوها.

أطرق "صادق" رأسه أرضًا بخزي شديد، وشعر بخجل عارم من نفسه قبل الآخرين بسبب ما اقترفته يداه في لحظة غضب. 

انتبه لصوت "عزام" وهو يختتم نصائحهُ بحكمةٍ ورزانة:
-بلاش العنف مع البنات يا صادق، وياريت تكمل زي ما أنت، صادق المحترم، الأب الحنين، صديق أولاده.

تحدث بنبرة يكسوها الندم:
-كانت لحظة شيطان يا حاج، وراحت لحالها الحمد لله.

أومأ "عزام" برأسه متفهماً، ولم يقطع خلوتهما إلا دخول "فاطمة" بابتسامتها البشوشة المعتادة وهي تبلغهما:
-الغدا جهز، ادخل يا صادق انده لمنى ودليلة على ما أغرف أنا وإخواتك البنات الأكل.

تنهد بألم يمزق صدره، فكيف له أن يدخل إليهما وهو في هذه الحالة النفسية السيئة؟ شعر بلمسة "عزام" الحانية وهو يربت على يده، ويحثه بنظرات عينه على النهوض.

تحامل على نفسه، وتوجه بخطوات مثقلة إلى الغرفة، طرق الباب بخفة ثم دخل، ليجد الصغيرة قد استسلمت للنوم في حضن والدتها، ما إن رأته "منى"يلج الغرفة، حتى شاحت بوجهها عنه، واكتست ملامحها بحزنٍ عميق.

خرج صوته بصعوبة من شدة خجله: 
-هاتي البنت ويلا علشان تتغدوا.

ردت بنبرة جافة خرجت رغماً عنها:
-البنت نايمة، وأنا ماليش نفس.

تنهد بإحباط، وقال بهدوء يحاول به استعطافها:
-صحيها ويلا يا منى.

أجابته بآلية وبرود :
-روح اتغدى مع إخواتك وسيبني أنا وبنتي في حالنا يا صادق.

اقترب منهما عدة خطوات، فلمحت عيناه آثار دموعها الجافة على وجنتيها، لكن ما مزق نياط قلبه حقاً، كانت تلك الشهقة المتقطعة التي خرجت من صدر نجلته وهي غارقة في نومها،انحنى وطبع قبلة حانية على مقدمة رأس منى، ثم قال بنبرة يملأها الرجاء:
-البسي طرحتك ويلا يا منى.

تجاهلت قبلته وحديثه تماماً، وقالت بجدية صارمة:
-أنا هقوم أجهز الشنطة، ياريت بعد ما تتغدى تروحنا بيتنا.
وتابعت بألمٍ شق صدرها لنصفين: 
-وكفاية أوي اللي حصل هنا لحد كده.

زفر بحِدة وألم حقيقي اعتصر قلبه، ورد عليها مبرراً:
-تفتكري إني ما فكرتش في كده؟ بس راجعت نفسي علشان سلامتكم، الجو مش مضمون والشوارع متغرقة برة.

ثم تابع بعقلانية حاول من خلالها إقناعها: 
-إن شاء الله على بكرة الصبح تكون الشوارع نشفت شوية وأقدر أسوق.

ساد الصمت بينهما، فاستغل هدوءها وتحدث بنبرة حنون دافئة:
-يلا يا منى، ماينفعش تمنعي الأكل علشان دوا السكر اللي بتاخديه.

لم يجد منها جواباً، فقرر الضغط على نقطة ضعفها قائلاً:
-لو ما قومتيش معايا، أنا كمان مش هاكل.
وتابع ليحثها على النهوض: 
-أحمد قاعد برة لوحده 

تنهدت بأسى، فقبل رأسها مجدداً وأمسك يدها لتنهض معه، فاستجابت له بضعف، قبل أن يغادر، التفت إلى منظر ابنته الراقدة، ودموعها التي ما زالت تبلل خدها ، فصرخ قلبه لوعةً عليها وعلى ما سببه لها من جرحٍ غائرٍ بالقلب. 
بينما دثرتها "منى"بغطاء ثقيل بعناية، ثم انسحبت ببطء بجوار زوجها إلى الخارج.
______*_______
جلس الجميع حول المائدة في صمت مريب، والتوتر يكاد يخنق الأنفاس، انضم إليهم "أشرف" بخطوات متهالكة بعدما قضى ساعات ينهشه الندم خلف باب غرفته المغلق، مُحمّلاً روحه وزر كل ما حدث لحبيبته.

حاولت "أماني" أن تكسر هذا الصمت الرهيب ، فقالت لشقيقها بنبرة تفيضُ رجاءًا:
-ما تقعد بكرة كمان معانا يا صادق، إحنا يا حبيبي لسه مشبعناش منك.

أجابها بنبرة خافتة: 
-مش هينفع يا أماني، علشان مدارس الأولاد، وشغلي أنا ومنى كمان.

لم تتماسك عايدة أمام فضولها الجارف، فقاطعت حديث شقيقها بنبرة تملأها الدهشة: 
-هو في الجو ده حد هيروح مدارس ولا شغل يا صادق؟!

أجابها بهدوء: 
-يعني هي الناس هتوقف حياتها علشان شوية مطر يا عايدة؟

تنهدت "فاطمة" بأسى، وقالت بحزنٍ تجلى بعينيها: 
-الشوارع برة اتملت برك ماية، ده أنا كلمت علي علشان ييجي يقعد مع خاله يومين هو ومراته، قالي مش هينفع يا ماما، هنتمرمط في المواصلات أنا وداليا.

هزت عايدة رأسها وقالت بنبرة حانية: 
-المفروض علي يجيب له حتة عربية إن شالله حتى تكون مستعملة، أهي على الأقل ترحمه من قرف المواصلات ومرمطتها.

أجابها "عزام" بوقاره الحكيم :
-قريب إن شاء الله ، بس يفوق من مصاريف الجواز ويلم له قرشين وأنا هكمل له الباقي.

كان "أشرف" غارقاً في صمته، يسترق النظرات من خاله "صادق" بعينين مكسورتين يملؤهما الندم، بينما استسلم "صادق" لحزنه، أما "منى"، فقد كانت منشغلة بتقليب الطعام في طبقها بحركات آلية شاردة، عاجزة عن ابتلاع الطعام وكأن غصة في حلقها تمنعها.

لمحت "فاطمة" انكسارها، فربتت على فخذها برفق وهمست بحنان:
-كلي يا منى، ولما دليلة تصحى أنا هأكلها بنفسي.

انتفض جسده وارتجف قلبه من بين ضلوعه لمجرد ذكر اسمها، وكاد شوقه وخوفه عليها ان يفضحه أمام الأعين.

 بينما التمعت عينا أماني ببريقٍ كمن يملك سراً ثميناً، قبل أن تلتفت نحو شقيقها وهي تقول بنبرة ملأها الحماس: 
-صحيح يا صادق ، مش دليلة بنتك جايلها عريس. 

سقطت الكلمات كقذيفة مدوية شطرت قلب "أشرف" الذي أصيب جسده برجفة ، وشعر كأن أنفاسه انتُزعت من صدره عنوة ونبضه سيتوقف. 

بينما التفت "صادق" بكامل جسده نحو شقيقته، وبرقت في عينيه نظرة يملؤها الذهول، ثم هتف باستنكارٍ حاد: 
-عريس؟! عريس لدليلة بنتي؟!

انتفض قلب "أشرف" من بين ضلوعه حتى خُيل إليه أن دقاته العنيفة ستشق صدره وتفضحه، تصلب جسده وعيناه تعلقتان بـ "أماني" التي تابعت حديثها بابتسامة مليئة بالفخر:
-محمود ابن سلفي، هو في تانية كلية حقوق، وخاله هيدخله نيابة بعد الليسانس، ما أنت عارف إن خاله ظابط كبير في الجيش، وليه معارف وعلاقات في كل مكان.

ثم أردفت بدلال زاد من اشتعال النيران في صدر "أشرف":
-هو شافها في فرح علي، ومن ساعتها وهو بيفكر فيها، أمه كلمتني من يومين وقالت لي أجس نبضك، علشان لو فيه قبول وموافقين يجوا يقروا فاتحة على طول.

سرى التوتر كتيار كهربائي في أرجاء المكان، التفتت "عايدة" نحو ابن شقيقتها لتجده قد توقف عن تناول الطعام ، وراح يحدق في خاله بصدمة، بينما امتقع لونه واصفرت ملامحه كأن الدماء قد انسحبت تماماً من عروقه.

على النقيض، استقبلت "فاطمة" الأمر بترحيب واضح وابتسامة راضية وراحت تقول:
-الشهادة لله، جمال سلفك مربي عياله أحسن تربية، والولد ده بالذات ونعم الرجولة، عمره ما شافني في مكان إلا وجري يسلم عليا، ويسألني ان كنت محتاجة حاجة. 

رمقها "أشرف" بنظراتٍ مشتعلة،مليئة بعتاب مرير ولوم كاد ينطق به لسانه، كيف لأمه ألا تشعر بقلبه الذي يتلوى لوعةً، ويحترق بنيران عشقه لتلك الصغيرة؟ 

ابتلعت "عايدة" ريقها بتوتر وقلق يتصاعد في جوفها وهي تترقب المشهد، بينما بدت ملامح "منى" غير راضية بالمرة عن هذا الحديث، لكنها فضلت الصمت، وصوبت عينيها نحو زوجها منتظرة جوابه.

أخيراً،كسر صادق جدار الصمت، وتحدث بنبرة حاسمة تحت أنظار الجميع المترقبة:
-حلو لنفسه يا أبله، أنا مش هشغل دماغ بنتي بخطوبة وكلام فاضي من دلوقتي.

تنفس "أشرف" الصعداء، وبلع ريقه براحة عميقة،لم تدم سوى لثوانٍ معدودة، قبل أن يحطم "صادق" على آماله بمطرقة كلماته القاسية:
-بنتي إن شاء الله هتدخل كلية الطب، ودي كلية صعبة ومحتاجة تركيز ومذاكرة من نار.

وتابع بنبرة غلب عليها العقل:
- لما تبقى تخلص كليتها وتتخرج، ساعتها نبقى نفكر في الخطوبة والجواز.

لطمت "فاطمة" صدرها برعب واستنكار: 
-يا لهوي، أنت ناوي تقعد بنتك من غير جواز تسع سنين بحالهم يا صادق؟

وتابعت مستشهدة:
- ده شهاب ابن أماني أخد الطب في سبع سنين، واتهلك من المذاكرة يا قلب أمه.

تحدث بصرامة وقسمات وجه حاسمة لا تقبل الجدال:
-الموضوع بالنسبة لي منتهي يا أبلة، ده مستقبل بنتي، وتعليمها وتحقيق حلمها مفيش فيه نقاش عندي.

لم يعد في استطاعة "أشرف" الاحتمال أكثر،فقد شعر بالاختناق، انتفض واقفاً فجأة، وتحرك بخطوات عاصفة نحو الباب تحت نظرات الجميع المستغربة، باستثناء "منى" التي كانت تقرأ ما بداخل روحه بوضوحٍ، وتدرك نواياه ومشاعره الجارفة تجاه ابنتها، تلك المشاعر التي ترفضها وترفض مجرد التفكير فيها.

ارتفع صوت "فاطمة" وهي تناديه بلهفة: 
-رايح فين يا أشرف؟! ده أنت مكلتش حاجة يا قلب أمك. 
 لم يلتفت إليها، ولم يملك القدرة على إخراج حرفًا واحدًا، كأن الكلمات قد توقفت في حنجرته. 
               ______*______
العودة إلى قصر "منير الخولي"، مازالت "نهلة" تقف بجوار"مايا" تطالعان الحديقة من وراء زجاج النافذة في صمت يخفي خلفه الكثير من الوجع.

 قطع سكون الغرفة طرقات خفيفة على الباب، قبل أن يلج "منير" بخطوات واسعة، يحمل في عينيه لهفةً .

برغم الشوق العارم الذي زلزل كيانها لمجرد سماع نبرة صوته، إلا أن العناد تملك منها، فظلت متسمرة في مكانها دون أن تلتفت إليه، اقترب ببطء، وانحنى يطبع قبلة حانية على مقدمة رأسها، لكنها واجهت دفق حنانه بجمود.

التفت نحو "مايا" التي كانت تتابع الموقف بترقبٍ ممتزج  بالحرج، وقال بنبرة هادئة: 
-ممكن يا مايا تسيبيني مع بنوتي شوية؟

استعادت وعيها سريعًا، وأومأت برأسها قائلة بتهذيب:
-أكيد يا عمو، بعد إذنكم.

ما إن انغلق الباب، حتى صوب "منير" نظراته المثقلة بالوجع نحو ابنته التي تحصنت بملامحها الجامدة أمام الشباك، تنهد بألم حارق شق صدره، ثم تحدث بنبرة أراد من خلالها أن يستعطفها:
-وجالك قلب تبعدي عني كل ده وإنتِ عارفة إن روحي متعلقة فيكِ يا نهلة؟

ارتجف قلبها بين الضلوع، ولمست كلماته أوتار روحها المتعبة، وبرغم هذا الانكسار الداخلي، لم تتزحزح قيد أنملة عن موقفها وظلت متشبثة ببرودها الظاهري.

بينما  تخطى تلك المسافة الفاصلة بينهما، وجذبها إلى أحضانه بقوة، دافنًا وجهه في شعرها وهو يهمس بنبرة حنون تقطع نياط القلوب:
-كفاية يا نانا، أنا قلبي يا بنتي مش حمل اللي بتعمليه فيا ده.

أفلتت نفسها من حصار ذراعيه، وتعمقت بعينيها داخل خاصتيه، وسألته بقوة وجرأة مشحونةً بالمرارة:
-عايزني ارحمك وأقدر وجع قلبك إزاي ؟ وأنت لا رحمتني ولا عملت أي حساب لوجع قلبي والنار اللي جوايا؟!

خرجت منه ابتسامة مليئة بوجعٍ دافين، ورفع يده يتلمس خصلات شعرها، ليعيد بعضها وراء أذنها بحنو وتابع:
-لو مش متأكدة إني أكتر واحد في الدنيا دي بيخاف عليكِ، تبقي محتاجة تراجعي نفسك. 

هتفت بقوة وحدةٍ امتزجتا بسخريةٍ لادعة من حديثه:
-مش صحيح يا بابا، اللي حضرتك بتردده ده مجرد كلام. 

تطلع إليها بذهول وصدمة من قسوتها غير المتوقعة، فاستطردت لتضع النقاط فوق الحروف بمزيدٍ من المرارة:
-أنت عارف ومتأكد إني بموت من جوايا بسبب قرارك ده، ومع ذلك أخدته بمنتهى الحزم ومن غير أي رحمة.

احتوى وجنتيها بكفيه الحانيتين، وضغط عليهما برفق وهو يجيبها بصدق نابع من أعماقه:
-صدقيني اللي أنتِ فيه ده عَرَض، بكرة لما تتجوزي البني آدم اللي يستحقك بجد هتنسي، وتعرفي قد إيه أنا كنت خايف عليكِ واخترت لك الراجل الصح.

أزاحت وجهها عن كفيه بعنف جرح كبريائه، واستدارت بكامل جسدها نحو النافذة مغلقة كل منافذ الحوار، وقالت بحزم صارم لا رجعة فيه:
-اخرج يا بابا لو سمحت، أنا عاوزة أقعد لوحدي.

تنهد بعجز مرير، وأدرك أن حصون العناد في رأس ابنته ما زالت شاهقة، وأن الكلمات الآن لن تجدي نفعاً أمام ثورتها الهائلة، لذا فضل الانسحاب مؤقتاً ليعطيها فرصة للهدوء.

 اقترب منها مرة أخرى، وطبع قبلة سريعة على وجنتها وقال بهدوء رصين:
-أنا هسيبك دلوقتي، بس هرجع تاني، لأني مقدرش أعيش من غير ما أشوف عيونك يا نانا.

غادر الغرفة مغلقاً الباب وراءه بهدوء، وبرغم أن رصاصات كلماته أصابت شغاف قلبها، وأن إحساسه الصادق قد اخترق حصونها، إلا أنها تماسكت بقسوة مكملة خطتها في الضغط عليه، بينما تراجع هو مؤقتاً لترتيب أوراقه والعودة مجدداً لخوض معركته الناعمة معها.
        ______*______

ولج "أشرف" غرفته بخطوات متعثرة، وصار يذرع أركانها ذهابًا وإيابًا، راح يجذب خصلات شعره إلى الخلف بجنونٍ وعنف، لم يكن مستوعبًا أن صروح أحلامه التي شيدها بخياله قد انهارت في لمح البصر، فكلمات خاله الحاسمة كانت كالصخرة العاتية التي هوت فوق أمنياته العظيمة فهشمتها وحولتها إلى أشلاءًا.

ولجت"عايدة" إلى الغرفة بخطوات حذرة، أغلقت الباب خلفها ببطءٍ خشيةً أن يسمعهما أحدًا، ما إن رآها حتى اندفع نحوها بجسد يرتجف من شدة غضبه: 
-شوفتي اللي حصل؟ هنعمل إيه دلوقتي يا خالتي؟!

أجابته بنبرةٍ متزنة، تحاول بها كبح جماح ثورته: 
-العمل عمل ربنا يا أشرف، ما فيش في إيدنا أي حاجة نعملها دلوقتي غير إنك تستنى.

قطب جبينه بضيق وغضب امتزجا بحيرته، وسألها بحدة:
-أستنى إيه؟ ولحد إمتى؟!

سحبت نفساً عميقاً مطولاً، ونفثته بيأس مرير مكملة:
-تستنى رحمة ربنا بيك يا أشرف.

هز رأسه برفض قاطع، وقد لمعت عيناه بتحدٍ وحماس جارفين، حماسٍ لم يكن سوى قناع يخفي وراءه رعباً مميتاً من ضياع حبيبته، وقال بجسارة:
-أنا هطلع أكلم خالي دلوقتي واللي يحصل يحصل.

وتابع مؤكدًا:
- خالي بيحبني وهيقدر حبي لدليلة ويفهمني.

قبضت على ذراعه بعنف وشدته نحوها قبل أن يخطو للخارج، وهتفت بحدة لتردعه:
-إياك يا أشرف، لو عملت كده عمرها ما هتبقى ليك، لأن خالك هيرفض وبكده هتبقى قفلت الباب نهائي. 

التف حول نفسه بجنون ملوحاً بيديه، ورد بصوتٍ حاد يملؤه الغضب:
-وهو أنا يعني لو سكت وقعدت حاطط ايدي على خدي زي النسوان،هيبقى فيه فرصة اساسًا؟!

أجابته بذكاء ودهاء امرأة تزن الأمور بميزان آخر:
-طبعاً، كلها سنة وكل حاجة هتبان. 

طالعها بعدم فهم وقد تملكه الذهول، فاستطردت تشرح رؤيتها بملامح واثقة:
-هو حد ضمن إنها هتجيب مجموع كلية الطب أصلاً؟ مش يمكن تجيب مجموع قليل وتدخل أي كلية تانية؟ ساعتها نقدر نكلم خالك بقلب جامد.

وتابعت بأملٍ جديد: 
-وهو بيحبك، وعمره ما هيلاقي أحسن منك علشان يديله بنته.

ربتت على كتفه بحنانٍ داعم، وتابعت بنبرة مشجعة:
-جهز ورقك وخلص جيشك واتكل على الله سافر، وهي سنة واحدة، هتعدي بسرعة، وأنا متأكدة إنها هتبقى من نصيبك.

تعلق بكلماتها كغريق تشبث بطوق النجاة، وهتف بالدعاء في لهفةٍ واشتياقٍ مزقان صدره:
- يا رب يا خالتي، يا رب دليلة ما تجيب مجموع كلية الطب وتبقى ليا. 

______*______

في غرفة "رشيد"، كان يجلس مع صديقه "سامر" يتبادلان الحديث فوق كتبهما المبعثرة، انفتح الباب ودلفت والدته وهي تحمل بين يديها صينية كبيرة تنبعث منها رائحة الطعام الساخن.

 انتفض "رشيد" من مكانه مسرعاً، والتقط الصينية من بين يديها قائلاً بعتابٍ حاني: 
-شايلاها بنفسك ليه بس يا حبيبتي؟ كنتِ اندهي عليا وأنا كنت جيت أخدتها منك.

ارتسمت على محياها ابتسامة هادئة، وردت بنبرة تفيضُ طيبةُ وحنانًا: 
-يعني أنا هشيل لأغلى منكم يا ابني؟

ثم وجهت نظراتها نحو "سامر" وتابعت بترحيبٍ حار:
-عملت لك محشي الكرنب اللي بتحبه من إيدي يا سامر، علشان يدفي جسمكم وأنتوا بتذاكروا في البرد ده.

اتسعت ابتسامة "سامر" وامتنّ للطفها قائلاً:
-تسلم إيدك يا طنط، تعبناكي معانا.

أجابته بحنو قبل أن تغادر الغرفة:
-تعبك راحة يا حبيبي، بألف هنا وشفا على قلوبكم.

جلسا معاً يتناولان المحشي حيث كان الدخان يتصاعد منه، بينما انتشرت رائحته الذكية والشهية لتملأ أركان المكان وتطرد برودة الشتاء، التقط "سامر" صباعًا وقضمه، وقال وهو يستمتع بمذاقه الحُلو:
-أموت وأعرف سر طعامة المحشي بتاع مامتك، ماما بتعمله حلو وكل حاجة، بس محشي طنط سامية حرفياً مدقتش زيه في أي مكان.

نفخ "رشيد" في إصبع المحشي بين يديه استعداداً لالتهامه، وقال بكبرياء مصطنع أثاره مزاح صديقه:
-يا ابني دي أم الباشمهندس رشيد المسيري، يعني نابغة في كل حاجة، طالعة لإبنها. 

تعالت ضحكات "سامر" على غرور صديقه المرح، لكن ملامحه تبدلت إلى الجدية فجأة، وسأله بنبرة هادئة:
-ما قولتليش، بتكلم نهلة؟

 تلاشى وميض البهجة من عينيه فجأة، ليطلق تنهيدةً عميقةً محملة بثقلٍ شديد، قبل أن يجيب بأسى:
-بنتكلم، بس مش زي الأول طبعاً، كل يومين تلاتة بتتصل بيا ربع ساعة بالكتير، مامتها حطاها تحت الميكروسكوب طول الوقت، مش عارفة تتنفس منها.

صمت لبرهة يبتلع غصته، ثم تابع مستشهداً بواقعه المرير:
-وزي ما انتَ عارف، مبقناش حتى بنتقابل، هي متأكدة إن إخواتها حاطين ناس يراقبوها في كل مكان، وهي مش عاوزه تعاديهم ،لحد ما تقدر تقنع باباها بارتباطنا.

أشاح سامر بنظره، وعاد يلوك طعامه بصمتٍ دون أن ينطق ببنت شفة، كان يؤمن في داخله أن هذه العلاقة قد حُكم عليها بالموت قبل أن تبدأ، وأن الفوارق الطبقية الشاسعة تجعل ارتباطهما شبه مستحيل، لذا كان يتعجب بشدة كيف لـصديقه العاقل و"نهلة"أن يتمسكا بقصة حبهما الضائعة، ويقبضا بأيدٍ مرتجفة على هذا الحلم الواهي.
______*______
          
بعد مرور قرابة الأسبوع على تلك الأحداث العاصفة، كانت "دليلة" تجلس في فناء المدرسة، والحزن يكسو ملامحها، راحت تبث شكواها وحزنها الدفين لصديقتها "ندى"، تلك الفتاة التي لم تعد مجرد زميلة دراسة، بل أصبحت في وقت قصير أقرب إليها من روحها.

 إسبوعٍ كامل انقضى كأنه دهر، فوالدها يتعمد تجاهلها بشكل قاطع، فلا هو يوجه إليها حديثاً، ولا حتى يمنحها نظرة عابرة تداوي بها انكسار قلبها.

ربتت "ندى" على يدها بحنو، ثم احتضنت كفها الصغيرة باحتواء دافئ وقالت بلهجة حماسية: 
-طب ما تتكلمي انتِ معاه يا دليلة، روحي له وصالحيه.

هزت رأسها بحزن دفين، وعيناها تلمعان بالدموع وهي تجيبها:
-هو مش مديني فرصة خالص يا ندى، على طول قلعد في مكتبه،ولو خرج منه بيبقى مكشر ومش راضي حتى يبص في وشي.

تنهدت الآخرى بأسى على حال صديقتها، وسألتها بحيرة:
-طب هتعملي إيه ؟

أجابت بنبرة تملؤها الحيرة واليأس التام:
-مش عارفة، بجد مش عارفة.

ساد الصمت لبرهة بينما أخذت "ندى" تفكر وتفتش في عقلها عن مخرج ينهي تلك المشكلة، وفجأة التمعت عيناها بفكرة، فالتفتت نحوها وقالت:
-طب إيه رأيك تكتبي له جواب؟

صمتت لحظة تردد الفكرة وتتخيلها داخل عقلها، ثم تبدلت ملامحها الحزينة وتحدثت بحماسٍ جارف أنار وجهها المنطفئ:
-حلوة أوي فكرة الجواب يا ندى، أنا هكتبه وأقول له فيه كل اللي جوايا واللي مزعلني منه، وأدخل أحطه على المكتب بتاعه. 
           _____*_____
عادت إلى المنزل بمفردها بعد يوم دراسي طويل، فقد قرر والداها أن تذهب وتعود برفقة "ندى" التي تسكن في الحي ذاته.

 تناولت غداءها وسط صمتٍ جارف من الجميع ، وكالعادة، كان والدها يتجنب حتى النظر إليها، صعدت إلى غرفتها بقلب يعتصره الخذلان، جلست خلف مكتبها، أمسكت بالقلم وبدأت تخطّ كلمات تبللها الدموع:
-حبيبي بابا، أنا بكتب لك علشان حضرتك مش مديني فرصة اتكلم معاك، أنا مش عارفة انت زعلان مني ليه؟

انهمرت عبراتها لتسيل فوق خديها كشلالٍ، لكنها تابعت بقلب يقطر ألمًا:
-المفروض أنا اللي ازعل من حضرتك، لأنك ظلمتني وضربتني لأول مرة في حياتي، ومن غير حتى ما تسألني إيه اللي حصل، من حقي أعرف إيه الذنب اللي عملته وأستاهل عليه المعاملة دي؟، عقابك شديد أوي يا بابا، وأنا والله مظلومة وما عملتش أي حاجة غلط.

توقفت للحظة، تشهق بقهر تحجر بحلقها، قبل أن تكتب الاعتراف الأكثر إيلامًا:
-عايزة أقول لك على حاجة، أنا بقيت بخاف منك يا بابا، أيوا بخاف منك، تصور؟ بعد ما كنت بحس إنك أكتر حد بيحميني وبيخاف عليا، بقيت بخاف لما بسمع صوتك عالي شوية، وأحس إنك ممكن تيجي تضربني تاني، ليه عملت كده يا بابا؟ ليه كسرتني كده؟

مسحت دموعها بظهر يدها، ونبضات حبها النقي تدفع بالقلم لتختم رسالتها:
-أنا مسمحاك، وهدعي لربنا إنه هو كمان يسامحك، وبرغم كل اللي حصل، أنا لسه بحبك، وبرغم إني معرفش إنت زعلان مني ليه، بس أنا بعتذر لك وبقول لك أنا آسفة، بنتك حبيبتك، دليلة.

رسمت قلبًا صغيرًا في نهاية الورقة، ثم طوتها بعناية، تسللت للأسفل ، خرجت إلى الحديقة وقطفت زهرة باللون الأبيض، ثم عادت لتضع الورقة والوردة فوق مكتب والدها. 

في ذلك الوقت، كان والداها يستسلمان لنوم القيلولة، فصعدت هي الأخرى إلى غرفتها، وغرقت في النوم هروبًا من واقعها المرير.

استيقظ "صادق" بعد ساعة، اتجه إلى المطبخ وأعد فنجان قهوته، ثم تحرك صوب مكتبه ليبدأ في تصحيح كراريس طلابه. 

وضع الفنجان، واستدار ليجلس، فاستوقفه مشهد الورقة المطوية والوردة المستلقية فوقها، التقط الوردة ، وفتح الورقة بفضول سرعان ما تحول إلى خناجر تطعن صدره مع كل كلمة كان يقرأها، كان قلبه يصرخ من شدة الوجع والندم، اهتزت الورقة بين يديه، وحدث نفسه بمرارة قائلًا:
-ليتكِ تدركين يا صغيرتي أن ملامحي الـمُعرضة عنكِ، والتي فسرها قلبكِ بالجفاء، ليست سوى خزيٍ يمنعني من النظر في سحر عينيكِ البريئتين، بعد تلك الخطيئةٍ التي جنيتُها في حقكِ. 

سالت دموعه رغماً عنه، دموعًا امتزجت بندمٍ أحرق روحه ، انتفض واقفًا، وقبض على الرسالة بقوة، ثم اندفع نحو السلالم صاعدًا بسرعة هائلة، بعد أن اتخذ قراره الحاسم بإنهاء هذا الوجع واحتضان طفلته مجددًا.


تعليقات