رواية جريمة مسبقة الفصل الرابع عشر بقلم مصطفى محسن
ندى سكتت، وأخدت نفسًا عميقًا، وقالت: "هحكيلك الحكاية من الأول... الحكاية بدأت من أكتر من عشر سنين. بابا، الله يرحمه، دخل المستشفى عشان يعمل عملية زايدة... عملية بسيطة، وكلنا كنا فاكرين إنه هيخرج بعدها بيوم ولا اتنين. لكن بعد ما خرج من العمليات، اتفاجئنا بالدكتور مانعنا من زيارته. سألناه ليه؟ قال إن بابا عنده مضاعفات، ولازم يفضل فى الرعاية. وبابا فضل فى الرعاية أكتر من شهر. وكل ما نسأل، يقولوا نفس الكلام... مضاعفات. وبعد محاولات كتير سمحولنا نشوفه دقايق قليلة، وكان لازم عشان نقابل بابا يكون الدكتور موجود. وبعد شهور، بابا خرج من المستشفى... لكن كان دايمًا ماسك جنبه الشمال، وبيشتكى من وجع جامد، وحالته كانت بتسوء يوم بعد يوم." عصام قال: "وبعدين؟" ندى قالت: "رجعنا بيه المستشفى تانى، وبعد الفحوصات اكتشفنا الكارثة... الدكتور اللى عمله عملية الزايدة سرق كليته الشمال."
-
ندى كملت بصوت مكسور: "وبابا دخل الرعاية مرة تانية... وبعد يومين توفى." عصام قالها: "اسم الدكتور ده إيه؟" ندى قالت: "الدكتور هشام عبد الهادى." أول ما عصام سمع الاسم، ملامحه اتغيرت، وافتكر كلام عمرو، وقالها: "الدكتور هشام عبد الهادى... ده اللى اتهموه بقتل مراته نورهان السكرى، وبعدها قالوا إنه انتحر؟" ندى قالت: "لأ... هو ما قتلهاش." عصام اتعدل فى قعدته، وقالها: "إزاى؟" ندى قالت: "أنا روحت شقته يومها... كنت رايحة أقتله زى ما قتل بابا. لما روحت الشقة لقيت مراته. وقتها قولت هنتقم منها، وضربتها فى جنبها، وخرجت أجرى. وأنا خارجة، وأنا نازلة على السلم، شوفت هشام طالع. استخبيت منه، واستنيت. هو دخل الشقة، وأنا نزلت بسرعة." "وبعدها الشرطة وصلت، وقبضوا عليه، واتهموه بقتل نورهان، زوجته... وبعدها دخل فى حالة نفسية شديدة، وانتحر."
-
ندى كملت، وقالت: "وبعدها أنا كنت عاوزة أنسى، وأبدأ حياة جديدة، وأنا مرتاحة لأنى أخدت بطار بابا. لكن أختى إسراء كانت شايفة إن حق بابا لازم يتاخد من حد من دم هشام، واللى ماتت نورهان، زوجته، مش من دمه. ولما هشام انتحر، بالنسبة لإسراء ملوش أى لازمة، لأنها كانت شايفة إن لازم أنا أو هى اللى نقتله. وكانت بتقولى كذا مرة: لازم نقتل أخواته أو قرايبه. وأنا كنت برفض أى فكرة نهائي." "عدت السنين، وإسراء اتقدم لها أحمد. وهى رفضته كذا مرة، لكنه فضل متمسك بيها، وفى الآخر وافقت... لكن بشرط. يساعدها تنتقم من أخوات الدكتور هشام أو أى حد شاركه." عصام قالها: "وأحمد وافق؟" ندى قالت: "وافق." عصام قالها: "وإنتى؟ كنتى موافقة من الأول؟" ندى قالت: "لا... والله لا. أنا عرفت بعدين، وحاولت أمنعهم بكل الطرق." عصام قال: "طيب... وعمرو رشوان دخله إيه فى كل ده؟"
-
ندى قالت: "لما عرفت إن اللى بيتردد على عيادتى هو عمرو رشوان، وإنه ظابط مباحث، جاتلى فكرة. بدأت أديله أدوية بتسبب هلاوس بجرعات صغيرة، وأبلغه قبل الجريمة، على أمل إنه يسبق إسراء وأحمد ويمنعهم قبل ما ينفذوا جرائمهم." عصام قالها: "يعنى كل اللى كان بيشوفه عمرو... كان بسبب الأدوية؟" ندى قالت: "أيوه. وأنا كمان استخدمت رقم نورهان السكرى، وكنت بردده قدامه دايمًا، وأنا اللى سجلته على موبايله." عصام قالها: "ونجيبة كان ذنبها إيه؟" ندى قالت: "نجيبة كانت الوحيدة اللى شافت إسراء ليلة الجريمة. وإسراء ادتها فلوس عشان تسكت، لكن نجيبة طمعت، وفضلت تطلب فلوس أكتر، وهددت إنها هتتكلم... فإسراء قررت تتخلص منها هى وأحمد، خطيبها." عصام قالها بغضب: "يعنى أنتم مش مجرد ناس بتنتقم... أنتم بقيتم شبكة إجرامية كاملة." ندى نزلت دموعها، وقالت بصوت مرتعش: "بس أقسم بالله... اللى بدأ الحكاية كلها... كان ظلم واحد افتكر إن محدش هيحاسبه.
-
عصام بص لندى بنظرة كلها غضب، وقالها: "أوعى تفتكرى إن اللى قولتيه ده هيخلينى أتعاطف معاكى... بالعكس. أنا شايفك إنتى وإسراء وأحمد وعمرو مجرمين، مش ناس بتاخد حقها. إحنا فى بلد فيها قانون، مش فى غابة، واللى ليه حق بياخده بالقانون، مش بالانتقام. وكمان إنتوا عملتوا جريمة أبشع. دخلتوا ناس ملهاش أى ذنب فى دوامة الدم دى. عمرو رشوان ذنبه إيه؟ رميتيه فى دوامة الهلاوس، وخليتى الكل يشك فيه. ونجيبة ذنبها إيه؟ مجرد ست بسيطة، فقررتوا تقتلوها. ونورهان السكرى ذنبها إيه؟ واحدة راحت ضحية جريمة ملهاش أى علاقة بيها." ندى نزلت راسها للأرض، ودموعها بدأت تنزل فى صمت، لكنها ما قدرتش تنطق بحرف واحد. عصام قالها: "إسراء وأحمد فين دلوقتى؟" ندى قالتله: "خرجوا من البلد النهارده الصبح." عصام وقف مرة واحدة من مكانه، وقالها بغضب: "خرجوا من البلد؟ راحوا فين؟" ندى قالت: "والله ما أعرف... أنا حكيتلك كل اللى أعرفه." عصام قالها: "والفيلا اللى فى الشيخ زايد... بتاعة مين؟" ندى قالت: "دى مش بتاعتنا... دى كانت إيجار. استأجرها أحمد من واحد اسمه البشمهندس إبراهيم، وكان الاتفاق إن الإيجار يبقى لمدة تلات شهور.
-
فى اللحظة دى، الباب خبط، ودخل سليمان. بص لعصام، وبعدين بص لندى، وقال: "طبعًا... إنت صدقت كل كلمة قالتها؟" ندى رفعت عينيها ناحيته. عصام قاله: "طبعًا صدقت... إنت أساسًا عرفت منين اللى هى قالته؟" سليمان قاله: "لأنى كنت سامع كل كلمة." عصام قاله باستغراب: "إزاى؟" سليمان قرب من المكتب، وقاله: "القضية دى أكبر بكتير من أى حد فينا. ولحسن الحظ قدرت أتصرف قبل ما تحصل مصيبة جديدة. واعذرنى يا عصام بيه... أنا كنت مضطر أحط عليك مراقبة." عصام وقف من مكانه، وقاله بغضب: "مراقبة؟" سليمان قاله: "أيوه... كان لازم أعمل كده. كنت خايف إن عاطفتك تجاه عمرو تخليك تغلط، أو تساعده، أو تمشى ورا أى معلومة من غير ما تبلغنى. أنا بعتذرلك جدًا، ولكن ده كان واجبى." الغضب كان واضح فى عيون عصام، لكن سليمان كمل كلامه وهو بيبص ناحية ندى، وقال: "أما اللى قدامك دى..."
