رواية حين يجبر العشق الفصل الرابع عشر 14 لولا نور

 


 رواية حين يجبر العشق الفصل الرابع عشر

في جناح سلطان ....

تنهد سلطان بعمق، ثم لف ذراعيه حولها بحنان بالغ، وأغمض عينيه وهو يضمها إلى صدره، كأن هذا الحضن وحده أعاد إلى روحه شيئًا كان ينقصها منذ زمن..

ابتعد خطوه صغيره حتي يتثني له رؤيه وجهها ، رفع ذقنها بانامله الكبيره ونظر داخل عينها هامساً بخفوت: انتي جميله اوي يا حور ....
ثم انحني وطبع قبله فوق راسها ، ثم اتبعها بسيل من القبلات الرقيقه حتي دفن راسه في عنقها يقبلها بنهم ويديه تزيح المآزر الحريري عن جسدها ....

تاهت حور في لمساته الرقيقه وانفاسه الساخنه التي تحرق بشرتها وشعرت انها تعيش احدي احلامها ، ولكن ما ان شعرت بيديه تحاول تجريدها من قميص نومها حتي انتفضت مفزوعه ودفعته في صدره وهي تغطي جسدها ...
هتفت وهي توليه ظهرها : لا ... بلاش يا سلطان....

هتف سلطان بأنفاس مثقله مستغرباً تبدلها وقد كانت ذائبه بين يديه: لا ليه ...هو انا ضايقتك في حاجه ...

استدارت حور اليه وقد احكمت غلق المآزر حول جسدها : لا ما عملتش حاجه بس مش هينفع ...
سلطان بعدم فهم : هو ايه اللي مش هينفع انت مراتي وده حقي وانا عاوزك ...

رفعت حور راسها هاتفه بقوه: عارفه انك جوزي وده حقك ، بس ده مش هيحصل غير لما تكون عاوزني علشاني ، مش علشان جسمي وبس ...

ضيق سلطان عينيه بعدم فهم : يعني ايه؟؟

اجابته حور بثبات : يعني تكون عاورني علشان بتحبني مش مجرد رغبه وتنتهي 
ولما احس فعلاً انك بتحبني ساعتها هسلم لك من غير قيد او شرط يا شيخ سلطان ....

ساد الصمت بينهما...
صمتٌ ثقيل، حتى إن صوت أنفاسهما بدا واضحًا داخل الجناح.

ظلت حور تنظر إليه بثبات، رغم الارتجافة التي سرت في أطرافها بعد كلماتها الأخيرة.

أما سلطان... فبقي واقفًا مكانه.
لم يتكلم..ولم يتحرك.... ملامحه منغلقه بتعبير مبهم ، فقط عيناه كانت معلقتين بعينيها، كأنه يحاول أن يستوعب ما سمعه.

ثم...أخفض بصره ببطء.
وأخذ نفسًا عميقًا، قبل أن يبتعد عنها خطوة واحدة...خطوة صغيرة...
لكنها كانت كافية لتشعر حور أن شيئًا ما قد تبدل بينهما.
رفع رأسه إليها من جديد.
كانت ملامحه هادئة...هادئة على نحوٍ لم تستطع تفسيره.
ثم قال بصوت منخفض، خالٍ من أي انفعال:
رسالتك وصلت ...

رمشت حور في ارتباك ،لم تكن تتوقع هذا الرد منه ، كانت تتوقع منه ان يغضب او يثور عليها مطالباً بحقه ، او يثور عليها رافضاً اياها ثائراً لكرامته ، لكن هذا الهدوء الغريب ادهشها او ربما أخافها!!!!

ابتلعت رمقها ثم اردفت بصدق : سلطان ... انا ..أنا مقصدتش أجرحك... بس ده إحساسي، ومقدرتش أكذب عليك....
مش عاوزه اللي بينا يكون تقضيه واجب ، او مجرد شهوه ،....
صمتت لثواني وتابعت وهي تقترب منه الخطوه التي ابتعدها : مدام انت عاوز تتمم جوازنا يبقي اللي بينا حياه مبنيه علي الحب .....

ظل ينظر إليها لحظات طويلة.
ثم أومأ برأسه إيماءة خفيفة، وقال بنفس الهدوء: تمام ، حقك ...

ساد الصمت مرة أخرى لم يحاول أن يناقشها او أن يقنعها او يعطي اي مبرر هو سمع شروطها وعليه ان يقبلها او يرفضها ..
التقط قميصه عن المقعد، وارتداه بهدوء، ثم أغلق أزراره واحدًا تلو الآخر.

راقبته حور في صمت ،كانت تشعر أن بين كل زرٍ يغلقه...يغلق مسافة جديدة بينهما.

التقط مفاتيح سيارته من فوق الطاولة.
فاتسعت عيناها باستغراب: إنت خارج دلوقتي؟"

رفع بصره إليها وبقي ينظر إليها لثواني ...
لم يجب.
اكتفى بأن وضع هاتفه في جيبه، ثم اتجه نحو الباب.

ترددَت لحظة...ثم نادته بصوت خافت: سلطان..."

توقف لثانيه لكنه لم يلتفت إليها بل فتح الباب وغادر الجناح .......

خرج سلطان من الجناح بخطوات ثابتة.
نزل درجات السلم في هدوء، بينما كان البيت كله غارقًا في السكون.
تحرك بخطوات رغم هدؤها الا انها كانت تخفي خلفها غضباً مستتراً ....
ولم يتوقف حتى وصل إلى الباب الرئيسي.
كان أحد الحراس يقف في الخارج، فاعتدل فور أن رآه : تحت أمرك يا شيخ سلطان.
حضرتك محتاج حاجه ...

هز سلطان رأسه هزة خفيفة : شكراً ، خاليك مكانك ...
وصل الي حيث تقف سيارته ، فتح الباب 
واستقر خلف المقود.
ظل ممسكًا بعجلة القيادة لثوانٍ طويلة، دون أن يدير المحرك.
كانت كلماتها تتردد في رأسه...
مش هينفع غير لما تكون عاوزني علشاني... مش علشان جسمي وبس."

أغمض عينيه وضغط بكفيه على المقود حتى برزت عروق يديه.
ثم أدار المحرك وانطلقت السيارة بسرعه تشق ظلام الطريق، مبتعدة عن دار العامرية بسرعة لم يعتدها الحراس منه مخلفاً خلفه سحابه كثيفه من الغبار ...

وفي الأعلى...
فكانت حور لا تزال واقفة امام شباك شرفتها تنظر اليه وهو يغادر ،تستمع إلى صوت السيارة وهو يبتعد شيئًا فشيئًا...
حتى ابتلعته عتمة الليل.

لم تبكي ولم تشعر بالندم على ما قالته.
فهي لم تقل إلا الحقيقة التي تؤمن بها رغم حزنها انها صدته وبعدته عنها وهي كانت تتوق للمسه منه ولكنها تريده ، تريد سلطان جسداً وروحاً وقلباً وليس اي قلب ، بل قلب يهيم بها عشقاً ...
لكنها شعرت، للمرة الأولى...أن كلماتها لامست مكانًا عميقًا داخل سلطان...
وهي في انتظار صدي كلماتها علي علاقتهم اما تكون او لا تكون !!!!!
.............................

في جناح هانم ....
كانت هانم تجلس في جناحها تستعد لصلاه الفجر ولكنها نهضت بقلق عندما استمعت الي صوت سياره في الاسفل ...
اقتربت من الشرفه وفتحتها، نظرت الي اسفل وجدت سياره سلطان تغادر ديار العامريه مسرعه بشكل لم تعتاده منه الا اذا كان هناك ما يعكر صفوه ...
وقفت تنظر الي الغبار الذي خلفه وراءه وهسهست من بين استنانها بغضب وهي تنظر لاعلي حيث جناح سلطان : عملتي ايه في ولدي يا بت الرفضي انتي ، خالتيه واخد في وشه ومش شايف قدامه ....
.............

شقّت سياره سلطان  الطريق الجبلي في صمت مهيب لم يسمع فيه الا صوت انفاسه الغاضبه وهدير محرك السياره التي يزار بغضب مثله ، حتى توقفت أخيرًا عند الحافة الصخرية اعلي الجبل التي اعتاد سلطان أن يلجأ إليها كلما ضاقت به الدنيا.

أطفأ المحرك لكنه لم يترجل فورًا.
ظل ممسكًا بعجلة القيادة، وعيناه معلقتين بالفراغ أمامه.
كان الليل قد ألقى عباءته على الجبل، ولم يبقَ سوى ضوء القمر ينساب فوق الصخور، بينما لفحت الرياح الباردة زجاج السيارة.

تنهد ببطء...ثم فتح الباب وترجل.
سار خطوات قليلة حتى بلغ الحافة التي تطل على الوادي بأكمله.
وقف هناك...واضعًا يديه في جيبي بنطاله.
كان هذا المكان تحديدًا...
ملاذه منذ سنوات.كلما أثقلته المسؤوليات...
أو ضاقت به نفسه...قاد سيارته إلى هنا.
يختلي بنفسه ويرتب افكاره ثم يعود بعدما يرتاح ....

هنا...
كان الصمت أصدق من البشر والهواء أنقى من كل الكلام.
أغمض عينيه، وترك الرياح تعبث بشعره.
لكن...ما إن فتحهما من جديد، حتى خانته الذكري ...دون إرادة منه...
ذكري رؤيه امراه ملثمه ذات وشاح يخفي ملامحها عدي عينيها الخضراء الساحره تمتطي جواد كالفرسان ، تحادثه بقوه وعنوان ، دخلت ارضه ومملكته دون استئذان وعندما سال عن هويتها اجابته بغرور : انا فعلاً من بنات الجنوب بس انا استثناء!!!!

فاق من شروده وأطلق زفرة طويلة.
ثم مرر يده على وجهه بضيق.
وهمس ساخرًا من نفسه: انتي فعلاً استثناء يا حور 

رفع بصره إلى الأفق فوجد المكان كله يعيدها إليه.
الطريق الذي ظهرت منه.
حتى الريح...بدت كأنها تحمل إليه صدى ذلك الصوت الذي استفزه يومًا.
ابتسم ابتسامة باهتة لم يشعر بها.
ثم ما لبثت أن اختفت.
وعاد إليها صوتها من الليلة نفسها...
"مش هينفع... غير لما تكون عاوزني علشاني... مش علشان جسمي وبس."

أغمض عينيه بقوة.
وكأن الكلمات أصبحت تطارده أينما ذهب.
فتح عينيه بعد لحظات، وحدق في الأفق المظلم طويلًا ثم قال بصوت خافت، لم يسمعه غير الليل: إنتِ عملتي فيا إيه يا حور...؟"
فسرعان ما عقد حاجبيه، وكأنه ضاق حتى من سؤاله لنفسه.
هز رأسه بعنف، واستدار مبتعدًا عن حافة الجبل.
لكنه كان يعلم...أن المكان الذي اعتاد الهروب إليه من الجميع...
لم يعد قادرًا هذه الليلة...أن يهرب فيه منها
.................

جاء الصباح وانقشعت ظلمه الليل ، وحور كما هي لم يغمض لها جفن في انتظار عوده سلطان الذي لم ياتي الي الان ...

صوت خبط علي باب الجناح جعلها تنهض من جلستها مسرعه بلهفه ...
هتفت اسمه بفرحه وهي تفتح باب الجناح : سلطان !!!!

لكن انمحت فرحتها وتلاشت ابتسامتها وخفت لهفتها عندما وجدت هانم امامها..
هتفت حور بوجوم : حاجه هانم .. خير ؟؟

هتفت هانم بحنق :وهياچي منين الخير طول ما انتي موچوده ...
انا عاوزه اعرف ايه اللي بيحصل اهنه بالظبط ، وفينه ولدي ومهمل فرشته ومش بايت فيها من عشيه ...
عملتي ايه في ولدي شجلبتي حاله قلبتي كيانه ، الاول تنزلي وياه الصبح تغيبوا نص النهار ، وعشيه يخرج مش شايف قدامه ومعاودش لحد دلوك ، انطقي عملتي ايه فيه خالتيه هح منيكي ....

هتفت حور بثبات وراس مرفوع : انا ما عملتش حاجه، عندك ولدك لما يرجع ابقي اساليه راح فين ...

تقدمت منها هانم وهتفت بغل : هعمل نفسي مصدقه انك ما تعرفيش هو راح فين ، لكن الصبح كنتوا مع بعض وين....

ضحكت حور واجابتها باستفزاز: واضح ان مشواري معاه الصبح تاعب لك اعصابك اوي ....
عقدت يديها امام صدرها وتابعت وهي تغمز لها بعينها بكيد : بس هريحك واقولكً...
صمتت لثواني واردفت بابتسامة: سلطان قدم لي في الجامعه ....

صمت مريع ساد بينهم ، وهانم تنظر الي حور بصدمه لم تكن تتوقعها ، وكان احدا سكب دلواً من الماء البارد علي راسها في ليله شتويه بارده ...
اما حور فكانت تتابع صدمتها بتشفي ...

هتفت هانم بعدم تصديق : جدم لك في الچامعه ...
اجابتها حور وهي تلف خصله من شعرها علي اصبعها بكيد : ايوه ، مراته بقي وبيعملها لها اللي نفسها فيه ، هنقول ايه ؟ 
دي حاجه لازم تعرفيها وتقبليها يا ... يا حماتي ...

حدثتها هانم بكره ظل جلياً في نظراتها وفي كل حرف تنطق به : حمه اما تبقي ترعبك يا بعيده ....اوعاكي يا بت تكوني فاكره انك علشان بجيتي مرته او ان ولدي انچبر انه يتچوزك يبقي خلاص اكده ...
لاااااا تبقي غلطانه ، واوعي عقلك يصور لك انك هبارك الچوازه دي وارضي عنيها وانك تبقي واحده منينا من العامريه ....
لا فوقي يا بت الرفاعبه ، اناي اللي زيك انتي واهلك يدهم هتفضل متلطخه بدمنا ولو الكل سامح ونسي انا مش هسامح فيه واصل وحياتك هتكون جحيم....
ثم نظرت الي ما ترتديه حور وتابعت بحقد : ومهما عملتي او لبستي له عمره ما هينام جارك في فرشه واحده او يعتبرك مرته ده ولدي وانا عرفاه ، انتي يادوب اخرك لمزاجه وبس ، جسم يفضي فيه شهوته وبس لكن عمره ما هيحبك ويعتبرك مرته مهما حوصل...

ظلت حور علي ثبات ملامحها واخفت ببراعه جرحها من كلمات هانم المهينه لها ولكرامتها بل اتسعت ابتسامتها وهتف بكيد : اوعدك يا حاجه هانم انه مش هينام جاري في فرشه واحده بس . لا بكره يبوس الايادي ويركع تحت رجلي علشان بس اسمح له يقرب مني وارضي عنه وبكره تقولي حور الرفاعي قالتلي .....

نجحت حور في تسديد ضربه قويه لهانم اخرستها والجمت لسانها ثم تابعت وهي تضع يدها علي ضلفه الباب تنوي غلقه وهي تبتسم بسعاده وتشفي : ودلوقتي بقي عن اذنك عاوزه اروح اغير هدومي اصل راجلي الشيخ سلطان العامري راجع وعاوزه اكون جاهزة في استقباله ..
ثم اغلقت الباب في وجهها دون ان تعطيها فرصه للرد عليها ...
وما ان اغلقت الباب حتي سفط عنها قناع القوه التي كانت ترتديه امامها وحل محله الضعف والخوف من الخذلان وسمحت اخيراً لدمعه واحده سقطت من طرف عينها وكانها تواسي جرح كرامتها وكبريائها بسبب كلمات هانم السامه ....
وقد تاكدت من صحه قراراها بشان علاقتها بسلطان .....
...................

بعد قليل....
كانت سيارة سلطان تعبر بوابة دار العامرية ببطء، بعدما هدأت سرعتها أخيرًا.

ما إن لمحها الحراس حتى اندفع أحدهم يفتح البوابة على عجل، بينما وقف الآخر يراقبها باستغراب؛ فلم يكن الشيخ سلطان معتادًا أن يقضي الليل خارج الدار.

توقفت السيارة أمام الدرج الرئيسي.
ترجل سلطان منها بهدوء، وقد استعادت ملامحه صلابتها المعتادة، كأن ساعات الليل الطويلة قد محَت كل أثر لذلك الاضطراب الذي مزقه فوق الجبل.

وما إن صعد أولى الدرجات حتى لمح رجلًا يقف علي باب الدار الداخلي ، كان ياسين الجوهري بقامته المديدة ومنكبيه العريضين 
تحدث سلطان ما ان وقف امامه : مواعيدك مظبوطة ، والرجل الصح بيتعرف من مواعيده المظبوطه...

ابتسم ياسين ابتسامة خفيفه : تسلم يا شيخ سلطان ، ان شاء الله اكون عند حسن ظنك ...

أومأ سلطان بإيجاز.: تمام... استناني في المكتب وانا عشر دقايق وراجع...

تحت أمرك.... هتف بها ياسين باحترام ...
ثم استدار سلطان وصعد الدرج دون أن يضيف كلمة أخرى.

فتح باب الجناح ودخل سلطان بخطوات هادئه ...
ما إن سمعته حور حتى نهضت من مكانها بسرعة، واستدارت إليه.

التقت عيناهما للحظة...لحظة قصيرة، لكنها كانت كافية لتشعر أن شيئًا ما قد تغيّر.

لم يبتسم...لم يتحدث ....
اكتفى بنظره بارده ثم اتجه مباشرة إلى الحمام وبعد ان انتهي خرج وتوجه الي غرفة الملابس.

وهي تقف مكانها تتابعه بعينيها، بينما راحت أصابعها تعبث بطرف ثوبهافي توتر.

بعد دقائق...
خرج مرتديًا بنطالًا أسود وقميصًا رماديًا بسيطًا، وقد أعاد تصفيف شعره على عجل، ثم التقط ساعة يده وهاتفه من فوق الطاولة.
كان يتحرك بهدوء اكثر من المعتاد ...
لكن ذلك الهدوء نفسه كان غريبًا عليها.

وما ان اقترب من الباب.
فخرج صوتها خافتًا تناديه :ـ سلطان...
توقفت يده فوق مقبض الباب.
لكنه لم يلتفت اليها واجابها بنفس الجمود : نعم ..

ابتلعت رمقها، وقالت بتردد:انت كويس ؟؟

ساد الصمت لثواني ثم جاءها صوته هادئًا: ايوه ..

استدار هذه المرة، ونظر إليها نظرة قصيرة، ثم عاد يضع هاتفه في جيبه.
تقدمت نحوه خطوة واردفت بتردد: ـ إنت... كنت فين طول الليل؟؟

أجابها بصوت مقتضب : كنت بشم هوا ...
ظلت تحدق إليه، وكأنها تبحث في ملامحه عن أي شيء يطمئنها.
ثم قالت بخفوت: ينفع نتكلم شوية؟
رفع ساعة يده، ونظر إليها نظرة عابرة 
ثم قال بهدوء خالٍ من الجفاء : معلش يا حور... مش دلوقتي انا عندي شغل ومستعجل .
بقيت تنظر إليه، ولم تعرف بماذا تجيب.

أما هو...
فاكتفى بنظره سريعه اليها ثم فتح الباب وغادر الجناح.
أُغلق الباب خلفه بهدوء...
وبقيت حور واقفة في مكانها، تشعر أن بينهما حديثًا طويلًا لم يبدأ بعد.
..................

في بهو السرايا ....
كان سلطان يهبط درجات السلم بخطوات ثابتة،  كان يراجع بعض الملفات في هاتفه. بدا مستعجلًا كعادته، وعقله منشغل بما ينتظره في المكتب.

وما إن وصل إلى آخر الدرجات حتى خرجت هانم من الصالون، وقد ارتسمت على وجهها ملامح حزم لا تخلو من ضيق مكتوم.

استوقفته بصوت جاد:سلطان... استنى. عاوزة أتكلم معاك.

رفع رأسه عن الهاتف، ثم أغلقه ووضعه في جيب سترته قال بهدوء:خير يا أمي؟

اقتربت منه قليلًا، ثم نظرت في عينيه مباشرة وسالت بغضب مكبوت : اللي سمعته ده صحيح: 

قطب حاجبيه باستفهام : سمعتي إيه؟

قالت بلهجة لم تُخفِ استياءها:إنك قدمت لحور في الجامعة... وهتخليها تكمل تعليمها.

أجاب دون تردد: أيوه... صحيح.

ساد صمت قصير، قبل أن تزفر هانم بضيق واضح وتابعت بغضب :  وأنا مش عاجبني اللي بيحصل ده يا سلطان.

ظل ينظر إليها بصمت، فأكملت وهي تهز رأسها باستياء:

—إنت مدي البت وش زياده يا ولدي ، البت دي دخلت الدار بسبب ظروف كلنا عارفينها... جوازة تار فرضها المجلس وبس إنما جامعة، ومستقبل، وتعليم كل ده ليه؟

لم يتغير وجه سلطان، لكنه أنصت حتى النهاية.

تابعت هانم بنبرة أكثر قسوة ووقاحه : حور اهنيه زيها زي سبية الحرب... ملهاش حقوق ، اتجابت علشان تنهي خصومة، مش علشان تبقى ست الدار وتاخد كل اللي نفسها فيه.

لم تكد تنهي عبارتها حتى تبدلت ملامح سلطان بالكامل استقام ظهره، وتجمدت قسماته، وانطفأ كل أثر للهدوء الذي كان يكسو وجهه.
نظر إليها نظرة حادة جعلتها تصمت تلقائيًا ثم قال بصوت منخفض... لكنه حمل من الحزم ما يكفي لإسكاتها : كفاية.

ساد الصمت بينهما وهانم تنظر اليه بغضب مكبوت ...
اعاد سلطان كلمته مره اخري ولكن هذه المرة أشد صرامة: عند الكلمة دي بالذات... كفاية يا أمي.

رمشت هانم بدهشة من طريقته، بينما تابع سلطان وعيناه تطالعها بغضب : حور ما تتوصفش بالوصف ده... لا قدامي ولا من ورايا.

قالت محاولة تحسين موقفها : أنا مقصدتش...
فقاطعها بحده قبل ان تسترسل مره اخري: 
لا... قصدتي. وكل كلمة اتقالت أنا سمعتها وفهمتها كويس وبينت اللي جواكي ناحيتها ...

تنفس نفسًا عميقًا، ثم أردف بنبرة ثابتة: حور مراتي... على سنة الله ورسوله ومكانتها واحترامها من مكانتي واحترامي .

عقدت هانم ذراعيها أمام صدرها وقالت بضيق: بس الجوازة دي أساسها معروف يا سلطان.

هز رأسه ببطء وتابع بغضب اكبر : أساسها إيه... دي حاجة تخصني أنا وهي. لكن اللي يخص أي حد في البيت... إنها مراتي، وبس.
ومش معني اني انجبرت علي جوازي منها انكم كمان تجبروني اتعامل معاها ازاي ...
جواز واتجوزت اما اللي بيني وبينها ده يخصني انا وهي وبس ....

حاولت الاعتراض من جديد فاردفت تذكره بجرم اهلها في حقهم : يعني هتنسى إنها بنت الرفاعية اللي اديهم متلطخه بدمنا ..

نظر إليها طويلًا قبل أن يجيب: لا... مش هنسى أصلها... زي ما عمري ما هنسى أصلي. إنما ده عمره ما هيخليني أظلمها.

ثم اقترب خطوة واحدة، وقال بصوت أكثر هدوءًا، لكنه أكثر قوة: من يوم ما دخلت الدار دي، وأنا المسؤول عنها قدام ربنا. وواجبي إني أصونها، وأحفظ كرامتها، وأديها حقها كامل... مش جزء منه.
انعقد لسان هانم للحظات، لكنه أكمل قبل أن تمنحه فرصة للرد: وتعليمها حقها... انا مش بمن عليها ...

احتقن وجهها بغل اسود وتابعت بحده :إنت اتغيرت يا سلطان.

ابتسم ابتسامة خفيفة، لكنها خلت من أي مرح.: يمكن... لكن في حاجة واحدة عمرها ما هتتغير.

رفعت حاجبيها تنتظر بقية حديثه فتابع بنبره حاسمه :  طول ما حور على اسمي... محدش هيقلل منها، ولا يهينها، ولا يوصفها بكلمة تمس كرامتها... حتى لو كان أقرب الناس ليا.
ودي اخر مره هسمح لحد انه يتكلم عنها كده او يتدخل في حياتي معاها .....

انعقد لسان هانم وارتفع ضغطها ...
أما سلطان، فلم ينظر اليها بل  استدار واتجه نحو باب المكتب  بخطوات ثابتة، تاركًا هانم واقفة في مكانها، تنظر إلى أثره بعينين اتسعتا دهشه غاضبه وهي  تحدق في الباب الذي أغلقه سلطان خلفه، وقد انقبض فكها بقوة حتى برزت عروق عنقها.
لم يكن ما أغضبها دفاعه عن حور فقط ...
بل أنها رأت بعينيها لأول مرة أن تلك الفتاة، التي دخلت الدار مجبرة، أصبحت تملك من سلطان ما لم تستطع هي نفسها أن تنتزعه منه وانقبض قلبها بغلٍّ صامت.....

مجرد ما اغلق سلطان باب المكتب حتى خرجت ماجدة من الممر الجانبي، وقد بدا واضحًا أنها سمعت جانبًا كبيرًا من الحديث.
اقتربت من هانم ببطء، وقالت بصوت خفيض: واضح إن الشيخ سلطان مش بيستحمل الهوا علي حور ...

التفتت إليها هانم بنظرة مشتعلة، وانعقد لسانها ولم ترد عليها ...

فابتسمت ماجدة ابتسامة باهتة، وأضافت وهي تتأمل باب المكتب المغلق :  الغريب... إنه زمان كان ممكن يراجع نفسه علشان خاطرك، إنما النهارده... وقف قدامك علشان خاطرها.

اشتدت ملامح هانم، بينما أردفت ماجدة بهدوء يحمل خبثًا واضحًا: أول مرة أشوف سلطان يدافع عن حد بالطريقة دي...

ثم سكتت لحظة قبل أن تبتسم ابتسامة شامته في هانم : ربنا يستر... أصل الرجالة لما قلوبها تميل، بتنسى أي حد يقف قدام اللي بتحبه....
هدرت فيها هانم بغل : اخفي من قدامي يا ماجده الساعه دي انا مش طايقه روحي ، غوري شوفي لك حاجه تبخي فيها سمك بعيد عني ....
ثم رحلت وتركت ماجده تحدق في اثرها وعلي وجهها ابتسامه شامته ....
.....................

في مكتب سلطان ....
دفع سلطان باب المكتب بقوةٍ خفيفة، ثم دخل بخطوات ثابتة، إلا أن الصمت الذي التف به كان كافيًا ليعلن عن العاصفة الكامنة خلف ملامحه. كان وجهه جامدًا على نحوٍ غير معتاد، وفكّه معقودًا بقوة، بينما استقرت عيناه على نقطةٍ أمامه دون أن تزيغا.

ما إن رآه ياسين حتى نهض من مقعده فورًا،  باحترام....
اكتفى سلطان بإيماءة قصيرة، ثم أشار إليه بيده أن يجلس : اقعد.

عاد ياسين إلى مقعده في هدوء، بينما اتجه سلطان إلى كرسيه خلف المكتب، خلع سترته ووضعها على ظهر المقعد، ثم جلس دون أن ينطق بكلمة.
ساد الصمت لثوانٍ ثقيلة قبل أن يكسره ياسين بحذر: تحب نبدأ الشغل منين؟

رفع سلطان عينيه إليه ببطء وقال بصوتٍ خفيض، لكنه جاء حاسمًا لا يقبل المساومة:
عاوز أعرف مين اللي ضرب عليّا نار.

ساله ياسين مستفهماً : حضرتك شاكك في حد؟

مال سلطان إلى الخلف في مقعده، وأطلق زفرة بطيئة، ثم قال وهو يحدق في الفراغ أمامه: الشك عندي كتير...

ثم تحولت نظراته إلى ياسين من جديد، وقد ازدادت صلابة: لكن قبل ما أوجه اتهام... عاوز دليل يخرس أي لسان.

أومأ ياسين بإخلاص: اعتبره حصل.

وقبل أن ينهض، أوقفه سلطان بصوته: ياسين.

التفت إليه فورًا.
فقال سلطان بلهجة لا تقبل النقاش :  من اللحظة دي... اللي بيدور جوه المكاب ده يفضل بيني وبينك وبس.
مفيش مخلوق يعرف بيه حتي عامر اخويا ..

قطب ياسين حاجبيه باستغراب، لكنه لم يناقش : أمرك.

أطرق سلطان برأسه لحظة، ثم قال بصوت خافت يحمل من الخطورة أكثر مما يحمل من الغضب: اللي ضرب النار كان فاكر إنه هيخلص مني...
رفع عينيه، واستقرتا على ياسين بثباتٍ بارد: دلوقتي... دوري أنا أعرفه إنه غلط في حساباته....
...................

بعد يومين .......
في مكتب سلطان ....

مرَّ يومان كاملان...
يومان تعمّد فيهما سلطان أن يدفن نفسه بين الملفات والاجتماعات، يغادر جناحه قبل أن تستيقظ حور، ولا يعود إليه إلا بعد أن يتأكد أن الأضواء قد انطفأت وأنها غفت منذ وقت.
كان يقنع نفسه أن الانشغال هو الحل...
أما هي، فكانت تراقب غيابه بصمت، وتعدُّ الساعات التي تمر دون أن تراه، حتى أصبحت السرايا على اتساعها تضيق بها...

جاءت حور اليه وقررت كسر جمود الصمت بينهم ....
وقفت حور أمام باب مكتبه لحظة، ثم طرقت طرقات خفيفة.
جاءها صوته من الداخل:ادخل...

دفعت الباب ببطء.
كان سلطان يقف أمام النافذة، يستند بكف إلى حافتها، وما إن التفت حتى توقفت أنفاسهما معًا.

مرت ثواني ..أو ربما عمراً كامل.
ظل كلٌ منهما ينظر إلى الآخر، وكأنهما يلتقيان بعد غيابٍ طال سنوات، لا يومين.

اشتاقت عيناها إلى ملامحه أكثر مما كانت تظن، بينما شعر هو، للمرة الأولى منذ يومين، أن ذلك الفراغ الذي حاول ملأه بالعمل لم يكن إلا غيابها.
اختبأت اللهفة خلف ملامح هادئة، واختبأ الشوق خلف نظرات متحفظة...
لكن العيون كانت أصدق من أي كلام.

كان هو أول من كسر الصمت : خير يا حور؟

ابتلعت رمقها وهي تحاول أن يبدو صوتها طبيعيًا.: كنت... عاوزة أستأذنك في حاجة.

أشار إلى المقعد المقابل لمكتبه.: اتفضلي.

هزت رأسها بالنفي.: لا... مش هطول.

صمتت لحظة، ثم قالت:انت عارف ان مرات هارون اخويا ولدت امبارح.

ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة : عرفت ، حمد الله علي سلامتها ...

أومأت برأسها، ثم تابعت بهدوء: أمي لوحدها هناك... وفي تجهيزات العقيقة والسبوع كتير، وأنا لازم أبقى معاهم.

ترددت قبل أن تكمل: لو تسمحلي... أقعد في دار أهلي يومين اساعدهم وارجع بعد العقيقة ...

ساد الصمت بينهما ...نظر إليها سلطان طويلًا، حتى بدأت تشعر بالارتباك من طول نظرته.
لم يكن يفكر في طلبها...
بل كان يفكر في اليومين اللذين سيزداد فيهما هذا البعد.

خفض بصره للحظة، ثم قال بهدوء: عاوزه تروحي امتي ..

تنفست بهدوء واردفت :  لو ينفع دلوقتي ، هجهز حاجتي واروح ...

هز رأسه موافقًا : ماشي.
ثم أضاف بعد لحظة، وهو يحاول أن يبدو عمليًا كعادته:هخالي  السواق يوصلك.

رفعت عينيها إليه وابتسمت بسعاده : شكرًا.
واكتفت بهذه الكلمة.
لكنها لم تتحرك. وهو أيضًا... لم يعد إلى أوراقه.
وقفا للحظات، يفصل بينهما المكتب، ويجمع بينهما ذلك الصمت الثقيل الذي كان يحمل من الكلام أكثر مما لو تحدثا ساعات.

قبضت أصابعها حول طرف عباءتها، وكأنها كانت تنتظر منه كلمةً أخرى...
أي كلمة لكنه اكتفى بالنظر إلىها أمامه، بينما كان يقاوم رغبة عارمة في أن يطلب منها ألا ترحل.
طال الصمت بينهما حتى أدركت أنه لن يقول شيئًا.
فابتسمت ابتسامة صغيرة تخفي خيبةً لم ترد له أن يراها، ثم همست:عن إذنك.

أخيرًا، أشاح سلطان بنظره عنها ونظر الي الاوراق امانه ، وقال بصوت منخفض:خلي بالك من نفسك.

ابتسمت ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت، وهمست:حاضر.
ثم استدارت وغادرت المكتب.

عندها فقط أغمض عينيه للحظة، وأسند رأسه إلى ظهر مقعده، وكأن خروجها من المكتب انتزع معه آخر ذرة من تماسكه
فتح عينيه وظل  ينظر إلى الباب المغلق بعد خروجها، قبل أن يزفر ببطء، ويتمتم بصوت لم يسمعه أحد:يومين كمان من غيرها يا سلطان ....
..................

بعد اسبوع ........
في دار الرفاعية ....

منذ ساعات الصباح الأولى، كانت الدار تعج بالحركة.
امتلأت الساحة الخارجية بالرجال، وتتابعت الوفود من كل القرى المجاورة تحمل التهاني إلى آل الرفاعي بميلاد أول أحفاد الشيخ هاشم.
وفي الجانب الآخر من الدار، ارتفعت أصوات النساء بالزغاريد والتهاني، بينما ازدحمت المجالس بالسيدات اللاتي جئن يحملن الهدايا ويباركن للمولود الجديد.

وكانت الذبائح تُذبح تباعًا، فيما انشغل رجال الدار بإعداد موائد الطعام.
وكالعاده كان الفقراء وعابرو السبيل أول من جلس إلى الموائد، قبل الأقارب والضيوف، مما يدل علي كرم واصل الرفاعية ....

أما حور...
فكانت تتحرك بين النساء في نشاطٍ لافت، تستقبل القادمات بابتسامتها الهادئة، وتساعد والدتها ونِسمة في استقبال المباركات، وبين حين وآخر، كانت تحمل الصغير بين ذراعيها، فتنهال عليها الدعوات من النساء بان يرزقها الله بطفل مثله ...
واخذت النساء يتهامسن عن عدم حضور هانم الرفاعي ....

وفي ساحة الرجال...
توقفت سيارة سلطان أمام الدار.
ترجل منها سلطان يتبعه ياسين، ثم عامر.
وما إن لمحهم رجال الرفاعية حتى تقدم هاشم بنفسه لاستقبالهم.
ابتسم سلطان وهو يصافحه بحرارة.: ألف مبروك يا شيخ هاشم... يتربي في عزكم ان شاء الله ...

ابتسم هاشم ابتسامة واسعة، وربت على كتفه بمحبة : الله يبارك فيك يا ولدي عقبال ما نشيل عوضك عن قريب ان شاء الله ..نورت دارك.
خفق قلب سلطان بتمني وامن علي دعوته : امين يارب ...
ثم تقدم هارون يعانقه بحرارة: نورتنا يا شيخ سلطان.
ابتسم سلطان وهو يربت على ظهره بمحبه : ألف مبروك يا أبو يوسف ربنا يبارك لك فيه ...

ضحك هارون بفخرٍ واضح : الله يبارك فيك.

ولم يكد ينتهي السلام حتى أفسح الجميع لهم مكانًا في صدر المجلس.
جلس سلطان بينهم، بينما جلس ياسين وعامر إلى جواره.
وسرعان ما اندمج سلطان في الحديث مع هاشم وهارون، يتبادلون أطراف الحديث بموده واضحه ...
وعلى الطرف الآخر من المجلس...
كان صبري يراقب المشهد في صمت.
اشتدت عضلات فكه وهو يرى الضحكات تتبادل بين سلطان وهارون، ويرى هاشم يعامل سلطان بكل هذا الود والاحترام.
قبض على فنجان القهوة بين أصابعه حتى كاد ينكسر.
لم يكن يتخيل يومًا...
أن الرجل الذي باعوا له حور من اجل حقن الدماء ، سيجلس بينهم بهذه الألفة، وكأنه فردٌ أصيل منهم.
مال أحد الرجال يحدثه، لكنه لم يسمع كلمةً مما قال.
كانت عيناه معلقتين بسلطان وحده...
والشرر يتطاير منهما في صمت.
بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة...
كانت تخفي وراءها غلًّا يتضخم مع كل لحظة، حتى بات يشعر أن سلطان لا ينتزع منه حور وحدها...
بل ينتزع مكانه داخل الرفاعية  أنفسهم وهمس بصوت خفيض : افرح لك يومين يا سلطان ، قبل ما رجع حقي اللي انت اخذته ..
وفي نفس اللحظه وقعت عين سلطان علي صبري وتبادل الرجلين النظرات ، اتسعت ابتسامه صبري الخبيثه وهو يشير اليه براسه بالتحيه...
اما سلطان فرمقه بنظره جافه وكانه نكره لا وجود له وعاد ببصره الي هارون مما جعل النار تندلع في جوف صبري بغل : والله لهجيب مناخيرك الارض يا سلطان الكلب انت وبكره تقول صبري قال ونفذ ...

، تعالت اصوات الطبول والزغاريد، واختلطت رائحة الذبائح بدخان البخور، بينما احتشد الرجال في مجلسهم الكبير ينتظرون خروج المولود ليكتمل أحد أهم طقوس السبوع.

كان سلطان يجلس بين الرجال، يشاركهم الحديث أحيانًا، ويغيب عنه أكثر الوقت.
عيناه... لم تستقرا منذ جلس.
كل بضع لحظات ترتفعان نحو الباب الفاصل بين مجلس الرجال والنساء، وكأنه ينتظر شيئًا بعينه.

أسبوع كامل...أسبوع لم يرها فيه.
كان يظن أن غيابها لن يعنيه، وأن انشغاله بالعمل سيكفيه، لكنه اكتشف متأخرًا أن الدار صارت فارغة دون صوتها... وأنه صار يلتفت كلما ظن أنه سمع ضحكتها.
اشتاق إليها...واعترف بذلك لنفسه أخيرًا.

تذكر أن من عاداتهم أن يُحمل المولود إلى مجلس الرجال، فيرقص به أبوه بين الرجال قبل أن يعيده للنساء.
ولسبب لم يفهمه... راهن قلبه أنها هي من ستحمله.

وفجأة...انفتح الباب .. فظهر طيفها ...
فظهرت حور..... لقد ربح الرهان وتاكد حدثه .
كان يجلس في رقعه تمكنه من رؤيه باب مجلس النساء المتواري خلف حجاب يفصله عن مجلس الرجال ...

وجدها تتقدم بخطوات هادئة، تحمل الطفل بين ذراعيها بحنان، بينما انسابت عباءتها الذهبية المطرزة بخيوط لامعة حول جسدها، وانسدلت خصلات شعرها الحريرية على كتفيها في تموجات ناعمة، يزين وجهها كحل خفيف ولمعة رقيقة فوق شفتيها.

تجمد سلطان مكانه.كأن كل الأصوات حوله اختفت ...لم يرَ إلا هي.

ثم...تحولت الدهشة داخل عينيه إلى شيء آخر...غيرة مشتعلة.
نهض فجأة حتى التفت إليه بعض الرجال باستغراب، لكنه لم يبالِ بأحد.

اتجه إليها بخطوات سريعة، حتى وقف أمامها قبل أن تخطو خارج الباب.

رفعت حور رأسها، وما إن رأته حتى ارتسمت ابتسامة صغيرة فوق شفتيها.
همست بدهشة وقلب خافق ما ان ابصرته بعد غياب : سلطان؟

رمقها بنظرة طويلة، وكانه يشبع عينه من النظر الي ملامحها التي اشتاقها ثم قال بصوت خافت لكنه مشدود:إنتِ رايحة فين؟

نظرت إليه باستغراب ، ثم نظرت الي الطفل بين يديها : هطله يوسف لهارون اخويا...

هز رأسه برفض حاسم : لأ... مش هتطلعي.

رمشت بعينيها بعدم فهم : ليه؟

اقترب خطوة، وهمس بصوف منخفض: عاوزه تخرجي ازاي قدام الرجاله اللي باره دي كلها ...
زفر بضيق وهو يمرر عينيه عليها من رأسها حتى قدميها.: إنتِ شايفة إن ده ينفع ؟؟؟

ابتسمت بخفه واردفت : انا ما كنتش هطلع علي فكره انا كنت هنده حد من الحرس ينادي لي هارون ..

قطب حاجبيه واشتعلت النار في مقلتيه : ولا حد من الحرس يلمح طيفك.
قالها بحدة جعلتها تنظر إليه لحظة قبل أن تنخفض عيناها خجلًا.

ثم اقترب منها خطوه اخري حتي اصبح لا يفصل بينهم سوي الطفل بين يديها  وتابع بغيره تحرقه : وبعدين... أنا مش قلتلك قبل
ـ وإنتِ برا الدار شعرك يكون ملموم ومفيش مكياج.

لم تستطع منع ضحكتها وهي تقول بدلال:
ما أنا في دار أبويا مش عند حد غريب.

مال برأسه قليلًا، وحدق فيها بنظرة جعلت قلبها يدق أسرع ، : ـ بس دار أبوكي مش داري ...
سكت لحظة، ثم أكمل وهو يرمق الرجال الجالسين في مجلس الرجال من ان يكون احد لمحها : اخر مره ومش هعيد كلامي تاني ...
ابتسمت بدلال وهي ترمقه بعشق فاض من عينيها : حاضر يا شيخ سلطان ...

نظر اليها نظره رجل ينظر الي إغلي ممتلكاته وتابع مشاكساً : الشيخ سلطان هيعلمك الادب ...
ثم مد يده اليها : هاتي الواد ...

تسالت باستغراب : ليه؟؟
اجابها وهو ياخذ الطفل يضمه بحمايه : انا هوديه لابوه ...
ثم نظر اليها هاتفاً بحسم : ادخلي ...ونش عاوز المح طرف عبايتك باره الدار ...

اومأت براسها في اذعان وضربات قلبها تضرب قفصها الصدري بقوه : حاضر ...
ثم اولته ظهرها عائده الي الداخل وما ان ابتعدت عنه خطوتين حتي صدح صوته امراً : اعملي حسابك ، هترجعي معايا الدار الليله ...

اتسعت ابتسامتها ورقصت دقات قلبها بسعاده واستدارت تنظر اليه باغراء فطري : اوامرك يا شيخ سلطان ...
ثم استدارت تسير بدلال الي الداخل واغلقت الباب خلفها ...

وسلطان ظل واقفاً حتي اغلقت الباب واختفت خلفه ...
زفر انفاسه الملتهبه من بين شفتيه ثم نظر الي الرضيع الذي ينام بسلام علي يديه: عاجبك عمايل عمتك ؟؟
عليها امرك يا شيخ سلطان بتجبني الارض ..
بس علي مين لو هي مرات الشيخ سلطان فانا بقي الشيخ سلطان نفسه وهنشوف مين فينا اللي هيثبت قدام التاني ...
يالا زمان ابوك مستني من بدري ....
...................



تعليقات