رواية حين يجبر العشق الفصل الخامس عشر 15 لولا نور


 رواية حين يجبر العشق الفصل الخامس عشر 

في دار الرفاعية ...
بعد انتهاء السبوع ...

بدأت ساحة الدار تخلو شيئًا فشيئًا من الضيوف، وانخفضت أصوات المباركات بعد ساعات طويلة من الاحتفال. غادرت النساء تباعًا، بينما انشغل الرجال بتوديع آخر المدعوين.

وقف سلطان إلى جوار سيارته، يراقب حركة الخارجين في هدوء، قبل أن يلتفت إلى ياسين وعامر قال بهدوء: ياسين... خد العربية وروّح إنت وعامر."

قطب ياسين حاجبيه باستغراب : طب وحضرتك ؟؟

أجاب سلطان ببساطة:هستنى حور... وهنرجع سوا ...

اقترب ياسين خطوة وقال بقلق ظاهر:إحنا ممكن نستناكم كلنا ونرجع سوا ورا بعض ، انا مش عاوز اسيبك لوحدك ...

ابتسم سلطان ابتسامة هادئة، ثم ربت على كتفه واردف : في إيه يا ياسين... هو أنا هروح بلد تانية ، ده مسافه السكه مش اكتر .

قال ياسين بإصرار:انا بس قلقان لا حاجه تحصل لا قدر الله ...

نظر إليه سلطان نظرة مطمئنة وقال بنبرة حاسمة لا تحتمل جدالًا: اطمن... مفيش حاجة هتحصل. خد عامر وروّحوا... وأنا جاي وراكم علي طول ...

تبادل ياسين وعامر نظرة سريعة، ثم أومآ برأسيهما على مضض قال عامر : خالي بالك و متتأخرش."

اكتفى سلطان بإيماءة خفيفة، ثم استدار متجهًا نحو داخل دار الرفاعية...

في الداخل...
كان هاشم الرفاعي يودع آخر الرجال، وما إن وقع بصره على سلطان حتى رحب به قائلًا:
اتفضل يا ولدي."

ابتسم سلطان باحترام : انا كنت جاي آخد حور علشان نروح ....

وقبل أن يجيبه هاشم ، اقتربت زوجته وهي وأردفت بابتسامة: ما لسه بدري يا شيخ سلطان ، ما لحقناش نشبع من حور .

ابتسم سلطان بخفه : تتعوض مره تانيه ان شاء الله ....
ثم تلفت حوله يبحث عنها : اومال هي فين مش شايفها ....

ابتسمت والدتها وتابعت: مدام اختفت كده أكيد هتلاقيها في الإسطبل... من ساعة ما فرس هارون ولدت وهي كل شوية تنزل تطمن على المهر الصغير. اتعلقت بيه بشكل غريب .....

ثم التفتت إلى إحدى الخادمات : روحي اندهي ست حور من الاسطبل ...

همت الخادمه ان تتحرك لكن سلطان أوقفها بلطف: خاليكي عندك ، انا هعدي اخدها من الاسطبل ونروح ... تصبحوا علي خير ..

ابتسم هاشم وهو يومئ برأسه: وانت من اهل الخير ...

لم يعلق سلطان، واكتفى بابتسامة صغيرة قبل أن يغادر في اتجاه الإسطبل.

في الاسطبل....
كان المكان هادئًا...
رائحة القش تعبق في الأجواء، وصوت الخيول المتناثر يملأ السكون.
وقفت حور تنحني أمام المهر الصغير، تربت على عنقه الناعم بحنان بالغ.
ابتسمت وهي تراقب محاولاته المتعثرة للوقوف : إيه يا جميل... بقيت أشطر من امبارح."
لامس بأنفه كفها، فضحكت ضحكة خافتة.

ثم نهضت واتجهت نحو الحصان الأسود الذي يقف في آخر الإسطبل.
ما إن رآها حتى حرّك رأسه في شوق.
ابتسمت ابتسامة واسعة، وأخرجت من جيب عباءتها عدة مكعبات من السكر.
مدت يدها إليه وهي تقول بدلال:حبيبي... وحشتني."
أخذ السكر من يدها، فأخذت تمسد عنقه الطويل : انا عارفه انك زعلان مني ...

تنهدت وهي تستند برأسها إلى رقبته واردفت في حنو : حقك تزعل... بقالي كتير غايبه عنك ...وكمان بقالنا كتير مهربناش سوا...
اتسعت ابتسامتها وهي تحادثه بشوق : وحشني اوي اخدك ونهرب للجبل ...

داعبت غرته الطويله باناملها الرقيقه : عارف ...لو مكانش سلطان صمم إني أرجع معاه النهارده...كنت أخدتك وطلعناالجبل... أنا وإنت لوحدنا."

في تلك اللحظة...
كان سلطان قد وصل إلى باب الإسطبل هم ان بناديها لكن صوته احتبس قبل أن يخرج.
وقف مكانه في صمت يستمع إليها حتى أنهت كلماتها كلها.
ظل ينظر إليها لثوانٍ طويلة...يتأمل تلك النسخة المختلفه  منها.
نفس الفتاه التي رآها من قبل فوق نفس الجواد عند الجبل ...
كانت حور...التي تجد حريتها بين الخيل، وعلى قمم الجبال.
طالعها بنظرات غامضه طويلاً ثم أطرق رأسه في هدوء....
استدار...وغادر الإسطبل دون أن يُحدث صوتًا، كأنه لم يأتِ من الأساس.


بعد دقائق...
عادت حور إلى داخل الدار وهي تبحث بعينيها عنه.

تسالت والدتها بدهشه: انتي لساتك اهنه يا بتي ما عاودتيش ويا چوزك ؟؟

نظرت إليها حور وتابعت : لما يخلص قاعدته مع ابويا وهارون هنروح ...

 هتفت والدتها باستغراب : ازاي ده ، هو مش راح لك الإسطبل؟"

اتسعت عيناها بدهشه: لا... محدش جه."

تابعت والدتها بحيره : غريبه ،ده خرج من هنا وقال إنه رايح ياخدك بنفسه."

انعقد حاجباها في حيرة وأخرجت هاتفها سريعًا واتصلت به.
رفعت الهاتف إلى أذنها...وظلت تنتظر ولم يجب .....
...............

بعد بعض الوقت ...
في غرفه حور في دار الرفاعية...
ظلت تتقلب فوق فراشها طويلًا، وكل بضع دقائق تمتد يدها إلى هاتفها.
اتصلت به مرة...ثم ثانية...ثم ثالثة...
وفي كل مرة، كان الرنين ينتهي دون إجابة.
تنهدت في ضيق، وهمست لنفسها: هو راح فين بس...؟ 
غريبه انه مشي من غير ما ياخدني معاه زي ما قال ...
صمتت لثواني تفكر ثم اردفت تطمئن نفسها : اظاهر في حاجه حصلت خالته يمشي بسرعه ، ربنا يستر ....

وضعت الهاتف إلى جوارها، وأغمضت عينيها محاولة إجبار نفسها على النوم...

ظلت تتقلب علي الفراش لكن النوم جفاها ،
فتحت عينيها فجأة ثم اعتدلت في جلستها.
نظرت إلى الساعة فقد تجاوزت منتصف الليل...
لمعت عينها بوميض شقي والفكره اختمرت في راسها ....
هبطت من فراشها بهدوء، ارتدت ملابسها علي عجل ، ثم تناولت وشاحًا طويلًا وأحكمت لفه حول رأسها ووجهها، فلم يبق ظاهرًا سوى عينيها الخضراوين.
فتحت الباب بحذر... ثم انسلت خارجه كطيفٍ هارب....

بعد دقائق...كانت تقف داخل الإسطبل.
اقتربت من الحصان الأسود وربتت على عنقه بحنان.
ابتسمت هامسة: يلا... وحشتني ريحة الجبل."
فكت لجامه، ثم امتطت ظهره بخفةٍ اعتادها جسدها منذ سنوات.
وما إن خرجت من بوابة الدار...
حتى انطلق الحصان يشق سكون الليل.

كانت الريح تعصف بوجهها والوشاح يطير خلفها ...
والحصان يركض بحريةٍ كأنه يعرف الطريق.
أغمضت عينيها للحظة، واستنشقت هواء الليل بعمق....
واصل الحصان ركضه مسرعاً وحور تحلق فوقه كالطائر الحر ...

وفجأة...وصل إلى أذنها صوت حوافر حصان آخر.
اتسعت عيناها بدهشه ، والتفتت خلفها...
لتجد فارسًا ملثمًا يشق الظلام متجهًا نحوها.

انعقد حاجباها وخفق قلبها بقلق ، وزادت من سرعة حصانها.
لكن الفارس زاد سرعته هو الآخر.
أخذت تضغط بقدميها على جانبي الحصان كي يزيد من سرعته ....
ولكنه كان خلفها لم يفصل بينهما سوى أمتار قليلة.
حتى ظهر الجبل أمامها ابتسمت في راحة.

زادت في ضرب جوانب الفرس فزادت سرعته والفارس الملثم خلفها وما ان وصلت الي قمه الجبل اندفع الفارس الملثم من الجانب.
ثم استدار بحصانه فجأة ليقطع عليها الطريق.
انتفض حصانها و صهل بصوت عالي وهو يرتفع علي قوائمه الخلقيه ، فشدت لجامه بقوة وتشبثت به بمهاره فائقه ....

رفعت رأسها إليه، وصاحت بصوت قوي:إنت مين؟!"

لم يجبها ظل جالسًا فوق حصانه  يدور به حولها ، يتطلع إليها...

فعادت تهتف بغضب: انت عاوز مني ايه ؟؟
مين اللي باعتك ورايا...

ما زال صامتًا ثم نزل بهدوء من فوق حصانه وأخذ يقترب منها.

قبضت على اللجام بقوة ولمعت عيناها الخضراء بلهيب غاضب وصرخت فيه محذره : إوعى تقرب."

لم يتوقف مد يده نحوها محاولاً لمسها ...
ولكنها كانت اسرع منه وفي طرفه عين كانت تستل سلاحها من جيب سترتها واشهرته في وجهه و صاحت بحدة: مكانك ...

لمعت عين الملثم باعجاب بجرأتها وشجاعتها في مواجهته ، توقف لثواني ثم عاد يقترب منها مره اخري بخطوات وئيده وعنيه مسلطه عليها ....

اشتعل الغضب داخلهاوصاحت بكل قوتها:
لو قربت مني خطوة كمان... هقتلك!"

ظل يتقدم...وكأنه لا يرى السلاح أصلًا.
ثم أضافت، وهي ترفع ذقنها بكبرياء:انت مش عارف انت بتقطع الطريق علي مين ..انا مرات الشيخ سلطان العامري ...

توقف الملثم مكانه وزاد لمعان البريق داخل عينيه وفي طرفه عين انقض عليها.!!!

أمسك معصمها الذي يحمل السلاح بقبضةٍ حديدية وابعد السلاح بعيدًا عن اتجاهه.

شهقت وهي تحاول الإفلات من قبضته : ابعد ايدك عني يا حيوان ...

لكن قبضته كانت أقوى وبحركة واحدة...
أنزلها عن ظهر الحصان فسقطت بين ذراعيه وهي تقاوم بعنف.
كانت تضربه بقبضتيها، وتحاول الابتعاد : ابعد عني!"
تلوت بجسدها محاولة الإفلات.
فامتدت يده علي راسها وسحب الوشاح ، فانكشف وجهها وسقط الوشاح ارضاً ...

سكن جسدها مجفلاً من حركته المفاجئة..
فتلألأت عيناها الخضراوان تحت ضوء القمر بلونها المميز وهي تحدق في عيني الملثم بقوه ....
وفي اللحظة نفسها...ساد الصمت وسكنت الاصوات حولهم الا من صوت حفيف الرياح حولهم ...

ظل ينظر إليها...بينما اتسعت عيناها وهي تحدق في عينيه.
ثم شعرت بيده الأخرى ترتفع ببطء...
تزيح اللثام عن وجهه...
اتسعت عيناها وهمست بدهشه : سلطان !!!

كانت لا تزال تختبئ داخل صدره، وأنفاسها المضطربة ترتطم بعنقه.

أما هو فلم يحاول إبعادها.
تركها حتى هدأت ارتجافة جسدها شيئًا فشيئًا، بينما راحت كفه تتحرك ببطء فوق ظهرها في محاولة صامتة لطمأنتها.

طال الصمت بينهما...
إلى أن ابتعدت عنه أخيرًا.
رفعت رأسها إليه، ثم دفعته في صدره بكفيها وهي تقول بغيظٍ امتزج بالخوف:إنت إنسان مستفز على فكرة."

ارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة.ليه؟"

حدجته بنظرة مشتعلة واردفت : بتسأل ليه؟! كنت هتموتني من الرعب."

ظلت نظراته معلقه بها وتابع بخفوت : اللي تطلع الجبل في نص الليل لوحدها ومعاها كمان سلاح مش معقول تكون بتخاف...

عقدت حاجبيها وتابعت براس مرفوع : لا والله؟! يعني واحد ملثم يفضل يجري ورايا نص الطريق، ويعترض طريقي ، وينزل يشدني من على الحصان... ومش عاوزني اخاف ....

خرجت منه ضحكة قصيرة، فازدادت حنقاً :
إنت كمان بتضحك؟"

واجابها وابتسامته تتسع اكثر : اصلك جبانه وبتكابري...

اقترب منها وسالها وعينه تسير بحنو علي وجهها الفاتن : بس قولي لي ، من امتي وانتي بتمسكي سلاح ؟؟
وبعدين مسكتك ليه ماسكه حد محترف ..

رفعت انفها بغرور انثوي : طبعاً محترفه ، انت ناسي اني بنت شيخ ومرات شيخ من اكبر شيوخ الجنوب ومسك السلاح عندنا عادي ..

لمعت عينيه بافتنان لدلالها واعتزازها بنفسها وشاكسها : لتاني مره بقولها لك الشيخ سلطان هيعلمك الادب يا مرات الشيخ .

ضحكت بدلال وتابعت : انا عملت ايه علشان تعلمني الادب ...

اختفي المرح من ملامحه وتابع : يعني مثلاً خروجك في نص الليل لوحدك من غير اذني وطلوعك الجبل ده مش سبب كافي من وجهه نظرك.

تهربت بنظراتها منه وصمتت لم تعرف بما تجيب ...

تابع بنفس الجمود : وطبعاً كنتي هترجعي ولا كان حاجه حصلت وانا ما كنتش هعرف انك خرجتي ....

حاولت مراوغته وقد حشرها في الزاويه : ما هو انا اتصلت بيك كتير وانت مردتش ، وكنت ...
قاطع استرسالها : اتصلتي علشان تشوفني مشيت ليه مش علشان تستاذني مني انك تطلعي الجبل ...

اطرقت راسها ارضاً واردفت : عندك حق ، بس انا ما كنتش اعرف انك ممكن توافق ...

ساد الصمت بينهم لحظات ، وبعدها رفعت راسها وسالته بقلق : هو انت جيت ورايا علشان شاكك فيا؟؟

ابتسم سلطان ساخراً وتابع : انا لو شاكك فيكي مش هتكوني علي اسمي لثانيه واحده بعدها ....

خفق قلبها واشرقت ابتسامتها وسالته بدلال : اومال ليه مردتش عليا لما كلمتك وليه جيت ورايا هنا ...

ناظرها بعيون لامعه واجابها بصدق: مردتش عليكي علشان راهنت نفسي انك هتستغلي الفرصه وتحققي امنيتك وتطلعي الجبل لوحدك ...

هتفت بدهشه : يعني انتي سمعتني وانا في الاسطبل ...
اومأ براسه مؤكداً : اها وعلشان كده اديتك فرصتك تحققي امنيتك ، بس عاوز اعرف ليه بتحبي تيجي هنا بالذات....

ابتسمت بحنين وهي تدور بنظراتها في الافق الواسع حولها : عاوز تعرف ليه بهرب لهنا بالذات...

سارت امامه نحو صخره كبيره مرتفعه علي سفح الجبل وصعدتها بخفه وسط دهشته وخوفه عليها ...

وقفت اعلي الصخره في اعلي نقطه علي سفح الجبل ونظرت الي الوادي البعيد اسفلها ثم فردت ذراعيها علي الاخر ورفعت راسها الي السماء فكانت اشبه بطائر يحلق بجناحيه في الهواء وهتفت بعلو صوتها : علشان بكون حره .....

صمتت لكن صدى صوتها ظل يتردد بين الجبال...

هبت نسمة قوية داعبت خصلات شعرها فابتسمت وهي تغمض عينيها كأنها تستقبلها بكل روحها.

ثم قالت بصوت أخفض، لكنه كان أكثر صدقًا: هنا... محدش يعرف أنا بنت مين ولا مرات مين... ولا مطلوب مني أعمل إيه... هنا بتحرر من كل القيود اللي بتقيد روحي ...

ابتلع سلطان رمقه بصعوبه ،كان ينظر إليها من أسفل الصخرة، وقلبه يضرب صدره بعنف وهمس داخله : خايف وجودي في حياتك يكون قيد هو كمان وتهربي منه ...
لانه للاسف هيكون قيد صعب الهروب منه.

لم يكن خوفه من ارتفاع الصخرة وحدها بل من حجم الوجع المختبئ داخل تلك الكلمات.

تابعت وهي تشير إلى الأفق الممتد أمامها:كنت اطلع هنا وابص علي البلد من فوق واغيظها واقولها انا حره ...."

تنهدت ببطء ثم ابتسمت ابتسامة شاحبة : لما كان بتحصل حاجه تزعلني من ابويا وتحكماته كنت بهرب واجي علي هنا ارمي حمولي في حضن الجبل وهو عمره ما صدني ....

خفض سلطان رأسه للحظة شعر وكأنها تتحدث عنه لا عنها ...

رفع عينيه إليها مرة أخرى، فوجدها ما تزال تنظر إلى السماء قالت بابتسامة صغيرة بعدما ثبتت نظراتها عليه : عارف... ساعات كنت أتكلم بصوت عالي مع ربنا هنا وأقول له لو ليا نصيب في حلمي حققهولي مع اني عارفه انه مستحيل ...

ضحكت بخفة وقلبها يخفق بعنف : مكنتش أعرف إن المستحيل ممكن يتحقق ...

ارتسمت على شفتي سلطان ابتسامة هادئة، لكنها كانت ممتزجة بألم عميق وهمس بصوت منخفض لم تسمعه : وأنا مكنتش أعرف إن البنت اللي كانت مخبية وشها وقابلتها هنا هتقلب حياتي كلها.

التفتت إليه وسالته : بتقول ايه؟؟

اجابها نافياً : مفيش ...
التقت عيناهما ، ظلوا ينظرون الي بعضهم دون كلام ودقات قلوبهم تضرب صدرهم بعنف!!!!

اقترب سلطان من الصخرة خطوة وهو يقول بخوف لم يستطع إخفاءه:انزلي بقي كفايه كده ...

نظرت إلى أسفل ثم عادت تنظر إليه بمشاكسة : خايف علياً 

حبس انفاسه داخل صدره واقترب خطوه اخري وهو يمد يده اليها والخوف عليها ياحبي بوضوح داخل مقلتيه : بقولك انزلي يا حور ...

ابتسمت ثم قفزت من فوق الصخرة بخفة...
لكن قدمها انزلقت فوق إحدى الحصى الصغيرة.

اتسعت عينا سلطان برعب ، وقطع الخطوات الفاصله بينهم في خطوه واحده وهدر برعب : حاسبي...

ثم التقطها بين ذراعيه قبل أن تسقط ...

شهقت حور بخضه بينما كان هو يضمها بقوة، وأنفاسه متلاحقة بصورة  قويه فضحت مشاعره ...

ضمها داخل صدره بحمايه ويديه تطوق جسدها بعنف ، ضربات قلبه سريعه تستشعرها تحت اذنها ، زفر انفاسه المحتبسه داخل صدره وهمس بصوت متحشرج : وقعتي قلبي ...
رفع وجهها ونظر اليها بعيون يملؤها الخوف : ما تعمليش فيا كده تاني .//

اشتبكت نظراتهما، فرأت الارتباك والخوف الحقيقيين في عينيه .
تجمد المشهد بينهم ، العين بالعين ، النفس بالنفس ، القلب بالقلب والجسد بالجسد..

نقل سلطان نظراته بين عينها الخضراء الامعه تحت ضوء القمر وبين شفتيها التوتية المنفرجة ولم يشعر بنفسه الا وهو يقترب براسه منها حد الخطر ثم لامست شفتيه شفتيها في قبله ناعمه ...
اغمض سلطان عينيه وزاد من ضغط شفتيه علي شفتيها ويديه تضم جسدها اكتر بحمايه وكانه يثبت لنفسه انها سالمه ببن يديه ....
وحور لاول مره استسلمت لدفء حضنه ونعومه قبلته وتركت قلبها بين يديه...

بعد قليل ، فصل قبلته ولم يبتعد ، بل اسند جبهته علي جبهتها وهي مغمضه العين بخجل ، همس سلطان بصوت متحشرج من فرط مشاعره الثائره : ومن النهارده مفيش طلوع تاني للجبل لوحدك ..

نظرت اليه بتساؤل حزين غير منطوق ، فاجابها وهو يعيد خصله هاربه من شعرها خلف اذنها : علشان هنطلعه دايماً مع بعض ..

اتسعت ابتسامتها الحلوه فاضأت بنورها سماؤه وهتفت بشقاوه : اللي تأمر بيه يا شيخ سلطان ....

دكنت نظراته وثارت مشاعره واقتنص شفتيها في قبله عنيفه جعلت عينها تجحظ من المفاجاه...
فصل القبله وهمس بلهاث : كل مره هتقولي فيها امرك يا شيخ سلطان ده هيكون ردي عليكي ...
اطرقت راسها ارضاً  بوجه يشع ناراً من الخجل ...
فتابع هو وهو يجذب يدها نحو الفرس : يالا خالينا نرجع، النهار قرب يطلع ...
ثم ساعدها تصعد فوق حصانها وامتطي هو حصانه وغاب الفارسان بين طرقات الوادي مع أول خيط للفجر... 
بينما بقي الجبل شاهدًا على سرٍ جديد، لم يعد يخص فتاة كانت تبحث عن الحرية... بل رجلًا قرر أن يكون هو وطنها،وقيدها الذي لا هروب منه 
.......................

في دار الرفاعيةً..
كانت خيوط الصباح الأولى تنسل بين أشجار الحديقة، بينما ساد السكون أرجاء السرايا بعد ليلةٍ طويلة.

دفعت حور باب السرايا بخفة، ودخلت يتبعها سلطان بخطوة واحدة، وما تزال ابتسامتها الهادئة عالقة على شفتيها، بينما كان هو يبدو أكثر هدوءًا من أي وقت مضى.
لكن ذلك الهدوء لم يدم طويلًا...

ففي بهو السرايا...
كانت هانم تجلس في مقعدها المعتاد، تحتسي قهوتها ببطء.

وما إن رفعت عينيها حتى تجمدت ملامحها.

دخل الاثنان معًا...ووجهاهما يحملان راحة لم ترها عليهما من قبل.

انتقلت عيناها بينهما في صمت، ثم قالت ببطء، وهي تخفي غيظها خلف ابتسامة باردة: مبكر كده وجاي من وين ياولدي ؟؟

توقفت حور في مكانها، بينما أجاب سلطان بهدوء وهو يخلع سترته: كنا بنشم هوا.

ضيقت هانم عينيها وهي تراقب ملامحه.
ثم قالت بسخرية: بتشم هوا الساعه دي ؟؟ 
ايش عجب يعني..

رمقها سلطان بجمود وتابع  بلامبالاه : أهو اللي حصل عندك مانع ولا ايه؟؟

ساد صمت قصير...
ثم وضعت هانم فنجان القهوة فوق الطاولة، وقالت وهي تثبت عينيها فيه: ولا مانع ولا غيره هو انا برضك هقول لشيخ العامريه يعمل ايه ولا ما يعملش ..،،

ابتسم سلطان ببرود : بالظبط كده ..
ثم نظر الي حور : يلا بينا نطلع علي اوضتنا ...
ثم رمق والدته وهو يتخطاها : عن اذنك يا امي....

قبل ان يتحرك خطوه صدح صوت هانم بغل : بقولك يا ولدي ، كنت عاوزه اسالك سؤال اكده .،،

نظر إليها سلطان بهدوء: اتفضلي.

قالت دون مقدمات: إنت دلوك متجوز بقالك شهرين ولحد دلوك مفيش خبر يفرحنا.

عقد سلطان حاجبيه بعدم فهم ؛ خبر إيه مش فاهم ...

ابتسمت ابتسامة خبيثة وتابعت ؛ يعني... مرتك لسه ما حبلتش ، لعل المانع خير ،،

ساد الصمت بينهم ....
تبادل سلطان وحور النظرات  وشعرت حور  بالدماء تنسحب من وجهها.

أما سلطان...فتغيرت ملامحه وطل من عينيه لهيب غاضب وقال بصوت منخفض، لكنه يحمل تحذيرًا واضحًا: دي أمور بيني وبين مراتي... ومحدش له دعوة بيها.

اعتدلت هانم في جلستها، وقالت بحدة: لا... ليا دعوة. وليا أكتر من أي حد.

ثم أشارت إليه بإصبعهاً: ابنك ده هيبقى أول حفيد لصفوان العامري... وامتداد نسل العامرية... وهو الشيخ اللي هيشيل اسم العيلة بعدك. يبقى من حقي اسال واعرف .

اشتدت عضلات فك سلطان وقال بجمود: برضه محدش له دعوه دي حياتي وانا حر فيها ومش مسموح لاي حد مهما كان مين انه يتدخل فيها...
ثم أضاف وهو ينظر إليها مباشرة: عندك عامر... ادخلي في حياته زي ما إنتِ عاوزة... لكن حياتي أنا خط أحمر.

ارتفع صوت هانم بحده : عامر كلنا عارفين ظروفه... هو ومراته ربنا يرزقهم، هما صاغ سليم كلها مساله وقت ، لكن عامر مش شيخ العامرية!

ثم التفتت تنظر إلى حور...نظرة امتلأت بالاحتقار والحقد :  ولو مرتك معيوبه قول. نوديها لأكبر دكتور.

تجمدت حور في مكانها.بينما أكملت هانم، وكأنها تستمتع بجرحها : مع إني اتمني تكون معيوبه .....

شهقت حور بصدمه ....

أما سلطان فاشتعلت عيناه وهدر فيها بغضب ؛ امي ... أنتي بتقولي ايه؟؟

لكن هانم لم تتوقف بل تابعت وهي تنظر إلى حور من أعلى لأسفل: هي في الاول والاخر مش أكتر من ماعون تفضي فيه حاجتك وان حصل وشالت يبقي دورها ينتهي يوم ما تسلمنا ولدنا ...ولد العامرية.

ثم ابتسمت ابتسامة قاسية واردفت : ولو بيدي كنت أتمنى أم عيالك تبقى واحدة تانية ،واحدة إيديها مش غرقانه بدمنا ....

ساد صمت ثقيل...
حتى إن حور شعرت أن الأرض تميد بها.

أما سلطان...فاستدار إليها ببطء.
وكان الغضب الذي يسكن عينيه كافيًا لاحراقها حيه وقال بصوت خرج من الجحيمً: كلمة كمان...
وتقدم خطوة منها واشرف عليها بطوله المديد : كلمه كمان وهنسى إنك أمي.

اتسعت عين هانم بعدم تصديق: انت بتقولي انا الكلام ده ...
لكن سلطان لم ينتهِ أشار بيده نحو حور دون أن ينظر إليها، وقال بعزة لا تقبل النقاش:ـ الست دي... شرفها من شرفي... وكرامتها من كرامتي... واللي يهينها يبقى أهان الشيخ سلطان العامري نفسه.

ثم اقترب أكثر من هانم، وأردف بصوت خفيض، لكنه أشد وقعًا:وولادي ... ربنا وحده هو اللي يحدد إمتى يجوا... ومن مين يجوا... وإنتِ آخر واحدة من حقها تتكلم في الموضوع ده.

صرخت هانم بقهر : انت بتكلمني بالطريقة دي علشانها ...
والله عال يا سلطان هتعمل فيها شيخ علي امك ....وعلشان مين علشان بنت قتالين القتله دي ....

فرد سلطان ظهره وحادثها من علو بجفاء : خلصنا من الحوار ده ، وجوازي منها كان علشان السبب ده  ، فا مش كل شويه هنتكلم فيه ، وحور ملهاش ذنب في اللي حصل ولاخر مره اسمعك تتكلمي في الموضوع ده 
المره دي انا رديت بالكلام المره الجايه رد فعلي مش هيعجبك ، فبلاش تشوفيه احسن ..

ثم استدار إلى حور ومد يده إليها أمام هانم وقال بهدوء: يالا يا حور ...

لم تتردد حور وضعت يدها في يده، ومشت إلى جواره، بينما ظلت هانم تحدق في ظهريهما،بغل وهسهست بوعيد : بقي بتقولي انا اكده علشان خاطرها يا سلطان اما نشوف يا انا يا هي في الدار ده....
........................

في جناح سلطان .....
أغلق سلطان باب الجناح خلفهما بهدوء.
والصمت يطبق علي الجناح ذلك الصمت الثقيل الذي يلي الجروح الكبيرة.

القت حور وشاحها ثم اتجهت نحو النافذة، وأولته ظهرها.

أما سلطان...فوقف مكانه يراقبها.
كانت تحاول أن تبدو قوية...
لكن انحناءة كتفيها الصغيرة كانت تخبره بما تخفيه.

اقترب منها بخطوات هادئة حتى وقف خلفها مباشرة.
وقال بصوت خافت: حقك عليا مش عاوزك تزعلي من كلام امي ..

ابتسمت ابتسامة باهتة وهي تهز رأسها نفيًا : عادي مفيش حاجهً...

زفر أنفاسه ببطء ثم قال وهو ينظر إلى انعكاسها في زجاج النافذة:متكدبيش عليا انا عارف انك زعلانه ...

أغمضت عينيها للحظة ثم همست بصوت منكسر:أول مرة احس اني قليله اوي ...

أغمض سلطان عينيه بقوة.
كانت تلك الجملة أشد عليه وقعاً من كلمات هانم نفسها.
 ادار جسدها إليه حتى أصبحت تواجهه.
رفع كفه برفق أسفل ذقنها، وأجبرها أن تنظر إليه وقال بثبات: بصيلي.

رفعت عينيها إليه.
فأردف ببطء، وكأنه يريد أن يحفر كلماته داخل قلبها: انتي غاليه اوي يا حور ، مش عاوزك تقولي كده تاني عن نفسك ، ولا تسمحي لكلام اي حد انه ياثر عليكي بشكل سلبي ، كفايه انك عارفه قيمه نفسك كويس ..

ابتلعت غصه مره تسد حلقها ...

أما هو فأكمل: وانا كمان عارف قيمتك كويس ...

صمت لحظة...
ثم قال وعيناه لا تفارقانها:ـ إنتِ حور الرفاعي بنت شيخ الرفاعيه ، بشخصيتك القويه ، وحنانك وقلبك الكبير ، انا اول مره شوفتك فيها قولتي انا استثناء وانتي فعلا استثناء انتي مش شبه حد وده اللي بيشدني ليكي ...

اتسعت عيناها...ولم تستطع أن تمنع دمعة ساخنة من الهبوط علي وجنتها ...

ابتسم ابتسامة هادئة...ومسح دمعتها بإبهامه: يمكن ظروف جوازنا هي اللي حطيتنا في الموقف ده ، بس ده مش معناه اني هجبرك علي حاجه انتي مش عاوزاها ..

ارتجف قلبها فهمست بصوت مرتعش: طب وموضوع الخلفه اللي والدتك قالت عليه .،

نظر إليها سلطان ثم قال بحسم: ده موضوع يخصنا لوحدنا واظن احنا لسه قدامنا شويه لحد ما نوصل للموضوع ده ...
ثم غمز بعنيه يشاكسها : لكن لو انتي معندكيش مانع ، ممكن نحسب من دلوقتي تسع شهور ويكون اول حفيد للعامريه مشرف بس انتي توافقي .،،

ابتسمت حور بخجل : انت قليل الادب ..

ابتسم سلطان واردف بجرأه لم تعهدها منه : والله انا نفسي اوريكي قله الادب بجد بس انتي مش مسعداني ...

ابتسمت حور وساد الصمت بينهما لم يكن صمتًا مؤلمًا بل صمتًا امتلأ بالأمان.
مالت برأسها قليلًا حتى استقرت على صدره فلف ذراعه حولها يضمها بحنان وحمايه 
وظل يمسد علي خصلاتها برفق...

بعد دقائق ابتعد عنها برفق وقال وهو ينظر إلى ساعته : انا لازم انزل ، عندي معاد مهم مع ياسين... 

هتفت بقلق : هتنزل علي طول كده انت ما لحقتش ترتاح ...

ابتسم لحنانها وقلقها علي راحته: عادي انا متعود علي كده ...

ثم تابع بنبرة جادة: لو حصل وامي قالت لك كلمه ضايقتك وانا مش موجود ياريت ما ترديش عليها....

اومأت براسها موافقه : ماشي بس ليه؟؟
اقترب منها ووضع كفيه علي اكتافه وتابع بجديه : لأن الرد عليها مسؤوليتي أنا... مش مسؤوليتك إنتِ.
...............

بعد اسبوع .......
امام بوابه جامعه الجنوب ....

انتهى اليوم الدراسي الأول لحور في كليتها ...
خرجت من بوابة الجامعة بخطوات هادئة، تحمل بين ذراعيها كتبها الجامعيه بسعاده . كانت ملامحها مشرقه وابتسامتها السعيدة تزين وجهها ...
همست لنفسها بسعاده حقيقيه: اول خطوه في تحقيق حلمك يا حور ...

تذكرت وصية سلطان لها صباحًا قبل أن يغادر:مفيش كلام مع زمايل رجاله ، الدكاتره والمعيدين تكلميهم بحدود .،
خاتم جوازك ما يتقلعش من ايدكً..
أنا اللي هوصلك وأنا اللي هاجي أخدك... متتحركيش من قدام البوابة لحد ما أوصل."

ابتسمت بعشق : بحبك يا سلطان قلبي ..
لهذا وقفت في المكان الذي أنزلها فيه صباحاًً تنتظره بشوق .،،
لكنها توقفت فجأة واتسعت عيناها في دهشة وهي ترى سيارة تعرفها جيدًا تتوقف أمامها...وترجل منها صبري.!!!!

كان يحمل بين يديه باقة كبيرة من الورود البيضاء والحمراء، وعلى وجهه ابتسامته غريبه،،،،

اقترب منها بخطوات واثقة ابتسم وهو يمد إليها الباقة.مبروك يا بنت عمي دخولك الجامعة.

حدقت فيه حور للحظات، كأن عقلها يحاول استيعاب وجوده هنا وقالت بدهشة واضحة: صبري...؟! إنت... إنت عرفت منين إني هنا؟

ابتسم ابتسامة خبيثه ذات مغزى.:أخبارك كلها عندي يا حور ، وبعدين  هو أنا هسيب بنت عمي تدخل الجامعة من غير ما أباركلها؟

لم تمد يدها لتأخذ الورد بل ظلت تنظر إليه بارتباك.: شكراً... بس مكنش ليه لازمة تتعب نفسك.

اقترب خطوة وهو ينظر اليها بهوس: تعب إيه بس... ده أقل حاجة أعملها لك ،جربي تتعبيني انتي بس وانا عمري ما اكل بيكي ابداً يا حور ...

وفي نفس الوقت ...
توقفت سيارة سلطان ....
ترجل منها وعينيه لا تحيد عنهما ...وقد شاهد ما حدث من اول لحظه ..،

حور...تقف أمام صبري...والأخير يمد لها باقة ورد.

تجمدت ملامحه تمامًا ،وبرغم هدوء خطواته...إلا أن كل خطوة كان تخفي غضب مكبوت وغيره مشتعله ...

وصل إليهما...وتوقف بجوار حور مباشرة.
لم ينظر إليها بل ثبت عينيه علي صبري.
وقال بصوت منخفض لكنه غاضب :: انت إيه اللي جابك هنا؟

رفع صبري حاجبه ساخرًا.ثم ابتسم وهو يهز باقة الورد قليلًا : جاي أبارك لبنت عمي... فيها حاجة؟

ساد الصمت لثوانٍ...ثم التفت سلطان إلى حور دون أن يرفع صوته : اركبي العربية.

نظرت إلي ثم إلى صبري...
كانت تشعر أن الهواء نفسه أصبح ثقيلًا واستشعرت غضب سلطان ..

همست بهدوء:حاضر.
تحركت نحو السيارة بسرعة، بينما بقي سلطان يلاحقها بنظراته المشتعله وانتظر حتى أغلقت الباب خلفها...

ثم عاد ببصره إلى صبري اختفت آخر ذرة هدوء من عينيه اقترب منه حتى لم يعد يفصل بينهما سوى خطوات قليلة.
وقال بصوت خفيض لكنه أشد من الصراخ: 
اسمعني كويس يا صبري...اللي هقوله مش هكرره تاني ..

ابتسم صبري بسخرية.: اهدي شويه هيطق لك عرق هو أنا عملت إيه لده كله ، كل ده علشان جيت ابارك لبنت عمي وجايب لها ورد ....

ضحك سلطان ضحكة قصيرة خالية من أي مرح ثم قال وهو يرمقه بنظرة حادة:: بنت عمك ده كان زمان قبل ما تبقى مراتي.
أما دلوقتي فهي مراتي مرات الشيخ سلطان العامري يعني خط احمر اللي يقرب منه يموت.،

اشتد فك صبري واختلجت عضلاته وقال بعناد:والدم عمره ما يبقى ميه وهتفضل بنت عمي مهما حصل.

ابتسم سلطان ابتسامة باردة ثم قال ببطء شديد: ده عندها ...،

اشتعلت عينا صبري من وقاحته ...

اما سلطان فاكمل بغيره وغضب : تنسي ان ليك بنت عم اسمها حور ...
اقترب منه بوجه ونظره داخل عينيه محذراً: واقولك علي حاجه كمان حرف الحه تشيله من قاموسك نهائي لانه يخصني واللي يخص سلطان العامري خط احمر ..سامع 

اشتعل الجنون بعين صبري وتابع باستفزاز: ولو ما سمعتش ، هتعمل ايه ؟؟

اقترب سلطان خطوة أخرى وفح من بين اسنانه بوعيد: مش هقولك هسيبك تتفاجئ 
لان كل خطوة هتقربها من حور...
هتدفع تمنها.

نظر كل منهما إلى الآخر وفي نظراتهما صراع صامت...لا يحتاج إلى كلمات.
ثم ألقى سلطان نظرة أخيرة على باقة الورد بين يدي صبري وقال باحتقار ووقاحه : الورد دي بقي تحطه في ... طيبه قلبك

واستدار بعدها دون أن ينتظر ردًا...
واتجه إلى سيارته ،فتح الباب، وجلس خلف المقود ثم تحرك بالسيارة بعنف حتي ان عجلاتها اصدرت صوت صرير قوي نتيجه احتكاكها بالارض دليل علي غضب صاحبها .،.....

ساد الصمت...صمت ثقيل، لم يسمع فيه الا صوت انفاسه الغاضبة وأنفاسها المتوترة!!!

كانت حور تنظر إليه بين الحين والآخر. ملامحه جامدة...فكه معقود...
وأصابعه تقبض على المقود بقوة حتى ابيضّت مفاصله.

حاولت التحدث لكنها شعرت أن أي كلمة قد تشعل ما يحاول كتمانه.
لكن الصمت طال...وطال معه توترها.
ثم، فجأة...دون أن ينظر إليها، خرج صوته خشنًا بصورة لم تعهدها منه : إنتِ كنتِ عارفة إنه جاي؟

التفتت إليه مندهشة: لا والله ما كنت أعرف.

ظل ينظر للطريق.كأنه لم يسمع.
ثم اردف بنبره مغلوله من الغيره : اومال جاي شايل ومحمل من غير ما تتفقوا..

اتسعت عيناها بعدم تصديق:اتفقت معاه على إيه يا سلطان؟! أنا أول ما خرجت من الجامعة لقيته واقف قدامي.

ضغط سلطان على المقود بقوة حتى برزت عروق يده ثم قال بصوت حاول أن يجعله هادئًا لكنه خرج محمّلًا بالغضب والغيره : 
أنا قلتلك قبل كده...انا مش برتاح للواد ده.
ولا برتاح لنظراته ليكي ومش عاوز أشوف بينكم أي تعامل مهما كان السبب.

رمشت حور عدة مرات ثم قالت بهدوء تحاول امتصاص غضبه : حاضر اللي انت عاوزه ، بس إنت مكبر الموضوع ليه؟
ده ابن عمي وجاي يباركلي بأول يوم جامعة وخلاص.

ضغط سلطان فجأة على مكابح السياره واوقفها في عرض الطريق التفت إليها دفعة واحدة وهدر فيها غاضباً : ي ايه يا اختي ؟؟
يبارك لك ؟؟
نظر الي الطريق امامه بجنون : يبارك لك وجايب لك ورد ؟؟

 صمتت لا تعرف بما تجيبه ولأول مرة تري الغيرة صريحة في عينيه.

تابع وهو يضحك ساخراً : اول مره اعرف ان ولاد العم بيجيبوا لبعض ورد اومال الحبيبه يعملوا ايه ؟

خفضت حور نظراتها وهتفت تحاول تهدئته:  أنا أصلًا ما أخدتش الورد.

التفت اليها مسرعاً وتابع بجنون : ده اللي كان ناقص ، انك تاخدي منه الزفت علشان كنت حطيته علي قبرك ان شاء الله .

صمت لاهثاً يلتقط انفاسه وتابع : بس وقفتي تتكلمي معاه ..

رفعت رأسها إليه وتابعت بقله حيله: أعمل إيه بعني أسيبه واقف وامشي؟

قاطَعها هادراً بحده : آه تمشي.
ولما ينده عليكي ما ترديش ولما يقفلك تسيبيه وتمشي ولما يجيبلك ورد ترميه في وشه ...

ظل ينظر إليها بعينين مشتعلتين ثم قال ببطء...لكن كل كلمة خرجت مشبعة بغيرته: 
إنتِ مش فاهمة انا احساسي كان عامل ازاي
وأنا شايف راجل واقف مستني مراتي قدام جامعتها وجايب لها ورد.
قال الأخيرة وهو يبتسم ابتسامة باردة مجنونه...

ابتلعت رمقها ثم قالت بصوت خافت: حصل خير ، بس ممكن تهدي ، وبعدين هو مفيش في نيته حاجه وحشه ..

انفجر سلطان وهو يضرب كفّه على المقود: لا في ،،،،أنا راجل...
وعارف الراجل لما يعمل الحركة دي يبقى قصده إيه.

ضيق عينيه وهو ينظر امامه هاتفاً بوعيد : عموماً انا حذرته وهو حر 

هتفت حور بقلق من نبرته : يعني ايه؟؟

فقال وهو يثبت نظره داخل عينيها: يعني انا بحذر مره والتانيه بتصرف وهو بشوقه بقي ، انا بس بعرفك علشان ما حدش يلومني بعد كده ....

وانطلق بالسياره دون ان يضيف حرفاً اخر 
وساد الصمت مجددًا...
لكنه صمت مختلف ... صمت صمت رجل أدرك أنه يغار عليها بصورة لم يعد يستطيع إخفاءها، وصمت امرأة بدأت ترى لأول مرة غيره زوجها عليها دون حتي ان يعترف بها ...

وصلت سياره سلطان الي دار الرفاعيه..
دخل الدار وملامحه لازالت علي عبوسها ومن خلفه حور الصامته بوجوم ...
وما ان وصلوا الي بهو الدار حتي تجمدوا موضعهم عندما استمعوا الي احد الاصوات: حمد الله علي سلامتك يا سلطان .. وحشتني اوي .
وهذا الصوت لم يكن سوي صوت ساره...
فقد عادت من جديد !!!!! ....
.......................


تعليقات