رواية حين يجبر العشق الفصل السادس عشر 16 لولا نور


 رواية حين يجبر العشق الفصل السادس عشر 

في دار الرفاعية...
ساد الصمت للحظة، حتى بدا وكأن الهواء نفسه قد توقف.

وقف سلطان مكانه، وقد انعقد حاجباه وهو يحدق في المرأة الواقفة أمامه.

أما حور... فالتفتت تنظر إليها بدهشة صامتة، بينما كانت هانم تتابع المشهد بعينين متقدتين، كأنها تنتظر ما سيحدث بشغف.

ابتسمت سارة ابتسامة حاولت أن تبدو ثابتة، رغم الارتباك الذي يختبئ خلفها، وقالت بهدوء:حمد الله على السلامة يا سلطان.

لم تتغير ملامحه...
ظل ينظر إليها بجمودٍ أربكها أكثر مما لو صرخ في وجهها.

ثم قال بصوتٍ خالٍ من أي ترحيب:إيه اللي رجعك تاني يا سارة؟

ارتعشت ابتسامتها للحظة، لكنها تماسكت سريعًا، وقالت بثقة حاولت أن تفرضها على نفسها:رجعت... علشان في حاجة مهمة لازم تعرفها.

عقد سلطان حاجبيه أكثر بعدم فهم : حاجة إيه؟

تنهدت سارة ببطء، ثم ألقت نظرة سريعة نحو حور وهانم  قبل أن تعود إليه بنظراتها : لازم نتكلم... لوحدنا.

ساد صمت قصير...
ثم خرج صوت سلطان حاسمًا، لا يقبل نقاشًا: معنديش وقت للكلام !!!

تغيرت ملامحها قليلًا ،اقتربت خطوة وقالت بإصرار:بس الكلام ده مهم يا سلطان... ومينفعش يتقال قدام اي حد ...

رد دون أن يهتز:ـ وأنا قلت لك مش فاضي.

اشتعل الضيق داخلها.
لأول مرة تشعر أنه يغلق الباب في وجهها بهذه القسوة.

قالت بصوتٍ أكثر إلحاحًا: دقيقة واحدة بس اسمعني وقرر بعدها 

قاطعها ببرود:حتى الدقيقة مش هضيعها في كلام فارغ عارف اخره ...

راقبت هانم المشهد بصمت، بينما كانت نظراتها تتنقل بين سلطان وسارة، وكأنها تنتظر أن يلين قلبه لكنه لم يفعل.

وفي تلك اللحظة...
شعرت حور أن الموقف بدأ يحتد.
فخطت نحوه بهدوء حتى وقفت إلى جواره.
ثم، دون تردد رفعت يدها الصغيرة وأمسكت بكفه.
التفت سلطان إليها تلقائيًا وما إن التقت عيناه بعينيها...
حتى خفتت حدة ملامحه بصورة واضحة.
ابتسمت له ابتسامة دافئة، وهي تنظر في عينيه بحنان وقالت بصوتٍ هادئ لكنه مسموع: معلش يا حبيبي...ـ شوف هي عاوزة إيه.
ثم تابعت بابتسامة رقيقة: دي مهما كان ضيفتنا وجايه من سفر بعيد.
صمتت لحظة، ثم أردفت بخفة امتزجت بدلالٍ أنثوي هادئ: اسمعهاعلشان تعرف هي عاوزة إيه، وتلحق ترجع من مطرح ما جت بسرعة.

ولم تستطع أن تمنع ابتسامتها الصغيرة ثم 
رفعت يده التي لا تزال بين كفيها قليلًا، وضغطت عليها برفق واردفت : وانا هستناك 
على ما تخلص كلامك معاها ونتغدى سوا.

ظل سلطان ينظر إليها شيئًا فشيئًا...
ذاب الجمود الذي كان يكسو وجهه.
وارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة، لم يستطع إخفاءها.
وقال بنبرة لم تعد تحمل ذلك الغضب الذي دخل به منذ دقائق:ماشي 

كانت كلمة واحدة...لكنها خرجت لها وحدها.
راقبت سارة المشهد، وشعرت بشيء ثقيل يهبط فوق صدرها.
هل هذا هو سلطان نفسه؟؟
سلطان الذي من الصعب التاثير عليه؟؟

أما هانم...
فانعقد فكها غيظًا لقد رأت بعينيها كيف استطاعت حور أن تفعل بكلمات قليلة أن تجعل سلطان ينفذ كلامها وهذا انذار بالخطر!!!!

ترك سلطان يد حور ببطء، ثم استدار إلى سارة، وعادت الجدية إلى ملامحه.
وقال بلهجة بارده : حصليني على المكتب.

ثم تحرك دون أن ينتظر ردًا.
وقبل أن تخطو سارة خلفه...التقت عيناها بعيني حور.
كانت حور ما تزال واقفة مكانها...
تبتسم ابتسامة هادئة واثقة،شامته..
كانت ابتسامة امرأة تعرف مكانتها جيدًا...
وتعرف أن الرجل الذي مضى أمامهما، لم يترك المكان إلا بعدما استجاب لكلمةٍ خرجت منها هي وحدها.

أما سارة...فاكتفت بإخفاء غصتها، واستدارت خلف سلطان، بينما كانت تشعر للمرة الأولى...أن استعادة رجل أصبح قلبه يميل لامرأة أخرى، لن تكون معركة سهلة كما تخيلت
...................

في مكتب سلطان ....
أغلق سلطان الباب خلفه بحده ،ظل واقفًا في منتصف الغرفة، ينظر إليها بملامح جامدة، بينما كانت سارة تراقبه في صمت.
كم تغير...حتى نظراته لم تعد تعرفها.

قطع الصمت صوته البارد: اتفضلي... سامعك .. يا تري ايه هي الحاجة المهمة اللي رجعتي علشانها؟

صمت لحظة، ثم أضاف وهو يعقد ذراعيه أمام صدره: وإيه اللي خلاكي ترجعي بعد ما مشيتي؟ وإنتِ عارفة كويس إن مالكيش مكان هنا.
ولو الموضوع مهم زي ما بتقولي كان ممكن تقوليه  في التليفون.

ابتلعت سارة غصتها، وقالت بصوتٍ اختلط فيه الألم بالعتاب:للدرجة دي وجودي بقى بيضايقك يا سلطان؟

ظل صامتًا.

فأكملت والدموع تلمع بعينيها:للدرجة دي نسيت اللي كان بينا؟

اشتعلت عيناه فجأة وقال بصرامة: كان...
شدد على كلمته: كان بينا... وخلاص انتهى.

هزت رأسها بعنف، ودموعها انحدرت فوق وجنتيها.ـ لا...لا يا سلطان.
اللي بينا عمره ما انتهى ولا هيخلص... حتى لو إنت عاوز تقنع نفسك بكده.
وبعدين انا ماليش غيرك دلوقتي بعد موت امي ...

اقترب خطوة، وقال بحدة:يعني إيه؟

رفعت رأسها إليه...
وأخرجت الكلمات التي كانت تثقل صدرها:
أنا... انا حامل يا سلطان.

ساد صمت مخيف ومرعب...
ثم دوى صوته في أرجاء المكتب كالرعد وهو يضرب كفه فوق سطح المكتب بعنف:نعم يا أختي؟!
حا... ايه حامل ؟؟؟ ده إزاي إن شاء الله؟!

نظرت إليه بذهول.

أما هو فكان الغضب يتصاعد داخله بصورة مخيفة : إنتِ جاية تلبسيني تهمه مش بتاعتي...
أنا قربت منك مرة واحدة...
وإنتِ عارفة حصلت ليه... وإزاي... ومين اللي كان السبب فيها.
ناسيه ولا تحبي افكرك...

اهتز كتفيها بنحيب وظلت صامته ، فهدر هو بعنف: ايه افتكرتي../
افتكرتي انك انتي اللي عرضتي نفسك عليا في وقت كانت كل الظروف ضدي ....
ومش هنكر ان انا ضعفت زيي زي اي رجل واستسلمت لك ...//

هتفت وهي تبكي:وإنت عارف كويس إنك الراجل الوحيد في حياتي...

ضحك سلطان ضحكة قصيرة خالية من أي مرح : الوحيد؟
رفع حاجبه ساخرًا : هو إنتِ نسيتي إنك كنتِ متجوزة قبلي؟
ولا فجأة الماضي اتشال من حساباتك؟

شهقت وهي تهز رأسها بعنف : لا...
من يوم ما عرفتك مفيش رجل دخل حياتي غيرك،،،

نظر إليها طويلًاثم قال بجمود قاتل:حتي لو 
أنا مش هشيل شيلة مش شيلتي ...
ثم تابع بوقاحه : واظن انتي عارفه اني لحقت نفسي ساعتها ....
اللي في بطنك ده...ده لو كان في بطنك عيل اساساً مش ابني.

تجمدت ملامحها وهمست بعدم استيعاب:
يعني ايه ؟؟ انت مش مصدقني؟؟

اقترب منها حتى أصبح لا يفصل بينهما سوى خطوة وقال وهو ينظر مباشرة داخل عينيها:يعني اللي سمعتيه.
روحي دوري على واحد غيري تمثلي عليه تمثليتك الهابطه دي مش انا ...

ارتجف جسدها...لكن شيئًا تبدل داخلها فجأة اختفت دموعها ومسحت وجنتيها ببطء...ثم رفعت رأسها إليه.
ولم يعد في عينيها انكسار...بل تصميم.
قالت بثبات:طب اسمع بقى يا شيخ سلطان الخلاصه...
اللي في بطني ده...ابنك.
وسواء اقتنعت أو لا...إنت مجبر تعترف بيه.

انعقد حاجباه وقد راي وجهها الحقيقي وقال بسخرية باردة: انا مش مجبر علي حاجه ومحدش يقدر يجبرني اعترف بحاجه انا متاكد انها استحاله تحصل ،،،

ابتسمت لأول مرة منذ دخلت المكتب.
ابتسامة لم تعجبه : تمام ، بس ساعتها ما تزعلش من اللي هعمله،،،،

ـ ضيق سلطان عينيه عليها ببرود مخيف: اللي هو ايه بقي؟؟

ساره باندفاع وتهور : هروح لكبير شيوخ الجنوب وأقوله إن شيخ العامرية...
الشيخ سلطان العامري...كان متجوزني عرفي في السر ورفض يعترف بمراته...
ولا بابنه اللي في بطنها.

ثم مالت برأسها قليلًا وهي تراقب أثر كلماتها: ـ وساعتها بقي ....
إنت أدرى مني.. إيه اللي هيحصل بعدها...

لأول مرة...اهتزت ملامح سلطان.
لكنها لم تكن ملامح خوف...بل غضبٍ أسود.
اقترب منها بخطوات بطيئة...
وقال من بين أسنانه بغضب مخيف : جربي تعمليها وساعتها هتشوفي وش من سلطان العامري ما اتمناش لالد انه يشوفه ..

صمت لثواني يراقب اهتزاز نظراتها وتابع : أنا طلقتك وقطعت الورقة...قبل ما أتجوز حور.وإنتِ عارفة ده كويس وكان بموافقتك انا ما غدرتش بيكي ...
وكمان اخدتي مني شيك بمليون جنيه مؤخر ولا انا غلطان؟؟؟

صمت لحظة...ثم أردف وهو يرمقها باحتقار:ولا انتي معاكي نسخة تانية؟

لم تتراجع بل قالت بثقة:ـ كنت بأمّن نفسي.

ساد الصمت المطبق بينهم ...

نظر إليها سلطان طويلًا...وكأن الرجل الذي أحبها يومًا او ظن انه حبها ،لم يعد يرى أمامه سوى امراة غريبه طامعه احكمت شباكها حوله وظنت انها اوقعته فيها..
ثم قال بصوت خرج ممتلئًا بالاشمئزاز:أنا فعلًا اتخدعت فيكي إنتِي واحدة واطية...
وبعتِي كل حاجة كانت بينا علشان توصلي للي إنتِ عاوزاه.

ابتسمت سارة ابتسامة باهتة وقالت وهي تتجه نحو الباب:ـ في الحب والحرب...
كل الأساليب مباحة يا شيخ سلطان.

توقفت قبل أن تفتح الباب ثم التفتت إليه للمرة الأخيرة : قدامك لحد بكرة.
تفكر...وتقرر.
يا تعترف بابنك...
يا نستنى حكم كبار شيوخ الجنوب.
ثم فتحت الباب...وخرجت.

بينما بقي سلطان واقفًا مكانه...
وعيناه مشتعلة بالغضب.
ولم يكن يعلم... أن خلف الباب مباشرة...
كانت هانم قد استمعت ما يكفي...
ليبدأ فصل جديد من الحرب...

وساد المكتب صمت ثقيل.
ظل سلطان واقفًا مكانه، وعيناه معلقتان بالباب الذي خرجت منه.
كان صدره يعلو ويهبط بعنف، وأنفاسه تخرج متلاحقة، بينما راحت كفاه تنقبضان حتى برزت عروق ذراعيه.
همس من بين أسنانه، والغضب يحرق صوته: يا بنت الكلب ...
إنتِي لعبتي بالنار يا سارة.والنار دي هتحرقك.

استدار فجأة...
فوقعت عيناه على المزهرية الكريستالية الموضوعة فوق الطاولة الجانبية.
وفي لحظة انفجر غضبه.
اندفعت يده بقوة، فضربها بكل ما أوتي من غضب وقوه وارتطمت بالأرض...
وتحولت إلى عشرات الشظايا التي تناثرت في أنحاء المكتب، بينما دوى صوت تحطمها في المكان.

لكن ذلك...لم يكن كافيًا ليطفئ النار المشتعلة داخله.
رفع كفيه إلى رأسه، وأغمض عينيه بقوة.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم زفره بعنف، وكأنه يحاول أن يمنع نفسه من ارتكاب شيءٍ يندم عليه.
تمتم بصوت متحشرج: أقسم بالله... لو لمستِي حورأو فكرتِ تأذيها لهدفنك بإيدي

صمت...لكن اسمها وحده كشف الحقيقة التي كان يحاول الهروب منها.
حور......
لم يكن يخشى كلام سارة ولا تهديدها.
بل كان يخشى شيئًا واحدًا فقط...
أن تصل تلك السموم إلى قلب حور.
أن تنظر إليه يومًا بعينٍ يشوبها الشك.
أن تصدق، ولو للحظة، أن ماضيه قد يعود لينتزع منها الأمان الذي بدأ يبنيه معها.
ضغط على حافة المكتب حتى ابيضت مفاصل أصابعه وهمس لنفسه، لأول مرة بصوت يحمل خوفًا حقيقيًا:أنا أقدر أواجه الدنيا كلها الا اني اخسرك يا حور...

أغمض عينيه للحظة...ثم رفع رأسه ببطء.
واشتعلت عيناه بعزمٍ مخيف : وأقسم بالله... قبل ما حد يقرب من حور او يحاول يفرق بينا هكون أنا نهايته."
............................

خرجت سارة من مكتب سلطان بخطوات متسارعة، تكتم دموعها بصعوبة.

كانت قبضتها تنغرس في حقيبة يدها، بينما يتردد صدى كلماته القاسية داخل رأسها.
فتحت باب الغرفة التي أعدت لها، ودخلت مسرعة.
لكنها لم تكد تغلقه حتى انفتح بعنف.
التفتت بفزع...
لتجد هانم تدخل كالعاصفة.
كان وجهها محتقنًا، وعيناها تقدحان شررًا.

أما في الخارج...
فكانت ماجدة قد رأت هانم تصعد خلف سارة بتلك السرعة الغريبة.

انعقد حاجباها في دهشة همست لنفسها:
هو ايه اللي بيحصل بالظبط؟؟

اقتربت بهدوء من الباب الذي لم يُغلق بإحكام ووقفت في الخارج...
تسترق السمع.!!!!

أغلقت هانم الباب بعنف، ثم تقدمت حتى وقفت أمام سارة مباشرة.
وقالت بصوت خرج منخفضًا لكنه كان مخيفًا: الكلام اللي اتقال تحت في المكتب... صح؟

حدقت فيها سارة لثوانٍي ثم قالت ببطء: وانتي عرفتي منين؟؟
وسرعان ما ضيقت عينيها وهي تتابع باستهجان:ااااه اكيد كنتي بتتسنطي علينا

تجاهلت هانم سخريتها تمامًا وقالت وهي تكز على أسنانها:جاوبي...
اللي في بطنك...يبقى ابن سلطان؟

رفعت سارة رأسها بثقة، وأجابت دون تردد:ـ أيوه.

ساد الصمت للحظات ثم سألتها هانم بعينين ضيقتين: ليه ما قولتيش من الأول إنك كنتِ متجوزة سلطان؟
إنتِي عارفة إن هدفنا واحد...إن حور تخرج من حياة ابني.

ابتسمت سارة ابتسامة باهتة ثم جلست على طرف الفراش، وقالت بهدوء:علشان كنت مخلياه آخر كارت العب بيه....
كنت عاوزة سلطان يرجعلي بإرادته...مش غصب عنه.

رفعت عينيها إلى هانم وأضافت بثقة: وبعدين...مش إنتِ بس اللي تعرفي تخططي وترسمي.

في اللحظة نفسها...تبدلت نظرة هانم.
واختفى منها أي أثر للهدوء.
قالت ببطء شديد:وإيه حكاية مجلس الشيوخ؟

رفعت سارة كتفيها بلا مبالاة.: هعمل كده فعلًا لو ابنك فضل راكب دماغه ...
ورفض يعترف بجوازنا وباللي في بطني.

لم تكمل كلماتها، فجأة...
اندفعت هانم نحوها كالإعصار وقبضت بكلتا يديها على شعرها بعنف.

صرخت سارة من الألم، وهي تحاول إبعاد يديها.
لكن هانم كانت أقوى.... اشرس... اعنف ..
اقتربت من وجهها حتى كادت أنفاسهما تختلط وفحت من بين أسنانها كالأفعى:
ـ إياك...إياك تعملي كده او حتي تفكري مجرد التفكير فيه هدفنك مكانك ...
وهحفر قبرك بإيدي.

شهقت سارة وهي تتألم:سيبيني...
أنتِ بتوجعيني...

لكن هانم زادت قبضتها وقالت بعينين امتلأتا بجنون الأم: اسيبك وانتي عاوزة تفضحي ابني علشان تستري نفسك؟
حتى لو اللي في بطنك ده فعلًا ابن ولدي...
وحفيدي...
مش هسمحلك تمسي شعرة من راس سلطان ولا تهزي هيبته ولا تكسري صورته قدام الناس.
دفعَتها بقوة حتى ارتطم جسدها بحافة السرير.
ثم أشارت إليها بإصبع مرتجف من شدة الغضب : اسمعيني كويس...
إنتِي لسه ما تعرفيش مين هي هانم العامري ...اللي يفكر يقرب من عيل من عيالي...أمحّيه من على وش الدنيا.

كانت سارة تنظر إليها بذهول.
أما هانم فأكملت بلهجة لا تعرف الرحمة: اعقلي...واوعي عقلك يوديكي للسكة دي.
اسمعي كلامي لو خايفة على نفسك...
وعلى اللي في بطنك...
انسِي مجلس الشيوخ لأن قبل ما تفكري توصلي لهم هكون دفناكي بالحيا...

ساد صمت ثقيل.
ولأول مرة...شعرت سارة بخوف حقيقي.
لم يكن خوفًا من سلطان...
بل من المرأة الواقفة أمامها.

ابتلعت ريقها بصعوبة وهمست بصوت مرتجف:حاضر...

هزت هانم رأسها باحتقار.
ثم نطرتها من ذراعها بعنف حتى كادت تسقط وقالت وهي تتجه نحو الباب:خلي عندك عقل...
علشان اي غلط ممكن يتصلح...
إنما الغلط معايا...مالوش رجوع.

فتحت الباب بعنف وخرجت.
وبقيت سارة مكانها...
تضم بطنها بكفيها، وأنفاسها ترتجف.

أما في الخارج...
فكانت ماجدة واقفة كالصنم وجهها شاحب 
وعيناها اتسعتا بصدمة.
لم تصدق ما سمعته.
همست لنفسها بصوت مرتعش:سارة... كانت متجوزة سلطان؟... وحامل؟!"

ثم تراجعت خطوة إلى الخلف...
وقد أدركت أنها أصبحت تحمل سرًا...
قادرًا على إشعال نارٍ لن تبقي ولن تذر داخل دار العامرية....
...................

في جناح عامر وماجده ....

كان عامر يقف أمام المرآة يعدل ياقة قميصه، يستعد للخروج.
التقط مفاتيح سيارته، وما إن همَّ أن يغادر...
حتى انفتح باب الجناح بعنف.

دخلت ماجدة بخطوات سريعة، وصدرها يعلو ويهبط من شدة انفعالها.

رفع عامر رأسه إليها باستغراب عاقداًً حاجبيه بريبه: مالِك؟ داخلة كده ليه زي زعابيب امشير ...

ألقت وشاحها فوق الأريكة بعنف، ثم هتفت وهي لا تزال تلهث : في مصيبة!

اعتدل عامر في وقفته : مصيبة إيه؟

اقتربت منه، وخفضت صوتها رغم اشتعال ملامحها:أنا كنت باره وسمعت امك بتتكلم مع ساره وعرفت كل حاجه 

انعقد حاجباه أكثر بعدم فهم : وسمعتِي إيه؟

ابتلعت ريقها، ثم قالت ببطء:سارة كانت متجوزة سلطان في السر...

تجمدت ملامح عامر باندهاش وهم ان يتحدث ،لكنها لم تمهله فرصة للحديث وتابعت : وكمان حامل...
وقالِت له إن اللي في بطنها ابنه.
ولما سلطان انكر ،هددته إنها هتروح لمجلس شيوخ الجنوب، وتفضحه قدامهم، وتقول إنه كان متجوزها عرفي ومش راضي يعترف بابنه.

ساد الصمت...لثواني طويلة.
ثم لمعت عينا عامر فجأة ببريقٍ غريب.
بريق طمعٍ لم تستطع ماجدة أن تخطئه.
ابتسم ابتسامة جانبية وهو يتمتم:حلو ده!!!!

نظرت إليه بعدم فهم.

أما هو فأخذ يدور في الغرفة ببطء، وقال وكأنه يحدث نفسه:لو عملت كده فعلاً ...
مجلس الشيوخ ممكن يعزل سلطان من المشيخة وساعتها...
توقف مكانه، والتفت إليها، وقد اتسعت ابتسامته : أبقى أنا شيخ العامرية.

حدجته ماجدة بنظرة ساخطه ثم صرخت فيه بغيظ:يا أخي انت طول عمرك تفكيرك محدود!

اختفت ابتسامته وعبس وجهه: قصدك إيه؟

اقتربت منه حتى أصبحت تواجهه مباشرة.
وقالت وهي تشير بإصبعها إلى صدره:إنت فاكر سلطان هيقف يقول للمجلس: لا... ده مش ابني؟

هز رأسه بتردد.

فأكملت بسخرية: لو الطفل ابنه فعلًا...
هيعترف بيه ،،غصب عنه هيعترف بيه 
ثم أشارت ناحية الباب.
وهانم...هانم نفسها مش هتسيب سارة توصل لمجلس الشيوخ دي ممكن تدفنها حيه لو عملت كده ...
ولا تشوف ابنها واقف قدام الناس مفضوح 

زفر عامر بضيق وسقط فوق المقعد وهو يقول بإحباط أومال الحل إيه؟

ساد الصمت لحظة...

ثم ارتسمت على شفتي ماجدة ابتسامة باردة.ابتسامة جعلت عامر ينظر إليها في ريبة وقالت بهدوء مخيف : الحل بسيط.
نخلص من ساره واللي في بطنها.

تجمد مكانه حدق فيها غير مصدقاً : إنتِ بتقولي إيه؟

جلست أمامه بكل هدوء، وكأنها تتحدث عن أمر عادي : لو اللي في بطنها ابن سلطان...
يبقى هو الوريث الشرعي للمشيخة بعد أبوه وساعتها...انسى إنك في يوم تبقي شيخ  العامرية.

ظلت تنظر إليه وهي تزن وقع كلماتها علي ملامحه، ثم أردفت:لكن لو سلطان ماخلفش...يبقى بعده الدور عليك إنت.

ظل عامر صامتًا يفكر في حديثها ثم قال ببطء:ـ طب...ولو خلصنا من سارة...
ما هي حور ممكن تخلف منه برضه.

ابتسمت ماجدة...لكن ابتسامتها هذه المرة كانت أكثر ظلمة.
وقالت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:سيب موضوع حور عليا.

نظر إليها باستغراب.فمالت نحوه قليلًا، وهمست بثقة:أنا برتب لها من بدري...
وعارفة هعمل إيه بس كل حاجة في وقتها.

انعقد حاجباه بريبه: ناويه علي ايه؟؟
ابتسمت دون أن تجيبه ثم قالت وهي تنهض من مكانها: إنت بس اسمع كلامي...
ونخلص من سارة واللي في بطنها قبل فوات الأوان.

ظل عامر يحدق فيها طويلًا...
ولأول مرة يشعر بالخوف من تفكيرها ..
أما ماجدة...فاتجهت نحو النافذة، وهي تنظر إلى حديقة الدار في صمت.
ثم همست لنفسها، وعيناها تضيقان بحقد: المشيخة مش هتروح منك يا عامر مهما كان التمن."

وساد الجناح صمت ثقيل صمتٌ كانت بدايته مؤامرة...وقد تكون نهايته دمًا...
......................

في جناح سلطان.....

كان الليل قد أرخى سدوله على الدار، وغرقت أرجاؤها في سكونٍ لا يقطعه سوى نقيق الضفادع القادم من الحقول البعيدة.

انفتح باب الجناح ببطء ودخل سلطان.
كانت خطواته أثقل من المعتاد، وملامحه شاحبة على غير عادته، كأن هموم العالم كلها استقرت فوق كتفيه.

أغلق الباب خلفه في هدوء ثم خلع ساعته، وألقاها فوق الطاولة بإهمال، واتجه نحو الأريكة وجلس عليها، وأسند مرفقيه فوق ركبتيه، بينما انحنى برأسه إلى الأمام، وأغمض عينيه للحظات.

خرجت حور من غرفة  الملابس بعدما سمعت صوته.

وما إن وقع بصرها عليه حتى اختفت ابتسامتها.
اقتربت منه ببطء، وجلست القرفصاء أمامه، تتأمل وجهه المتعب.
ثم قالت برقة:مالك شكلك تعبان أوي.

رفع عينيه إليها.
ابتسم ابتسامة باهتة، لكنها لم تصل إلى عينيه.

أكملت بلومٍ لطيف: ـ إنت حتى مرجعتش نتغدى سوا زي ما اتفقنا.

ظل ينظر إليها طويلًا...
وكأنه يحاول أن يحفظ تفاصيل وجهها داخل قلبه.وجهها...ابتسامتها...
وعيناها اللتان أصبحتا موطنًا لراحته.
همس أخيرًا بهم :كان عندي شغل كتير.

عقدت حاجبيها.
لم تكن تلك النظرة التي تعرفها كان هناك شيء يختبئ خلف عينيه شيء لم تستطع تفسيره.
رفعت كفها تتحسس وجنته برفق، وهمست:
مالك يا سلطان...؟
صمتت لحظة، ثم سألت بحذر:هو... إنت لسه زعلان من اللي حصل الصبح من صبري قدام الجامعة؟

وما إن ذكرت اسمه حتى تبدلت ملامحه.
اشتدت عضلات فكه، وقال بلهجة حاسمة:ـ متجيبيش سيرة صبري على لسانك تاني.
خفض صوته قليلًا، لكنه ظل يحمل الغيرة نفسها : وأنا قلتلك الصبح...
مش عاوز أي تعامل بينكم بأي شكل.

ابتسمت ابتسامة صغيرة، وأومأت برأسها في هدوء : حاضر طالما ده يريحك... حاضر.

نظر إليها...وشعر بوخزة داخل صدره.
كيف استطاعت أن تطمئنه بكلمة واحدة...
بينما هو يخفي عنها جبلًا كاملًا من الأسرار؟
هتف يشاكشها : ايه حاضر دي مش هتقولي امرك يا شيخ سلطان....

اشتعلت وجنتيها من تلميحاته وهزت راسها بنفي : تؤ تؤ مش هقول ....

ابتسم بشحوب: بقي كده ماشي هعديها لك المره دي .
صمت وعاد شروده يبتلعه من جديد.

لاحظت حور ذلك ..فنهضت في هدوء.
واستدارت خلفه ثم وضعت كفيها برفق فوق كتفيه.
بدأت تفك أزرار سترته، ونزعتها عنه بحنان، قبل أن تضعها جانبًا.

ثم أخذت تدلك كتفيه بأطراف أصابعها في حركات بطيئة هادئة.

أغمض سلطان عينيه تلقائيًا وزفر أنفاسه ببطء.
كم كانت لمسة يديها قادرة على انتزاعه من كل ما يثقل روحه.

ابتسمت وهي تواصل تدليك كتفيه ثم قالت بدلالٍ رقيق:مش هتقولي سارة كانت عاوزة منك إيه وايه اللي رجعها تاني؟؟

في اللحظة نفسها...تجمد جسده كله تحت يديها وانقطعت أنفاسه للحظة.
قبض على كفيه فوق ركبتيه كان يخشى تلك اللحظة.
لم يرد أن يكذب عليها...ولم يستطع أن يقول الحقيقة الان ....
ظل صامتًا لثواني 
ثم رفع إحدى يديه، وأمسك بكفها برفق شدها نحوه حتى وقعت جالسه علي قدميه داخل حضنه.....
لف ذراعه حول خصرها بقوه يقربها منه ورفع كفه الأخرى ووضعها فوق خدها برقة.
ظل ينظر داخل عينيها طويلًا...
ثم قال بصوت خافت:ـ أوعدك إني هقولك كل حاجة بس في الوقت المناسب.

ابتلعت ريقها بصمت، وظلت تنظر إليه.

فأكمل: في حاجة لازم أتأكد منها الأول...
ولما أتأكد هحكيلك كل حاجة... من غير ما أخبي عنك حرف.

تأملت وجهه للحظات كانت ترى الصدق في عينيه...وترى التعب أيضًا.وربما الخوف ...

لكنها لم تضغط عليه فاكتفت بإيماءة صغيرة وهي تبتسم له برقه ...

ابتسم لها ابتسامة امتنان...
ثم عاد وجهه يزداد جدية وقال وهو يمرر إبهامه فوق وجنتها بحنان : بس قبل أي حاجة عاوزك توعديني ؟؟

شعرت بالقلق لكنها اخفته خلف ابتسامتها : اوعدك بايه؟؟

نظر إليها نظرة امتزج فيها الحب بالخوف.
وقال ببطء:مهما كان...
مهما كانت الحقيقة اللي هقولها لك عن سارة أوعي تخليها تأثر على اللي بينا.
أوعي تبعدك عني وأوعي تصدقي...
إن فيه حاجة في الدنيا دي تقدر تغير مكانك عندي.

خفق قلبها بعنف كانت تلك أول مرة تسمعه يتحدث بذلك القدر من الخوف والحب !!!!

ابتسمت ابتسامة دافئة...
ورفعت كفها فوق يده الموضوعة على خدها.
ثم قالت وعيناها لا تفارقان عينيه: أوعدك يا سلطان مفيش حاجة في الدنيا هتفرق بينا.
ولا هتبعدني عنك وطالما الحقيقة هسمعها منك يبقى مفيش آي حاجه هتاثر عليا ...

ساد الصمت بينهم لكن هذه المرة...
لم يكن صمتًا ثقيلًا بل كان صمتًا امتلأ بالطمأنينة.
ارتخت ملامح سلطان لأول مرة منذ عاد إلى الدار وخرجت من بين شفتيه ابتسامة صادقة همس وهو ينظر إليها بعشقٍ لم يعد يستطيع إخفاءه:ـ الحمد لله... ريحتي قلبي..

ثم هتف وهو ينهض من جلسته ويحملها علي ذراعيه وقال بصوتٍ متعب، يحمل من الرجاء أكثر مما يحمل من الطلب: ودلوقتي...أنا تعبان أوي...
ومحتاج أرتاح وأنام في حضنك.

اتسعت ابتسامتها، بخجل وهتفت بوجنتين ملتهبتين : سلطان بلاش جنان ...

هتف سلطان وهو يضعها برفق فوق الفراش : احلي حاجه في الدنيا الجنان معاكي ...
وما إن استلقى بجوارها...
حتى أسند رأسه فوق صدرها، ولف ذراعه حول خصرها، كطفلٍ وجد أخيرًا ملاذه الآمن.

تجمدت لثواني وسرعان ما استرخي جسدها وراحت أصابعها تنساب بين خصلات شعره في حنانٍ بالغ وعلي وجهها ابتسامه سعاده.

وأغمض هو عينيه لأول مرة منذ عادت سارة...يشعر أن العالم، بكل ما فيه من فوضى، قد صمت...
ما دام بين ذراعي حور....حوريته هو ..
.....................


تعليقات