رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الخامس عشر 15 بقلم ليلي طاهر


 رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الخامس عشر 

---خرج عاصم من غرفة لينا، وأغلق الباب خلفه بهدوء.

ظل واقفًا للحظات أمام الباب، وعقله لا يزال عالقًا عند تلك الجملة التي قالتها له:

ـ لو سمحت...

قطب حاجبيه.

ماذا كانت تريد أن تقول؟

ظل السؤال يلاحقه للحظات، قبل أن يزفر بضيق ويتمتم:

ـ مش مهم.

ثم استدار وأكمل طريقه.

أما في الداخل...

فظلت لينا تحدق في الباب المغلق.

كانت تريد أن تشكره...

لكنها لم تستطع.

لأنها، رغم كل ما فعله من أجلها، لم تستطع أن تنسى أنه كان السبب الذي قادها إلى تلك الليلة.

ولأول مرة...

لم تعرف لينا أيهما أصعب عليها:

أن تلوم عاصم...

أم أن تكون ممتنة له.

وفي الوقت نفسه...

كان عاصم قد وصل إلى باب المستشفى.

دفع الباب الزجاجي وخرج إلى الخارج بخطوات بطيئة.

كانت سيارته تنتظره أمام مدخل المستشفى.

وما إن لمح مسعد يقترب منه، حتى فتح له باب السيارة.

استقل عاصم المقعد الخلفي، وأغلق الباب خلفه.

انطلق مسعد بالسيارة، بينما أسند عاصم رأسه إلى المقعد وأغمض عينيه.

كان يومًا طويلًا ومرهقًا.

منذ أن استيقظ صباحًا، ذهب إلى الجامعة، ثم انشغل طوال اليوم، وبعدها ذهب إلى المستشفى مع والدته، ثم عاد إلى المستشفى مرة أخرى بسبب لينا.

لم يجد خلال اليوم كله لحظة واحدة يلتقط فيها أنفاسه.

أراح رأسه إلى الخلف، وأغمض عينيه.

لم يكن يريد التفكير في أي شيء.

فقط أراد أن يرتاح قليلًا.

وبعد لحظات، سأل مسعد:

ـ نروح البيت يا فندم؟

ظل عاصم مغمض العينين، وأجاب بصوت مرهق:

ـ أيوه.

ساد الصمت داخل السيارة.

أخذ عاصم نفسًا عميقًا، محاولًا أن يستسلم للراحة.

لكن عقله...

رغم إرهاقه...

لم يكن يريد أن يهدأ.

كانت صورة لينا تعود أمام عينيه كلما حاول أن يبعدها عن تفكيره.

وجهها الشاحب...

دموعها...

ثم تلك اللحظة التي نظرت إليه فيها وقالت:

ـ لو سمحت...

فتح عاصم عينيه للحظة.

قطب حاجبيه، ثم زفر بضيق.

ـ مش مهم.

وأغمض عينيه من جديد، محاولًا أن يطرد كل شيء من ذهنه.

وفي الوقت نفسه...

كانت سيارة ممدوح قد توقفت أمام الفرع الرئيسي.

ترجل منها مسرعًا، واتجه إلى الداخل بخطوات متعجلة.

وما إن وقع بصره على أحد الموظفين، حتى اقترب منه وسأله بلهفة:

ـ لو سمحت... فيه بنت جت هنا من شوية، شعرها أحمر وعينيها زرقاء...

رفع الموظف رأسه، ثم هز رأسه:

ـ لأ يا فندم... مفيش حد بالمواصفات دي جه هنا.

عقد ممدوح حاجبيه بقلق، وتمتم باستغراب:

ـ أومال راحت فين؟!

استدار وغادر الفرع بخطوات سريعة، وما إن وصل إلى الخارج، حتى سمع صوتًا يناديه:

ـ يا أستاذ! يا أستاذ!

توقف ممدوح، واستدار باستغراب.

كان أحد العاملين في مركز الصيانة يركض نحوه.

ـ البنت اللي حضرتك كنت بتسأل عليها... أنا شوفتها.

اتسعت عينا ممدوح.

ـ شوفتها فين؟!

ـ في الشارع اللي ورا المركز، جنب الفرع.

اقترب ممدوح منه بسرعة.

ـ طب هي فين دلوقتي؟

تردد الرجل للحظة، ثم قال:

ـ والله يا أستاذ، أنا كل اللي شوفته إنها كانت واقفة بتعيط... وكان فيه شابين بيتخانقوا.

تجمد ممدوح في مكانه.

ـ وبعدين؟

ـ معرفش حصل إيه بالضبط، بس فجأة أغمي عليها.

اتسعت عينا ممدوح بصدمة.

ـ أغمي عليها؟!

ـ أيوه.

ـ وبعد كده؟!

ـ واحد من الشابين شالها، وركبها عربيته ومشي.

ظل ممدوح ينظر إليه للحظات، وكأنه يحاول استيعاب ما سمعه.

ثم سأله بسرعة:

ـ متعرفش العربية راحت فين؟

هز الرجل رأسه.

ـ لأ يا فندم، كل حاجة حصلت بسرعة.

استدار ممدوح مسرعًا واتجه نحو سيارته.

كان قلبه يخفق بعنف.

لينا كانت تبكي في الشارع...

ثم أغمي عليها...

ورجل غريب حملها وغادر بها.

وفي تلك اللحظة...

أخرج ممدوح هاتفه بسرعة، وبدأ يبحث عن رقم أحد أصدقائه، وهو ضابط شرطة.

كان يريد أن يطلب مساعدته في البحث عن لينا، لكن بعيدًا عن أي إجراءات رسمية أو بلاغات قد تلفت الانتباه إلى اختفائها، أو تتسبب في شوشرة على اسم العيلة.

فآخر ما يريده الآن أن يعرف أحد أن حفيدة العيلة اختفت لساعات، خصوصًا أنه لم يكن يعرف حتى أين ذهبت، أو ماذا حدث لها.

كان يريد أن يجدها أولًا...

ثم يفكر بعد ذلك في كل شيء.

لكن قبل أن يضغط على زر الاتصال...

رن هاتفه.

توقف ممدوح، ونظر إلى الشاشة.

رقم غريب.

عقد حاجبيه بضيق، ثم ضغط على زر إلغاء المكالمة.

ـ هو ده وقته بس؟

عاد يبحث عن رقم صديقه من جديد، لكنه لم يكد يجده حتى رن هاتفه مرة أخرى.

رفع ممدوح عينيه إلى الشاشة.

نفس الرقم.

زفر بضيق، ثم ضغط على زر الإجابة.

ـ ألو؟

وفي الوقت نفسه...

كانت لينا تمسك الهاتف إلى أذنها، بينما راحت تقضم أظافر يدها الأخرى بقلق، وهي تمشي ذهابًا وإيابًا أمام سريرها.

ـ ماترد بقى يا ممدوح...

وفجأة...

جاءها صوته:

ـ ألو؟

توقفت لينا عن السير.

ـ ممدوح!

وما إن سمع ممدوح صوتها، حتى تجمد في مكانه.

اتسعت عيناه، وانحبس نفسه للحظة، وكأنه لم يصدق أن الصوت الذي ظل يبحث عنه طوال هذا الوقت جاءه أخيرًا.

ـ لينا؟!

خرج اسمها منه بلهفة شديدة، ممزوجة بصدمة وارتياح.

ـ أيوه أنا.

أغمض ممدوح عينيه للحظة، وأطلق زفرة طويلة، ثم قال بسرعة:

ـ إنتي فين؟!

نظرت لينا حولها بحيرة.

ـ أنا في مستشفى...

انتفض ممدوح:

ـ مستشفى؟!

ـ أيوه.

كانت الممرضة أمام باب الغرفة تنتظر هاتفها، فالتفتت إليها لينا بسرعة، وسألتها:

ـ هو أنا في مستشفى إيه؟

أجابتها الممرضة:

ـ مستشفى الشروق.

عادت لينا إلى الهاتف وقالت:

ـ مستشفى الشروق.

لم يتردد ممدوح لحظة:

ـ أنا جاي لك حالًا.

ـ ممدوح، استنى...

لكن قبل أن تكمل لينا كلامها، كان قد أنهى المكالمة بالفعل.

ظل ممدوح ممسكًا بالهاتف للحظات، وعيناه معلقتان أمامه.

لينا بخير.

هذه الجملة وحدها كانت كفيلة بأن تجعله يستعيد أنفاسه.

ثم أخرج ممدوح هاتفه من جديد، وبحث عن اسم زوجته ياسمين.

ضغط على زر الاتصال، ووضع الهاتف على أذنه.

لم تمر سوى ثوانٍ حتى جاءه صوتها بلهفة:

ـ ألو؟ يا ممدوح... لينا ظهرت؟!

ابتسم ممدوح رغم كل ما حدث، وقال بسرعة:

ـ أيوه، متقلقيش... لينا موجودة.

ـ بجد؟! هي فين؟!

ـ هي موجودة في المستشفى، بس متقلقيش... هي كويسة.

تنفست ياسمين براحة.

ـ الحمد لله... طيب هترجعوا إمتى؟

ـ أول ما أخلص معاها، هعدي عليها وأرجع بيها على طول.

ـ طيب طمّن جدو وتيتة.

ـ حاضر.

ـ مع السلامة.

أنهى ممدوح المكالمة.

ظل للحظات ينظر إلى شاشة هاتفه، ثم رفع عينيه إلى الطريق أمامه.

كان قد اتصل بياسمين ليطمئن العائلة قبل أن يصل إلى المستشفى، حتى لا يشعر أحد بالقلق أو يعرف أن لينا وصلت إلى هناك.

أما صديقه الضابط...

فقد نسي تمامًا أن يتصل به.

فقد أصبح كل ما يشغله الآن هو الوصول إلى لينا بنفسه.

ضغط على دواسة الوقود، وانطلق نحو مستشفى الشروق بأقصى سرعة.

وفي الوقت نفسه...

كانت سيارة عاصم تبتعد عن المستشفى.

كان جالسًا في المقعد الخلفي، مغمض العينين، مستندًا برأسه إلى المقعد.

لم يكن يشعر إلا بالتعب.

أغمض عينيه أكثر، محاولًا أن يستسلم للراحة.

لكن بعد دقائق...

فتح عينيه فجأة.

تغيرت ملامحه قليلًا.

رفع يده إلى جيب سترته، ثم إلى جيب بنطاله.

فتش فيهما للحظات.

ثم عقد حاجبيه بضيق.

ـ البطاقة...

تذكر عاصم أنه لم يسترجع بطاقته من موظفة الاستقبال.

كان قد انشغل بلينا، ثم بجرح يده، وبعدها خرج من المستشفى دون أن ينتبه إلى أنه ترك بطاقته هناك.

زفر بضيق، ثم قال لمسعد:

ـ الظاهر كده إني نسيت بطاقتي في الاستقبال.

نظر مسعد إليه من المرآة.

ـ نرجع يا فندم؟

أجاب عاصم دون تردد:

ـ أيوه، لف وارجع المستشفى.

ـ حاضر يا فندم.

استدار مسعد بالسيارة، وعاد في اتجاه مستشفى الشروق.

وفي تلك الأثناء...

توقفت سيارة ممدوح أمام مستشفى الشروق.

وما إن انطفأ محركها حتى فتح الباب وترجل منها مسرعًا.

أغلق باب السيارة خلفه، ثم اندفع إلى داخل المستشفى بخطوات واسعة، وعيناه تبحثان في المكان بقلق.

اتجه مباشرة إلى مكتب الاستقبال، وانحنى قليلًا فوق المكتب، يسأل بلهفة:

ـ لو سمحت، فيه بنت جت هنا من شوية... شعرها أحمر وعينيها زرقاء.

رفعت موظفة الاستقبال عينيها إليه، ثم قالت:

ـ حضرتك تقصد الحالة المجهولة اللي وصلت من شوية؟

أومأ ممدوح بسرعة.

ـ أيوه، هي فين؟

أشارت له الموظفة إلى الممر.

ـ الغرفة هناك.

ـ شكرًا.

استدار ممدوح في اللحظة نفسها، وانطلق في اتجاه الغرفة.

قطع الممر بخطوات سريعة، حتى وصل إلى الباب.

طرق عليه مرة واحدة فقط، ثم فتحه دون انتظار.

وما إن وقعت عينا لينا عليه...

حتى اتسعت عيناها بدهشة.

ـ ممدوح!

نهضت بسرعة، وركضت نحوه.

ـ ممدوح!

ألقت بنفسها بين ذراعيه، وانفجرت في البكاء.

تلقاها ممدوح بسرعة، وأحاطها بذراعيه، وربت على ظهرها بحنان.

ـ اهدى يا حبيبتي...

تشبثت لينا به أكثر، ثم ابتعدت عنه قليلًا، ومسحت دموعها بسرعة.

أمسك ممدوح كتفيها، وأخذ يتفحص وجهها وملامحها بقلق.

ـ إنتي كويسة؟! حصلك حاجة؟

هزت لينا رأسها بسرعة.

ـ لأ، أنا كويسة.

ظل ممدوح يحدق في وجهها.

ـ متأكدة؟

ـ أيوه يا ممدوح، متخافش... أنا كويسة.

تنفس ممدوح بارتياح.

ـ الحمد لله.

ثم سألها بقلق:

ـ أنا عرفت إن فيه شابين كانوا بيتخانقوا، وإنك أغمي عليكي... وإن واحد منهم شالك وركبك معاه العربية.

هزت لينا رأسها بسرعة.

ـ أيوه، بس متخافش.

قطب ممدوح حاجبيه.

ـ طب مين اللي ركبك معاه؟

ترددت لينا للحظة.

خفضت عينيها، ثم قالت:

ـ ده دكتور جديد عندنا في الجامعة، مكان دكتور يحيى...

ثم أسرعت تضيف:

ـ وهو اللي أنقذني.

تنفس ممدوح بارتياح.

ـ آه... الحمد لله.

ثم سألها:

ـ اسمه إيه؟

نظرت إليه لينا بحيرة.

ـ مين؟

ـ الدكتور اللي أنقذك. أنا لازم أكلمه وأشكره بنفسي.

ردت لينا مسرعة:

ـ لا، لا... أنا معرفش اسمه.

عقد ممدوح حاجبيه بضيق.

ـ إنتي لسه برضو مش عايزة حد يعرف إنتي مين؟

هزت لينا رأسها بالموافقة.

ـ معلش يا دوحة... أنا مرتاحة كده.

نظر إليها ممدوح للحظات، ثم هز رأسه بقلة حيلة.

ـ ماشى يا لينا زى ما تحبى.
ـ سألته بسرعة:

ـ جدو وتيتا عرفوا حاجة؟

نظر إليها ممدوح بحنان.

ـ لا يا حبيبتي، معرفوش حاجة.

تنفست لينا براحة.

ابتسم ممدوح ليطمئنها، ووضع يديه فوق كتفيها بحنان:

ـ متخافيش يا لينا، أنا كلمت ياسمين قبل ما أوصل المستشفى وطمنتهم عليكي.

ثم أضاف:
ـ و قلت لها إنك ظهرت وإنك كويسة، وطلبت منها تطمّن جدو وتيتا... بس محدش يعرف إنك في المستشفى ولا يعرف اللي حصل معاكي.

تنفست لينا  براحةوقالت .
ـ بجد؟
ـ بجد، ومتقلقيش... هما مستنيينك ومحدش فيهم يعرف حاجة.

تذكرت لينا.

ـ طب والفون؟

ـ هنعدي ناخده وإحنا راجعين.

أومأت لينا.

ـ تمام.

ربت ممدوح على كتفها بحنان.

ـ خلاص بقى، متفكريش في الموضوع.

ثم قال:

ـ يلا، غيري هدوم العيانين دي، وأنا أروح أخلص إجراءات خروجك وأدفع الحساب ونمشي.

هزت لينا رأسها.

ـ طيب.

اتجه ممدوح نحو الباب، لكنه ما إن همَّ بالخروج حتى نادته لينا:

ـ ممدوح!

توقف ممدوح، والتفت إليها.

ـ نعم يا لولو؟

قالت لينا بسرعة:

ـ على فكرة... الدكتور دفع حساب المستشفى.

رفع ممدوح حاجبيه بدهشة.

ـ كمان؟!

اقترب منها خطوة، ثم غمز لها بمكر وقال بفكاهة:

ـ هو إيه الحكاية بالظبط يا لولو؟!

صرخت لينا بهزار:

ـ ممدوووح!

رفع ممدوح يديه باستسلام، وقال وهو يضحك:

ـ بهزر والله!

نظرت إليه لينا بغيظ مصطنع، ثم قالت:

ـ ما بحبش الهزار ده... وإنت عارف!

ثم ابتسمت رغمًا عنها.

ابتسم ممدوح بدوره، ثم استدار وخرج من الغرفة.

وفي الخارج...

كان عاصم قد وصل مرة أخرى إلى المستشفى.

توقفت السيارة أمام المدخل.

أطفأ مسعد المحرك، ثم التفت إلى عاصم.

ـ وصلنا يا فندم.

فتح عاصم عينيه ببطء.

نظر إلى مبنى المستشفى، ثم تنهد.

ـ روح هات البطاقة من الاستقبال.

ـ حاضر.

ترجل مسعد من السيارة، ودخل إلى المستشفى.

أما عاصم...

فبقي في السيارة.

أسند رأسه إلى المقعد من جديد، وأغمض عينيه.

لم يكن لديه أي رغبة في النزول.

كان مرهقًا للغاية، وكل ما يريده أن ينتهي هذا اليوم الطويل ويعود إلى البيت.

لكن بعد لحظات...

فتح عينيه.

نظر من نافذة السيارة بلا اهتمام.

وفي اللحظة نفسها...

انفتح باب المستشفى.

خرج ممدوح، وبجواره لينا.

لكن لينا ما إن خطت بضع خطوات حتى توقفت فجأة.

شعر ممدوح بتغير خطواتها، فالتفت إليها بسرعة.

ـ مالك؟

وضعت لينا يدها على رأسها.

ـ مفيش... بس حاسة إني دايخة شوية.

اقترب منها ممدوح فورًا، وأمسك بذراعها ليسندها.

ـ طب استني عليا، متتحركيش بسرعة.

هزت لينا رأسها.

ـ أنا كويسة يا دوحة.

ـ على مهلك.

سار ممدوح بجوارها، مسندًا إياها من ذراعها، بينما كانت لينا تحاول أن تبدو بخير حتى لا يقلق عليها أكثر.

وفي تلك اللحظة...

رفع عاصم عينيه.

وقعت عيناه عليها.

تغيرت ملامحه قليلًا.

اعتدل في جلسته.

كانت لينا تسير بجوار رجل يمسك بذراعها ويسندها.

الرجل نفسه الذي سمعه يناديها منذ قليل.

ممدوح.

ظل عاصم يتابعهما للحظات.

ثم تذكر ما قالته له لينا داخل الغرفة.

كانت تنتظر جدها وجدتها حتى يأتيا ويأخذاها.

نظر إلى ممدوح، ثم إلى لينا.

قطب حاجبيه قليلًا.

ـ غريبة...

سكت لحظة، ثم قال بجدية:

ـ مش قالت إن جدها وجدتها هييجوا ياخدوها؟

ظل ينظر إليهما للحظات، وكأنه يحاول فقط فهم الأمر، ثم أشاح بوجهه بعيدًا.

ـ يمكن حد من أهلها.

ولم يشغل الأمر تفكيره أكثر من ذلك.

وفي تلك اللحظة...

توقفت سيارة ممدوح أمام المدخل.

فتح لها ممدوح الباب.

ـ اركبي.

استقلت لينا السيارة، بينما ظل ممدوح واقفًا إلى جوار الباب يتأكد أنها جلست بأمان.

أما عاصم...

فلم يعد ينظر إليهما.

وبمجرد أن رأى مسعد يقترب من السيارة، أعاد نظره إلى الأمام.

فتح مسعد الباب واستقل مقعده، ثم مد البطاقة إلى عاصم.

ـ اتفضل يا فندم.

أخذ عاصم البطاقة منه، ووضعها في جيبه.

ثم قال بهدوء:

ـ يلا يا مسعد.

ـ حاضر يا فندم.

انطلقت السيارة مبتعدة عن المستشفى.

أما سيارة ممدوح...

فكانت قد اتجهت إلى القصر.

وبعد دقائق...

دخلت سيارة ممدوح إلى حديقة القصر، وتوقفت أمام المدخل الرئيسي.

نظرت لينا من نافذة السيارة إلى القصر، ثم أخذت نفسًا عميقًا.

ـ يلا.

ابتسم ممدوح.

ـ يلا يا ستي.

نزلت لينا من السيارة، واتجهت إلى باب القصر، بينما نزل ممدوح خلفها.

وما إن دخلا...

حتى أسرع إليهما عمر، ابن ممدوح وياسمين، راكضًا نحو لينا.

ـ لينا!

انحنت لينا بسرعة، وفتحت ذراعيها له.

ارتمى عمر بين ذراعيها، فضحكت لينا رغم تعبها، واحتضنته بقوة.

ـ وحشتني يا عمر.

ـ وإنتي كمان وحشتيني!

ابتسمت لينا وهي تقبله على رأسه.

لكن ابتسامتها لم تدم طويلًا...

فقد كانت فريدة ونهلة تقفان بالقرب منهما.

نظرت فريدة إلى لينا من أعلى إلى أسفل، ثم قالت ببرود:

ـ أخيرًا رجعتي.

رفعت لينا عينيها إليها.

كانت تعرف جيدًا أن فريدة لا تحبها، ولم تكن بحاجة إلى تفسير نبرة صوتها.

ابتسمت ابتسامة صغيرة باهتة.

ـ أيوه... رجعت.

أما نهلة، فابتسمت ابتسامة لم تصل إلى عينيها، وقالت بنبرة تحمل سخرية واضحة:

ـ الحمد لله إنك رجعتي بالسلامة... كنا قلقانين عليكِ أوي.

نظرت إليها لينا للحظة.

كانت تعرف أن نهلة أيضًا لا تحمل لها أي محبة حقيقية، وأن كلماتها لم تكن سوى مجاملة باردة.

فاكتفت بالرد:

ـ الله يسلمك.

ثم أعادت نظرها إلى عمر، محاولة أن تتجاهل نظراتهما.

أما ممدوح...

فكان يراقب لينا، حتى اطمأن عليها.

ثم نادى:

ـ ياسمين!

التفتت ياسمين إليه بسرعة.

ـ أيوه؟

ـ تعالي معايا.

اقتربت منه ياسمين، ثم صعدا معًا إلى الطابق العلوي.

بقيت لينا في الأسفل مع عمر وباقي أفراد العائلة.

وبعد وقت...

دخلت لينا غرفتها أخيرًا.

أغلقت الباب خلفها، ثم اتجهت إلى السرير وجلست فوقه.

نزعت حذاءها، ثم استلقت ببطء.

رفعت عينيها إلى سقف الغرفة.

كانت متعبة...

لكنها لم تستطع النوم.

كلما أغمضت عينيها...

عاد إليها صوت ذلك الشاب.

ثم ظهر عاصم أمامها من جديد.

تذكرت كيف حملها.

كيف أنقذها.

ثم تذكرت أنها كانت على وشك أن تشكره...

لكنها لم تستطع.

وضعت يدها فوق وجهها بضيق.

ـ أنا ليه بفكر فيه أصلًا؟

ثم سحبت الغطاء فوقها، وأغمضت عينيها.

وبعد لحظات...

استسلم جسدها المتعب للنوم.

وفي مكان آخر...

كانت سيارة عاصم قد توقفت أمام الفيلا.

ترجل منها ببطء، ثم دخل إلى المنزل.

كان الهدوء يملأ المكان.

صعد إلى غرفته، وأغلق الباب خلفه.

خلع سترته وألقاها على المقعد، ثم فك رابطة عنقه وألقاها بجوارها.

اتجه إلى السرير، وجلس على طرفه.

ظل للحظات يحدق أمامه في الفراغ.

ثم رفع يده إلى جرحه الذي بدأ يلتئم.

تنهد.

كلما حاول أن يستعيد أحداث يومه...

ظهرت أمامه صورتها.

لينا...

تلك الفتاة الغريبة التي ظهرت في حياته فجأة.

وجهها الشاحب...

دموعها...

وخوفها.

ثم تذكر صوتها وهي تقول:

ـ لو سمحت...

قطب حاجبيه.

ماذا كانت تريد أن تقول له؟

ظل السؤال يراوده من جديد.

ثم تذكر أيضًا صوت ممدوح وهو يناديها:

ـ يلا يا لينا.

رفع عاصم عينيه إلى الفراغ.

لينا...

الآن أصبح يعرف اسمها.

لا يعرف عنها شيئًا آخر تقريبًا.

لكنه يعرف اسمها.

استلقى على السرير، وأغمض عينيه محاولًا أن ينام.

لكن النوم لم يأتِ.

كانت أحداث اليوم تعود إلى رأسه من جديد.

فتح عينيه بضيق.

ـ يوم طويل...

ثم استدار على جانبه، محاولًا أن يطرد كل شيء من ذهنه.

لكن صورة لينا...

ظلت عالقة في رأسه.

وفي تلك الليلة...

نامت لينا أخيرًا، دون أن تعرف أن الرجل الذي أنقذها في تلك الليلة...

لم يكن شخصًا عابرًا في حياتها كما ظنت.

وفي مكان آخر...

كان عاصم مستلقيًا على سريره، يحاول أن يطرد من رأسه كل ما حدث.

لكن صورة واحدة...

ظلت ترفض أن تختفي.

صورة فتاة ذات شعر أحمر وعينين زرقاوين...

لم يعرف لماذا ظلت عالقة في ذهنه حتى بعد أن عاد إلى منزله.

وبينما كان كلٌّ منهما يظن أن هذا اليوم قد انتهى...

كانت قصتهما قد بدأت بالفعل.

دون أن يعرف أيٌّ منهما...

إلى أين ستقودهما الأيام القادمة.


تعليقات