رواية نارين بين الحب والوجع الفصل السادس عشر 16 بقلم ليلي طاهر


 رواية نارين بين الحب والوجع الفصل السادس عشر 

مر أسبوع منذ تلك الليلة التي انتهت بلينا في المستشفى.

أسبوع كامل حاولت خلاله أن تعود إلى حياتها الطبيعية...

لكن كلما تذكرت ما حدث، تذكرت معه شخصًا واحدًا.
الدكتور المغرور...

الذي كانت آخر مرة رأته فيها وهي في أسوأ حالاتها.

ورغم أنه أنقذها...

لم تستطع أن تنسى أنه كان السبب في بداية كل ما حدث.

فهو من كسر هاتفها، ثم انتهى الأمر بها في المستشفى.

ومنذ ذلك اليوم...

ظلت مشاعرها تجاهه متناقضة.

غاضبة منه...

وممتنة له في الوقت نفسه.

ولهذا...

عندما عرفت أنها ستراه اليوم من جديد...

شعرت بتوتر لم تستطع تفسيره.

---

كانت لينا تجلس في المدرج قبل بداية المحاضرة.

وضعت كراستها أمامها، وأخرجت قلمها، لكنها لم تستطع التركيز في أي شيء.

كانت تنظر بين الحين والآخر إلى باب المدرج.

اليوم...

ستراه مرة أخرى.

زفرت بضيق، ثم تمتمت لنفسها:

ـ مالك يا لينا؟

وسرعان ما أجابت نفسها:

ـ مفيش.

حاولت أن تشغل نفسها بهاتفها ، ثم هزت رأسها.

عضت شفتها بضيق.

تمتمت لنفسها هو مجرد دكتور.

ثم أضافت بعناد:

ـ وأنا أصلًا مش هكلمه.

في تلك اللحظة...

انفتح باب المدرج.

رفعت عينيها تلقائيًا.

ودخل عاصم.

خفضت عينيها بسرعة، وكأنها لا تريد أن يلاحظ ارتباكها.

أما عاصم...

فما إن وقعت عيناه عليها.
توقفت عيناه عندها للحظة.
ظل ينظر إليها لثوانٍ...

ثم اتجه إلى المنصة دون أن يقول شيئًا.

ظلت لينا في مكانها، تحاول أن تتظاهر بالهدوء.

لكنها كانت تشعر بتوتر غريب.

ولم تعرف لماذا...

كلما رفعت عينيها لتنظر إليه...

زاد ارتباكها.

حاولت أن تشغل نفسها عنه، لكن عينيها خانتاها مرة أخرى.

رفعت عينيها إليه.

ثم أسرعت تخفضهما.

ـ هو أنا متوترة ليه بس؟

وضعت يدها على صدرها بضيق.

ثم زفرت بضيق.

ـ ياااه... أنا مش فاهمة حاجة!

وفي تلك اللحظة...

رفع عاصم عينيه إليها.

التقت عيناه بعينيها.

تجمدت لينا.

ولثانية واحدة...

نسيت تمامًا أن تبعد نظرها.

أما عاصم...

فتذكر صوتها في المستشفى...

ـ إنت السبب في كل ده... إنت اللي كسرت موبايلي!

قطب حاجبيه.

واضح إنها لسه مدايقة.

ثم أبعد عينيه عنها وبدأ المحاضرة.

أما لينا...

فأخذت نفسًا عميقًا.

وحاولت أن تركز في الشرح.

لكن شيئًا واحدًا كان يدور في عقلها:

هو ليه كل ما أشوفه بحس بالتوتر ده؟

ولم تكن تعرف...

أن الإجابة على هذا السؤال...

ستبدأ في الظهور أمامها ببطء.

أبطأ مما تتخيل...

وأقرب مما تتوقع.

---

وفي كلية التجارة...

كان مراد يجلس مع اثنين من أصدقائه في إحدى الكافيتريات داخل الجامعة.

كان أمامه كشكول مفتوح، لكنه لم يكن يقرأ منه شيئًا.

ظل يقلب في الصفحات بضيق، ثم قال فجأة:

ـ أنا لازم أنجح.

نظر إليه أحد أصدقائه باستغراب.

ـ إنت؟!

رفع مراد عينيه إليه بضيق.

ـ أيوه أنا.

ضحك صديقه.

ـ من إمتى يا حبيبي؟

ـ من دلوقتي.

ثم أغلق الكشكول أمامه وقال بجدية:

ـ أنا ضيعت وقت كتير، ولازم ألحق نفسي.

نظر إليه صديقه الآخر باستغراب.

ـ إنت ناوي تذاكر بجد؟

ـ آه.

ـ وتحضر المحاضرات كمان؟

ـ آه.

ـ طب إيه اللي حصل لك؟

نظر مراد إليه بضيق.

ـ ما تخلص بقى!

ضحك صديقه، بينما قال مراد:

ـ أنا عايز أصور المحاضرات اللي فاتتني.

فكر صديقه للحظات.

ثم قال:

ـ رنا.

رفع مراد رأسه باستغراب.

ـ نعم؟ أم أربعة عيون!

ضحك صديقه الآخر وقال:

ـ أربعة عيون ولا خمسة حتى... مفيش غيرها. دي دحيحة، مبتفوتش محاضرة.

ظل مراد يفكر للحظات.

ثم قال بتردد:

ـ بس أكيد هترفض.

نظر إليه صديقه باستغراب.

ـ ترفض إيه؟

ـ تصورلي المحاضرات.

ضحك الآخر.

ـ ليه هترفض؟

ـ إنت ناسي إننا كنا بنتريق عليها؟

ساد الصمت للحظة.

ثم قال أحد أصدقائه:

ـ يا ابني دي بنت غلبانة وفقيرة، اعرض عليها فلوس.

رفع مراد حاجبه.

ـ فلوس؟

ـ أيوه.

ثم أضاف ببساطة:

ـ قول لها تصوريلي المحاضرات وأنا هديكي فلوس.

نظر إليه مراد بعدم اقتناع.

ـ تفتكر هتوافق؟

هز صديقه كتفيه.

ـ جرّب.

ظل مراد يفكر للحظات، ثم قال:

ـ طب ألاقيها فين دلوقتي؟

نظر إليه صديقه وكأنه يسأل سؤالًا بديهيًا.

ـ في المكتبة طبعًا.

رفع مراد حاجبه.

ـ المكتبة؟

ضحك صديقه.

ـ أيوه، مبتطلعش منها.

ثم أضاف وهو يضحك:

ـ دي بيتها التاني.

تنهد مراد، ثم أغلق الكشكول ووضعه أمامه.

ـ ماشي... هروح لها.

نظر إليه صديقه باستغراب.

ـ دلوقتي؟

ـ أيوه دلوقتي.

ثم وقف مراد، وحمل كشكوله.

نظر إليه صديقه الآخر وقال بسخرية:

ـ رايح تقابل أم أربعة عيون؟

نظر إليه مراد بغيظ.

ـ اسمها رنا يا حيوان!

سكت للحظة، ثم تمتم بضيق:

ـ وبعدين بطلوا تقولوا عليها كده.

نظر الصديقان إلى بعضهما.

ساد صمت قصير.

ثم انفجرا بالضحك.

أما مراد...

فنظر إليهما بضيق، ثم استدار وغادر.

كان ذاهبًا إلى المكتبة...

لأول مرة منذ وقت طويل، كان يبحث عن رنا.

ولم يكن يعرف...

كيف ستستقبله عندما تراه أمامها من جديد.

---

وصل مراد إلى المكتبة، وبدأ يبحث بعينيه بين الطاولات حتى وجد رنا جالسة في مكانها المعتاد.

كانت أمامها مجموعة من الكراسات والكتب، منشغلة في كتابة بعض الملاحظات.

اقترب منها مراد، ثم توقف أمام طاولتها.

رفعت رنا عينيها إليه.

وما إن رأته حتى عقدت حاجبيها باستغراب.

ـ إنت؟!

ابتسم مراد ابتسامة مترددة.

ـ أيوه... أنا.

أغلقت رنا القلم ونظرت إليه بحذر.

ـ عايز إيه؟

تنهد مراد.

ـ ممكن أطلب منك حاجة؟

نظرت إليه باستغراب.

ـ مني أنا؟

ـ أيوه.

زاد حذرها.

ـ خير؟

تردد مراد للحظة، ثم قال:

ـ أنا فاتتني محاضرات كتير، وكنت عايز أصور المحاضرات اللي فاتتني.

رفعت رنا حاجبها.

ـ طب ما تصورها من أي حد؟

ـ أصل...

توقف قليلًا، ثم أكمل:

ـ قالولي إنك مبتفوتيش محاضرة، وإن أكيد معاكي كل المحاضرات.

نظرت إليه رنا بصمت.

ثم قالت ببرود:

ـ وقالولك تيجي عندي يعني؟

ـ آه.

ـ ومين قالك إني هوافق؟

ـ عشان كده جيت أسألك.

ظلت رنا تنظر إليه بشك.

كان واضحًا أنها غير مرتاحة لوجوده أمامها من الأساس.

فأضاف مراد بسرعة:

ـ وأنا عارف إن اللي أنا بطلبه مش سهل بعد كل اللي حصل.

عقدت رنا حاجبيها.

ـ بعد كل اللي حصل؟

ضحك مراد بخفة محرجة.

ـ يعني... بعد اللي أنا وأصحابي عملناه.

سكتت رنا لحظة.

ثم قالت ببرود:

ـ آه، فعلًا.

خفض مراد عينيه.

ـ عشان كده أنا...

أخرج بعض النقود من جيبه ومدها إليها.

ـ ممكن تاخدي دول مقابل إنك تصوريلي المحاضرات؟

تغيرت ملامح رنا فورًا.

نظرت إلى النقود في يده، ثم رفعت عينيها إليه بصدمة.

ـ إيه ده؟

ارتبك مراد.

ـ فلوس.

ـ عارفة إنها فلوس يا مراد!

دفعت يده بعيدًا عنها.

ـ إنت بتديني فلوس ليه؟

ـ عشان تعبك.

نظرت إليه رنا بغضب.

ـ تعب إيه؟

ـ يعني... هتصوري المحاضرات وهتتعبي نفسك.

ـ وأنا طلبت منك فلوس؟

ـ لا، بس أنا...

قاطعته بعصبية:

ـ بس إيه يا مراد؟ إنت فاكر إن أي حاجة تتحل بالفلوس؟

ـ لا طبعًا.

ـ أمال إيه اللي خلاك تعمل كده؟

ـ أنا مكنتش أقصد...

ـ لأ، إنت عارف كويس إنكم كنتوا بتتريقوا عليّا طول الوقت.

توقفت رنا للحظة، ثم قالت بضيق:

ـ وعارف كمان إنك جاي دلوقتي تطلب مني خدمة.

ـ أيوه.

ـ فأول حاجة فكرت فيها إنك تديني فلوس؟

رفع مراد عينيه إليها بسرعة.

ـ رنا، والله ما كان قصدي أقلل منك.

ـ أمال كان قصدك إيه؟

لم يجد مراد إجابة.

ظل صامتًا للحظات، ثم أعاد النقود إلى جيبه.

ـ عندك حق.

نظرت إليه رنا باستغراب.

تنفس مراد ببطء، ثم قال بصدق:

ـ وأنا آسف... مكنش قصدي أجرحك.

ظلت رنا تنظر إليه دون كلام.

كان واضحًا أن مراد هذه المرة يتحدث بجدية.

فأكمل:

ـ أنا بس مكنتش عارف أطلب منك إزاي بعد كل اللي حصل.

نظرت إليه رنا للحظات.

ثم قالت:

ـ يعني إنت كنت فاكر إن الفلوس هتخليني أوافق؟

ـ مش بالضبط.

ـ أمال؟

تنهد مراد.

ـ كنت فاكر إنها هتخلي الموضوع أسهل.

ابتسمت رنا بسخرية خفيفة.

ـ بالعكس... إنت صعبتها أكتر.

أومأ مراد.

ـ عارف.

ساد الصمت بينهما للحظات.

ثم قال مراد:

ـ بس أنا فعلًا محتاج المحاضرات يا رنا.

نظرت إليه دون رد.

فأضاف:

ـ أنا ضيعت وقت كتير، وعايز ألحق نفسي.

ثم تابع بصدق:

ـ وعايز أبدأ أذاكر وأحضر وأعمل اللي عليا.

ظلت رنا تنظر إليه.

لم تكن مقتنعة به تمامًا.

فهي تعرف مراد جيدًا...

وتعرف أنه قضى وقتًا طويلًا يسخر منها ومن شكلها، هو وأصدقاؤه.

لكنها هذه المرة لم ترَ في عينيه أي سخرية.

فقط...

كان يبدو صادقًا.

تنهدت رنا.

ـ طيب... خلاص يا مراد.

رفع عينيه إليها.

ـ خلاص إيه؟

نظرت إليه لحظة، ثم قالت:

ـ هصدقك.

اتسعت عيناه قليلًا.

ـ بجد؟

هزت رنا رأسها.

ـ آه.

ثم أضافت:

ـ وهديك المحاضرات.

ابتسم مراد دون أن يشعر.

ـ شكرًا.

لكن رنا رفعت إصبعها في وجهه محذرة.

ـ استنى.

اختفت ابتسامته فورًا.

ـ نعم؟

نظرت إليه بجدية.

ـ أنا هساعدك، بس لو اللي بتعمله ده طلع مقلب...

توقفت لحظة، ثم أكملت:

ـ أو إنت وأصحابك عاملين الحركة دي عشان تضحكوا عليّا وتتريقوا تاني...

نظرت إليه بتحذير واضح.

ـ ساعتها يا مراد... إنت اللي هتندم.

ابتلع مراد ريقه.

ـ لا، والله ما في مقلب.

ـ أنا بحذرك بس.

ـ وأنا فهمت.

ضيقت رنا عينيها.

ـ أحسن لك.

ثم فتحت حقيبتها وأخرجت كشكولًا ومدته إليه.

ـ خد.

أخذ مراد الكشكول منها.

لكن رنا قالت فورًا:

ـ وخلي بالك منه.

نظر إليها.

ـ حاضر.

ـ لو حصل له حاجة...

توقفت لحظة، ثم أكملت بجدية:

ـ أو رجعلي ناقص ورقة واحدة...

اقتربت منه قليلًا وقالت:

ـ ساعتها مش هسكت لك.

ضحك مراد بخفة.

ـ حاضر يا رنا.

رفعت حاجبها.

ـ إيه؟

ـ ولا حاجة.

ـ مراد!

رفع يده باستسلام.

ـ حاضر، حاضر.

ثم نظر إلى الكراسة التي في يده.

ـ شكرًا بجد.

توقفت رنا للحظة.

ثم قالت ببساطة:

ـ العفو.

استدار مراد ليغادر، لكنه توقف لحظة.

نظر إلى الكراسة في يده...

ثم إلى رنا.

للحظة، فكر في نفسه وفي كل السنوات التي قضاها مستهترًا بدراسته، يضيع وقته وكأنه يملك وقتًا لا ينتهي.

وفكر أيضًا في الطريقة التي كان يتعامل بها مع الناس...

كان يظن أن امتلاكه للمال يجعله قادرًا على الحصول على كل ما يريد.

لكن الآن...

بدأ يفهم أن هناك أشياء لا تُشترى بالمال.

احترام الناس...

وثقتهم...

وكرامتهم.

وأن الإنسان عندما يؤذي شخصًا، لن يستطيع أن يمحو أفعاله بمجرد أن يخرج محفظته.

نظر مراد إلى رنا مرة أخيرة.

ثم قال:

ـ أشوفك بعدين.

رفعت رنا عينيها إليه.

ـ ماشي.

استدار مراد وغادر المكتبة.

أما رنا...

فعادت إلى كراساتها.

لكنها ظلت تراقبه بطرف عينها حتى اختفى من أمامها.

ثم تمتمت بضيق:

ـ ربنا يستر منك يا مراد.

ثم عادت إلى ما كانت تفعله...

لكن هذه المرة، كان هناك شيء مختلف.

فمراد الذي دخل المكتبة منذ دقائق...

لم يخرج منها كما دخل.

ولأول مرة...

بدأ يفهم أن النجاح الذي يبحث عنه ليس مجرد درجات.

وأن التغيير الحقيقي...

لا يبدأ من الكتب والمحاضرات فقط.

بل يبدأ من الإنسان نفسه.

---

مر نصف وقت المحاضرة...

وكان عاصم مستمرًا في الشرح بهدوء.

كانت كلماته تصل إلى الطلاب بوضوح، بينما انشغل معظمهم بتسجيل الملاحظات.

أما لينا...

فكانت تحاول بكل قوتها أن تركز في المحاضرة.

تحاول أن تتجاهل وجوده أمامها.

تحاول ألا ترفع عينيها إليه كل دقيقتين.

لكنها كانت تفشل في كل مرة.

رفعت عينيها للحظة...

ثم أسرعت تخفضهما إلى كراستها.

ـ ركزي يا لينا.

تمتمت لنفسها بضيق.

ـركزي في المحاضرة وبلاش تبصي عليه.

حاولت أن تكتب بسرعة لتلاحق كلماته.

لكنها توقفت فجأة عندما سمعت صوت حركة قوية، متبوعة بصوت ارتطام شيء بالأرض خلفها.

التفتت دون قصد.

كانت سيلا تجلس في أحد المقاعد القريبة، وبجوارها فتاة أخرى.

وكانت حركة الفتاة السريعة لتلحق بالشرح قد جعلت كوعها يصطدم بحقيبة سيلا الفاخرة الموضوعة على طرف البنش، فسقطت الحقيبة أرضًا وتناثرت منها بعض الأشياء البسيطة.

انحنت الفتاة بسرعة تجمعها وهي تقول بأسف وارتباك:

ـ أنا آسفة جدًا يا سيلا، والله مخدتش بالي... المحاضرة سريعة بس وبظبط قعدتي عشان أكتب ورا الدكتور.

لكن سيلا لم تقبل الاعتذار.

بل جذبت الحقيبة من يد الفتاة بعنف وضيق، وهي تنفضها بعصبية قائلة بصوت بدأ يرتفع تدريجيًا:

ـ شيل إيدك دي عنها! إنتِ متخلفة؟ مش تفتحي وتشوفي قاعدة إزاي؟ الشنطة اللي وقعتيها دي تمنها يشتري كل اللي وراكي واللي قدامك!

تراجعت الفتاة، وتغيرت ملامحها من الأسف إلى الضيق بسبب أسلوب سيلا الحاد.

وقالت:

ـ متخلفة؟ أنا اعتذرتلك وقولتلك مكنش قصدي! الشنطة موقعتش في الطين يعني عشان الأسلوب ده كله!

رفعت سيلا حاجبها ونظرت إليها بتعالٍ وسخرية.

ثم قالت بنبرة مستفزة:

ـ فرقت إيه يعني؟ إنتِ أصلًا آخره كشكول بـ٢٠ جنيه غرق أو وقع مش هيفرق معاكي، لكن دي شنطة غالية وجاية من برة، ومسمحش لأي حد يلمسها بالمنظر ده.

وقفت الفتاة في مكانها.

وعيناها تلمعان بالكرامة والغضب.

ـ كشكول بـ٢٠ جنيه؟ إنتِ مريضة بالمنظرة والفلوس! أنا غلطانة إني احترمتك واعتذرتلك أصلًا... الفلوس والماركات اللي بتتمنظري بيها على الناس دي مش هتعوض النقص اللي جواكي، ولا هتعلمك إزاي تحترمي زمايلك!

اشتعل الغضب في عيني سيلا.

وقفت هي الأخرى بحدة.

ثم، وبحركة سريعة من يدها، دفعت كشكول الفتاة ليسقط على الأرض.

وقالت بكبرياء حاد:

ـ أنا هعرفك حجمك كويس هنا عشان تاخدي بالك بعد كده وإنتِ قاعدة جنبي!

ارتفع صوت سيلا بشدة هذه المرة.

وتوقفت الأقلام عن الكتابة.

بدأت الأنظار كلها تتجه نحوهما بذهول.

لينا نفسها رفعت عينيها تراقب الموقف بصدمة.

وفي اللحظة نفسها...

توقف عاصم عن الكلام.

ساد المدرج صمت مفاجئ.

أنزل عاصم يده ببطء.

ثم نظر إلى الطلاب.

لم يتكلم.

فقط ظل ينظر.

حتى وقعت عيناه على سيلا الواقفة بكبرياء...

ثم على الفتاة الجالسة بجوارها...

وأخيرًا على الكشكول الملقى أرضًا وسط الأشياء المتناثرة.

عرف فورًا أن هناك مشكلة.

تجمدت سيلا في مكانها.

فهي تعرف هذه النظرة جيدًا.

نظرة أخيها...

التي تعني أن صبره بدأ ينفد.

قال عاصم بهدوء:

ـ في حاجة؟

لم يرد أحد.

ساد المدرج وجوم تام.

نظر عاصم إلى الفتاة الجالسة بجوار سيلا.

كانت الفتاة تنظر إلى الأرض في صمت.

لم تكن تريد أن تتحدث.

فهي تعرف أن هذا الدكتور هو شقيق سيلا.

وربما كانت تتوقع أنه لن ينصفها على حساب أخته.

لذلك فضلت الصمت.

تحولت نظرات عاصم الصارمة مباشرة نحو شقيقته.

وتلاقت أعينهما.

ـ سيلا؟

ارتبكت تمامًا.

وابتلعت ريقها بصعوبة.

فنبرة عاصم هذه المرة لم تكن تحتمل أي مناورة.

قالت بسرعة:

ـ نعم يا دكتور؟

نظر عاصم إلى الأرض.

ثم رفع عينيه إليها من جديد.

ـ ممكن أعرف إيه اللي بيحصل هنا؟

سكتت سيلا.

فأكمل:

ـ وكشكول مين اللي مرمي على الأرض ده؟

نظرت الفتاة إلى عاصم بطرف عينها.

ثم عادت تنظر إلى الأرض.

كانت تنتظر أن تنكر سيلا ما حدث...

أو تحاول أن تقلب الموقف عليها.

أما سيلا...

فرغم غرورها، إلا أن خوفها الشديد من عاصم واحترامها له جعلها عاجزة عن الكذب أمامه.

كانت تعلم أن أي محاولة للالتفاف على الحقيقة ستجعل الأمر أسوأ.

تنحنحت بارتباك.

ـ يا دكتور... ده كشكولها.

أشار عاصم بعينيه إلى الكشكول.

ـ وإيه اللي نزله الأرض؟

ترددت سيلا.

ـ هي... هي وقعت شنطتي.

ظل عاصم ينظر إليها.

ـ وبعدها؟

خفضت سيلا عينيها.

ـ اتضايقت.

ـ فوقعتي كشكولها؟

لم تجب.

كان صمتها كافيًا.

ضيق عاصم عينيه.

ـ سيلا.

رفعت عينيها إليه.

ـ نعم؟

قال بصرامة:

ـ أنا سألتك سؤال.

ابتلعت ريقها.

ـ أيوه.

ظل عاصم ينظر إليها لثوانٍ.

ثم قال:

ـ يعني زميلتك وقعت شنطتك بالغلط، واعتذرتلك...

سكت لحظة.

ـ وإنتِ بدل ما تقبلي اعتذارها، وقعتي كشكولها؟

خفضت سيلا رأسها.

ـ هي استفزتني، قالت إني مريضة بالمنظرة والفلوس.

نظر عاصم إليها بثبات.

ثم قال:

ـ وقالت لك كده من نفسها؟

صمتت سيلا.
ـ ولا بعد ما اتكلمتي معاها بالطريقة اللي أنا سمعتها؟

ـ بس هي غلطت فيا!

رد عاصم فورًا:

ـ وإنتِ غلطتي فيها الأول.

تجمدت سيلا.

لم تتوقع منه أن يرد عليها بهذه السرعة.

أما عاصم...

فنظر إليها بصرامة.

ـ والفلوس اللي بتتمنظري بيها دي، متساويش حاجة لو مفيش معاها احترام للناس.

ارتجفت ملامح سيلا.

ـ يا دكتور...

قاطعها:

ـ إنتِ عارفة كويس إن اللي عملتيه غلط.

بدأت عينا سيلا تمتلئان بالدموع.

ـ بس أنا...

ـ مفيش بس.

رفع عاصم يده قليلًا.

ـ تنزلي تجيبي الكشكول اللي وقعتيه.

نظرت إليه سيلا بصدمة.

ثم أضاف:

ـ وتعتذري لزميلتك.

اتسعت عينا سيلا.

شعرت سيلا بالإحراج والغضب.

ـ يا دكتور...

ـ سيلااا

توقفت.

كانت تعرف هذه النبرة جيدًا.

نبرة أخيها عندما يكون قد حسم أمره بالفعل.

انحنت سيلا ببطء.

والدموع بدأت تتجمع في عينيها.

مدت يدها والتقطت الكشكول من الأرض.

ثم وقفت أمام الفتاة.

لكنها لم تقل شيئًا.

كانت تحاول أن تسيطر على دموعها.

قال عاصم:

ـ اعتذري.

رفعت سيلا عينيها إليه.

وفي لحظة ضغط وانفعال...

نسيت تمامًا أنه يقف أمامها بصفته دكتورها.

وخرجت الكلمة منها بعفوية:

ـ يا أبيه...

توقفت.

سكت المدرج كله.

أما لينا...

فتوقفت عن الكتابة تمامًا.

رفعت رأسها بسرعة.

ونظرت إلى سيلا.

ثم إلى عاصم.

ـ أبيه؟!

تمتمت بها لينا بصوت منخفض، وكأنها لا تصدق ما سمعته.

ثم قالت لنفسها بدهشة:

ـ سيلا... أخته؟!

اتسعت عيناها أكثر.

كانت تنظر بينهما محاولة استيعاب الأمر.

أما سيلا...

فكانت تنظر إلى عاصم بعيون ممتلئة بالدموع.

ـ إنت بتهيني قدامهم عشانها؟

ساد صمت ثقيل داخل المدرج.

نظر عاصم إليها.

وفي تلك اللحظة...

رأى في عينيها شيئًا جعله يشعر بوخزة ألم.

سيلا.

أخته الصغيرة.

التي طالما أحبها ودللها.

والتي كانت ترى فيه دائمًا أخاها الكبير وسندها.

كان يعرف أنها لم تتوقع منه أبدًا أن يقف ضدها بهذه الطريقة.

وأنه الآن...

كسر شيئًا داخلها.

لكن رغم ذلك...

لم يتراجع.

قال بهدوء حاسم:

ـ أنا هنا الدكتور عاصم.

سكت لحظة.

ثم أضاف:

ـ وفي المدرج ده مفيش فرق بين طالب والتاني.

شهقت سيلا بخفة.

وكأن الجملة أصابتها في مكان حساس.

ثم أشار إلى الفتاة.

ـ هي اعتذرتلك لما شنطتك وقعت.

وعاد بنظره إلى سيلا.

ـ وإنتِ أهنـتيها، ووقعتي حاجتها على الأرض.

توقف لحظة.

ثم قال:

ـ يبقى تعتذري لها.

نظرت سيلا إليه بعيون ممتلئة بدموع الغيظ والانكسار.

لكنها كانت تعرف...

أن عاصم لن يتراجع.

ولأول مرة في حياتها...

لم تستطع أن تختبئ خلف مكانتها.

ولا خلف اسم عائلتها.

ولا حتى خلف أخيها.

خفضت رأسها.

ثم التفتت إلى الفتاة.

وقالت بصوت منخفض ومبحوح:

ـ أنا... آسفة.

رفعت الفتاة عينيها إليها.

لم تتوقع أن تعتذر سيلا أمام الجميع.

قالت بهدوء:

ـ حصل خير.

أومأ عاصم برأسه.

ثم قال:

ـ تمام.
نظرت له سيلا.
وفهم أنها لم تكن تتوقع منه هذا أبدًا.

هذه المرة...

لم يكن في نظرتها غضب فقط.

كان هناك ألم.

وخذلان.

ورغبة في أن تنتهي هذه اللحظة.

تنفست ببطء.

ثم قالت بصوت خافت:

ـ أنا ممكن أستأذن يا دكتور؟

نظر إليها عاصم.

للحظة...

كاد أن يقول لها شيئًا آخر.

شيئًا يخفف عنها.

شيئًا يشعرها أنه ما زال أخاها.

لكنه توقف.

فهي الآن أمام الطلاب.

وهو الآن أمامهم جميعًا.

لذلك اكتفى بقوله:

ـ اتفضلي.

رفعت سيلا عينيها إليه.

كانت تنتظر منه شيئًا.

أي شيء.

لكن عاصم ظل ثابتًا.

فهمت.

خفضت عينيها.

ـ شكرًا يا دكتور.

قالتها بصوت خافت.

ثم انحنت لتلتقط حقيبتها.

كانت تحاول أن تتحرك بسرعة.

تحاول ألا يرى أحد دموعها.

لكنها فشلت.

وقبل أن تخرج...

توقفت.

رفعت عينيها إلى عاصم.

التقت عيناه بعينيها.

وفي تلك اللحظة...

لم يرَ باقي الطلاب ما رأته سيلا.

ولا ما رآه عاصم.

كان هناك حزن في عينيه.

حزن حقيقي.

لكنه لم يكن ندمًا.

كان حزينًا...

لأنه اضطر أن يكون حازمًا معها.

ولأنه يعرف كم كانت هذه اللحظة مؤلمة بالنسبة لها.

لكن لو عاد به الوقت...

سيفعل الشيء نفسه.

لأنه يحبها.

ولأن حبه لها لا يعني أن يتركها تخطئ دون أن يحاسبها.

خفضت سيلا عينيها.

ثم خرجت من المدرج بإرادتها.

ظل عاصم واقفًا مكانه للحظات.

عيناه معلقتان بالباب.

ثم أخذ نفسًا عميقًا.

وأعاد ملامحه إلى هدوئها المعتاد.

عاد إلى مكانه.

أمسك بالقلم.

ثم قال:

ـ نرجع للنقطة اللي كنا بنتكلم فيها...

وعاد إلى الشرح.

لكن صوته...

لم يكن بنفس هدوئه السابق.

كان هناك شيء خافت في نبرته.

شيء لم يستطع أن يخفيه تمامًا.

ولينا...

لاحظت ذلك.

كانت لا تزال تنظر إلى الباب.

ثم إلى عاصم.

ثم عادت بعينيها إليه.

كانت صورته في عينيها قد تغيرت.

الرجل الذي كانت تراه مغرورًا...

والذي أغضبها...

والذي كسر هاتفها...

والذي كانت مقتنعة أنه لا يهتم إلا بنفسه...

كان هو نفسه الآن...

الرجل الذي لم يجامل أخته.

ولم يسمح لها أن تهين فتاة أخرى.

ولم يبرر خطأها.

ولم يحاول أن يحميها من نتيجة تصرفها.

لكن في الوقت نفسه...

لم يكن قاسيًا بلا قلب.

لينا رأت شيئًا آخر.

رأت الحزن في عينيه.

رأت أنه تألم لخروج أخته.

لكنه لم يتراجع.

شعرت بشيء يتحرك داخلها.

احترام.

احترام حقيقي...

لم تستطع إنكاره.

خفضت عينيها إلى كراستها.

وظلت صامتة للحظات.

ثم تمتمت:

ـ يمكن...

توقفت.

ـ يمكن أنا ظلمته.

هزت رأسها بسرعة.

ـ لا يا لينا... استني بس.

ثم عبست.

ـ لسه مغرور برضه.

سكتت.

لكنها هذه المرة...

لم تكن واثقة تمامًا من كلامها.

رفعت عينيها إليه مرة أخرى.

وفي نفس اللحظة...

وجدته ينظر في اتجاهها.

تجمدت مكانها.

التقت عيناه بعينيها.

ولثانية واحدة...

لم تستطع أن تبعد نظرها.

أما عاصم...

فظل ينظر إليها.

ولم يكن يعرف...

أن تلك اللحظة الصغيرة...

كانت بداية شيء أكبر بكثير مما يتخيل كلاهما.
ــــــــــ
كانت لينا تجلس مع سارة في كافتيريا الكلية، لكن عقلها لم يكن مع صديقتها.

منذ انتهاء المحاضرة وهي تفكر في عاصم.

رأته أمامها... ولم يبدُ عليه أي شيء.

لم يسألها عن حالها.

لم يبدُ حتى أنه تذكر ما حدث.

وكأنه نسي كل شيء.

أما هي...

فمنذ أسبوع كامل، وهي لا تفكر إلا فيه.

عضت لينا شفتيها بضيق.

ـ هو أنا كنت مستنية إيه يعني؟

سكتت لحظة، ثم عبست.

ـ كنت مستنية يسأل عليا... بس.

ثم أسرعت تبرر لنفسها:

ـ وده الطبيعي! بعد اللي حصل، كان المفروض يطمن عليا.

توقفت.

هزت رأسها وتمتمت بضيق:

ـ يعني مش معقول أكون مستنية منه اهتمام بعد كل ده!

سكتت لحظة.
ضاقت عيناها.

ـ يا ربي! أنا مالي أصلًا؟ هو ليه شاغل دماغي كده؟

وقبل أن تسترسل أكثر، قالت سارة وهي تنهض:

ـ أنا هروح أجيب لنا حاجة نشربها وأرجع.

أومأت لينا دون اهتمام.

ـ ماشي.

ابتعدت سارة، وبقيت لينا وحدها.

لكنها لم تستمر طويلًا في شرودها.

اقترب منها أحد موظفي الكلية، يحمل علبة فاخرة.

وقف أمامها بأدب.

ـ آنسة لينا؟

رفعت عينيها إليه.

ـ أيوه؟

وضع العلبة أمامها.

ـ دكتور عاصم بعت لحضرتك الأمانة دي.

تجمدت لينا.

نظرت إلى العلبة.

ثم إلى الموظف.

ـ دكتور عاصم؟!

ـ أيوه يا آنسة.

ثم انصرف بهدوء.

ظلت لينا تحدق في العلبة للحظات.

فتحتها.

وما إن رأت الهاتف الجديد حتى اتسعت عيناها.

لكنها لم تشعر بالفرحة.

بل اشتعل الغضب داخلها فجأة.

ـ هو فاكر إيه؟

أغلقت العلبة بعصبية.

ـ فاكر إني ممكن أقبل منه موبايل ؟

ثم بدأت تجمع أشياءها بسرعة.

ـ وبعدين بعتُه مع الموظف ليه؟!

توقفت.

ليه مجاش بنفسه؟

ضايقها السؤال أكثر مما ينبغي.

ـ يعني إيه؟ هو كان ممكن ييجي...

اتسعت عيناها فجأة.

ـ وأنا مستنية منه ييجي ليه أصلًا؟!

ازدادت عصبيتها.

ـ أنا أصلًا مش عايزة منه حاجة!

ثم نظرت إلى الهاتف.

ـ وبعدين هو فاكرني إيه؟ واحدة مستنية منه صدقة؟

ثم عادت تنظر إلى العلبة.

صمتت لحظة.

ثم أمسكت بالعلبة بقوة.

وفي تلك اللحظة عادت سارة، وهي تحمل مشروبين.

وضعت أحدهما أمام لينا، ثم جلست.

ـ إيه ده؟

نظرت لينا إليها.

ـ إيه؟

أشارت سارة إلى العلبة.

ـ الموبايل ده جبتيه منين؟

شدت لينا العلبة إليها بسرعة.

ـ بعدين يا سارة.

رمشت سارة باستغراب.

ـ بعدين إيه؟ أنا بس بسألك!

ـ قلتلك بعدين.

رفعت سارة حاجبيها.

ـ إيه يا بنتي؟ مالك متعصبة كده ليه؟

بدأت لينا تجمع حقيبتها بسرعة.

ـ مفيش حاجة.

ـ أمال رايحة فين؟

ـ مشوار.
دلوقتي؟

ـ أيوه.

وقفت لينا وحملت حقيبتها والعلبة.

نظرت إليها سارة بحيرة.

ـ طب استني... هو إيه اللي حصل؟
ـ لينا!

لكن لينا كانت قد تحركت بالفعل.

توقفت سارة تتابعها بعينيها.

ـ هي مالها دي؟

أما لينا...

لكنها أسرعت في خطواتها.

ثم نظرت إلى العلبة وهى تقول بغيظ.

ـ أنا لازم اروح له عشان أرجع له الموبايل وبس!

سكتت لحظة.

ثم تمتمت بعناد:

ـ وبعدين أقوله بنفسه... إزاي يبعتلي حاجة زي دي في الكلية مع موظف؟!

اشتدت قبضتها على العلبة.

ـ الطلبة هيقولوا إيه؟! هو دكتور وأنا طالبة، ومحدش يعرف أصلًا اللي حصل بينا!

ثم زفرت بعصبية.

ـ وإيه لازمة الموبايل ده من الأساس؟ هو فاكر إني مستنياه يعوضني.

وكانت لينا تظن أنها ذاهبة إلى شركة الرشيد فقط لتعيد له هاتفه.

لكن الحقيقة...

أنها كانت ذاهبة إليه.

تريد أن تراه.

وتريد أن تواجهه.

وتريد أن تعرف...

لماذا لم يأتِ بنفسه؟

لكن يا ترى... لينا هتعمل إيه لما تقابل عاصم في شركة الرشيد؟ 👀🔥
وهل هتقدر فعلًا ترجع الموبايل وتمشي... ولا المواجهة بينهم هتكون بداية لحاجة تانية خالص؟ 🤭❤️‍🔥

🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤


كانت لينا طوال الطريق إلى شركة الرشيد تشعر بأن أعصابها مشدودة إلى أقصى درجة.

كانت تقود سيارتها، بينما وضعت علبة الهاتف بجوارها، وكلما وقعت عيناها عليها، ازدادت عصبيتها.

ـ هو فاكر نفسه إيه؟

زفرت بضيق.

ـ يعني إيه يجيبلي موبايل جديد؟!

سكتت لحظة، ثم عادت تفكر في الأمر.

ـ وبعدين يبعتُهولي في الكلية كده قدام الطلبة؟!

ازداد وجهها احمرارًا.

ـ كان ممكن يستنى لما ييجي ويعتذر وخلاص!

ثم ألقت نظرة سريعة على العلبة بجوارها.

ـ أنا لازم أروح أرجعله الموبايل وبس.

سكتت لحظة، ثم أضافت بعناد:

ـ أيوه... هرجعهوله وأقوله إن اللي عمله ده مينفعش.

وصلت لينا إلى الشركة، وأوقفت سيارتها، ثم حملت علبة الهاتف ونزلت منها.

دخلت بخطوات سريعة، وهي تحاول أن تبدو أكثر ثباتًا مما تشعر به في الحقيقة.

اقتربت من مكتب السكرتارية.

ـ لو سمحتي، أنا عايزة أقابل الدكتور عاصم.

رفعت السكرتيرة عينيها إليها.

ـ حضرتك عندك ميعاد؟

ـ لأ.

ـ للأسف الدكتور عنده اجتماع دلوقتي.

ـ طيب أنا هستناه.

نظرت إليها السكرتيرة باستغراب.

ـ الاجتماع ممكن يطول شوية.

ـ مفيش مشكلة.

ـ حضرتك تقدري تسيبي رسالة أو تحددي ميعاد تاني.

هزت لينا رأسها بعناد.

ـ لا، أنا لازم أقابله النهارده.

ـ بس يا آنسة...

ـ أنا مش همشي من هنا غير لما أقابله.

نظرت إليها السكرتيرة للحظات، ثم تنهدت.

ـ طيب، لحظة واحدة.

رفعت سماعة الهاتف واتصلت بمكتب عاصم.

---

في الداخل...

كان عاصم يجلس في مكتبه مع إحدى سيدات الأعمال في اجتماع مهم.

رن هاتف المكتب.

مد عاصم يده وأجاب:

ـ أيوه؟

جاءه صوت السكرتيرة:

ـ دكتور عاصم، آنسة لينا موجودة برة وعايزة تقابل حضرتك.

توقفت ملامح عاصم للحظة.

ثم ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة دون أن يشعر.

لينا؟

جاءت إليه بنفسها؟

أخفى ابتسامته سريعًا، ثم قال بهدوء:

ـ خليها تستنى شوية، وقدمي لها حاجة تشربها.

ثم أضاف:

ـ ولما أخلص الاجتماع دخليها.

ـ حاضر يا دكتور.

أغلق عاصم الهاتف، وعاد إلى اجتماعه، لكن شيئًا داخله لم يستطع تجاهل حقيقة وجود لينا في الخارج.

أما لينا...

فعادت إلى منطقة الانتظار وجلست، ووضعت علبة الهاتف بجوارها.

حاولت أن تبدو هادئة، لكنها لم تستطع.

بدأت تعبث بأصابعها بتوتر، ثم أخذت تقضم أظافرها دون أن تشعر.

نظرت إلى الساعة.

ـ يا ربي!

ثم التفتت إلى باب مكتب عاصم.

ظل مغلقًا.

تنهدت بضيق.

ـ هو لسه مخلصش؟

مرت عشر دقائق...

ثم خمس دقائق أخرى.

ولا يزال الباب مغلقًا.

بدأت لينا تضرب قدمها في الأرض بتوتر.

ـ هو الاجتماع ده إيه اللي فيه؟!

ثم عقدت حاجبيها بضيق.

ـ يعني معقول كل ده عشان اجتماع؟!

نظرت إلى الباب مرة أخرى، ثم تمتمت:

ـ وأنا مالي أصلًا؟

حاولت أن تشغل نفسها بهاتفها، لكنها لم تستطع.

كل بضع ثوانٍ كانت ترفع عينيها ناحية الباب.

وفجأة...

انفتح باب مكتب عاصم.

رفعت لينا عينيها بسرعة.

خرجت منه امرأة جميلة جدًا، ترتدي ملابس أنيقة ولافتة.

توقفت لينا عن الحركة.

اتسعت عيناها قليلًا.

ثم ظهر عاصم خلفها.

كان يتحدث معها بهدوء، ثم ابتسم لها.

اشتدت ملامح لينا.

ـ مين دي؟

سألت نفسها دون أن تشعر.

ظلت تتابعهما بعينيها.

كانت المرأة تستعد للمغادرة، لكن عاصم أوقفها للحظة، وكأنه تذكر شيئًا يريد أن يخبرها به.

اتسعت عينا لينا.

ـ هو لسه هيقولها إيه كمان؟!

وقفت المرأة أمام عاصم تتحدث معه، فابتسم لها مرة أخرى.

شعرت لينا بغيظ شديد.

ـ هو بيبتسم لها ليه كده؟!

ثم عقدت حاجبيها.

ـ وإيه اللي أنا بفكر فيه ده أصلًا؟!

اتجهت المرأة أخيرًا نحو الخارج.

أما عاصم...

فالتفت في اتجاه لينا.

رآها جالسة.

ورأى نظراتها.

نظرت إليه.

ثم إلى المرأة.

ثم عادت تنظر إليه.

رفع عاصم حاجبه قليلًا.

وفهم.

كانت غاضبة.

ولم يعرف لماذا، لكن شيئًا داخله شعر بالتسلية.

ظهرت ابتسامة صغيرة على شفتيه.

فازدادت ملامح لينا غيظًا.

ولسبب لم يفهمه هو نفسه، تعمد أن يطيل وقوفه للحظات.

ناداها قبل أن تبتعد، وسألها عن شيء آخر يخص الاجتماع.

ثم ابتسم لها مرة ثانية.

كانت لينا تتابعهما بعينين ضيقتين.

ـ هو لسه هيوقفها كمان؟!

زفرت بضيق.

ـ خلص بقى!

لكنها ما إن أدركت ما تفكر فيه حتى انتفضت داخليًا.

ـ لينا!

عقدت حاجبيها.

ـ إنتِ مالك أصلًا؟!

وأخيرًا...

غادرت المرأة الشركة.

اقترب عاصم من لينا ووقف أمامها.

ـ اتفضلي.

رفعت لينا عينيها إليه.

ـ نعم؟

ـ ادخلي.

وقفت بسرعة، ثم حملت علبة الهاتف ودخلت خلفه.

كانت تشعر أن أعصابها على وشك الانفجار.

أشار عاصم إلى المقعد أمام مكتبه.

ـ اتفضلي.

جلست لينا، ثم مدت يدها بالعلبة ووضعتها أمامه على المكتب.

ـ اتفضل.

نظر عاصم إليها، ثم إلى العلبة.

ـ ليه؟

رفعت لينا عينيها إليه.

ـ عشان أنا مينفعش أقبله.

ظل عاصم هادئًا.

ـ الموضوع بسيط يا آنسة. أنا اتسببت في كسر موبايلك وجبت لك بداله.

نظرت إليه لينا بنرفزة.

ـ لا، مش بسيط.

زفر عاصم بضيق.

ـ خلاص يا آنسة لينا، تقدري تسيبيه.

ازدادت عصبيتها.

ـ إنت هادي ليه كده؟!

رفع عاصم عينيه إليها.

ـ أعمل إيه؟

ـ مش عارفة!

ثم أشارت إلى العلبة بعصبية.

ـ موبايلك عندك.

قال عاصم بهدوء:

ـ هو مش موبايلي.

نظرت إليه بغيظ.

ـ أمال موبايلي أنا؟

ـ أيوه.

ـ لأ، أنا مش عايزاه.

ـ براحتك.

حدقت فيه لينا.

ـ إنت مستفز!

رفع عاصم حاجبه.

ـ مش كنتِ شايفاني مغرور؟

نظرت إليه لينا بغيظ.

ـ وإيه علاقة دي بدي؟!

ـ مفيش... بس بحاول أفهم تقييمك الجديد لشخصيتي.

ـ عاصم!

ابتسم بهدوء.

ـ أيوه؟

ـ بلاش تستفزني أكتر!

ثم بدأت تتحدث بسرعة:

ـ وبعدين إنت تبعتهولي في الكلية ليه أصلًا؟! قدام الطلبة؟! إنت عارف الناس ممكن تقول إيه؟!

أجابها عاصم بهدوء:

ـ معيش عنوانك.

توقفت لينا.

ـ ما كنت تستنى لما تشوفني!

ـ وإيه المشكلة؟

ـ المشكلة إن...

سكتت.

فلم تعرف ماذا تقول.

ثم عادت بعصبية:

ـ يعني مينفعش تبعتلي حاجة زي دي في الكلية وخلاص!

ـ تمام.

نظرت إليه بغيظ.

ـ وبعدين إنت فاكرني إيه؟!

رفع عاصم عينيه إليها.

ـ إيه؟

ـ يعني... أنا مش مستنية منك حاجة!

ـ براحتك.

ازدادت عصبيتها.

ـ إنت كل ردودك «براحتك» دي؟!

ـ أقولك إيه؟

نظرت إليه بعجز، ثم زفرت بضيق.

ـ مفيش!

ظل عاصم ينظر إليها بهدوء.

شعرت لينا بالتوتر.

ثم تذكرت المرأة التي كانت معه منذ لحظات.

تذكرت ابتسامته لها...

وطريقة حديثه معها...

وقبل أن تفكر، خرج السؤال من فمها دون أن تشعر:

ـ ومين البنت اللي كانت معاك؟

ساد الصمت.

تجمدت لينا في مكانها.

أما عاصم...

فنظر إليها للحظات.

ثم رفع حاجبه ببطء.

ـ البنت؟

اتسعت عيناها.

أدركت للتو ما قالته.

اشتد احمرار وجهها.

ـ أنا...

تلعثمت للحظة، ثم أسرعت تقول:

ـ أنا... أنا لازم أمشي.

استدارت بسرعة.

ـ لينا...

لكنها لم تتوقف.

ـ عن إذنك.

ثم خرجت مسرعة من المكتب.

ظل عاصم ينظر إلى الباب الذي أغلقته خلفها.

لم يتحرك.

كان سؤالها لا يزال يتردد في ذهنه.

مين البنت اللي كانت معاك؟

ثم تذكر الطريقة التي سألته بها...

والارتباك الذي ظهر على وجهها...

وهروبها المفاجئ قبل أن يمنحها حتى فرصة لتسمع إجابته.

ظهرت ابتسامة بطيئة على وجهه.

ـ معقولة...

سكت لحظة، ثم هز رأسه وكأنه لا يصدق الفكرة.

ـ غيرانة؟

ظل صامتًا للحظات.

ثم اتسعت ابتسامته أكثر.

ولأول مرة...

وجد أن فكرة شعور لينا بالغيرة عليه تسعده بهذا الشكل.

لكن سرعان ما حاول أن ينفي الفكرة عن نفسه.

ـ مستحيل.

سكت لحظة، ثم تمتم بسخرية:

ـ بس لو مش غيرانة... كانت هربت ليه؟

ضحك بخفة، ثم عاد ينظر إلى الباب.

ـ لينا... إنتِ كده بتلعبي بالنار.

---

أما لينا...

فكانت تسير بسرعة، تكاد تركض من شدة الإحراج.

لم تلتفت خلفها حتى.

كل ما كانت تريده الآن هو أن تبتعد عن المكان بأسرع وقت ممكن.

وصلت إلى سيارتها، فتحت الباب بسرعة وجلست خلف المقود.

أغلقت الباب بعنف، وظلت للحظات تحدق أمامها بصمت.

ثم فجأة...

ضربت بيدها على عجلة القيادة بعصبية.

ـ أنا إيه اللي هببته ده؟!

ضربتها مرة أخرى.

ـ أنا مالي أصلًا؟!

أغمضت عينيها بقوة، ثم وضعت يديها على وجهها.

ـ يا نهار أبيض!

رفعت رأسها بسرعة.

ـ أنا إزاي أسأله عن البنت؟!

سكتت لحظة، ثم قالت لنفسها بغضب:

ـ هو أنا مالي هي مين؟! عايزة أعرف ليه أصلًا؟!

زفرت بعنف.

لكن صورة المرأة عادت إلى ذهنها.

طريقة وقوفها بجوار عاصم...

وابتسامته لها...

ضيقت لينا عينيها بضيق.

ـ بس هي كانت لازقة فيه ليه كده؟

توقفت فجأة.

ثم فتحت عينيها على اتساعهما.

ـ لينا!

ضربت جبهتها بيدها.

ـ إنتِ لسه مكملة؟!

أسندت رأسها إلى المقعد، ثم تمتمت بحنق:

ـ أنا مالي بيها أصلًا؟!

سكتت لحظة.

ثم عادت تفكر.

ـ يا ترى هو بيقول عليا إيه دلوقتي؟

تخيلت عاصم وهو جالس في مكتبه، يبتسم بسخرية ويتذكر سؤالها.

فاشتد احمرار وجهها.

ـ أكيد بيقول إني واحدة غريبة!

ثم عبست.

ـ أو بيقول إني كنت بغير!

اتسعت عيناها فجأة.

ـ بغير؟!

صمتت.

ثم هزت رأسها بعنف.

ـ لا طبعًا!

وأشارت إلى نفسها بانفعال:

ـ أنا مكنتش بغير!

سكتت لحظة، ثم تمتمت بتردد:

ـ أنا بس... كنت بسأل.

حاولت إقناع نفسها:

ـ آه... بسأل عادي.

لكنها ما إن قالتها حتى عقدت حاجبيها.

ـ بسأل ليه أصلًا؟!

لم تجد إجابة.

ظلت تنظر أمامها للحظات، ثم تنهدت بضيق.

ـ أكيد دلوقتي فاكرني مهتمة بيه.

توقفت.

ثم أضافت بسرعة:

ـ وأنا أصلًا مش مهتمة!

صمتت.

ـ خالص.

مرّت لحظة.

ثم تمتمت بضيق:

ـ بس هو كمان استفزني!

عقدت حاجبيها.

ـ يعني هو كان واقف بيضحك معاها ليه كده؟

ثم انتفضت فجأة.

ـ لينا!

وضعت يدها على فمها.

ـ إنتِ مالك بقى؟!

أخذت نفسًا عميقًا، ثم أسندت رأسها إلى المقعد.

لكن صورة عاصم وهو يرفع حاجبه ويسألها:

ـ البنت؟

عادت إلى ذهنها.

فتحت عينيها بسرعة.

ـ يا ربي!

ضربت على عجلة القيادة مرة أخيرة.

ـ أنا عايزة الأرض تنشق وتبلعني!

سكتت للحظات، ثم تمتمت بحنق:

ـ أكيد دلوقتي قاعد بيضحك عليا.

ثم قالت بعناد:

ـ بس والله ما يهمني!

فتحت عينيها.

ـ ولا يهمني هو ولا البنت ولا أي حاجة!

لكنها لم تتحرك.

ظلت جالسة في مكانها...

تفكر في السؤال الذي خرج منها دون أن تشعر.

وفي نظرة عاصم إليها بعده.

وفي ابتسامته التي لم تستطع أن تنساها.

ثم همست بضيق:

ـ يا ترى... هو فهم إيه من سؤالي؟

توقفت.

ثم هزت رأسها بسرعة.

ـ لا، مش عايزة أعرف!

وأدارت محرك السيارة بعصبية.

لكن قبل أن تتحرك...

تذكرت ابتسامة عاصم.

تلك الابتسامة التي ظهرت على وجهه بعدما سألته عن المرأة.

فعقدت حاجبيها بضيق.

ـ بس يا ترى... هو كان مبسوط ليه كده؟

سكتت.

ثم هزت رأسها بعناد.

ـ وأنا مالي؟!

وانطلقت بالسيارة...

وهي تحاول بكل قوتها أن تقنع نفسها أن ما حدث لم يكن يعني لها شيئًا.

لكن الحقيقة...

أنها منذ أن خرجت من مكتب عاصم...

لم تستطع التفكير في شيء آخر.

---

وصلت لينا إلى بيتها بعد رحلة بدت لها أطول مما ينبغي.

صعدت إلى غرفتها بخطوات متلاحقة، وأغلقت الباب خلفها، ثم ألقت حقيبتها على السرير.

وقفت للحظات في منتصف الغرفة، وكأنها لا تعرف ماذا تفعل.

ثم بدأت تسير ذهابًا وإيابًا.

كانت متضايقة من نفسها إلى أقصى درجة، ومستغربة تمامًا من حالها.

لم تكن تفهم ما الذي دفعها لتسأل عاصم عن تلك المرأة، ولماذا اهتمت من الأساس بوجودها بجواره.

توقفت أمام مرآتها الكبيرة.

نظرت إلى وجهها المحتقن بالخجل، ثم همست بحيرة:

ـ ليه رحت له الشركة أصلًا؟ كان ممكن أستنى لما ييجي الكلية وأديله الموبايل وخلاص!

سكتت لحظة.

ثم عبست في وجه انعكاسها.

ـ بس لأ... أنا روحت مخصوص عشان أرجعهوله!

ثم صمتت.

وتغيرت ملامحها قليلًا.

ـ طب ما أنا فعلًا روحت عشان الموبايل... أمال ليه حاسة إني عملت مصيبة؟!

وضعت يديها على وجهها.

ـ وليه قلت له كده؟!

جلست على طرف السرير بحيرة.

كانت دقات قلبها المتسارعة ترفض الاستكانة، بينما عقلها عاجز تمامًا عن إيجاد تفسير منطقي لتصرفاتها.

وبعد لحظات، تمتمت بضيق:

ـ أنا بجد مش فاهمة نفسي!

---

في تلك الأثناء...

داخل فيلا عاصم الرشيد.

كان الصمت يلف أرجاء المكان، لكن في الطابق العلوي، وتحديدًا داخل غرفة سيلا، كان الوضع مختلفًا تمامًا.

كانت سيلا تجلس على طرف سريرها، وتضم ركبتيها إلى صدرها، ودموعها تنهمر بغزارة.

ـ إزاي يعمل فيا كده؟!

شهقت بنبرة حزينة ومكسورة.

تذكرت موقفها في الكلية أمام زملائها، ونظراتهم إليها وهي مجبرة على تقديم الاعتذار لزميلتها بناءً على أوامر عاصم الصارمة.

شعرت بإهانة شديدة اجتاحت كبرياءها، وجرح عميق لم تكن تتخيل أن شقيقها الأكبر هو من سيتسبب فيه.

دفنت وجهها بين يديها، وانفجرت في بكاء مرير.

وفي الممر بالخارج...

كان عاصم يسير بخطوات هادئة متجهًا نحو غرفته، لكنه توقف فجأة عندما تناهى إلى مسامعه صوت بكائها.

عقد حاجبيه بضيق.

هو لم يكن يقصد إهانتها، بل كان يطبق قواعده بصرامة ليعلمها خطأها، لكن رؤية شقيقته الصغيرة بهذا الانهيار حركت جانبًا دافئًا داخله.

اقترب من باب غرفتها، وطرق عليه بخفة.

لم يأته رد سوى شهقاتها المتلاحقة.

مد يده وفتح الباب ببطء، ثم دخل وأغلقه خلفه بهدوء.

اقترب من السرير وجلس بجوارها، وظل ينظر إليها للحظات وهي ترفض رفع رأسها لمواجهته.

مد يده ووضعها على كتفها بحنان.

ـ سيلا...

تحركت سيلا بعيدًا عن يده، والتفتت للجهة الأخرى وهي تمسح دموعها بعصبية:

ـ لو سمحت يا أبيه... أنا مش قادرة أتكلم دلوقتي.

تنهد عاصم بعمق، ثم أمسك كفيها بين يديه برفق وأجبرها على النظر إليه.

ـ يعني هتهوني عليكِ تسيبيني زعلان منك؟ أنا عارف إن الموقف كان صعب عليكِ قدام زمايلك... وعارف إنك حسيتي بالإهانة.

نظرت إليه سيلا وعيناها حمراوان من كثرة البكاء.

ـ حضرتك جرحتني يا أبيه! خليت شكلي وحش قوي قدام الكل... وصغرتني !

شدد عاصم على كفيها، وابتسم ابتسامة دافئة.

ـ أنا عمري ما هقبل إن حد يصغرك أو يهينك يا سيلا. إنتِ أختي وبنتي... بس الغلط كان لازم يتصلح، عشان تفضلي دايمًا كبيرة في نظر نفسك وفي نظر الناس. أنا عملت كده عشان بحبك وعايزك تتعلمي، مش عشان أكسرك.

نظرت إليه سيلا بتردد.

بدأت حدة غضبها تلين أمام حنانه الواضح.

مسح عاصم دمعة هربت على وجنتها بإبهامه، ثم قال بمداعبة خفيفة:

ـ خلاص بقى... كفاية عياط. وشك بقى شبه الطماطم. تشربي معايا قهوة وننسى اللي حصل؟

نظرت إليه سيلا للحظات، قبل أن تضحك رغمًا عنها من بين دموعها.

ابتسم عاصم.

وهكذا، نجح في تهدئة غضبها دون أن يتراجع عن موقفه أو يلغي الدرس الذي أراد أن تتعلمه.

---

مر أسبوع كامل...

وطوال أيام الأسبوع، كانت لينا تعيش في صراعها الخاص مع نفسها، تدرس تارة، وتفكر في عاصم وتصرفاتها معه تارة أخرى.

حتى أتى موعد المحاضرة الأسبوعية الجديدة للدكتور عاصم.

كانت لينا تقف أمام مرآة غرفتها، تنظر إلى عقارب الساعة التي تشير إلى بدء المحاضرة الأولى بالفعل.

أمسكت حقيبتها، ثم تركتها على السرير وجلست، وهي تأخذ نفسًا عميقًا لترتيب أنفاسها.

لم تكن لديها أي استعداد لمواجهته اليوم بعد موقف الشركة.

لذلك قررت بعناد أن تتغيب عن محاضرته تمامًا.

انتظرت في بيتها حتى تأكدت أن وقت المحاضرة الأولى انتهى، وبدأت فترة الاستراحة التي تمتد لنصف ساعة بين المحاضرتين.

عندها فقط، نزلت متجهة إلى الكلية، لتصل قبل موعد محاضرتها الثانية بربع ساعة.

---

في هذه الأثناء، داخل الكلية...

كان عاصم قد أنهى محاضرته، وجمع أوراقه وخرج.

وعلى غير عادته، كانت عيناه تتحركان ببطء بين وجوه الطلاب الحاضرين طوال فترة شرحه، باحثًا عن وجهها الحاد الغاضب دون جدوى.

توجه نحو مبنى إدارة الكلية لمتابعة بعض شؤون الحضانة والتعاقدات التي تقع تحت إشرافه.

وبعد انتهائه، خرج متوجهًا نحو سيارته للمغادرة.

لكنه توقف فجأة في مكانه.

على بُعد أمتار عند مدخل الكلية، ظهرت لينا وهي تسير مسرعة، ممسكة بحقيبتها، وتتجه مباشرة نحو مبنى المدرجات لتحضر محاضرتها الثانية.

اعتدل عاصم في وقفته، وثبّت عينيه عليها.

تابع حركتها بدقة وهي لا تراه.

نظر إلى الساعة في معصمه، ثم عاد ينظر إليها.

وفي لحظة...

ضاقت عيناه وفهم كل شيء.

عرف أنها لم تكن غائبة عن الكلية لعذر طارئ، بل تعمدت تمامًا تجنب محاضرته هو بالذات.

انتظرت حتى ينتهي وقته وتضمن مغادرته، ثم ظهرت الآن بكل أريحية.

لقد كانت تهرب منه ومن موقف الشركة عمدًا.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة بطيئة، عميقة ومستفزة.

وشعر بسعادة غريبة تجتاح صدره.

فكرة أن لينا تشغل تفكيرها به وتخطط للهروب منه جعلته يشعر بشيء من الرضا لم يستطع تفسيره.

واكتشف لأول مرة أنه بدأ يستمتع بعنادها...

وبلعبة القط والفأر التي بدأت بينهما.

---

ــــــــــــــــــــ

كان مراد جالسًا على طرف السرير، وقد فتح محاضرات رنا، بينما عقد حاجبيه بشدة وهو يحدق فيها بتركيز شديد.

مرر عينيه على السطور مرة...

ثم أعاد قراءتها مرة ثانية...

ثم قرب وجهه منها وكأنه يحاول فك شفرة سرية.

ـ إيه ده؟!

سكت لحظات، ثم حرك رأسه ببطء في عدم استيعاب.

ـ دي محاضرات ولا كتاب طلاسم؟!

مرر يده على شعره بحيرة، ثم عاد يقرأ من جديد:

ـ «Current Assets» (الأصول المتداولة)... «Long-term Liabilities» (الخصوم طويلة الأجل)... «Cash Flows» (التدفقات النقدية)... يا نهار أسود!

قلب الصفحة إلى المحاضرة التالية، وقرأ سطرين فقط...

ثم اتسعت عيناه في صدمة.

ـ لأ، لأ، لأ... دي مش محاضرات. دي أكيد رنا بتكتب سحر أسود!

فتح محاضرة أخرى، وأخذ يحدق فيها بذهول.

ـ هو أنا المفروض أفهم إيه هنا بالظبط؟!

قلب عينيه في يأس، ثم ضرب كفًا بكف:

ـ يا رنا، إنتِ بتدرسي ولا بتتعلمي لغة الجن؟!

ظل صامتًا للحظات، ثم عاد ينظر إلى المحاضرات وكأنه يحاول أن يمنح نفسه فرصة أخيرة للفهم.

ـ طيب... نبدأ من الأول.

قرأ أول سطر.

ثاني سطر.

ثالث سطر.

وبعد ثوانٍ...

أغلق المحاضرات فجأة.

ـ لا... أنا كده محتاج دكتور!

ثم أضاف وهو ينظر إلى المحاضرات بريبة:

ـ أو شيخ... على حسب اللي مكتوب هنا ده.

أمسك مراد هاتفه واتصل بصديقه.

وما إن رد عليه حتى قال بضيق:

ـ أنا مش فاهم أي حاجة من المحاضرات اللي رنا كاتباها دي! أعمل إيه؟!

جاءه صوت صديقه ببساطة:

ـ بص يا مراد، ما هي رنا اللي كاتباها، يبقى هي اللي فاهمة! روح لها وهي تشرح لك.

---

في اليوم التالي...

كانت لينا تسير داخل ممرات الكلية متجهة إلى المدرج، تحمل حقيبتها بيد، بينما كانت تتصفح هاتفها باليد الأخرى.

وبينما كانت تمر بجوار لوحة الإعلانات، لمحت تجمعًا من الطلاب يلتفون حولها.

لم تهتم في البداية، وأكملت طريقها، لكنها ما إن ابتعدت خطوات قليلة حتى سمعت صوت سارة يناديها من بعيد:

ـ لينا! استني!

التفتت لينا، فوجدت سارة تركض نحوها، وملامح الحماس واضحة على وجهها.

ـ في إيه؟!

توقفت سارة أمامها وهي تلتقط أنفاسها، ثم أمسكت بذراعها بحماس:

ـ إنتِ شفتي الإعلان؟!

عقدت لينا حاجبيها بحيرة:

ـ إعلان إيه؟

اتسعت ابتسامة سارة:

ـ إعلان التدريب في شركة الدكتور عاصم!

تجمدت لينا للحظة.

ـ إيه؟!

ضحكت سارة وقالت بسرعة:

ـ اختاروا خمسة طلاب من أصحاب أفضل المشاريع عشان يبدأوا تدريب عملي في الشركة من الأسبوع الجاي، والتدريب هيستمر لحد بداية فترة الصيف، واللي يثبت نفسه ويكون شغله كويس هيكون ليه فرصة يكمل في الشركة بعد كده!

اتسعت عينا لينا بدهشة:

ـ بجد؟!

ـ أيوه! والأهم من كده...

اقتربت سارة منها أكثر، وقالت بحماس:

ـ اسمك موجود في الخمسة!

تجمدت لينا مكانها.

ـ اسمي أنا؟!

ـ أيوه يا بنتي! إنتِ واحدة من الخمسة المختارين!

ظلت لينا تنظر إليها بعدم تصديق، قبل أن تسألها:

ـ إنتِ متأكدة؟

ضحكت سارة:

ـ متأكدة طبعًا! أنا شفت اسمك بعيني!

شعرت لينا بسعادة حقيقية، لكن سرعان ما تلاشت ابتسامتها عندما تذكرت أين سيكون التدريب.

شركة عاصم.

لاحظت سارة تغير ملامحها، فقالت بسرعة:

ـ ولسه عندي لكِ مفاجأة أحلى!

نظرت إليها لينا بحيرة:

ـ إيه؟

اتسعت ابتسامة سارة:

ـ أنا كمان اسمي موجود في الخمسة!

اتسعت عينا لينا، ثم ظهرت ابتسامة واسعة على وجهها.

ـ إنتِ كمان؟!

هزت سارة رأسها بحماس:

ـ أيوه!

احتضنتها لينا بسعادة.

ـ ياااه! الحمد لله إنك معايا!

ضحكت سارة بحماس:

ـ وأنا كمان فرحانة إننا هنتدرب سوا!

ابتسمت لينا، لكن سرعان ما شردت ملامحها وهي تتذكر أن الشركة هي شركة عاصم.

لاحظت سارة تغير ملامحها.

ـ مالك؟

ـ ولا حاجة.

ضيقت سارة عينيها وهي تنظر إليها بشك.

ـ لينا... أنا عارفاكي.
إنتِ من ساعة ما عرفتي إن التدريب في شركة الدكتور عاصم وإنتِ اتغيرتي.

اتسعت عينا لينا، وسارعت بالرد:

ـ مالي؟! مفيش حاجة! أنا بس... اتفاجئت.

ابتسمت سارة وهي تنظر إليها بشك.

ـ آه... اتفاجئتي بس.

أشاحت لينا بوجهها بضيق، ثم نظرت إلى لوحة الإعلانات من بعيد.

كانت لا تزال تشعر بالتوتر من فكرة الذهاب إلى شركة عاصم، لكنها الآن لم تعد تشعر بالخوف نفسه.

فسارة ستكون معها.

وهذا وحده جعل الأمر يبدو أسهل قليلًا.

تنفست لينا بعمق، وقالت بحسم:

ـ خلاص... هنروح.

ابتسمت سارة بحماس:

ـ طبعًا هنروح! دي فرصة ما تتعوضش!

نظرت لينا إلى لوحة الإعلانات من بعيد، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.

ربما كانت هذه فرصتها...

لتثبت لنفسها قبل أي شخص آخر...

أنها تستطيع أن تواجه وجود عاصم دون أن تهرب منه.

---

وبعد مرور أسبوع...

جاء صباح اليوم المحدد لبدء التدريب.

استيقظت لينا مبكرًا، وظلت للحظات تحدق في سقف غرفتها، قبل أن تتذكر أن اليوم هو أول أيام التدريب في شركة عاصم.

تأففت بضيق، ثم جلست على طرف السرير.

ـ يا رب اليوم يعدي على خير...

لم تكن المشكلة في التدريب نفسه، بل في فكرة وجودها داخل شركته.

في المكان الذي يعمل فيه هو.

وفي احتمال أن تراه...

بعد كل ما حدث بينهما.

حاولت إقناع نفسها بأن الأمر بسيط، وأنها ستذهب فقط من أجل التدريب، وستؤدي مهامها ثم تعود إلى منزلها دون أن تهتم بوجوده من عدمه.

وبعد قليل، ارتدت ملابسها وحملت حقيبتها، ثم غادرت غرفتها.

---

بعد فترة قصيرة...

كانت لينا تقود سيارتها متجهة إلى الشركة.

وفي الوقت نفسه، كانت سارة قد وصلت إلى هناك، فترجلت من سيارتها وانتظرتها أمام مدخل المبنى.

وبعد دقائق، توقفت سيارة لينا بالقرب منها.

نزلت لينا منها، فأسرعت سارة نحوها وهي تبتسم:

ـ أخيرًا وصلتي! أنا كنت فاكرة إنك هتخلعِي وتسيبيني أروح لوحدي.

ضحكت لينا وهي تغلق باب سيارتها:

ـ أخلع إيه بس؟ ما أنا جاية أهو.

نظرت سارة إلى مبنى الشركة الضخم، ثم عادت تنظر إليها بحماس:

ـ بصراحة أنا لسه مش مصدقة إننا هنبدأ تدريب هنا!

ـ ولا أنا.

ثم أخذت لينا نفسًا عميقًا، وقالت وهي تنظر إلى المبنى:

ـ يلا بينا.

تحركتا معًا نحو المدخل.

وما إن دخلتا إلى الشركة، حتى شعرت لينا بتوتر خفيف اجتاحها.

رفعت عينيها إلى المكان من حولها، ثم ابتلعت ريقها.

كانت تحاول أن تبدو طبيعية...

لكنها كانت تفكر في شخص واحد فقط.

عاصم.

هزت رأسها سريعًا وكأنها تحاول طرد أفكاره من عقلها.

ـ أنا جاية هنا عشان التدريب وبس.

نظرت إليها سارة باستغراب:

ـ بتقولي حاجة؟

انتبهت لينا لنفسها، ثم أجابت بسرعة:

ـ لا... ولا حاجة.

ضحكت سارة:

ـ طب يلا قبل ما نتأخر.

تقدمتا نحو مكتب الاستقبال، وأخبرتهما الموظفة بأن باقي المتدربين موجودون بالفعل، وأن الأستاذ شريف في انتظارهم.

تبادلت لينا وسارة نظرة سريعة.

ثم قالت سارة:

ـ تمام.

تحركتا معًا إلى المكان المخصص للمتدربين.

وبعد دقائق...

جاء أحد الموظفين ليخبرهم:

ـ الدكتور عاصم طلب إن المتدربين الخمسة يطلعوا مكتبه.

توقفت لينا في مكانها.

شعرت بأن قلبها هبط فجأة إلى صدرها.

نظرت إلى سارة بقلق.

فهمت سارة فورًا، فاقتربت منها وهمست:

ـ مالك؟

ـ ولا حاجة.

ـ لينا...

تنهدت لينا:

ـ أنا بس... ما كنتش متوقعة أشوفه من أول يوم.

ابتسمت سارة بمكر:

ـ يا بنتي ده صاحب الشركة! أكيد هتشوفيه.

رمقتها لينا بنظرة حادة:

ـ سارة!

ضحكت سارة:

ـ خلاص يا ستي، يلا.

تحركت لينا معهم، وقلبها يخفق بعنف، وهي تحاول بكل قوتها أن تبدو هادئة.

وبعد لحظات...

وقفت أمام باب مكتب عاصم.

أخذت نفسًا عميقًا.

ثم فُتح الباب.

ودخلت مع باقي المتدربين...

لتلتقي بعاصم من جديد.

مرّت الأيام الأولى من التدريب سريعًا...
وبدأت لينا تنسجم تدريجيًا مع أجواء الشركة، وانشغلت بالمهام التي كُلّفت بها، محاولة أن تثبت جدارتها بالفرصة التي حصلت عليها.

كان شريف يتابع المتدربين جميعًا، يشرح لهم طبيعة العمل، ويراجع ما ينجزونه أولًا بأول.

وبمرور الوقت، بدأ يلاحظ تميز لينا عن بقية المتدربين.

كانت كثيرة الأسئلة، دقيقة في عملها، ولا تكتفي بتنفيذ المطلوب منها، بل تحاول دائمًا أن تفهم السبب وراء كل خطوة.

لذلك، كان شريف يهتم بمراجعة أعمالها أكثر من غيرها، ويشجعها كلما لاحظ تقدمًا في مستواها.

أما لينا...

فلم تكن ترى في الأمر شيئًا يتجاوز حدود التدريب.

---

في أحد الأيام...

كان عاصم يجلس خلف مكتبه، وقد تراكمت أمامه مجموعة من الملفات.

أمسك أحدها، وبدأ يراجع محتواه بعينين مركزتين، بينما كانت أصابعه تقلب الأوراق بسرعة معتادة.

رن هاتفه.

أجاب باقتضاب، وأنهى المكالمة بعد دقائق قليلة.

ثم عاد إلى عمله.

لكن قبل أن يمسك بالقلم...

وقعت عيناه على الشاشات المثبتة أمامه.

كانت مجموعة من كاميرات المراقبة تعرض أجزاء مختلفة من الشركة.

رفع عاصم يده، وضغط على أحد الأزرار.

انتقلت الصورة من الاستقبال إلى أحد الممرات.

ثم إلى قسم الإدارة.

ثم إلى قاعة الاجتماعات.

كان يتابعها بعينين معتادتين، يتأكد من سير العمل بشكل طبيعي.

ضغط زرًا آخر.

ظهرت قاعة التدريب.

كان المتدربون يجلسون حول الطاولة، بينما يقف شريف أمامهم.

وفجأة...

ظهرت لينا في الصورة.

توقفت أصابع عاصم فوق لوحة التحكم.

لم يكن يعرف لماذا توقف.

كان شريف يقف بالقرب منها، يحمل بعض الأوراق، بينما كانت هي تشير إلى نقطة معينة أمامه.

قال شريف شيئًا.

لم يسمعه عاصم.

لكن لينا ابتسمت.

تجمدت عيناه عند ابتسامتها.

ظل صامتًا للحظات.

ثم قرب يده من لوحة التحكم، ورفع صوت الكاميرا قليلًا.

وصل إلى مسامعه جزء من الحديث.

ـ أنا شايف إن الفكرة دي كويسة جدًا، بس محتاجة تعديل بسيط هنا.

أومأت لينا:

ـ كده؟

اقتربت من الأوراق التي يحملها شريف.

ـ أيوه، كده أفضل.

ابتسم لها.

ـ شاطرة.

ثبتت عينا عاصم على الشاشة.

شيء ما لم يعجبه.

ضغط على زر آخر.

انتقلت الصورة إلى كاميرا الممر.

ثم عاد إلى قاعة التدريب.

ـ هو أنا بعمل إيه؟!

تمتم بها بضيق.

أغلق الشاشة.

ثم أمسك أحد الملفات.

فتح الصفحة الأولى.

قرأ السطر.

ثم أعاد قراءته.

لم يفهم شيئًا.

رفع عينيه إلى الشاشة المغلقة.

ثم زفر ببطء.

ـ شاطر إيه بس؟!

قطب حاجبيه، ثم هز رأسه وكأنه يحاول طرد الفكرة من رأسه.

ـ دي متدربة عنده... طبيعي يراجع شغلها.

عاد إلى الملف.

لكن بعد ثوانٍ قليلة...

رفع عينيه إلى الشاشة مرة أخرى.

ضغط عليها.

كانت قاعة التدريب قد خلت تقريبًا.

لكن لينا وشريف لم يكونا هناك.

انتقل إلى كاميرا الممر.

لا أحد.

ضغط على كاميرا أخرى.

ثم ثالثة.

لم يجدها.

ضيق عينيه.

ثم أدرك فجأة ما يفعله.

ترك لوحة التحكم بعصبية.

ـ أنا بتابع الشركة يا عاصم... الشركة!

قالها لنفسه بحزم، وكأنه يحاول إقناع نفسه قبل أي شخص آخر.

---

مرّ يومان...

ثم ثلاثة...

وبدأ الأمر يتكرر.

في كل مرة يفتح عاصم شاشات المراقبة لمتابعة سير العمل، كانت عيناه تتوقفان عند لينا.

وفي البداية...

لم يكن يهتم.

ثم بدأ ينتبه.

ثم بدأ يلاحظ.

ثم...

بدأ يبحث عنها دون أن يعترف لنفسه بذلك.

وفي أحد الأيام، ظهرت أمامه من جديد.

كانت في قاعة التدريب.

لكن هذه المرة...

لم تكن وحدها.

كان شريف يجلس إلى جوارها.

أمامهما بعض الأوراق.

كان شريف يشير إلى نقطة في المشروع، بينما كانت لينا تنظر إلى ما يشير إليه.

ثم قالت شيئًا.

ضحك شريف.

وبعد لحظات...

ضحكت لينا هي الأخرى.

توقف عاصم عن الكتابة.

ظل القلم بين أصابعه.

وعيناه معلقتان بالشاشة.

ضحكة لينا...

لم تكن المشكلة فيها.

المشكلة كانت في الشخص الذي جعلها تضحك.

شد عاصم فكه.

ثم أسند ظهره إلى مقعده.

ـ هو لازم يقعد جنبها كده؟

خرج السؤال من فمه دون تفكير.

صمت.

اتسعت عيناه قليلًا.

ثم عقد حاجبيه.

ـ وأنا مالي أصلًا؟

أبعد عينيه عن الشاشة.

لكن بعد لحظات...
عاد إليها.

كان شريف لا يزال يتحدث معها.

ابتسمت لينا.

ضاقت عينا عاصم.

ثم ضغط زرًا.

اختفت الصورة.

ـ كفاية.

أغلق الشاشة بالكامل.

لكن الضيق الذي شعر به...

لم يختفِ.

---

وفي يوم آخر...

كان عاصم في مكتبه يتحدث مع أحد مديري الأقسام، عندما انتهى الحديث وغادر الرجل.

عاد عاصم إلى مكتبه، وجلس خلف مكتبه.

وبينما كان يفتح ملفًا جديدًا...

رن هاتفه.

أنهى المكالمة، ثم رفع عينيه إلى شاشات المراقبة.

دون تفكير...

ضغط على كاميرا قاعة التدريب.

ظهرت لينا.

كانت تقف بجوار شريف.

تجمد عاصم للحظة.

كانت تحمل ملفًا، بينما كان شريف يراجع معها بعض الأوراق.

ثم قال لها شيئًا جعلها ترفع عينيها إليه وتبتسم.

تغير وجه عاصم.

ـ تاني؟!

ضغط على زر التكبير.

ثم توقف.

نظر إلى يده.

ـ أنا بعمل إيه بالظبط؟!

أبعد يده عن لوحة التحكم.

لكن عينيه ظلت معلقة بالشاشة.

كان شريف يتحدث.

ولينا تستمع.

ثم فجأة...

قال شريف:

ـ بصراحة، شغلك اتحسن جدًا.

ابتسمت لينا:

ـ بجد؟

ـ آه، واضح إنك بتتعبي في اللي بتعمليه.

خفضت لينا عينيها بخجل:

ـ شكرًا.

ضغط عاصم على زر الإغلاق.

هذه المرة بعنف.

ثم وقف من مكانه.

أخذ نفسًا عميقًا.

وضع يديه على خصره، وظل واقفًا للحظات.

لماذا يضايقه الأمر إلى هذا الحد؟!

هي مجرد متدربة.

وشريف مجرد موظف.

ولا يوجد شيء بينهما.

إذن...

لماذا يشعر بهذا الغضب؟!

---

وفي مساء أحد الأيام...

كانت الشركة قد بدأت تهدأ تدريجيًا.

غادر معظم الموظفين، وانتهى وقت التدريب.

جلس عاصم في مكتبه، يراجع آخر ملف أمامه.

ثم رفع عينيه إلى الساعة.

كانت تشير إلى نهاية الدوام.

أغلق الملف.

مد يده إلى هاتفه...

ثم وقعت عيناه على شاشات المراقبة.

تردد للحظة.

ثم ضغط على زر التشغيل.

ظهرت قاعة التدريب.

كان معظم المتدربين قد غادروا.

لكن لينا كانت لا تزال هناك.

وشريف يقف أمامها.

رفع عاصم حاجبه.

ظل يتابع بصمت.

قال شريف شيئًا.

هزت لينا رأسها.

ثم سمع عاصم صوته عبر جهاز الصوت:

ـ لو عندك وقت خمس دقايق، ممكن تفضلي ونراجع الجزء الأخير من المشروع؟

نظرت لينا إلى الساعة.

ثم قالت:

ـ حاضر، مفيش مشكلة.

تغيرت ملامح عاصم في اللحظة نفسها.

استقام في جلسته.

ظل ينظر إلى الشاشة.

ـ تفضلي؟!

كرر الكلمة ببطء.

ثم ضحك بسخرية قصيرة.

ـ طبعًا... ما هو مفيش مشكلة.

نهض من مكانه.

تحرك خطوتين داخل المكتب.

ثم عاد إلى الشاشة.

كانت لينا قد بدأت تجمع أوراقها.

ـ لأ.

قالها عاصم فجأة.

ثم توقف.

نظر إلى نفسه باستغراب.

ـ لأ إيه؟!

ظل صامتًا.

ثم عاد إلى المكتب.

ضغط زر الاتصال الداخلي.

ـ شريف.

جاءه الرد سريعًا:

ـ نعم يا دكتور؟

ـ التدريب خلص.

ساد صمت قصير.

ـ حاضر.

أغلق عاصم الاتصال.

ثم جلس.

عاد ينظر إلى الشاشة.

بعد دقائق...

ظهرت لينا وهي تغادر قاعة التدريب حاملة حقيبتها
تابعها بعينيه حتى اختفت من إطار الكاميرا.

ظل عاصم صامتًا للحظات.
ثم أعاد النظر إلى الشاشة المغلقة أمامه.
كان يعرف أنه لم يكن غاضبًا بسبب انتهاء وقت التدريب...

ولم يكن منزعجًا لأن شريف طلب منها البقاء.
المشكلة كانت في شيء آخر...
شيء لم يكن مستعدًا حتى الآن للاعتراف بوجوده.
لينا.

مجرد وجودها في مكان قريب من رجل آخر...
كان يثير داخله ضيقًا لا يفهمه.
ضيقًا لا يحق له أصلًا أن يشعر به.
عقد حاجبيه، ثم هز رأسه بضيق.
ـ دي متدربة عندي... وبس.
قالها بحسم.
وكأنه كان يحاول إقناع نفسه بها.
لكنه، ولأول مرة...
لم يصدقها تمامًا.
-----:
في اليوم التالي...
وصلت لينا إلى الشركة في موعدها المعتاد، وجلست مع باقي المتدربين في قاعة التدريب.

كانت تحاول التركيز في المشروع الموضوع أمامها، لكن شيئًا ما كان يشغل تفكيرها.
منذ أن بدأت التدريب...
وعاصم يتعامل معها بطريقة مختلفة.
لم يكن يتحدث إليها كثيرًا، لكنه كان يراقب عملها باستمرار.
وأحيانًا كانت تشعر بنظراته عليها، وحين ترفع عينيها نحوه...
تجده قد أشاح بوجهه وكأنه لم يكن ينظر إليها من الأساس.
حاولت تجاهل الأمر.
لكنها لم تستطع.
ـ هو ماله؟!
همست بها لنفسها بضيق.
كانت سارة تجلس إلى جوارها، فالتفتت إليها:
ـ بتقولي حاجة؟
انتبهت لينا لنفسها بسرعة.
ـ لأ.
ضيقت سارة عينيها:
ـ إنتِ بقالك كام يوم سرحانة.
ـ أنا؟!
ـ أيوه إنتِ.
ثم اقتربت منها وهمست بمكر:
ـ مش عارفة أفكرك بحد؟
اتسعت عينا لينا.
ـ حد مين؟!
ضحكت سارة:
ـ ولا حاجة.
ـ سارة!
ـ خلاص يا ستي.
عادت سارة إلى أوراقها، بينما رمقتها لينا بضيق.
لكنها لم تستطع منع نفسها من التفكير فيما قالته.
حد مين؟
بالطبع كانت تعرف من تقصد.
عاصم.
تنهدت بصمت، ثم عادت تنظر إلى الأوراق أمامها.
في تلك اللحظة...
دخل شريف إلى القاعة.
ـ صباح الخير يا جماعة.
رد المتدربون جميعًا:
ـ صباح النور.
وضع شريف بعض الملفات أمامه، ثم قال:
ـ النهارده هنبدأ مرحلة جديدة في المشروع. كل اتنين منكم هيشتغلوا مع بعض على جزء معين، وفي نهاية الأسبوع كل فريق هيقدم النتيجة اللي وصل لها.
بدأ شريف في توزيع المهام.
ثم نظر إلى القائمة الموجودة أمامه.
ـ لينا...
رفعت رأسها.
ـ أيوه؟
ـ إنتِ هتشتغلي مع شريف... أقصد معايا أنا على الجزء الخاص بتحليل السوق.
ـ حاضر.
ابتسم شريف:
ـ تمام.
كانت لينا تستعد لجمع أوراقها، عندما شعرت بنظرة حادة موجهة إليها.
رفعت عينيها دون قصد.
فوجدت عاصم واقفًا عند باب القاعة.
لم تعرف منذ متى كان هناك.
كان ينظر إليها...
ثم إلى شريف.
ثم عاد ينظر إليها.
تجمدت لينا للحظة.
أما عاصم...
فلم يقل شيئًا.
فقط دخل إلى القاعة بخطوات هادئة.
تغيرت ملامح شريف قليلًا، ثم وقف باحترام.
ـ دكتور عاصم.
أومأ عاصم برأسه.
ـ كمل.
جلس شريف مرة أخرى.
لكن عاصم لم يغادر.
ظل واقفًا للحظات، يراقب ما يحدث.
ـ حضرتك كنت محتاج حاجة؟
سأله شريف.
نظر إليه عاصم ببرود.
ـ لأ.
ثم أضاف:
ـ كنت معدي بس.
رفعت لينا حاجبها باستغراب.
معدي؟!
إلى قاعة التدريب؟!
لكنها لم تعلق.
جلس عاصم في أحد المقاعد الجانبية، وأخرج هاتفه.
حاول أن يبدو منشغلًا به.
لكن عينيه...
كانتا تعودان كل بضع ثوانٍ إلى المكان الذي تجلس فيه لينا.
وبعد دقائق...
اقترب شريف من لينا ليشرح لها نقطة في المشروع.
كان يقف بجوارها، بينما انحنت هي فوق الأوراق.
ـ بصي هنا...
اقترب شريف أكثر.
ـ لو غيرنا النسبة دي، النتيجة هتختلف تمامًا.
أومأت لينا:
ـ فهمت.
ـ طب جربي تعمليها بنفسك.
أمسكت لينا بالقلم وبدأت تكتب.
وقف شريف بجوارها يتابع ما تفعله.
ـ أيوه... كده.
ابتسمت لينا بسعادة:
ـ طلعت صح!
ـ أهو.
ضحكت لينا بخفة.
في اللحظة نفسها...
صدر صوت إغلاق هاتف بقوة.
التفت الجميع.
كان عاصم قد وضع هاتفه على الطاولة أمامه.
نظر إليه شريف باستغراب.
ـ في حاجة يا دكتور؟
ـ لأ.
أجاب عاصم ببرود.
ثم وقف.
ـ كملوا.
خرج من القاعة.
تابعته لينا بعينيها حتى اختفى خلف الباب.
اقتربت منها سارة وهمست:
ـ هو ماله؟
نظرت إليها لينا بحيرة.
ـ مش عارفة.
ـ متأكدة؟
ـ أيوه.
ابتسمت سارة بمكر.
ـ غريبة.
ـ غريبة إيه؟
ـ ولا حاجة.
عادت لينا إلى أوراقها، لكنها لم تستطع التركيز.
كانت تفكر في عاصم.
وفي تصرفاته الغريبة.
وفي الطريقة التي نظر بها إلى شريف.
ولأول مرة...
تساءلت في سرها:
هل عاصم...
كان متضايقًا من قرب شريف منها؟

عاد عاصم إلى مكتبه، وبعد دقائق خرج لينا وشريف إلى الممر، حيث توقفا يتحدثان ويضحكان أمام الواجهة الزجاجية للمكتب.

ومن خلف الزجاج، وقعت عيناه عليهما... فتوقفت خطواته، واشتعلت غيرته وهو يراقب ضحكات لينا العفوية مع شريف.
عاصم يقف وراء زجاج مكتبه الفاخر كنمرٍ متأهب.

ملامحه متشنجة، وعيناه مثبتتان على لينا بالخارج، وهي تتبادل الضحك العفوي مع شريف.

كان يراقبها بصمت...

كل ضحكة منها كانت تزيد النار المشتعلة داخله.

كل مرة يقترب فيها شريف منها، كان يشعر بشيء حاد يضغط على صدره.

حتى التوتر في عروق عنقه بدا واضحًا.

لم يعد قادرًا على الاحتمال.

مد يده، وضغط على زر الإنتركام بعنف.

ـ غادة...

جاءه صوتها سريعًا:

ـ أيوه يا دكتور؟

ـ ابعتيلي لينا المتدربة حالًا.

ـ حاضر.

رفع عاصم عينيه إلى الزجاج مرة أخرى.

كانت لينا لا تزال تضحك مع شريف.

شد فكه بقوة.

ـ حالًا يا لينا...

تمتم بها بضيق.

وكأنه يحاول أن يقنع نفسه أنه يريد الحديث معها لسبب منطقي.

لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.

هو لم يكن يريد أن يعرف شيئًا عن التدريب.

ولا عن المشروع.

ولا عن شريف.

هو فقط...

كان يريد أن يعرف لماذا يضحك معها هكذا؟

ولماذا كانت تبتسم له بهذه الطريقة؟

ولماذا يشعر هو بهذا الغضب الذي يكاد يفقده عقله؟

بعد قليل...

طرق الباب ببطء.

انتفض عاصم من أفكاره.

ـ ادخلي.

فُتح الباب.

دخلت لينا، ملامحها هادئة، تحمل وقار الطالبة أمام أستاذها.

توقفت على مسافة آمنة منه.

ـ حضرتك استدعيتني يا دكتور؟

لم يجب عاصم فورًا.

اكتفى بالنظر إليها.

نظرة طويلة...

حادّة...

جعلت لينا تشعر بأن هناك شيئًا غريبًا.

ثم أشار بإصبعه نحو الباب.

ـ اقفلي الباب.

ترددت لينا للحظة.

انقبض قلبها من نبرته، لكنها استدارت وأغلقت الباب ببطء.

ثم عادت تنظر إليه.

ـ حضرتك كنت عايزني في إيه؟
تحرك عاصم حول مكتبه ببطء.

ـ الضحك والهزار اللي كان في الممر...

توقفت لينا.

ـ نعم؟

ـ ده من ضمن خطة تدريب شريف ليكي؟

اتسعت عيناها.

ـ أنا مش فاهمة.

اقترب عاصم منها خطوة.

ـ ولا هو مش معروف بطول البال إلا لما المقابل يستاهل؟

تجمدت لينا.

للحظة...

لم تستوعب ما قاله.

ثم اشتعل وجهها غضبًا.

ـ أنت بتقصد إيه بالكلام ده يا دكتور؟

ظل ينظر إليها.

ـ زي ما سمعتي.

ـ وبأي حق تلمح بكده؟!

اقترب منها أكثر.

كان قناع الأستاذ ينهار تدريجيًا، وغيرته تظهر في نبرته دون أن يستطيع إخفاءها.

ـ أقصد إنك معجبة باهتمامه.

اتسعت عينا لينا بصدمة.

ـ إيه؟!

ـ سمعتي.

ضحكت لينا بسخرية من شدة استغرابها.

ـ وإنت مالك أصلًا؟

توقف عاصم.

الكلمة ضربته في مقتل.

ـ أنا مالي؟

ـ أيوه... حضرتك مالك؟

اشتعلت عيناه.

ـ أنتِ طالبة عندي... ومتدربة في شركتي.

قاطعته لينا بحدة:

ـ في شركتك آه... بس مش ملكك!

تجمد عاصم.

ـ ليك عندي شغلي وبس، لكن أكلم مين ويعجبني اهتمام مين... دي حاجة تخصني أنا! ومحدش له الحق يحشر نفسه فيها...

اقترب عاصم منها خطوة أخرى.

ـ لينا...

لكنها لم تتراجع.

ـ ولا حتى أ...

توقفت.

ولم تكمل.

لأن عاصم كان قد وصل إلى آخر ذرة من صبره.

كل ما كتمه منذ أيام...

كل نظرة.

كل ابتسامة.

كل مرة رآها فيها بجوار شريف.

كل مرة أقنع نفسه أن الأمر لا يعنيه...

انفجر في لحظة واحدة.

تقدم نحوها فجأة.

وفي حركة مباغتة، مد يده إلى مؤخرة رأسها، واجتذبها إليه، ثم التهم شفتيها بقبلة بركانية عنيفة لاهثة...

قبلة ابتلعت كلماتها وأخمدت تمردها في جوف صمت المكتب. 💋🔥

ما إن تلامست الشفاه...

حتى انخرط كل شيء في ثوانٍ معدودة تحولت فيها الغرفة إلى ساحة مشاعر متلاطمة.

انفجر لدى عاصم شوق عارم وجارف حبسه لشهور طوال؛ التقت شفتاه بشفتيها بلهفة ظمآن وجد ماءه أخيرًا، يرتشف منها تفاصيل حلم طال انتظاره وسط هلع حقيقي ورعب من فكرة أن تكون لرجل آخر.

امتزج هذا الشوق بغيرة حارقة كادت تأكله حيًا وهو يراها مع غيره، لينقلب الاندفاع إلى تملك شرس وجنون أعمى تحطمت معه كل القيود، مدفوعًا بكبرياء رجل جريح يحاول بأعنف وأعمق طريقة ممكنة استرداد سلطته وهيبته التي تلاشت أمام عينيها، ليثبت لها بأنه الرجل الوحيد المسموح له باختراق عالمها الخاص. 🫀🔥

وفي المقابل...

سرت في جسد لينا صدمة كهربائية عنيفة شلت أطرافها تمامًا.

تبخرت كلمتها المحتبسة، وابتلعها في أنفاسه الحارة الشغوفة.

انقبضت روحها بمزيج مرعب ومربك؛ ذعر عارم من تخطي الحدود، توازى معه استسلام غريب وخفي لدفء طالما أنكرت رغبتها فيه.

تسارعت دقات قلبها بقوة كادت تمزق صدرها.

دارت بها الغرفة...

وكأن الأرض سُحبت من تحت قدميها.

لكن عقلها بدأ يعود إليها شيئًا فشيئًا.

لحظة...

ثم لحظة أخرى...

حتى فتحت عينيها.

واستوعبت.

عاصم بيقبلها!

اتسعت عيناها فجأة.

ثم دفعته بكل قوتها.

ـ إنت اتجننت؟!

تراجع عاصم خطوة.

كانت لينا تنظر إليه بصدمة، ووجهها مشتعل من الخجل والغضب، بينما بدأت الدموع تتجمع في عينيها.

ـ إيه اللي إنت عملته ده؟!

تجمد عاصم.

لم يجب.

نظر إليها...

إلى دموعها...

وكأن عقله يرفض تصديق ما حدث.

ثم خفض عينيه.

هو نفسه لم يعرف ماذا يقول.

لم يكن يملك تفسيرًا.

لم يكن يعرف لماذا فعلها.

كل ما يعرفه...

أنه فقد السيطرة.

وأنه تجاوز كل الحدود.

رفعت لينا يدها تمسح دموعها بعصبية.

ـ أنا مش مصدقة إنك عملت كده!

رفع عاصم عينيه إليها.

فتح فمه...

لكن الكلمات لم تخرج.

لأول مرة...

لم يجد عاصم ردًا.

ولا كبرياءً يحميه.

ولا غضبًا يخفي به ارتباكه.

فقط قال بصوت منخفض:

ـ أنا...

توقف.

ثم خرجت الكلمة منه بصعوبة:

ـ أنا آسف.

تجمدت لينا.

أما هو...

فلم ينتظر ردها.

استدار واتجه نحو الباب.

فتح الباب...

ثم توقف.

يده لا تزال ممسكة بمقبضه.

أغمض عينيه.

وأخذ نفسًا عميقًا...

طويلًا...

وكأنه يحاول أن يستعيد السيطرة على نفسه.

وكأنه يحاول أن يفهم...

كيف وصل إلى هذه اللحظة أصلًا.

ظل واقفًا لثوانٍ.

لم يلتفت إليها.

كان يريد أن يقول شيئًا.

أي شيء.

لكنه لم يجد كلمة واحدة.

شد قبضته حول المقبض.

ثم زفر ببطء.

وأخيرًا...

خرج.

وأغلق الباب خلفه.

بقيت لينا وحدها.

واقفة في منتصف المكتب...

والدموع تنهمر على وجهها.

رفعت يدها ببطء إلى شفتيها.

وقلبها يخفق بجنون.

لكنها لم تكن وحدها من فقد السيطرة.

في الخارج...

كان عاصم يسير بخطوات سريعة في الممر.

وجهه جامد.

ملامحه قاسية.

لكن يده...

كانت لا تزال ترتجف.

توقف فجأة.

أغمض عينيه.

وعادت إليها صورتها.

دموعها.

صدمتها.

وصوتها:

ـ إيه اللي إنت عملته ده؟!

فتح عينيه.

وشد فكه.

ـ أنا فقدت عقلي!

ثم ضرب بقبضته على راحة يده بعصبية.

لكنه لم يستطع أن يكذب على نفسه.

لم تكن المشكلة في شريف.

ولم تكن المشكلة في ضحكتها.

ولم تكن حتى في غيرته.

المشكلة الحقيقية...

أن لينا أصبحت الشيء الوحيد الذي يستطيع أن يفقده السيطرة.

وهو...

عاصم الرشيدي.

الرجل الذي لم يسمح لامرأة واحدة أن تهز كبرياءه...

خرج من مكتبه هاربًا من امرأة واحدة فقط.

امرأة استطاعت...

بقبلة واحدة...

أن تجعله يخسر كل شيء كان يظن أنه يملكه.

أما لينا...

فكانت لا تزال واقفة في مكانها، لا تعرف ماذا حدث... ولا لماذا حدث.

لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط...

أنها منذ هذه اللحظة... لن تستطيع النظر إلى عاصم بالطريقة نفسها مرة أخرى.

لأن القبلة التي انتهت في ثوانٍ... تركت خلفها ألف سؤال.

وسؤال واحد فقط ظل يطاردها رغم كل غضبها ودموعها...

لماذا... عندما قبلها عاصم، شعرت للحظة... أنها كانت تنتظر تلك القبلة أكثر مما ينبغي؟

رفعت يدها إلى شفتيها بسرعة، وكأنها غاضبة من نفسها قبل أن تكون غاضبة منه.

ـ لا...

همست بها وهي تهز رأسها بعنف.

ـ مستحيل!

لكن قلبها... لم يجبها.

وفي الخارج، كان عاصم يبتعد عن مكتبه بخطوات سريعة، وهو يظن أنه هرب من الموقف...

دون أن يدرك أن ما حدث بينهما لم يكن نهاية شيء...

بل كان بداية حرب جديدة.

حرب بين رجل فقد السيطرة لأول مرة...

وامرأة لم تعد تعرف... هل تكره ما فعله؟

أم تخاف من الحقيقة التي بدأت القبلة تكشفها لها عن نفسها.

ومنذ تلك اللحظة...

لم تعد المسافة بين عاصم ولينا آمنة كما كانت.

لأن القبلة التي أشعلها الغضب والغيرة...

تركت خلفها نارًا... لن يكون من السهل إخمادها. 🔥❤️‍🔥


تعليقات