رواية الداهية وسلالة الاوغاد الفصل السادس عشر
صعدت بـ كوب الشاي الذي ترتشف منه الدرجات المتبقية للسطح؛ والذي نادرًا ما تصعده ولكنها هذه المرة مضطرة لتتحاشى غضب شقيقها الذي هاتفها منذ قليل بنزق وعصبية، وصلت أخيرًا بأنفاس لاهثة تطلعت حولها تبحث عنه، حتى وجدته مستندًا بمرفقيه على السور الأسمنتي ينظر نحو المباني المتراكمة على امتداد بصره.
هتفت تخاطبه بتهكم:
أهو أنا جيت يا أخويا اللدود، وطلعت كام دور مخصوص عشان عيونك!
استدار إليها مضيقًا عينيه ليرد بتأفف:
طب كملي جميلك بقى واتفضلي قربي وانتي حاطة لسانك جوة بقك على الأقل.
شيعته بنظرة مستنكرة قبل أن تخطو نحوه لتقول:
ابو شكلك عيل غلس، مابتفصلش أبدًا! دائما بتبهرني بـ سماجتك وقلة ذوقك اللي عايش بيهم دول.
ظل صامتًا هذه المرة، فتعكّر مزاجه يمنعه حتى من المناكفة العادية بينه وبين شقيقته، والتي انتبهت على عبوس وجهه فـ اقتربت تشاكسه بمزاح:
ده إحنا نتحسد بقى يا أخويا اللدود! دي أول مرة تسمع كلامي وتسكت.. باين كدة التربية أخيرًا جابت مفعول معاك، وبقيت بتحترم أختك الكبيرة اللي مسبقاك بخمس دقائق!
ناظرها مضيقًا عينيه بعد ان اقتربت منه وقال بجدية:
أنا مش فاضي للمرقعة والمقالب بتاعتك دلوقتي.. النوم مخاصم عيني من امبارح، ودماغي مش هتاخد وتدي مع هزارك البايخ يا حبيبتي، فـ ياريت توفري مجهودك.
انتقل العبوس إليها لتسأله بعدم تصديق:
مش معقول! من امبارح منمتش يا أمجد؟ يا نهار أبيض! ده حدث تاريخي لازم يتسجل يا راجل!
طب خلاص، سجليه.
قالها بقرف وهو يلتف عنها ليعود للنظر حوله من فوق سور السطح، اقتربت لتقف بجواره قائلة ببعض اللطف وقد فهمت بالذي يزعجه:
هون على نفسك يا أمجد، الموضوع مش بالسوء ده كله يعني.
رد بحدة سائلاً:
هو إيه اللي مش بالسوء ده؟! تقصدي اللي حصل امبارح؟ ولا الجوهرة اللي بيلاعبنا بينا بيها أدهم الفيومي؟ ده كأنه بيعشمنا بحبال دايبة عشان نوصلها!
عبس وجهها في استيعاب كلماته، فقالت بتفكر:
مش عارفة أرد عليك بأقول إيه.. بس اللي متأكدة منه وبيحصل فعلاً على أرض الواقع، إن الحاجات اللي جبتوها امبارح دي، بابا أخدها ووداها لمحامي العيلة، والمحامي جاب خبير من طرفه وقدر قيمتها بمبالغ خيالية! ده حتى نسبتنا زي ما عرفت من بابا.
فاقت كل توقعاته
هاها!
خرجت منه باستهزاء ليُكمل بغيظ:
دي ملعوبة من أدهم الفيومي يا غلبانة! قاصد بيها يسكتنا عشان ننسى حوار الجوهرة خالص.
صاحت معترضة:
بتقول كدة ليه بس يا أمجد؟ جدي لسة في مرحلة الاختيار وبيشوف مين الأصلح زي ما بيقول.
تبسم ساخرًا يرد:
اسمعي مني كويس يا أريج.. لو فضلنا مستنيين جدك مش هنطول الهوا! وده كلام ثقة مني.. الراجل ده أنا بقيت فاهمه أكتر من نفسي، وعشان كدة أنا هحاول أوصلها من وراه ومن غير ما أستناه.
سألته أريج بتشتت:
وهنعمل إيه طيب؟ وهنوصلها إزاي؟ أنا مابقتش فاهمة منك حاجة! مش كانت خطتنا من الأول إننا نفوّق أدهم الفيومي عشان يعرفنا مكان الجوهرة؟ جاي دلوقتي وعايز...
الحصول عليها من غير مساعدته، طب ازاي؟
التف إليها أمجد يقول مشددًا على كلماته:
ـ ما انا عشان كدة طلبتك عشان الموضوع ده، عايز اخد رأيك لو هتكملي الطريق معايا، ولا تستني جدك العظيم ادهم الفيومي يمن علينا، والاكيد أنه مش هيختار الأصلح زي ما بيقول
رددت خلفه باستنكار:
يخرب بيت كده! إزاي يعني ما يحصلش؟ أنا معاك يا أمجد، قولي هنعمل إيه وأنا معاك.
تنفس أمجد براحة ثم قال:
خلاص، اطلعي دلوقتي على أوضتك وجهزي نفسك عشان تخرجي معايا.
أومأت برأسها ثم سألته بفضول:
وأنت مش هتيجي معايا؟ أنت غايب عن البيت من امبارح!
رد بسأم:
أبوكي وأمك عارفين إني بايت هنا في أوضة السطوح، ومحدش فيهم بيسأل ولا فارق معاه أمري.. عشان كده روحي وهاتيلي من أوضتي طقم خروج نضيف وهاتيه هنا.
ردت أريج باستعطاف:
أنت عارف إن بابا وماما بيحبوك، بس هما متشددين في آرائهم، وماسكين في مبادئ قديمة مابتأكلش عيش.
ردد أمجد ساخرًا:
وخليهم ماسكين في مبادئهم القديمة دي زي ما هما عايزين، لأن أنا كمان مش هتنازل عن مبادئي في إني آخد اللي أنا عايزه.
بس لحد إمتى هيفضل الوضع ده؟
سألته أريج ليجيبها بحيرة:
الموضوع مش هيطول كتير، أنا مش متخانق مع حد، بس محتاج أقعد مع نفسي شوية عشان أرتب أفكاري بعيد عن دوشة أدهم الفيومي.. روحي يا بنت بقى عشان منتأخرش، روحي!
صاح بالأخيرة لتعدوا على الفور مهرولة تنفيذًا لمطلبه كالعادة.
وقف في وسط السوق العريق والذي أصبح مكانًا اصيلاً لزيارة السياح الأجانب في البلاد كما يراه الآن، يتأمل اليافطة الكبيرة لهذا الاسم المعروف إليه منذ سنوات عديدة، تقبض يده على الشئ العزيز على قلبه داخل جيب سترته، والذي دفع فيه الغالي والنفيس. بل وكانت حياته ثمنًا له.
تنهد بثقل وهو يتقدم إلى داخل محل المصوغات الشهير ليدلف بتردد، ولا يعلم كيف سينفذ مهمته، رغم اختياره لهذا المحل خصيصًا؛ لما به من تاريخ طويل مع عائلته قديمًا، فقد كان المصدر الأساسي لكل مجوهرات النساء بها، هذا حينما كان على قيد الحياة.
تؤمر بإيه يا فندم؟ محتاج إيه؟
قالها أحد الشباب الواقفين خلف المعرض الزجاجي والذي كان يتحدث مع أحد النساء، أومأ له أدهم باحترام ليقف منتظرًا حتى ينتهي من السيدة التي كانت تناقش الشاب على قطعة مجوهرات بيدها. وتوقف هو يتابع الحديث حتى يمتص من توتره قليلاً.
أنا أقدر أساعدك يا ابني.
صدرت من خلفه بصوت ضعيف رغم خشونته، ليجد رجلًا كبيرًا في العمر بما يقارب الثمانين، بملامح مألوفة إليه، جالسًا على مكتبه، يناظره بأعينه التي تغطيها النظارة الطبية، بصورة ذكرته بالرجل الكبير صاحب المحل الأصلي، فاقترب منه أدهم يسأله دون تفكير:
هو حضرتك عم مينا صاحب المحل ده؟
ضيق عينيه الرجل بزوايتيهما المتجعدتين، ثم اطلق ضحكة صافية.
والتف أدهم نحو الرجل الشاب في الجهة الأخرى، وقد فرغ من المرأة وانصرفت دون ان يعرف أدهم؛ إن كانت اشترت من الشاب أم لا، والذي أشار له كي يقترب ثم سأله بعملية وذوق اعتاد على فعله:
تؤمر بإيه يا فندم؟ أقدر أساعدك إزاي؟
تجمد أدهم أمامه بحيرة شلت تفكيره، بداخله إحساس يحثه على إخراج الجوهرة لتقدير ثمنها الحقيقي بأسعار اليوم، وصوت آخر متردد، يجعله يخشى إخراج شئ نادر كهذا أمام المشاع مع التخمين بدخول اي شخص آخر لداخل المحل، ولكن ما العمل؟ حسم أمره ليتقدم نحو الرجل يسأله عن الأسعار الحالية، وليأخذ فكرة في البداية، وبعدها يرى ما الحل؟ وكيف يأخذ الأمان لهؤلاء القوم، وقد كانوا قبل ذلك محل ثقة بالفعل.
ربنا يسعدك ويبارك فيك.. لا يا ابني، مينا ده يبقى أبويا.
يعني أنت إسكندر! يا خبر.. ده أنت كبرت وعجزت بعد ما كنت عيل صغير!
توقفت الضحكات على وجه الرجل ليحل محلها العبوس، ويردد باستغرب:
كبرت وعجزت بعد ما كنت عيل صغير؟! إيه العبط ده؟
تحمحم أدهم بحرج يستعيد تعقله، فلقاء الرجل ذكره بذكريات من الزمن الماضي. فقد كان العم مينا على نفس الهيئة، والشبه القريب من هذا الجالس الآن، أما هذا فقد كان بالفعل صغيرًا حينما كان يأتي مع والده إلى القصر، فقال أدهم مصلحًا:
أنا آسف يا فندم، اتهيألي إنك عم مينا صاحب المحلات دي وصاحب جدي.
سأله الرجل باستفسار:
ومين جدك ده يا ابني؟
اضطرب أدهم قليلًا ثم أجابه بلهجة جعلها تبدو طبيعية:
جدي هو أدهم الفيومي...
بمجرد سماعه للاسم هلل الرجل العجوز ضاحكًا:
آها.. فهمت دلوقتي! أنت بتسأل من غير ما تكون عارف بجد مين صاحب المحل ولا ابنه.. بس الحق يتقال، جدك كان من أخلص الناس معانا، ماكانش بيشتري حتة دهب من حد غيرنا، لدرجة إنه كان السبب في السعد والهنا اللي عاش فيه أبويا.
لمس أدهم على قطعة الجوهرة بداخل سترته والتي أتى بها اليوم في محاولة استكشافية لمعرفة الثمن الحقيقي لها الآن في هذا الوقت، وسأل الرجل:
وطيب هو ليه كان السبب في سعد والدك؟
ضحك الرجل يشير بيده للانتظار حتى يجيب عن الاتصال الذي ورد على هاتفه.
.........................
الجوهرة هنا، وحياة ربنا هنا جوه القصر ده يا أريج، أنا متأكد من كده.
هتف بالكلمات أمجد وهو يدور حول نفسه كالمجنون، بعد أن يئس من البحث المتواصل طوال النهار دون فائدة، وقالت شقيقته وهي تجلس على الأرض:
أنا مش عارفة على إيه كل الإصرار والتعب ده؟ وأنت أكتر واحد عارف إن كل رحلات البحث اللي بتحصل في القصر الملعون ده من سنين طويلة فشلت؟
صاح بها أمجد بعصبية:
لأني متأكد النهاردة إنها موجودة! أدهم الفيومي جه هنا كذا مرة، وفي مرة منهم طلع الخواتم والعقود والحاجات دي اللي بتبقى مع الجوهرة.
