رواية ما استردة القلب الفصل السادس عشر بقلم ريهام ناجي
أول ما فتحت الباب...
لقيته قاعد على كرسي بابا،
نفس الكرسي... نفس المكتب... نفس المكان اللي كان بابا بيقعد فيه.
للحظة... نسيت أنا داخلة ليه،
كل اللي شوفته... إن شخص سرق كل حاجة،
الشركة... والمكتب... والبيت وحتى مكان بابا.
وقفت مكاني، وعيني معلقة عليه،
لأول مرة... أحس إن الوجع له شكل.
كان قاعد بكل هدوء، كأنه صاحب المكان، وكأن السنين اللي عاشها بابا هنا...
ولا كان ليها وجود.
قبضت على إيدي لدرجة إن ضوافري غرست في كفي،
وحاولت أبلع الغصة اللي خنقتني.
هنا... كان بابا بيقعد،
هنا... كان بيناديني وأنا بتدرب على الشغل، ويشرحلي كل ورقة وكل قرار،
ويقول بثقة:
"لازم تتعلمي كل حاجة بنفسك...
عشان في يوم من الأيام، الكرسي ده هيبقى مكانك."
رفعت عيني عليه من تاني، وبقيت شايفة الحقيقة قدامي بوضوح،
الكرسي اللي بابا كان بيجهزني أقعد عليه... قاعد عليه سليم وبكل بجاحة،
في اللحظة اللي استوعبت فيها دا، كل ذرة هدوء كنت بحاول أتمسك بيها... انهارت.
رفعت صوتي لأول مرة،
وأنا ببصله بعين مليانة قهر:
_قوم.
متحركش وفضل باصصلي في هدوء، كأنه كان مستني اللحظة دي من زمان،
لكني كررتها، وصوتي كان أشد.
_قولت قوم... ده عمره ما كان مكانك.
ساب القلم اللي كان بين إيده على المكتب براحة،
وشبك صوابعه قدامه، وهو ثابت بعينيه عليا.
_خلصتي؟
الكلمة نزلت عليا كإنها بتصب بنزين على نار،
ضحكت ضحكة قصيرة، كلها قهر.
_أنت شايف إن اللي حصل ده يخلص بكلمة؟
أخيرًا وقف من مكانه... ببطء شديد،
لف حوالين المكتب، ووقف قدامه من غير ما يقرب مني.
_أنا عارف إنك متعصبة.
هزيت راسي بعدم تصديق.
_متعصبة؟!
رفعت صباعي ناحيته، وأنا بحاول أسيطر على رعشة صوتي.
_بعد كل اللي عملته فيا...
دي الكلمة اللي لقيتها؟
فضل ساكت،
فسكوته زود غضبي أكتر.
_كل شركة كنت بروحها... كنت بتوصلها قبلي،
كل فرصة كانت بتضيع مني... كنت أنت السبب فيها،
كل مرة كنت أرجع فيها البيت مكسورة... كنت أنت اللي كسرتني.
قربت منه خطوة.
_ليه؟
سكت،
قربت خطوة تانية.
_رد عليا
ليه؟
أخيرًا رفع عينه ليا، وقال بنفس هدوئه:
_عشان مكنش ينفع تشتغلي عند حد غيري.
اتجمدت مكاني...
رمشت بعدم استيعاب.
_إيه؟
قالها بمنتهى البرود:
_كنت برجعك للمكان الصح.
ضحكت، لكن الضحكة خرجت مكسورة.
_المكان الصح؟
بعد ما سلبت مني حقي،
وبعد ما دمرت حياتي؟
بعد ما حرمتني من أي فرصة أبدأ من جديد؟
أنت شايف ده المكان الصح؟
ابتسم ابتسامة خفيفة...
الابتسامة اللي كرهتها من وقت عملته،
هز راسه بهدوء، وقال:
_أنتِ لسه مش فاهمة.
عقدت حواجبي.
_أفهم إيه؟
اتنهد، وسند بإيده على طرف المكتب.
_إن كل اللي عملته... كان لمصلحتك.
بصيتله ثواني، وبعدين ضحكت،
ضحكة طالعة من قلب موجوع.
_لمصلحتي؟
هز راسه.
_أيوة.
_إنك تبوظ مستقبلي... لمصلحتي؟ إنك تخليني كل يوم أرجع البيت منهارة... لمصلحتي؟ إنك تخليني أشك في نفسي وفي شغلي... لمصلحتي؟
كان بيرد بهدوء غريب:
_لأنك كل مرة كنتِ بتبعدي.
اتجمدت مكاني.
_ولما كنتِ بتبعدي... كنتِ بتخليني مضطر أرجعك.
ضيقت عيني بعدم استيعاب.
_ترجعني؟
رفع كتفه ببساطة.
_أنتِ مكانك هنا.
شاورت حواليا بعصبية.
_هنا؟!
هز راسه.
_في الشركة... معايا.
حسيت إن أنفاسي بتتسارع.
_أنت مريض.
ابتسم للمرة التانية...
_ممكن.
سكت لحظة، وبعدين قال:
_بس عمري ما هسمح إنك تبقي لحد غيري.
الكلمة خلت الدم يتجمد في عروقي، بصيتله بعدم تصديق.
_أنت... معترف؟
قالها بمنتهى الهدوء:
_ومخبيتش.
اتقدمت ناحيته خطوة.
_يعني...
كل مرة فكرت فيها أبدأ من جديد،
كان أنت اللي...
قطع كلامي بهدوء:
_أيوة أنا.
_كل مرة كنت بفرح إني لقيت شغل...
_أنا السبب في كل مرة كنت بتخسري فيها شغل جديد...
كمل وهو بيبص في عيوني.
_كل مرة كنت ترجعي البيت تعيطي...
كان وراها أنا،
كل مرة كنتِ تقولي لنفسك إنك فاشلة...
كانت بسببي أنا.
_وأنت السبب في اللي حصلي
في شركة العزازي الاسبوع اللي فات، والنهاردة؟
_أيوة
كان بيرد بنفس النبرة... وكأنه بيعترف بحاجة عادية جدًا،
حسيت إن الأرض بتميد بيا.
_ليه؟
لأول مرة من وقت ما دخلت...
اتغيرت ملامحه،
بصلي بنظرة ثابتة، وقال بصوت واطي:
_لأن فكرة إنك تكوني عند راجل غيري... كانت مستحيلة بالنسبالي.
سكت ثانية، وبعدين كمل:
_كل مرة كنتِ بتدخلي شركة جديدة... كنت بحس إنك بتبعدي أكتر،
وأنا... مكنتش مستعد أخسرك.
شهقت وأنا ببصله برعب.
_أنت مدرك بتقول إيه؟
قال بثبات:
_عارف.
_أنت دمرت سنة ونص من عمري!
_ولا يوم اعتبرته تدمير.
رفعت صوتي بانفعال:
_أمال تسميه إيه؟!
قال وهو بيبصلي من غير ما يرمش:
_بحافظ على الحاجة اللي تخصني.
سقطت الكلمة عليا كصفعة،
اتراجعت خطوة للخلف...
وعيني اتسعت بعدم تصديق.
_أنا...
خرج صوتي مبحوح.
_أنا مش... حاجة تخصك،
أنا مش لعبة يا سليم.
ساد صمت تقيل...
واكتفى سليم بالنظر ليا، من غير ما ينكر اللي قاله،
وكأن اقتناعه باللي عمله أقوى من أي محاولة لتبريره.
فضل باصصلي بنفس النظرة...
نظرة هادية... لكن الهدوء اللي فيها كان مرعب أكتر من أي عصبية،
اتنفست بصعوبة...
_صدقني أنت مش طبيعي يا سليم،
أنت عايز تتعالج.
قال بمنتهى البساطة:
_ممكن.
ولأول مرة... ملامحه ارتخت، وكأنه أخيرًا بطل يمثل.
_بس المرض الوحيد اللي عندي... حُبك،
إني مقدرش أتخيلك مع حد غيري يا رُهام.
حسيت بقشعريرة سرت في جسمي كله،
هزيت راسي برفض.
_لا... أنت مش بتحبني.
سكت...
فكملت وأنا ببصله بقرف،
_اللي بيحب... عمره ما يكسر اللي بيحبه بالشكل ده.
ابتسم ابتسامة مستفزة.
_يمكن.
اتعصبت أكتر.
_مفيش يمكن!
رفعت صوتي.
_الحب عمره ما كان سجن...
ولا تهديد... ولا تدمير حياة بني آدم!
فضل ثابت مكانه.
_أنا معملتش كده عشان أدمرك.
ضحكت بمرارة.
_أومال عشان إيه؟
قال من غير تردد:
_عشان كل الأبواب تتقفل في وشك...
إلا بابي.
شهقت وأنا ببصله،
أما هو فكمل بنفس البرود:
_كنت عارف إنك عنيدة... ولو سيبتك تنجحي برا... عمرك ما هترجعي،
لكن لما الدنيا كلها تقف في وشك...
رفع عينه ليا.
_هترجعي هنا.
شاور حوالينا.
_وهنا... أكون أنا الشخص الوحيد اللي واقفلك،
وفاتح إيدي ليكِ.
حسيت إن معدتي انقبضت،
كل كلمة بيقولها... كانت بتأكدلي إن اللي واقف قدامي...
مش مجرد شخص أناني، أو طماع
ده شخص كان بيرتب حياتي... من غير ما أعرف،
همست بعدم تصديق:
_أنت كنت بتخطط لكل ده؟
هز راسه بهدوء.
_من أول يوم رفضتي فيه ترجعي الشركة.
اتجمدت،
كل كلمة كان بينطقها... كانت بتنحفر جوايا أكتر،
لحد ما حسيت إني مش قادرة آخد نفسي.
رجعت لورا خطوة...
وبعدين خطوة تانية،
أول مرة... أحس إني خايفة منه،
خوف حقيقي.
رفع حاجبه وهو ملاحظ تراجعي.
_خايفة ولا أيه؟
هزيت راسي ببطء.
_أيوة... لأول مرة
أنا خايفة منك بجد يا سليم،
أنت مستحيل تكون نفس الشخص اللي اتربيت معه، أنت بقيت وَحش.
ساد صمت طويل...
لكن الغريب...
إنه ما ضايقهوش خوفي.
بالعكس...
ارتسمت على وشه ابتسامة صغيرة، وقال بهدوء مخيف:
_أهو ده أول إحساس حقيقي وصلتيله.
بدأ يمشي ناحيتي بخطوات بطيئة...
خطوة...
ورا التانية،
لحد ما وقف على مسافة قريبة، وهو ثابت بعينيه عليا.
أنا... اتراجعت خطوة تلقائي،
لكنه وقف مكانه، وكأنه مش محتاج يقرب أكتر،
وقال بصوت هادي بشكل مرعب:
_رُهام...
كل اللي حصل... ينتهي بكلمة واحدة منك.
بصيتله باحتقار، ومردتش عليه عشان عارفة هو عايز أيه،
ابتسم ابتسامة خفيفة.
_وافقي تتجوزيني يا رُهام.
عقدت حواجبي،
وأنا مش مصدقة اللي سمعته من بجاحته،
لكنه كمل بنفس الهدوء:
_وقتها...
ولا هتحتاجي تشتغلي عند حد،
ولا حد هيقدر يقرب منك،
ولا هتتعبي تاني،
كل حاجة هترجع زي ما كانت...
وأفضل.
رفع إيده كأنه بيعرض عليا حل طبيعي.
_ارجعي مكانك...
وارجعيلي، وأوعدك
من اللحظة دي،
مش هتشوفي مني غير اللي يريحك.
اتسعت عيني وأنا ببصله،
لثواني...
مكنتش قادرة أصدق إن كل الخراب اللي عشته...
بالنسبة له...
كان مجرد وسيلة عشان يوصل للحظة دي.
هزيت راسي ببطء...
وبعدين ضحكت،
ضحكة قصيرة، لكن مليانة اشمئزاز.
_أنت فاكر بجد إن بعد كل اللي عملته...
ممكن أبصلك أصلًا؟
اتغيرت ابتسامته لحيرة بسيطة،
لكن قبل ما يتكلم...
رفعت راسي، وبصيتله في عينه مباشرةً،
وبكل احتقار...
بصقت قدام وشه.
اتجمد مكانه.
أول مرة...ملامحه تهتز.
نزلت البصقة على خده...
فرفع إيده ببطء ومسحها...
وهو ما زال باصصلي.
قولت من بين أسناني:
_لو آخر راجل في الدنيا...
عمري ما هبقى ليك،
أنت فاهم؟
عمري...
ما هبقى ليك يا سلين.
سكت لحظة...
فكملت بصوت ثابت، رغم رعشة جسمي:
_نجوم السما... أقربلك مني،
بل أقرب بكتير، وحقنا اللي سرقته،
هعرف كويس إزاي أرجعه، بس كل شيء بآوانه يا سليم.
فضل يبصلي...
من غير كلمة، وأنا كملت:
_وأنا واثقة إن يومك جاي، معرفش امتى بس أكيد في الوقت المناسب، حتى لو هستنى اليوم دا لسنين يا سليم، مش هسيبك والله ما هسيبك أنت وأمك تتمرمغوا في فلوس بابا وحقه.
قولت كلامي،
ولفيت ضهري ليه، وأنا باخد نفس عميق، ومستعدة عشان أمشي...
لكن...
قبل ما أوصل للباب...
سمعت صوت خطوات سريعة ورايا.
_رُهام... استني.
ملحقتش ألف، في لحظة...
حسيت بإيد سليم بتقبض على معصمي،
قبضة قوية...
خلتني أنتفض مكانى.
لفيت أبصله بعنف،
وحاولت أشد إيدي.
_سيب إيدي.
لكنه زود ضغطه وهو بيبصلي بنفس النظرة الثابتة.
_مش هسيبك.
حاولت أحرر إيدي منه.
_قولت سيبني!
قرب مني خطوة، وصوته خرج منخفض لكنه حاد:
_لو الدنيا كلها وقفت ضدي...
بردو هتجوزك يعني هتجوزك.
هزيت راسي باشمئزاز.
_أنت واهم أوي يا سليم صدقني.
شد إيدي ناحيته شبر صغير.
_مستحيل تكوني لغيري يا رُهام...
مستحيــل.
في اللحظة دي...
الباب اتفتح بعنف.
_سيبها!
التفت ناحية الصوت...
ولقيت يونس واقف عند الباب، وعينيه متثبتة على إيد سليم اللي ماسكة إيدي.
وفي ثانية واحدة...
كان وصل عندنا،
أبعد إيد سليم عني بقوة، ووقف بينا.
وأنا لأول مرة...
حسيت إن فيه حد وقف حاجز بيني وبينه، حسيت بحد واقف في ضهري بجد.
سليم بصله ببرود.
_ابعد يا يونس أنت ملكش دعوة...
دي بيني وبينها، بين وبين بنت عمي.
رد يونس بنبرة حادة:
_من اللحظة اللي مسكت فيها إيديها...
بقت بيني وبينك.
دفعه سليم في كتفه وهو بيقول بانفعال لأول مرة:
_ملكش دعوة!
اتزحزح يونس خطوة للخلف من أثر الدفعة، لكنه رجع وقف ثابت.
_إياك تمد إيدك عليها تاني.
اشتعلت ملامح سليم.
_وأنت هتمنعني؟
وفي لحظة توتر...
اندفع الاتنين ناحية بعض،
وارتفع صوت الحركة في المكتب، والكرسي اتحرك من مكانه.
جريت أبعدهم وأنا بتكلم بصوت عالي:
_بس!
في نفس اللحظة...
اندفع حازم من بره المكتب بعد ما سمع الأصوات.
_إيه اللي بيحصل هنا؟!
دخل بسرعة، وحاولت هو وأنا نبعد الاتنين عن بعض،
مسك حازم سليم من كتفه، وأنا وقفت قدام يونس أحاول أهديه.
لكن سليم كان خارج عن هدوئه لأول مرة،
كان بيحاول يفلت وهو بيزعق:
_خليك بعيد عنها يا يونس!
سمعتني كويس؟
أبعد عنها!
يونس كان بيحاول يهدى نفسه، لكنه رد بنبرة ثابتة:
_طول ما هي رافضاك...
مش من حقك تقرب منها.
الكلمة أشعلت غضب سليم أكتر.
وشاور ناحية يونس وهو بيصرخ:
_أنا مش هسيبها!
ولو فاكر إنك هتاخدها مني...
تبقى غلطان.
أخدت نفس مرتعش، ومسكت دراع يونس.
_يلا... نمشي.
بصلي لحظة، وكأنه بيتأكد إني بخير...
وبعدين هز رأسه بهدوء،
لفينا ناحية الباب،
ومن ورانا...
كان صوت سليم لسه بيرن في المكتب:
_اسمعني يا يونس!
دي لسه مخلصتش،
واللي بيني وبين رُهام...
محدش هيعرف ينهيه!
لكن يونس طنشه ومردش،
وخرجنا من المكتب...
وقفلنا الباب ورانا.
ولأول مرة...
حسيت إن المسافة اللي بقيت بيني وبين سليم...
كانت أكبر من مجرد باب مقفول وبقى مستحيل يتفتح.
ــــــــــــــــــــ
أول ما قربت من المكتب...
وسمعته وهو بيقولها:
_وافقي تتجوزيني يا رُهام...
حسيت إن الدم غلي في عروقي، وقلبي اتنفض من فكرة إنها ممكن تكون لشخص غيري!
وقفت مكاني لحظة وأنا ببص حواليا...
ومن حظي إن مكنش في حد في المكان،
واقف بحاول أقنع نفسي إنها أكيد هتعرف تتصرف، وإن ده الاتفاق اللي بينا،
عشر دقايق...بس.
لكن الدقايق بقت نص ساعة وأكتر... وكل دقيقى كانت بتمر عليا كانت كأنها ساعة.
وصلني صوتها وهي بترفضه بكل احتقار، وبعدين... سمعت صوته تاني،
هادي... بارد
الهدوء اللي كان مخلي أعصابي بتتفلت،
قربت أكتر من الباب،
ومديت إيدي على المقبض...
لكن سحبتها.
قولت يمكن الحوار يخلص،
يمكن يبعد عنها،
يمكن...
وفجأة...
سمعت صوتها وهي بتقوله:
_نجوم السما أقربلك مني.
بعدها...
ساد صمت، صمت غريب...
خلاني أقلق أكتر،
وفجأة... وصلني صوتها وهي بتصرخ:
_سيب إيدي!
في اللحظة دي...
مفكرتش، مدورتش على إذن،
ولا حتى خبطت على الباب،
كل اللي فاكره...
إني دفعت الباب بكل قوتي،
وأول منظر وقع قدام عيني...
كان سليم ماسك معصم رُهام،
وشها كان متوتر... وكانت بتحاول تسحب إيديها منه.
في اللحظة دي... معرفتش أفكر،
كل اللي حسيت بيه...
إن لازم أبعده عنها، لإن كنت حاسس بإيده دي قابضة على قلبي أنا مش إيدها
فجريت ناحيتهم من غير تردد
ومديت إيدي...
وفكيت قبضته عن إيديها بالقوة،
وأنا لأول مرة...
أحس إن هدوئي كله اختفى.
نزلنا بعد ما مرينا وسط الموظفين اللي كانوا واقفين بيتهامسوا بعد ما سمعوا الزعيق طالع من المكتب، وصوت سليم اللي كان عالي.
مكنتش مهتم بنظراتهم...
كل اهتمامي كان بيها،
كانت ماشية جنبي،
لكن خطواتها كانت تقيلة، ووشها شاحب بشكل خوفني.
فتحتلها باب العربية،
وقفت قدام الباب ثواني، كأنها نست إزاي تركب،
قولتلها بهدوء:
_اركبي يا رُهام.
هزت راسها من غير ما تبصلي، وركبت،
قفلت الباب بهدوء، ولفيت بسرعة ناحية مقعد السواق.
أول ما ركبت... بصيتلها،
كانت قاعدة ساكتة، وعينيها ثابتة قدامها،
إيديها كانت بتترعش... ولأول مرة من ساعة عرفتها...
شفتها بالشكل ده،
قولت بهدوء:
_رُهام...
مردتش.
شغلت العربية، لكني محركتهاش،
فضلت مستني،
بعد ثواني...
لقيتها بتضم إيديها لبعض بقوة، كأنها بتحاول تمنع نفسها تقع.
وفجأة...
اتكسر كل الثبات اللي كانت متمسكة بيه،
نزلت دموعها في صمت،
من غير شهقة...
ولا صوت، دموع بس.
قلبي اتقبض،
قولتلها بصوت واطي:
_بصيلي.
هزت راسها بالنفي.
_مش قادرة.
سكت لحظة، وبعدين قولتلها:
_بصيلي... عشان تعرفي إنك خرجتي من هناك.
رفعت عينيها بالعافية،
كانت مليانة خوف...
الخوف اللي كانت بتحاول تخبيه من أول ما خرجنا،
قولتلها بثبات:
_هو مش هيقدر يلمسك تاني... وأنا موجود.
فضلت باصة ليا كام ثانية...
وبعدين همست بصوت خافت:
_أنا... مكنتش أعرف إنه عمل فيا كل ده.
معرفتش أرد، لأن الحقيقة...
أنا نفسي كنت مصدوم من اللي عرفته،
كل اللي قدرت أعمله... إني قولتلها بهدوء:
_اللي فات انتهى،
أما حقك... فهنرجعه،
بس المرة دي...مش هتكوني لوحدك.
