رواية نارين بين الحب والوجع الفصل السابع عشر
خرج من مقر الشركة كالإعصار، يلفحه غضب عارم لم يختبره من قبل.
كان يسير بخطوات سريعة وواسعة أربكت الممرات من خلفه.
وما إن لمح سائقه الخاص يتقدم نحوه مسرعًا ليفتح له باب السيارة الخلفي كعادته، رفع عاصم يده فجأة بإشارة حاسمة وقاطعة، إشارة لم تحتج إلى كلمة واحدة، لكنها قالت بوضوح:
ابتعد... الآن.
تجمد السائق في مكانه، ثم تراجع للخلف في صمت وهو يرى ملامح سيده المشدودة على غير عادتها.
انتزع عاصم المفاتيح من يده، واستقل السيارة بنفسه، ثم أغلق الباب بعنف اهتزت له السيارة.
ضغط على دواسة الوقود بقوة، فانطلقت السيارة بسرعة جنونية، تشق الطريق كالسهم، بينما كان فكه مشدودًا، ويداه تقبضان على عجلة القيادة حتى برزت عروق كفيه.
لم يكن يرى الطريق...
كان يرى وجهها.
كان يسمع أنفاسها.
وكان سؤال واحد يمزق رأسه بلا رحمة.
ـ أنا إزاي عملت كده؟!
أنا عاصم الرشيد... إزاي فقدت السيطرة على نفسي بالشكل ده؟!
وليه هي بالذات؟!
قاد السيارة حتى ابتعد عن صخب المدينة، ثم انحرف إلى طريق جانبي خالٍ، وأوقفها بعنف.
ساد الصمت...
صمت ثقيل، لا يقطعه سوى صوت أنفاسه المضطربة.
وفجأة...
هوى بقبضته على عجلة القيادة.
مرة...
ثم أخرى...
ثم ثالثة.
وقال بعصبية امتزجت بالاحتقار لنفسه:
ـ غبي!
إزاي سمحت لنفسك تقتحم مساحتها بالشكل ده؟!
إزاي تفرض نفسك عليها وتجبرها على بوسة غصب عنها؟!
إنت طول عمرك بتحترم حدود غيرك...
إزاي كسرتها بإيدك؟!
إزاي بقيت بالشكل ده؟!
أسند رأسه إلى المقعد، وأغمض عينيه.
لكن إغماضهما لم يطفئ الفوضى التي تعصف بداخله.
بل أعاد إليه كل شيء...
حرارة شفتيها...
رعشة أنفاسها...
وقربها الذي أشعل داخله شيئًا لم يعرفه طوال حياته.
شعر بقشعريرة خفية تسري في جسده لمجرد التذكر.
ودون أن يشعر...
ارتخت ملامحه قليلًا.
لكن ما إن فتح عينيه، حتى عادت إليه الحقيقة كصفعة مؤلمة.
تنفس بحدة، وأعاد استرجاع كل ثانية مرت عليهما.
توقف عند لحظة بعينها...
اللحظة التي سبقت ابتعادها.
صمتها...
ارتباكها...
وطريقتها في الاستسلام للحظة قصيرة، قبل أن تستعيد وعيها وتدفعه بعيدًا بكل قوتها.
انعقد حاجباه، وهمس بصوت أجش:
ـ لا...
أنا متوهمتش.
كانت معايا...
لآخر نفس.
ساد الصمت داخل السيارة للحظات، قبل أن يرفع رأسه وينظر عبر الزجاج الأمامي، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة امتزجت بالألم والثقة.
ثم همس لنفسه بصوت يكاد لا يُسمع:
ـ إنتِ... مكرهتيش اللي حصل يا لينا...
ــــــــــــــ
عادت لينا إلى بيتها، والدموع لم تجف بعد عن وجنتيها.
أغلقت باب غرفتها بالمفتاح، وأسندت ظهرها إليه لثوانٍ، كأنها تحاول أن تلتقط أنفاسها.
كان صدرها يعلو ويهبط بعنف، وقلبها لا يزال يخفق بجنون، بينما تتردد في أذنيها كلمته الأخيرة:
"أنا آسف."
أغمضت عينيها بقوة، ثم دفعت نفسها نحو السرير وارتمت عليه، وأخفت وجهها بين يديها وهي تبكي بحرقة.
همست بصوت مختنق:
ـ بس كده...؟
بعد اللي حصل كله...
قال: "أنا آسف"...
ومشي؟!
هو... إزاي بارد كده...؟
ساد الصمت في الغرفة.
لم تجد إجابة.
ولم تستطع حتى أن تكمل لومها له.
أبعدت يديها عن وجهها بصعوبة، ثم رفعت أصابعها المرتجفة إلى شفتيها.
وما إن لامستهما...
حتى اجتاحها ذلك الإحساس من جديد.
حرارة أنفاسه...
قربه...
وتلك الرعشة التي سرت في جسدها للحظة خاطفة، جعلتها تغمض عينيها دون وعي.
ارتخت ملامحها لثانية...
وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة لم تشعر بها.
شهقت فجأة، وكأن الحقيقة أفلتت منها دون إرادة، وهمست بذهول:
ـ معقول أكون...
فتحت عينيها على اتساعهما، وكأنها صُدمت مما كانت على وشك أن تنطق به، وسحبت يدها بعيدًا عن شفتيها بسرعة، ثم هزت رأسها بعنف وهي تبكي:
ـ لا...
لا!
مستحيل...
مستحيل.
انهارت في البكاء، بينما كانت دموعها تفضحها أكثر من كلماتها.
لم تكن القبلة هي التي أخافتها...
بل الحقيقة التي كادت تنطق بها.
وفي تلك الليلة...
اتخذت قرارها.
ستغيب عن التدريب في الشركة.
ولن تحضر محاضراته في الجامعة.
ستقطع كل طريق قد يجمعها به.
لم تكن تهرب منه...
بل كانت تهرب من نفسها.
من قلبها الذي بدأ يشعر بما ترفض هي حتى أن تسميه.
انطوت تلك الليلة العاصفة...
لكن آثارها لم تنتهِ عند هذا الحد.
---
في صباح اليوم التالي، غابت لينا عن التدريب في شركة الرشيدي.
وفي اليوم الذي يليه...
غابت أيضًا.
ثم تغيبت عن محاضراته في الجامعة.
كانت تختفي عمدًا كلما شعرت أن طريقها قد يتقاطع معه، وكأنها تحاول الهروب من رجلٍ أصبح حضوره وحده كافيًا لبعثرة قلبها.
---
أما في الجانب الآخر...
فكان عاصم يعيش أسبوعًا لم يشهد له مثيلًا.
خرج من عندها يومها وهو يظن أن اعتذاره، مهما كان متأخرًا، قد يخفف شيئًا مما حدث.
لكنه لم يرها في اليوم التالي.
ولا الذي يليه.
ولا بعده.
اختفت تمامًا.
وكأن الأرض ابتلعتها.
تحول مقر شركة الرشيد إلى ساحة توتر دائمة.
أصبح أكثر حدة من أي وقت مضى، يقتضب حديثه، وينفجر غضبًا لأتفه الأسباب.
أما الموظفون...
فباتوا يتحاشون الاحتكاك به قدر الإمكان.
كان يخرج من اجتماع ليدخل آخر، لكن تركيزه لم يعد كما كان.
وفي كل مرة يمر بجوار المكتب الذي كانت تتدرب فيه...
تتوقف عيناه عليه للحظة.
فارغ...
كما تركته.
فيشيح بوجهه سريعًا، ويكمل طريقه وكأن شيئًا لم يكن.
لكنه كان يعلم...
أن شيئًا بداخله لم يعد كما كان.
ولأول مرة منذ سنوات...
كان غياب شخص واحد كفيلًا بأن يسرق منه هدوءه كله.
يوم المحاضرة
دخل عاصم المدرج الكبير بخطوات ثابتة، لكن ملامحه كانت أكثر صرامة من المعتاد. ألقى حقيبته الجلدية فوق المنصة، ثم رفع بصره ببطء، وراح يمسح الوجوه المتراصة أمامه بعينين حادتين.
وجه...
ثم آخر...
ثم آخر...
كان يبحث عنها.
يحاول أن يقنع نفسه أنه لا يفعل، لكن عينيه كانتا تفضحانه.
لم يجدها.
ضاقت عيناه، واشتد فكه حتى برزت عضلاته بوضوح.
إذًا...
غيبت نفسها مرة أخرى.
وقف صامتًا لثوانٍ، ثم التقط الميكروفون، وقال بصوت جهوري حاسم:
ـ تنبيه مهم...
المحاضرة الجاية هتكون مراجعة لأعمال السنة وتسليم الدرجات النهائية الخاصة بالأبحاث.
وأي طالب هيتغيب عنها...
هيعتبر راسب في المادة.
كلامي واضح؟
ساد الصمت في المدرج.
تبادل الطلاب النظرات باستغراب من القرار المفاجئ، بينما اكتفى عاصم بإغلاق الحاسوب أمامه، وبدأ المحاضرة وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن في داخله...
كان يعلم جيدًا أن هذا القرار لم يُتخذ من أجل مئات الطلاب...
بل من أجل طالبة واحدة فقط.
---
ما إن انتهت المحاضرة، حتى خرجت سارة مسرعة وهي تبحث عن هاتفها.
ضغطت على اسم لينا واتصلت بها فورًا.
ما إن ردت لينا، حتى قالت بلهفة:
ـ إنتِ فين يا بنتي؟! الدكتور عاصم قلب الدنيا النهارده!
اعتدلت لينا في جلستها، وانقبض قلبها.
ـ عمل إيه؟
ـ قال إن المحاضرة الجاية اللي هيغيب هيسقط في المادة! والناس كلها مستغربة... بس أنا حاسة إنه بيقول كده علشانك إنتِ.
ساد الصمت لثوانٍ.
قبضت لينا على هاتفها بقوة، وشعرت بأنفاسها تضيق.
كانت تعرفه...
وتعرف أنه إذا أراد الوصول إليها، فلن يتراجع.
أغلقت الهاتف ببطء، وأسندت رأسها إلى المقعد خلفها.
همست لنفسها بصوت خافت:
ـ يعني... حتى الهروب مش هيسيبني فيه.
وأغمضت عينيها، وقد أدركت أن مواجهته أصبحت مسألة وقت... لا أكثر.
يوم المحاضرة التالية... المواجهة
دخلت لينا الجامعة في الصباح الباكر، قبل امتلاء الممرات بالطلاب.
كانت ترتدي نظارة شمسية كبيرة أخفت بها عينيها المرهقتين من السهر والبكاء، وتحركت بخطوات سريعة نحو المدرج.
اختارت مقعدًا في آخر صف، أقصى الزاوية، المكان الذي ظنت أنه سيخفيها عن الجميع.
جلست وهي تضم حقيبتها إلى صدرها، تحاول أن تهدئ نبضات قلبها التي أخذت تتسارع كلما اقترب موعد دخوله.
وبعد دقائق...
فُتح باب المدرج.
دخل عاصم.
ساد الصمت تلقائيًا، ووقف جميع الطلاب احترامًا له.
رد التحية بإيماءة مقتضبة، ثم اتجه نحو المنصة بخطوات هادئة.
فتح حاسوبه المحمول، ووضع ملفاته أمامه، قبل أن يرفع عينيه ببطء نحو الطلاب.
بدأ يمسح الوجوه واحدًا تلو الآخر...
دون استعجال.
حتى توقفت عيناه فجأة.
كانت هي.
في آخر المدرج...
تحاول الاختباء بين عشرات الطلاب.
تعلقت عيناه بها لثانية واحدة فقط.
ثانية كانت كافية لتدرك أنه رآها.
وكأن كل محاولاتها للاختباء تبخرت في لحظة.
أما هو...
فاكتفى بتحويل بصره عنها، وبدأ المحاضرة وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن لينا لم تستطع التركيز في كلمة واحدة.
كانت تشعر بنظراته رغم أنه لم ينظر إليها مرة أخرى.
وكان صوته وحده كافيًا ليبعثر أفكارها.
مرت المحاضرة ببطء شديد...
حتى أعلن انتهائها.
اندفع الطلاب نحو الأبواب في زحام شديد.
نهضت لينا بسرعة، محاولة استغلال الفوضى لتغادر قبل أن يلاحظها أحد.
كانت على بعد خطوات قليلة من باب المدرج...
عندما دوى صوته عبر مكبر الصوت:
ـ الآنسة لينا...
اتفضلي على مكتبي بعد إذنك.
في نقطة في بحثك محتاجة مراجعة.
توقفت مكانها.
وأغمضت عينيها لثانية.
ثم زفرت ببطء.
كانت تعلم...
أنه لا يوجد أي بحث يحتاج إلى مراجعة.
وأنه لو أراد التحدث إليها...
فلن يسمح لها بالهرب هذه المرة.
التفتت إليها أنظار الطلاب القريبين منها في فضول، فلم تجد مفرًا سوى أن تومئ برأسها في هدوء، ثم خرجت من المدرج متجهة إلى مكتبه، بينما كان قلبها يخفق بعنف مع كل خطوة تخطوها.
في مكتب عاصم بالجامعة
طرقت لينا الباب طرقات خافتة.
لكن لم يصلها رد.
ترددت للحظة، ثم دفعت الباب برفق.
دخلت بخطوات مترددة، لكنها تركت الباب مفتوحًا خلفها، وظلت واقفة بجواره، وكأنها ترفض أن تخطو خطوة أخرى إلى الداخل.
كان عاصم يقف أمام النافذة الزجاجية المطلة على حرم الجامعة، شاردًا في الخارج، وكأنه كان ينتظرها.
استدار ببطء عندما شعر بوجودها.
التقت عيناهما...
ثم انتقلت نظراته إلى الباب المفتوح، قبل أن تعود إليها.
ارتفع أحد حاجبيه باستغراب.
ترك مكانه، واتجه نحوها بخطوات هادئة، حتى توقف على بُعد خطوات قليلة منها.
نظر إليها طويلًا، ثم قال بصوت خافت:
ـ إنتِ... خايفة مني؟
أخفضت بصرها سريعًا، وهزت رأسها بالنفي.
ـ لأ
نظر إلى الباب المفتوح مرة أخرى، ثم قال بهدوء:
ـ أومال... سبتِ الباب مفتوح ليه؟
ظلت صامتة.
كانت تعرف الإجابة...
وكان هو يعرفها أيضًا.
تنهد بهدوء، ثم قال:
ـ سيبيه مفتوح...
من حقك.
ساد الصمت بينهما للحظات.
قطعته لينا بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا:
ـ حضرتك قولت إن في حاجة تخص البحث...
اتفضل.
أنا مستعجلة.
رفع عينيه إليها وقال بهدوء:
ـ مفيش بحث...
أنا طلبتك عشان أتكلم معاكي.
رفعت رأسها إليه فجأة.
وبمجرد أن سمعت الجملة...
انهارت كل محاولاتها في التماسك.
قالت بصوت مرتجف اختلط فيه الغضب بالقهر:
ـ أتكلم في إيه؟
إزاي سمحت لنفسك تعمل كده؟
إزاي خدت حاجة مش من حقك؟
إزاي اقتحمت مساحتي بالشكل ده؟
إنت كنت فاكر إنك تقدر تعمل اللي إنت عايزه... لمجرد إنك عاصم الرشيدي؟
انحدرت دمعة على وجنتها، لكنها لم تمسحها.
تابعت وهي تختنق بكلماتها:
ـ إنت عارف أنا عشت الأسبوع ده إزاي؟
أنا فضلت كل يوم أحاول أنسى...
وأول ما أفتكر اللي حصل...
أحس إني مش قادرة حتى أبص لنفسي.
وصمتت لحظة.
ثم هزت رأسها بمرارة.
ـ وبعدين...
بعد كل اللي حصل...
قلت: "أنا آسف."
وسكت...
ولفيت ضهرك...
ومشيت.
كأن اللي حصل...
ميستحقش أكتر من كلمة.
فضل عاصم صامتًا.
لم يحاول الدفاع عن نفسه.
ولم يبرر.
ظل ينظر إليها حتى هدأت أنفاسها قليلًا.
ثم قال بصوت منخفض، خرج مثقلًا بالندم:
ـ لينا...
صدقيني...
أنا مش عارف عملت كده إزاي.
أنا عمري ما فقدت السيطرة على نفسي بالشكل ده...
ولا مرة.
رفعت رأسها إليه، ونظرت إليه بمرارة.
ـ وده يغير إيه؟
إنت مش قادر تفهم عملت كده إزاي...
وأنا مطلوب مني أفهم؟
مطلوب مني أتجاوز؟
وأتصرف...
كأن اللي حصل...
محصلش؟
أطرق برأسه للحظات، ثم قال بصوت أجش:
ـ لأ..
مش هيغير.
ولا هيمحي اللي حصل.
بس دي الحقيقة.
أنا مش قادر أسامح نفسي على اللي عملته.
التقطت حقيبتها بعصبية، واستدارت نحو الباب.
ـ خلاص...
الكلام انتهى.
خطت خطوة واحدة.
لكن يده امتدت دون تفكير، وأمسكت بمعصمها برفق.
توقفت مكانها.
التفتت إليه بعينين مشتعلتين بالغضب.
وفور أن التقت عيناه بعينيها...
ارتخت أصابعه سريعًا، وأفلت معصمها في الحال، وكأنه لام نفسه لأنه كرر الخطأ نفسه.
تراجع خطوة إلى الخلف.
وأخفض رأسه.
ثم قال بصوت مبحوح، لم تسمعه منه من قبل:
ـ لينا...
أنا آسف...
سامحيني.
ساد الصمت.
ثم قال دون أن يرفع عينيه إليها:
ـ متغيبيش عن المحاضرات...
ولا عن التدريب.
متضيعيش مستقبلك بسببي.
وأوعدك...
مش هقرب منك تاني.
ارتجفت أنامل لينا وهي تقبض على حقيبتها بقوة.
لم تستطع أن تنطق بحرف واحد.
استدارت فجأة...
وخرجت من المكتب مسرعة.
هاربة من اعتذاره...
ومن ضعفه...
ومن قلبها الذي كان يخونها كلما رأته منكسرًا.
أما عاصم...
فظل واقفًا في مكانه، يراقب الباب الذي أُغلق خلفها ببطء.
وأغمض عينيه في صمت.
كان يعلم...
أن بعض الأخطاء لا يصلحها الاعتذار وحده.
ــــــــ
بعد تلك الليلة التي قطع فيها عاصم على نفسه ذلك الوعد القاسي بألّا يقترب منها مجددًا، تبدلت الأجواء بينهما، وكأن خريفًا صامتًا مرّ على حياتهما.
عادت لينا إلى حضور المحاضرات، وعاد هو لإلقائها، لكن كل شيء أصبح مختلفًا.
لم يعد يناديها، ولم يعد يختلق سببًا لاستبقائها بعد انتهاء المحاضرة.
كان يشرح مادته بالصرامة نفسها، بينما يحرص أن تبقى نظراته بعيدة عنها قدر استطاعته.
أما هي...
فكانت تراقبه خلسة كلما سنحت لها الفرصة، ثم تلعن قلبها كلما اشتاقت إليه أكثر.
مرت المحاضرات المتبقية تباعًا، وتوالت الأسابيع في صمت ثقيل.
لا حديث...
لا مواجهة...
ولا حتى نظرة تطول أكثر مما ينبغي.
كلٌ منهما كان يفي بوعده بطريقته، بينما كان الحنين ينمو داخلهما بصمت، يومًا بعد يوم.
انتهى العام الدراسي، وجاءت الامتحانات بثقلها وضغطها، حتى أُعلنت النتائج أخيرًا.
ولم تمضِ أيام قليلة، حتى بدأ التدريب الصيفي الإلزامي داخل شركة الرشيد.
حينها فقط، أدرك كلاهما أنه لا مفر من الاجتماع تحت سقف واحد من جديد.
لكن عاصم كان أوفى الناس بوعده.
فور بدء التدريب، أسند مهمة الإشراف المباشر على لينا إلى أستاذ شريف، وجعل جميع التعليمات والتكليفات تمر من خلاله، وكأنه بنى بينه وبينها جدارًا لا يسمح لنفسه بتجاوزه.
كانت لينا تراه كل يوم.
يمر في الممرات.
يدخل الاجتماعات.
يخرج منها.
يلقي التحية على الجميع...
إلا هي.
لا يقترب...
ولا يتحدث...
ولا يمنح نفسه حتى رفاهية الوقوف بالقرب منها.
ورغم أن هذا ما كانت تتمناه يومًا...
إلا أن ذلك البعد بدأ ينهش قلبها ببطء.
كانت كلما لمحته من بعيد، تتمنى أن يلتفت إليها ولو للحظة.
وكلما تجاهلها، شعرت بوخزة خفية لا تعرف كيف تفسرها.
أما عاصم...
فكان يراقبها أحيانًا من خلف زجاج مكتبه كلما مرت بين أقسام الشركة.
يكتفي بنظرة خاطفة...
ثم يجبر نفسه على العودة إلى عمله، وكأن كل دقيقة يقضيها بعيدًا عنها كانت معركة يخوضها ضد قلبه.
---
في أحد أيام الصيف المتأخرة، غادر موظفو الشركة في السادسة مساءً، وبقيت لينا وحدها لتنهي تقريرًا عاجلًا طلبه منها أستاذ شريف.
وأثناء بحثها عن ملف قديم يخص الحملة الإعلانية الجديدة، اضطرها الأمر إلى دخول مكتب عاصم لأول مرة منذ أشهر، بعدما أكد لها أستاذ شريف أن عاصم غادر المبنى منذ وقت.
دفعت الباب برفق.
استقبلها هدوء المكتب...
ومعه تلك الرائحة الخشبية المميزة لعطره.
تسللت إلى أنفاسها، فارتجف قلبها دون إرادة.
أغمضت عينيها للحظة قصيرة، ثم فتحتها من جديد.
تقدمت بخطوات بطيئة.
وقعت عيناها على نظارته الطبية الموضوعة بجوار الحاسوب المحمول، وعلى قلمه المفضل، وفنجان القهوة الذي لم يُغسل بعد.
بدت الأشياء كلها ساكنة...
وكأن صاحبها خرج منذ دقائق وسيعود في أي لحظة.
تنهدت بصمت، ثم بدأت تبحث عن الملف المطلوب فوق مكتبه.
أزاحت مجموعة من الأوراق برفق.
وفجأة...
انزلق كشكول صغير من أسفلها، وسقط على المكتب مفتوحًا.
ترددت.
كان بإمكانها أن تغلقه فورًا...
لكن فضولها غلبها.
ألقت نظرة سريعة على الصفحة.
لم تجد كلمات، بل رسومات أولية لشعارات الحملة الإعلانية، وخطوطًا هندسية، وملاحظات تخص العمل.
لكن شيئًا واحدًا تكرر في أسفل كل صفحة.
خطان طويلان يمتدان في اتجاهين مختلفين...
ثم يقتربان شيئًا فشيئًا...
حتى يكادا يلتقيان.
وقبل أن يحدث اللقاء مباشرة...
يشقهما خط حاد.
عقدت حاجبيها وهي تتأمل الرسمة.
انحنت أكثر فوق الصفحة.
عندها فقط انتبهت إلى أن نهاية أحد الخطين تشكل حرف «ع»...
بينما تنتهي الأخرى بحرف «ل».
أما الخط الفاصل بينهما...
فكانت تعلوه كلمة واحدة، مكتوبة بخط صغير.
"وعد."
قلبت الصفحة التالية...
فوجدت الرسمة نفسها.
والكلمة نفسها.
ثم التي بعدها...
ثم التي بعدها.
وفي كل مرة، كانت كلمة "وعد" تبدو أكثر ضغطًا من سابقتها، حتى ظهرت آثار سن القلم غائرة في الورق، وكأن صاحبها كان يضغط عليها بكل ما يملك...
يحاول أن يمحوها...
ولا يستطيع.
توقفت أنفاسها.
مدت أصابعها المرتجفة، ولمست الكلمة برفق.
فسرت في جسدها قشعريرة أربكتها.
وخرجت منها همسة خافتة، دون أن تشعر:
ـ لسه... فاكر.
أغمضت عينيها بقوة، وكأنها تعاقب نفسها على تلك الهمسة.
ثم أغلقت الكشكول برفق شديد، وأعادته إلى مكانه كما كان تمامًا.
التقطت الملف الذي جاءت من أجله.
واستدارت نحو الباب.
لكنها توقفت قبل أن تغادر.
التفتت إلى المكتب مرة أخيرة.
إلى النظارة...
والقلم...
والكرسي الخالي...
ثم إلى الكشكول.
ابتلعت غصتها بصعوبة، وخرجت بخطوات متسارعة.
لكنها كانت تشعر أنها تركت شيئًا منها داخل ذلك المكتب...
بين صفحات كشكول لم يحمل كلمة حب واحدة...
ومع ذلك...
قال كل شيء.
أغلقت لينا باب المكتب خلفها بهدوء، وسارت في الممر الطويل وهي تضم الملف إلى صدرها، لكن عقلها لم يكن يرى شيئًا مما حوله.
كانت كلمة واحدة فقط تتردد داخلها...
"وعد."
كلما تذكرت آثار القلم الغائرة فوق الورق، شعرت بوخزة مؤلمة في قلبها.
لم يكن يتجاهلها لأنها لم تعد تعنيه...
بل لأنه كان يحارب نفسه.
تنهدت بصعوبة وهي تهز رأسها، محاولة طرد تلك الأفكار.
ـ لا...
اللي حصل ميتمحيش برسمة على ورقة.
شددت قبضتها على الملف، واتجهت نحو ماكينة تصوير المستندات في آخر الممر.
وقفت لينا أمام ماكينة تصوير المستندات، وأدخلت الأوراق واحدة تلو الأخرى، تحاول أن تشغل نفسها بأي شيء يبعدها عن الأفكار التي تملأ رأسها.
لكنها كانت ترى أمامها الكشكول...
وترى كلمة "وعد."
تنهدت بخفوت، وبدأت ترتب الأوراق بعد خروجها من الماكينة.
سقطت إحدى الصفحات على الأرض.
انحنت لتلتقطها...
لكن يدًا أخرى سبقتها.
تجمدت في مكانها.
رفعت رأسها ببطء...
لتجده واقفًا أمامها.
عاصم.
كانت الورقة بين أصابعه، لكنه لم ينظر إليها.
ظل يحدق في الورقة لثانية، كأنه يجمع شتات نفسه.
ثم رفع عينيه إليها.
للحظة...
نسي كلاهما كيف يتنفس.
مرت شهور...
ولم يقفا بهذا القرب منذ ذلك اليوم.
مد يده بالورقة إليها.
ـ اتفضلي.
تناولتها بصمت.
لامست أصابعه أصابعها لمسة خاطفة لم تستغرق سوى جزء من الثانية...
لكنها كانت كافية ليشعر كلٌ منهما برجفة حاول إخفاءها.
أبعدت يدها بسرعة.
بينما ضم هو أصابعه إلى راحة كفه، وكأنه يمنع نفسه من تذكر تلك اللمسة.
قطع الصمت بصوت هادئ:
ـ أستاذ شريف بلغني إن شغلك في الحملة الأخيرة كان ممتاز.
أومأت برأسها دون أن تتكلم.
فأكمل بنفس النبرة الرسمية التي حفظتها عنه:
ـ كملي بنفس المستوى...
التقييم النهائي هيكون على شغلك وبس.
رفعت عينيها إليه.
تأملت ملامحه للحظة.
كان وجهه هادئًا...
هادئًا أكثر مما ينبغي.
ابتسمت ابتسامة باهتة، امتزجت بالسخرية.
ـ متقلقش يا دكتور...
أنا عمري ما استنيت مجاملة من حد.
أنا بشتغل عشان نفسي.
انعقد فك عاصم للحظة.
بدت في عينيه كلمات كثيرة...
لكنه ابتلعها جميعًا.
اكتفى بإيماءة خفيفة برأسه.
ثم تحرك ليمر من جوارها.
وقبل أن يبتعد بخطوة...
توقف.
قال دون أن يلتفت إليها:
ـ أستاذ شريف هيبعتكوا بكرة لوكيشن تصوير الحملة الجديدة.
خليكي مركزة...
المكان هيبقى فيه معدات كتير، وعايز الكل يلتزم بتعليمات الأمان.
أومأت بصمت.
ثم أكمل طريقه.
تابعته بعينيها حتى اختفى داخل مكتبه.
وحين تأكدت أنه لم يعد يراها...
أغمضت عينيها للحظة.
وهمست لنفسها بصوت مرتجف:
ـ ليه... كل مرة بتقرب فيها...
بتبعد أكتر؟
مرّ اليوم على لينا ببطء، ولم تستطع أن تُخرج ذلك اللقاء القصير من رأسها.
وفي صباح اليوم التالي، جمع أستاذ شريف فريق التدريب داخل الشركة، وقال بعد أن لفت انتباه الجميع:
ـ عندي خبر مهم... الأسبوع الجاي هنسافر خارج القاهرة لتصوير الحملة الإعلانية الخاصة بإحدى القرى السياحية، وده هيكون أول تدريب عملي ليكم على أرض الواقع. هتشتغلوا مع فريق الشركة في حملة حقيقية، فاستعدوا كويس.
ساد الحماس بين المتدربين، وتعالت الهمسات في المكان، بينما ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه لينا، فقد كانت تلك أول مرة تشارك في تدريب ميداني خارج القاهرة.
---
في مساء ذلك اليوم، وجدت لينا جدها جالسًا في الشرفة يحتسي كوب الشاي كعادته.
تقدمت نحوه بتردد، ثم جلست إلى جواره.
نظر إليها مبتسمًا وقال:
ـ مالك يا حبيبتي؟ شكلك عايزة تقولي حاجة.
ابتسمت بخجل، ثم قالت:
ـ يا جدو... عندنا سفر تبع التدريب العملي كام يوم.
اختفت ابتسامته في الحال، وعقد حاجبيه قائلًا بحزم:
ـ سفر؟ لا يا لينا... أنا مقدرش أسيبك تسافري.
اقتربت منه وأمسكت يده برفق.
ـ بالله عليك يا جدو... ده أول تدريب عملي لينا، وفيه طلبة كتير معانا، منهم خريجين، وكمان طلبة من سنة تالتة... يعني مش هكون لوحدي، وسارة هتكون معايا كمان.
ظل ينظر إليها للحظات، ثم تنهد باستسلام.
ـ ماشي... بس أوعديني تخلي بالك من نفسك، ومتسيبيش سارة.
أومأت برأسها سريعًا.
ـ أوعدك.
وفجأة قفزت تحتضنه، وقبّلت وجنته وهي تضحك بسعادة:
ـ ميرسي يا أحلى جدو!
---
مرّ الأسبوع سريعًا، وجاء صباح يوم السفر أخيرًا.
تجمع فريق التدريب أمام مقر شركة الرشيدي، استعدادًا للانطلاق نحو موقع تصوير الحملة الإعلانية، يحمل كلٌ منهم حقيبته، بينما انشغل فريق الإنتاج بتحميل معدات التصوير
كان المكان يعج بالحركة، والكل يراجع القوائم الأخيرة قبل الانطلاق.
وقفت لينا بجوار سارة، تتأمل المشهد بانبهار.
همست وهي تبتسم:
ـ أول مرة أحس إننا داخلين شغل بجد.
ضحكت سارة وهي تعدل حقيبة ظهرها.
ـ اهو ده اللي كنا مستنيينه... بدل المحاضرات والامتحانات.
في تلك اللحظة، توقفت سيارة سوداء فاخرة أمام مدخل الشركة.
ترجل منها عاصم بهيبته المعتادة، مرتديًا بدلته الكحلية ونظارته الشمسية، يتبعه مدير الإنتاج وعدد من مسؤولي الحملة.
ساد الهدوء تلقائيًا بين الجميع.
ألقى نظرة سريعة على فريق العمل، ثم قال بصوته الهادئ الحازم:
ـ أتمنى الكل يكون ملتزم بالتعليمات، لأن أي خطأ في الشغل النهارده هيكلفنا كتير.
ثم التفت إلى مدير الإنتاج.
ـ اتأكد إن المعدات كلها اتحملت... ومحدش يتحرك قبل ما تراجعوا القائمة كاملة.
ـ حاضر يا دكتور.
أنهى حديثه واتجه مباشرة إلى سيارته، دون أن يلتفت إلى أحد.
أما لينا...
فاكتفت بالنظر إليه في صمت.
ورغم أنه لم ينظر إليها ولو لمرة واحدة...
إلا أنها شعرت أن المسافة بينهما أصبحت أكبر من أي وقت مضى.
وبعد دقائق، انطلقت الحافلة تقل فريق التدريب خلف سيارات الشركة، في رحلة لم يكن أحد يعلم أنها ستنتهي بحدث سيغيّر حياة الجميع.بعد ساعات طويلة من السفر، وصلت حافلات شركة الرشيدي إلى القرية السياحية.
كانت الشمس تميل إلى الغروب، بينما كان فريق الإنتاج قد بدأ بالفعل في إنزال معدات التصوير والإضاءة، استعدادًا لبدء العمل في صباح اليوم التالي.
أما المتدربون، فقد اصطحبهم أحد المشرفين إلى الفندق الذي حجزته الشركة لإقامة فريق العمل طوال فترة التصوير.
بعد دقائق، وقف أستاذ شريف في بهو الفندق، وقال وهو يوزع بطاقات الغرف:
ـ النهارده مفيش شغل... ارتاحوا كويس،لأن بكرة هيبدأ أول يوم تصوير، وهننزل الموقع من بدري جدًا. الالتزام بالمواعيد مهم، وأي حد هيتأخر هيستبعد من الشغل في اليوم ده.
أومأ الجميع في جدية، ثم بدأ كل منهم يتجه إلى غرفته.
وقفت لينا بجوار سارة، تتأمل المكان بانبهار.
همست وهي تبتسم:
ـ أول مرة أسافر مع فريق شغل... حاسة إن الحكاية بدأت بجد.
ضحكت سارة وهي تسحب حقيبتها:
ـ استمتعي الليلة دي... بكرة مش هنلحق ناخد نفس.
وفي الجهة الأخرى من بهو الفندق، كان عاصم يتحدث مع مدير الإنتاج ومدير المشروع، يراجع جدول التصوير وخطة العمل لليوم التالي، دون أن يلتفت نحو لينا ولو مرة واحدة.
أما هي...
فاختلست إليه نظرة سريعة، ثم أشاحت بعينيها، ودخلت المصعد مع سارة، غير مدركة أن صباح الغد سيحمل ما لم يخطر ببال أحد.
مساء اليوم الأول في الفندق
في مساء اليوم الأول داخل الفندق، نزل الجميع إلى المطعم لتناول العشاء.
كانت الأجواء هادئة، والحديث يملأ المكان، لكن عيني لينا لم تكن تتحرك بعيدًا عن الطاولة المقابلة.
كان عاصم يجلس مع رانيا.
أمامهما أوراق المشروع، يتحدثان عن تفاصيل الحملة، وبين لحظة وأخرى كانت رانيا تبتسم له بعفوية.
أما هو...
فكان كعادته.
هادئًا، رسميًا، يركز على العمل فقط.
لكن ما أوجع لينا أنها لم تره يبتعد عنها كما يفعل معها.
كانت تتذكر كيف أصبح وجودها بالنسبة له خطًا أحمر، كيف يتجنب حتى إلقاء السلام عليها تنفيذًا لوعده.
أما رانيا...
فكان يسمح لها بالجلوس معه، بالحديث معه، وبأن تكون قريبة منه دون تلك المسافة القاسية التي وضعها بينه وبينها.
حاولت لينا أن تقنع نفسها أن الأمر لا يعنيها.
أنها لا تهتم.
لكنها كانت تراقبه دون أن تشعر.
بعد انتهاء الحديث عن العمل، نظرت رانيا إلى البحر من خلف الزجاج، ثم قالت بابتسامة:
ـ عاصم... إحنا بقالنا يومين غرقانين في الشغل. إيه رأيك نتمشى شوية على البحر؟ الجو جميل ونغير جو قبل ما نرجع نكمل ضغط المشروع.
تردد عاصم للحظة.
لم تكن الفكرة في حساباته، لكنه رأى أنها مجرد استراحة بسيطة بعد يوم طويل، ولم يرد أن يحرجها.
أومأ برأسه بهدوء:
ـ ماشي.
خرجا معًا باتجاه الشاطئ.
كانت خطواتهما هادئة، يتحدثان عن تفاصيل العمل، بينما كانت نسمات البحر تحرك الهواء من حولهما.
ومن بعيد...
كانت لينا تتابعهما.
توقفت عيناها عليهما دون إرادة.
لم يكن المشهد يحمل شيئًا خاطئًا.
عاصم يتحدث معها في حدود العمل فقط.
لكن لماذا شعرت بهذا الضيق إذًا؟
لماذا أحست بوخزة مؤلمة وهي تراه يمشي بجانبها؟
شعرت لينا أن البقاء أكثر سيكشف ما تحاول إخفاءه، فابتعدت عن المكان وصعدت إلى غرفتها.
جلست في شرفتها، والبحر أمامها هادئ...
بعكس قلبها تمامًا.
ظلت تنظر للأمواج، تحاول أن تجد تفسيرًا لهذا الشعور الغريب الذي يسيطر عليها.
لماذا يزعجها أن تراه قريبًا من رانيا؟
لماذا يؤلمها أن يضحك معها أو يتحدث إليها؟
وضعت يدها على قلبها الذي لم تستطع السيطرة عليه.
همست لنفسها:
ـ أنا ليه متضايقة كده؟
ظلت صامتة للحظات.
حاولت أن تقنع نفسها أنها فقط غاضبة منه...
أنها فقط مجروحة من معاملته لها.
لكن الحقيقة كانت أقوى منها.
ارتجفت شفتاها، وخرج صوتها ضعيفًا:
ـ أنا... أنا مش زعلانة منه.
توقفت.
شعرت بغصة في حلقها، وكأنها تخاف من الكلمة القادمة.
نظرت إلى البحر، وأخذت نفسًا مرتجفًا.
ـ أنا...
سكتت للحظات.
ثم خرجت الكلمة متقطعة، بصعوبة، وكأنها تعترف بشيء تخشاه:
ـ أنا بحبـ... بحبه.
اتسعت عيناها قليلًا.
وكأنها لم تصدق أنها قالتها بصوتها.
ظلت صامتة، والدموع تلمع في عينيها.
ولأول مرة...
لم تستطع الهروب من الحقيقة.
هي لا تكره عاصم.
ولا تغضب منه فقط.
هي تحبه.في مكان آخر بعيدًا عن الفندق...
كان الظلام يملأ الغرفة الواسعة.
جلس رجل على كرسي جلدي فاخر، ظهره مواجه للكاميرا، لا تظهر ملامحه سوى في ظلال خافتة.
كان يمسك سيجارًا بين أصابعه، والدخان يتصاعد ببطء أمامه.
سكون تام...
حتى رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة للحظات، ثم رفعه إلى أذنه.
ـ أيوه؟
استمع بصمت للطرف الآخر.
لم تتغير ملامحه، وكأنه كان ينتظر هذه المكالمة منذ وقت طويل.
بعد لحظات قال بصوت هادئ بارد:
ـ متأكد؟
صمت قليلًا.
ثم أكمل بنبرة حاسمة:
ـ أنا مش عايز أي غلطة.
استمع للرد مرة أخرى...
ثم قال:
ـ تمام.
وأغلق الهاتف.
ظل جالسًا في مكانه لثوانٍ.
أخذ نفسًا عميقًا من سيجاره، وترك الدخان يخرج ببطء من فمه.
بقي وجهه مخفيًا في الظلام...
لكن هدوءه كان يحمل وراءه شيئًا خطيرًا.
اليوم الثالث: الحادث في موقع التصوير
جاء اليوم الثالث من الرحلة، وبدأ العمل الفعلي لتصوير الإعلان داخل أحد المباني الرئيسية في القرية السياحية.
كان المبنى ضخمًا، نصف مكتمل، ومخصصًا ليكون البهو الرئيسي للمشروع.
في كل مكان كانت الحركة لا تهدأ...
أصوات المعدات، خطوات العمال، تعليمات فريق التصوير، والجميع يستعد لالتقاط المشاهد الأولى للإعلان.
في السقف المرتفع، كانت هناك شبكة حديدية ضخمة معلقة، تحمل تجهيزات الإضاءة المؤقتة التي تم تركيبها خصيصًا للتصوير.
كان عاصم يقف في منتصف المكان، يتابع كل التفاصيل بعينه الدقيقة.
ـ خلي زاوية التصوير ناحية المدخل... والإضاءة تكون موزعة بشكل أفضل.
قالها وهو يشير للمصورين، ثم نظر إلى بعض الأوراق التي يحملها.
كان كعادته... مسيطرًا على كل شيء.
من بعيد، كانت لينا تقف مع باقي المتدربين، تحاول التركيز في العمل، لكنها كانت تشعر بتوتر غريب كلما وقعت عيناها عليه.
منذ الليلة الماضية...
ومنذ اعترافها لنفسها بالحقيقة التي كانت تهرب منها، أصبحت تحاول أن تتجنبه أكثر.
لكنها كانت تفشل في كل مرة.
اقترب أحد المسؤولين من مجموعة المتدربين، ثم أشار إلى المكان القريب من عاصم.
ـ لينا، ممكن تقفي هنا شوية؟ محتاجين نراجع زاوية التصوير من المكان ده.
ترددت للحظة.
لم تكن تريد أن تكون قريبة منه.
لكن الأمر متعلق بالعمل، فهزت رأسها موافقة.
تحركت إلى المكان المطلوب، دون أن تعرف أنها تقف في نفس النقطة التي كان يقف فيها عاصم منذ لحظات.
في نفس التوقيت...
رن هاتف عاصم.
نظر إلى الشاشة، ثم ابتعد عدة خطوات عن المكان ليرد على المكالمة.
كان مجرد أمر بسيط...
ثوانٍ قليلة فقط.
لكن تلك الثواني كانت كافية لتغير كل شيء.
في الأعلى...
خلف السقالات المعتمة، كان هناك شخص يراقب بصمت.
قبل ساعة....
استغل انشغال الجميع بتجهيزات موقع التصوير، وصعد إلى شبكة الإنارة الضخمة المثبتة أعلى مكتب عاصم.
أخرج مفتاحًا معدنيًا، وبدأ يفك مسامير تثبيت الشبكة بهدوء شديد.
واحدًا تلو الآخر...
حتى لم يتبقَّ سوى مسمارين بالكاد يثبتانها في مكانها.
من الأسفل...
كانت تبدو ثابتة تمامًا.
ولم يشك أحد في أن الشبكة أصبحت على وشك السقوط.
ابتسم في رضا، ثم اختفى بين السقالات قبل أن يراه أحد.
والآن...
كان يراقب من بعيد.
كانت عيناه مثبتتين على عاصم، الواقف أسفل شبكة الإنارة.
كان واثقًا أن هدفه لم يتحرك.
ولم ينتبه إلى أن عاصم ابتعد عن مكانه أثناء المكالمة.
ولم يلاحظ أن لينا وقفت دون قصد أسفل الشبكة بدلًا منه.
بالنسبة له...
كان الهدف ما زال هناك.
مرت ثوانٍ قليلة...
ومع الاهتزازات الناتجة عن تجهيزات موقع التصوير، بدأت المسامير المحلولة تفقد تماسكها.
ثم...
صدر صوت معدني .
تحررت شبكة الإنارة الضخمة، وبدأت تميل ببطء نحو الأسفل.
في البداية لم يلاحظ أحد.
لكن عاصم، شعر بشيء غريب.
رفع عينيه إلى الأعلى.
رأى الشبكة الحديدية الضخمة تتحرك.
رأى الأسلاك تنقطع.
ورأى لينا تقف أسفلها.
اتسعت عيناه برعب.
في لحظة واحدة اختفى كل شيء من حوله.
لم يعد يسمع أصوات العمال.
لم يرَ سوى هي،ركض بكل سرعته
صرخ بصوت خرج من أعماقه:
ـ ليناااااااااا!
التفتت لينا نحوه ببطء.
لكن الوقت لم يعد يسمح.
اندفع عاصم بكل قوته.
لم يفكر في حياته.
لم يفكر في الخطر.
وصل إليها في اللحظة الأخيرة، وألقى بجسده عليها، ودفعها بعيدًا عن مكان السقوط.
سقطا معًا على الأرض.
وفي لحظة...
انهار كل شيء.
ضرب الحديد المكان بصوت مرعب.
تحطمت الطاولة أسفل الشبكة.
وتناثرت شظايا الزجاج من الإضاءات العملاقة في كل اتجاه.
وصلت الشظايا إلى ظهر عاصم.
خرجت منه أنة مكتومة من الألم، لكنه لم يتحرك.
ظل فوقها...
يحميها بجسده.
فتحت لينا عينيها ببطء.
لم تفهم ما حدث.
كان وجهه قريبًا منها.
قريبًا جدًا.
رأت الألم واضحًا على ملامحه.
ثم رأت الدماء.
ـ عاصم...
خرج صوتها هامسًا، وكأنها لا تصدق ما تراه.
حاول فتح عينيه.
كانت أنفاسه متقطعة.
نظر إليها للحظات، وكأنه يريد أن يطمئن أنها بخير قبل أي شيء.
ثم قال بصوت ضعيف:
ـ أنا...
توقف.
ابتلع ألمه.
ـ أنا آسف...
نظرت إليه لينا بذهول.
أكمل بصعوبة:
ـ آسف إني كسرت وعدي...
توقفت أنفاسها.
ـ وقربت منك...
ارتجفت عيناه.
ـ بس...
صمت للحظة.
ثم همس:
ـ كان لازم أحميكي.
أغمض عينيه بعدها.
وارتخى جسده تمامًا.
ساد المكان صراخ الجميع.
لكن بالنسبة للينا...
توقف الزمن.
لم تسمع شيئًا.
لم ترَ أحدًا.
كانت فقط تنظر إلى عاصم الذي فقد وعيه فوقها.
مدت يدها ببطء إلى ظهره.
وفجأة تجمدت.
دماؤه كانت على أصابعها.
دماؤه التي سالت بدلًا منها.
خرج صوتها مرتجفًا:
ـ عاصم؟
لم يرد.
ازدادت رعشتها.
ـ عاصم... قوم.
حاولت تحريكه برفق.
ـ أوعى تموت...
اختنق صوتها.
ـ أنا لسه مخلصتش خناق معاك.
نزلت دمعة من عينيها رغماً عنها.
ـ إنت سامعني؟
اقتربت منه أكثر.
ـ مش هتمشي وتسبني كده...
ثم خرج صوتها لأول مرة محملًا بالخوف الحقيقي:
ـ قوم يا عاصم...
صمتت لحظة.
ثم همست:
ـ متسيبنيش .
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
دوت صفارات سيارة الإسعاف لتخترق الصمت المتجمد الذي غلف عقل لينا.
كانت ما تزال جاثية على ركبتيها، وعاصم فاقد الوعي مستندًا إليها، بينما عيناها معلقتان به في ذهول تام، وملابسها غارقة في دمائه.
اندفع طبيب الإسعاف مع المسعفين نحوه، وأمسك بمعصمه ليفحص نبضه سريعًا.
قال بحزم:
ـ النبض ضعيف! دخلوه الإسعاف فورًا!
تحرك المسعفون بسرعة، ورفعوا عاصم على المحفة، بينما ظلت لينا في مكانها كأنها لم تسمع شيئًا.
تحركوا به نحو سيارة الإسعاف، وفتح أحد المسعفين الباب الخلفي، ثم بدأوا في إدخاله.
وفجأة...
استفاقت لينا من صدمتها.
انتفضت واقفة، واندفعت خلفهم تركض بكل قوتها وهي تصرخ:
ـ عاصم!
ثم أسرعت نحو سيارة الإسعاف، وقبل أن يغلق المسعف الباب، صعدت خلفه دون تردد.
ـ أنا جاية معاكم! مش هسيبه!
أُغلق باب الإسعاف، وانطلقت السيارة بأقصى سرعة نحو أحد مستشفيات الإسكندرية.
وفي الوقت نفسه، كان شريف قد أخرج هاتفه واتصل بمراد، يخبره بما حدث لعاصم.
وما إن سمع مراد الخبر حتى أصابه الذعر، وأسرع بإخبار والدته وشقيقته.
في قصر المصري...
كانت ياسمين تقف في الطابق العلوي ممسكة بهاتفها، حين وقعت عيناها على خبر صادم ينتشر كالنار في الهشيم على فيسبوك.
شهقت برعب، وتيبست ملامحها وهي ترى صور الحادث، وتلمح لينا بوضوح وسط الفوضى، بملابس غارقة في الدماء.
لم تتمالك نفسها، فاندفعت تهبط الدرج بسرعة وهي تصرخ:
ـ ممدوح! ممدوح!
دوى صراخها في أرجاء القصر، فهرع الجميع نحو البهو، وخرج ممدوح من مكتب الجد مسرعًا، بينما ظهر بهاء الدين عند باب مكتبه، يتابع الموقف بوجوم.
وصلت ياسمين إليهم وأنفاسها متلاحقة، ومدت يدها المرتجفة بالهاتف نحو ممدوح:
ـ شوف الخبر ده... دي لينا! لينا في إسكندرية وحصلت مصيبة!
انتزع ممدوح الهاتف من يدها، وقرأ عنوان الخبر بسرعة:
«إصابة خطيرة للدكتور عاصم الرشيد، صاحب شركة الرشيد للدعاية والإعلان، إثر حادث بقرية سياحية في الإسكندرية، بعد محاولته إنقاذ إحدى المتدربات».
وما إن وقع اسم «شركة الرشيد» على مسامع بهاء، حتى تجمدت ملامحه.
انقبض فكه، وقبض يده بشدة حتى ابيضت مفاصل أصابعه، لكنه لم ينطق بكلمة واحدة.
ظل صامتًا لثوانٍ، ثم التفت إلى ممدوح وقال بصوت حاسم:
ـ ممدوح... احجزلي طيارة خاصة حالًا لإسكندرية!
أسرع ممدوح يهز رأسه:
ـ حاضر يا جدي.
استدار بهاء الدين نحو الباب بخطوات سريعة، بينما ظل الغضب الغامض يشتعل في عينيه.
كان عليه أن يصل إلى الإسكندرية... وبأسرع وقت.
مرت ساعتان ثقيلتان كأنهما دهر، بينما ظلت لينا جالسة أمام باب غرفة العمليات، شاردة تمامًا، لا تستجيب لكلام سارة ولا شريف.
وبعد وقت، خرجت ممرضة من الممر القريب، فتقدمت منها سارة بسرعة:
ـ لو سمحتي... الدكتور عاصم حالته إيه؟
ابتسمت الممرضة مطمئنة:
ـ الحمد لله، العملية خلصت وحالته مستقرة، ونقلوه لغرفة الإفاقة تحت المراقبة.
رفعت لينا عينيها إليها بسرعة، وقالت بصوت مرتجف:
ـ ممكن أشوفه؟
وفي تلك اللحظة، مر الطبيب من أمامهم، فأسرعت لينا نحوه:
ـ يا دكتور... ممكن أشوف عاصم؟
توقف الطبيب وأومأ:
ـ ممكن، بس خمس دقايق بس.
ثم التفت إلى الممرضة:
ـ دخليها بعد ما تتعقم.
ـ حاضر يا دكتور.
وبعد دقائق، اصطحبت الممرضة لينا إلى غرفة الإفاقة، حيث كان عاصم مستلقيًا على السرير، محاطًا بأجهزة المراقبة.
اقتربت منه لينا بخطوات مرتجفة، وجلست إلى جواره، ثم أمسكت يده بين يديها.
انهمرت دموعها وهي تهمس:
ـ عاصم... قوم عشان خاطري، متسبنيش.
سكتت لحظة، ثم ابتسمت وسط دموعها:
ـ أنا دلوقتي اتأكدت... اتأكدت إني بحبك.
وضغطت على يده برفق:
ـ بحبك يا مغرور... ومقدرش أعيش من غيرك.
اقتربت الممرضة منها بهدوء:
ـ خلاص يا آنسة، الوقت انتهى.
نظرت لينا إلى عاصم، وضغطت على يده للمرة الأخيرة، ثم همست:
ـ هفضل مستنياك... متتأخرش عليا.
انسحبت من جواره بخطوات ثقيلة، ثم خرجت من غرفة الإفاقة.
وما إن وصلت إلى الممر حتى وجدت سارة وشريف ورانيا في انتظارها.
كانت عيناها حمراوين من شدة البكاء، لكنها بدت أكثر هدوءًا بعدما اطمأنت عليه.
وفي تلك اللحظة، وصلت عائلة عاصم إلى المستشفى، فاندفعت نجاة ومديحة وشاهندة نحو الممر بقلق شديد.
وما إن وقعت عينا نجاة على لينا بملابسها الملطخة بالدماء، حتى أسرعت إليها وأمسكت بكتفيها:
ـ عاصم فين؟! ابني جرى له إيه؟!
ظلت لينا صامتة، عاجزة عن الرد، بينما خرج الطبيب في تلك اللحظة من الممر، فتوجهت إليه نجاة بسرعة:
ـ يا دكتور... طمنا على ابني.
وبينما انشغلت نجاة بالطبيب، ابتعدت لينا عن المكان برفقة سارة.
لكنها لم تكن تعلم أن شخصًا آخر كان قد وصل إلى المستشفى في تلك اللحظة...
بهاء الدين المصري.
كان برفقة ممدوح، وما إن وقعت عيناه على لينا حتى توقف مكانه للحظات.
أما لينا، فما إن رأته حتى انهارت كل مقاومتها، واندفعت نحوه، وارتمت في أحضانه وهي تبكي بحرقة.
ضمها بهاء الدين إليه بقوة، وراح يربت على ظهرها دون أن يسألها شيئًا.
ثم أخذها معه وغادر المستشفى.
وبعد وصولهما إلى الفندق، دخلت لينا غرفتها لتغير ملابسها، بينما ظل بهاء وممدوح في الخارج.
وبعد دقائق، خرجت لينا بملابس نظيفة، فتوجه إليها بهاء:
ـ يلا يا لينا.
نظرت إليه باستغراب:
ـ على فين يا جدو؟
ـ هنرجع القاهرة.
هزت لينا رأسها فورًا:
ـ لأ... أنا مش هرجع.
عقد بهاء حاجبيه باستغراب:
ـ يعني إيه؟
قالت لينا والدموع تلمع في عينيها:
ـ عايزة أفضل هنا.
ـ وليه؟
أخذت نفسًا مرتجفًا وقالت:
ـ عشان عاصم... أنا لازم أفضل لحد ما أطمن عليه.
ظل بهاء ينظر إليها باستغراب، غير قادر على فهم سبب تمسكها الشديد بالبقاء.
فأكملت لينا بصوت مكسور:
ـ إزاي أسيبه وأمشي يا جدو؟ هو ضحى بحياته عشاني... كان ممكن يموت عشان ينقذني أنا.
صمت بهاء، وظلت عيناه معلقتين بوجهها.
أما لينا فمسحت دموعها وقالت بإصرار:
ـ أنا مش هسيبه... لازم أفضل هنا لحد ما يفوق.
ــــــــ
فى المستشفى بعد مرور يوم كامل واستقرار حالته تمامًا، زال أثر التخدير وبدأ عاصم يستعيد عافيته وقدرته على الكلام.
كانت عائلته تلتف حول سريره في غرفته بالمستشفى، بينما كانت عيناه تتنقلان بلهفة وقلق بين أركان الغرفة والباب، وكأنه يبحث عن شخص بعينه.
فمنذ أن أفاق، وصدى ذلك الهمس الباكي والدافئ يتردد في عقله كالحلم:
«أنا بحبك... ومقدرش أعيش من غيرك.»
لاحظت والدته نجاة نظراته الحائرة، فاقتربت منه وقالت بقلق وحنان:
ـ مالك يا عاصم؟ من ساعة ما فُقت وأنت مش معانا خالص، ومُسَهِّم وباصص ناحية الباب... أنت لسه تعبان يا حبيبي؟ أنده لك الدكتور؟
حرّك عاصم رأسه ببطء وقال بصوت متحشرج:
ـ لا يا أمي... مفيش حاجة، أنا كويس.
نظرت إليه نجاة بعدم تصديق، وقالت:
ـ أومال مالك؟ كأنك مستني حد أو بتدور على حد!
قاطعتها شاهندة بغيظ وتهكم:
ـ أكيد مستني الست هانم خطيبته!
التفت عاصم إليها باستغراب واضح:
ـ خطيبتي؟
قالت شاهندة بسخرية:
ـ أيوه، خطيبتك... دي ما كلفتش خاطرها حتى تستنى لما تفوق.
ثم أضافت:
ـ أول ما صاحبتها جت وقالت لها: «يلا يا لينا... نرجع الأوتيل عشان تغيري الهدوم دي»، ما صدقت ولفت وشها ومشيت معاها.
اتسعت عينا عاصم بذهول ما إن سمع اسمها.
ـ لينا؟
تبادلت نجاة ومديحة وشاهندة النظرات، بينما ظل عاصم صامتًا للحظات.
تجمعت خيوط الصورة في عقله فجأة.
لينا...
هي إذًا المقصودة.
تذكّر ذلك الصوت الباكي والدافئ الذي وصل إلى سمعه وهو لا يزال تحت تأثير التخدير، دون أن يعرف وقتها صاحبة الصوت.
الآن فقط فهم أن ذلك الصوت كان صوتها.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، ثم اتسعت تدريجيًا حتى غمرت ملامحه فرحة لم يستطع إخفاءها.
راقبته نجاة باستغراب، بينما تبادلت مديحة وشاهندة النظرات في حيرة.
أما عاصم، فلم يقل شيئًا.
فقط ظل يبتسم، وكأن كلمة «خطيبته» لم تزعجه هذه المرة...
بل أسعدته أكثر مما ينبغي.
أما في الفندق...
تصلبت ملامح الجد بهاء بمجرد أن سمع جملتها، وضيق عينيه وهو ينظر إلى حفيدته بنظرات ثاقبة، كأنه يقرأ أعماقها.
تراجع خطوة إلى الوراء، وساد صمت ثقيل وهو يزن هذا العناد الغريب في عقله؛ فلينا طوال عمرها لم تقف في مواجهته أو تكسر له كلمة بمثل هذا الإصرار المستميت.
ظل يتأملها للحظات، يراقب دموعها ونبرة صوتها وهي تتحدث عن عاصم، وإصرارها الشديد على البقاء إلى جواره حتى يفيق.
وفي تلك اللحظات من التفكير، تبددت شكوك الجد وبدأ يفهم حجم المشكلة الحقيقي؛ أدرك أن الموضوع لم يعد مجرد «امتنان» لشخص أنقذ حياتها، بل تطور وأصبح أكبر وأخطر من ذلك بكثير.
لقد فهم يقينًا أن حفيدته وقعت في حب هذا الفتى، وأن هذا الأمر يجب أن يوضع له حد فورًا قبل أن يتفاقم.
كتم ثورته وغضبه العارم بذكاء داهية، وبدأ يرتب في ذهنه ما سيفعله.
سيذهب بنفسه إلى المستشفى...
سيطمئن على عاصم، ثم سيطلب منه الابتعاد عن حفيدته نهائيًا، وسيضع حدًا لهذه العلاقة قبل أن تتجاوز أي حدود أخرى.
ظل يفكر للحظات، ثم أخفى كل ما يدور بداخله خلف ملامح هادئة، ونظر إليها وقال بصوت منخفض حاد:
ـ ماشي يا لينا... أنا كمان هروح المستشفى عشان أطمن عليه بنفسي... يلا بينا.
تحركوا جميعًا فورًا نحو المستشفى، وما إن توقفت السيارة أمام المدخل حتى فتحت لينا الباب ونزلت بسرعة.
التفتت إلى جدها وقالت:
ـ أنا هسبقكم على ما تركنوا العربية.
لم تنتظر ردًا، وأسرعت نحو مدخل المستشفى بخطوات متلهفة، بينما تحرك بهاء وممدوح خلفها بعد أن أوقفا السيارة.
صعدت لينا إلى الطابق الذي توجد به غرفة عاصم، وقلبها يخفق بشدة.
وقفت أمام الباب للحظات، ثم رفعت يدها وطرقت بخفة.
جاءها صوت من الداخل:
ـ ادخل.
فتحت لينا الباب ودخلت بخطوات مترددة، وما إن وقعت عيناها على عاصم المستلقي على السرير حتى شعرت بغصة في حلقها.
كان عاصم مستلقيًا بهدوء، وملامحه لا تزال تحمل أثر التعب، لكنه بدا أفضل بكثير.
تعلقت عيناه بها فور دخولها، وظل ينظر إليها للحظات، بينما شعرت هي بحرج شديد تحت نظرات نجاة ومديحة وشاهندة.
لاحظت نجاة نظرات ابنها نحو لينا، وفهمت على الفور أنه يريد أن يخلو بها.
لم تُظهر أي تعاطف زائد، واكتفت بأن قالت بهدوء:
ـ يلا يا جماعة... ننزل نشرب حاجة تحت.
تحركت نجاة، وتبعها الجميع، بينما بقيت لينا مكانها.
وما إن أُغلق الباب حتى تقدمت نحو عاصم بخطوات مترددة، وجلست إلى جواره، ثم مدت يدها المرتجفة وأمسكت بكفه.
قالت بصوت متهدج:
ـ عاصم... طمني عليك، أنا عشت أصعب ساعات في حياتي وأنا مستنية الباب ده يفتح ويقولوا لي إنك بخير.
نظر عاصم إلى عينيها المتورمتين من البكاء، وضغط على يدها برفق.
ـ أنا كويس يا لينا... متخافيش.
ساد الصمت للحظات، قبل أن يقول بصوت خافت:
ـ بس أنا مش مستوعب اللي حصل لي يا لينا... ولا مستوعب نفسي.
رفع عينيه إليها، وتابع:
ـ أنا طول عمري إنسان عقلاني، كل خطوة في حياتي بحساب، وعمري ما تخيلت إن فيه شخص ممكن يملك القدرة إنه يقلب كياني وتفكيري بالشكل ده.
تنفس ببطء، ثم قال:
ـ مكنتش متوقع أبدًا إن الخناقات والعناد وكل اللي مر بينا كان بيحفر جوايا حاجة تانية خالص... حاجة أنا كنت بتجاهلها وعامل نفسي مش شايفها.
تعلقت عيناه بعينيها، وقال بصوت أكثر صدقًا:
ـ بس لما لقيت نفسي في لحظة بين الحياة والموت، وفكرة إني ممكن أفتح عيني والدنيا دي ملقيكيش فيها... حسيت برعب حقيقي وعرفت قيمتك في قلبي.
ضغط على يدها برفق:
ـ خفت أروح من الدنيا قبل ما أصلح كل اللي انكسر بينا... أنا مفيش حد قدر يهد دفاعاتي ويبعثر ثباتي زيك... أنا...
تعلقت عيناه بعينيها، وارتعشت شفتاه وهو يهمس:
ـ بح...
قاطعه طرق قوي على الباب.
انتفضت لينا في مكانها، بينما التفت عاصم نحو الباب بضيق، قبل أن يُفتح فجأة، وظهر بهاء الدين أمامهما بملامحه الصارمة.
نظر بهاء إلى حفيدته وقال بنبرة حاسمة:
ـ لينا... سيبيني أنا والدكتور عاصم لوحدنا شوية.
نظرت لينا إلى عاصم بقلق وخيبة أمل، ثم إلى جدها، لكنها لم تجرؤ على مخالفته.
نهضت بهدوء، وخرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها.
التفت بهاء إلى عاصم، وتحولت ملامحه إلى كتلة من الجليد.
تقدم نحوه وقال بصوت حاد:
ـ اسمع يا ابن الرشيد... أنا عمري ما هحط إيدي في إيد ابن الراجل اللي كان السبب في موت ابني وبنتي وجوزها، اللي كنت بعتبره زي ابني.
اتسعت عينا عاصم في صدمة، وحاول أن يتحدث:
ـ بس أنا...
قاطعه بهاء بصرامة:
ـ مش عايز أسمع منك حاجة.
ثم قال بحدة:
ـ أنا مش هسمح لك تقرب من حفيدتي، ولا هسمح للعلاقة دي تستمر.
ثبت عينيه في عينيه وأضاف:
ـ ابعد عن لينا... واعتبر ده أول وآخر تحذير ليك.
استدار بهاء وغادر الغرفة دون أن ينتظر ردًا.
ظل عاصم مكانه، يحدق في الباب بذهول، عاجزًا عن استيعاب ما سمعه للتو.
خرج بهاء إلى الممر، وأمسك بذراع لينا بحزم، ثم التفت إلى ممدوح وقال:
ـ ممدوح! جهز العربية والطيارة فورًا... هنرجع القاهرة حالًا ومفيش قعاد هنا دقيقة واحدة تانية!
ـ حاضر يا جدي.
سحب بهاء لينا معه، بينما ظلت تنظر إليه بدموع وحيرة، غير قادرة على فهم ما دار خلف الباب المغلق.
أما عاصم، فبقي وحده في الغرفة، وكلمات بهاء تتردد في رأسه، بينما كان الماضي الذي لا يعرف عنه شيئًا يقترب منه لأول مرة بكل ثقله.
خرج بهاء من غرفة عاصم، وأغلق الباب خلفه، ثم التفت إلى ممدوح بنظرة حاسمة وقال:
ـ ممدوح... خد لينا وحصلني على العربية.
ـ حاضر يا جدي.
ثم نظر بهاء إلى لينا:
ـ يلا.
هزت لينا رأسها بسرعة، وقالت بإصرار:
ـ لأ يا جدو... أنا هفضل هنا.
ثبت بهاء عينيه عليها للحظات، ثم قال ببرود:
ـ لأ. هترجعي معايا.
ـ بس يا جدو...
قاطعها بحسم:
ـ مفيش بس.
ثم التفت إلى ممدوح:
ـ ممدوح.
فهم ممدوح الأمر فورًا، واتجه نحو لينا:
ـ يلا يا حبيبتي.
تراجعت لينا خطوة وقالت بضيق:
ـ ـ ممدوح... أنا مش هقدر أرجع دلوقتي.
تنهد ممدوح وقال لها بحنان:
ـ يا حبيبتي، ما تعمليش فيا كده. إنتِ عارفة إني معنديش بديل... لازم ترجعي.
ظلت لينا تنظر ناحية باب غرفة عاصم، بينما قال ممدوح:
ـ يلا يا لينا... جدك مستني.
بمجرد أن انغلق الباب بعنف خلف بهاء، ساد الغرفة صمت خانق.
ظل عاصم مستلقيًا على سريره، جسده لا يزال منهكًا من أثر الجراحة، لكن الألم الجسدي لم يعد يعني له شيئًا أمام الكلمات التي أخذت تتردد في رأسه بلا رحمة:
«ابن الراجل اللي كان السبب في موت بنتي وجوزها...»
فتح عينيه ببطء، وعقد حاجبيه في حيرة.
والده...
كيف يمكن للرجل الذي عرفه طوال حياته بالهدوء والحكمة أن يكون سببًا في موت شخصين؟
ضغط عاصم على زر استدعاء الممرضة، وما إن حضرت حتى قال بصوت متعب:
ـ لو سمحتي، ممكن تنادي والدتي نجاة هانم؟ عايزها ضروري.
بعد دقائق، دخلت نجاة الغرفة بخطوات سريعة، واقتربت منه بقلق:
ـ مالك يا عاصم؟ طلبتني ليه؟
ثبت عاصم عينيه عليها للحظات، ثم سأل مباشرة:
ـ أمي... بابا زمان كان يعرف واحد اسمه محمود الجابري؟
تغيرت ملامح نجاة، وحاولت استرجاع ذكريات قديمة تعود لأكثر من خمسة وعشرين عامًا.
ـ محمود الجابري؟
أومأ عاصم:
ـ أيوه.
فكرت قليلًا، ثم قالت:
ـ أيوه، أعرف الاسم ده. كان شاب سوري، مش مصري... وأمه كانت روسية. جه مصر عشان كان بيحب بنت مصرية، وأبوها رفض جوازهم، فقرر يستقر هنا بدل ما يرجع بلده.
صمتت لحظة، ثم تابعت:
ـ على حد علمي، هو وأبوك دخلوا في شراكة زمان، وكان بينهم شغل كبير... لكن بعد فترة، سمعت إن محمود تعب فجأة ومات.
تعلقت عينا عاصم بها:
ـ ومات إزاي؟
هزت نجاة رأسها:
ـ معرفش. أبوك عمره ما كان بيحب يحكي تفاصيل شغله، وأنا مكنتش بتدخل في أموره.
ثم نظرت إليه بقلق:
ـ بس إنت بتسأل ليه؟ إيه اللي فكرك بمحمود الجابري دلوقتي؟
أخفض عاصم عينيه للحظة، ثم قال باقتضاب:
ـ ولا حاجة... مجرد حاجة افتكرتها.
لم تقتنع نجاة تمامًا، لكنها لم تضغط عليه.
أضاف عاصم:
ـ ممكن تسيبيلي تليفونك شوية؟ تليفوني ضاع، وعايز أعمل مكالمة ضرورية.
ناولته نجاة هاتفها، ثم خرجت من الغرفة بعد أن اطمأنت عليه.
وما إن انغلق الباب، حتى أمسك عاصم بالهاتف، وظل يبحث عن الرقم الذي يريده حتى وجده.
ضغط على زر الاتصال.
بعد لحظات، جاءه صوت سليم من الطرف الآخر:
ـ ألو... نجاة هانم؟
جاءه صوت عاصم بدلًا منها، هادئًا لكنه حازم:
ـ سليم... أنا عاصم.
ـ أهلًا بحضرتك يا دكتور عاصم.
قال عاصم بنبرة حاسمة:
ـ اسمعني كويس يا سليم.
ـ حاضر يا دكتور.
ـ عايزك تدورلي على أي موظف قديم اشتغل مع والدي من حوالي خمسة وعشرين سنة.
صمت سليم لحظة، ثم قال:
ـ موظفين قدام؟ دكتور عاصم، الشركة القديمة اتقفلت من سنين، والناس دي أكيد...
قاطعه عاصم بحسم:
ـ دور.
ـ حاضر، بس...
ـ دور في كل حاجة. الدفاتر القديمة، ملفات الموظفين، التأمينات، السجلات... أي مكان ممكن يوصلك لحد كان موجود وقت شراكة والدي مع محمود الجابري.
ساد الصمت للحظات.
ثم قال سليم:
ـ حاضر يا دكتور... هعمل اللي أقدر عليه.
أغمض عاصم عينيه، وقال بصوت منخفض:
ـ مش عايز اللي تقدر عليه يا سليم... عايز الحقيقة.
ثم أضاف بنبرة قاطعة:
ـ وأي حد تعرف إنه كان موجود وقتها، توصلهولي فورًا.
ـ حاضر يا دكتور.
بمجرد أن أنهى عاصم مكالمته مع سليم، وضع الهاتف جانبًا، ثم أطلق زفيرًا طويلًا.
لم يعد يحتمل البقاء في المستشفى أكثر من ذلك. كان يشعر أن الوقت يمر ببطء، بينما الأسئلة تتكاثر في رأسه دون إجابة.
ضغط على زر الجرس، وما إن دخلت الممرضة حتى قال بصوت متعب لكنه حاسم:
ـ اطلبيلي الدكتور المعالج لو سمحتي.
ـ حاضر يا دكتور.
وبعد دقائق، دخل الطبيب الغرفة، فتوجه إليه عاصم مباشرة:
ـ أنا عايز أخرج من المستشفى النهارده.
نظر إليه الطبيب بدهشة، ثم قال بحزم:
ـ تخرج فين يا دكتور عاصم؟ إنت لسه خارج من عملية كبيرة، وحالتك محتاجة متابعة.
حاول عاصم الاعتدال في فراشه، رغم الألم الذي شعر به في جرحه:
ـ يا دكتور، أنا كويس... وعندي موضوع مهم لازم أخلصه.
وضع الطبيب يده على كتفه وأعاده برفق إلى وسادته، ثم قال بصرامة مهنية:
ـ مفيش خروج قبل أسبوع على الأقل، وده قرار نهائي. الجرح محتاج متابعة، وأي مجهود دلوقتي ممكن يسبب لك مضاعفات إحنا في غنى عنها.
زفر عاصم بضيق، وقال:
ـ أسبوع؟
ـ أيوه... أسبوع كامل، ولو حالتك استقرت ومفيش أي مضاعفات، ساعتها نقدر نتكلم في الخروج.
ظل عاصم صامتًا للحظات، ثم أومأ على مضض:
ـ تمام.
غادر الطبيب الغرفة، بينما أسند عاصم رأسه إلى الوسادة، وأطلق زفيرًا حادًا.
أسبوع كامل...
بالنسبة لشخص مثله، اعتاد أن يسيطر على كل تفاصيل حياته، كان البقاء مقيدًا داخل غرفة المستشفى أمرًا لا يُحتمل.
لكن لم يكن أمامه خيار سوى الانتظار، بينما ظلت كلمات بهاء واسم محمود الجابري يترددان في رأسه بلا توقف.
مرّ أسبوع كامل كأنه دهر على عاصم، حتى وافق الطبيب أخيرًا على خروجه من المستشفى.
عاد إلى منزله بجسد لا يزال يئن من أثر الجراحة، لكن عقله كان يشتعل رغبة في الوصول إلى إجابات للأسئلة التي كادت تفتك به من شدة الحيرة.
لم يكد يستقر في صالون منزله، حتى رن جرس الباب.
فتحت الخادمة، ليدخل المحامي سليم، وخلفه رجل مسن بدت تجاعيد السنين واضحة على وجهه، وكان يتحرك بخطوات بطيئة مستندًا إلى عصاه.
تقدم سليم منه، ثم قال بهدوء:
ـ دكتور عاصم، أنا كده أديت مهمتي وقلبت الدنيا لحد ما وصلت للأستاذ عبد الحميد. كان المحاسب الرئيسي لشركة والدك الله يرحمه، وكان موجود وقت الشراكة بينه وبين محمود الجابري من خمسة وعشرين سنة. وهو تقريبًا أكتر شخص عاصر الفترة دي وعارف تفاصيل كتير عنها.
ثم التفت إلى عبد الحميد:
ـ هسيبكم براحتكم، ولو احتجت أي حاجة أنا في المكتب. وحمد الله على سلامتك يا دكتور.
هز عاصم رأسه شاكرًا:
ـ تسلم يا سليم... تعبتك معايا.
غادر سليم، وبقي عاصم مع الرجل المسن.
التفت إليه عاصم، محاولًا إخفاء توتره، وقال بلطف:
ـ منور يا أستاذ عبد الحميد... تشرب إيه؟
أجابه الرجل بصوت خافت:
ـ بنور حضرتك يا بني... ممكن قهوة سادة لو مفيش إزعاج.
أشار عاصم إلى الخادمة:
ـ اعملي للأستاذ عبد الحميد قهوة سادة.
ـ حاضر يا فندم.
ثم التفت إلى الرجل، وقال:
ـ اتفضل معايا يا أستاذ عبد الحميد... نقعد في المكتب عشان ناخد راحتنا في الكلام.
تحرك عبد الحميد ببطء خلفه، بينما كان عاصم يحاول إخفاء الألم الذي ما زال يضرب جرحه مع كل خطوة.
وما إن دخلا المكتب وأُغلق الباب خلفهما، حتى جلس الاثنان.
وضعت الخادمة فنجان القهوة أمام عبد الحميد، ثم انسحبت بهدوء.
ساد الصمت لثوانٍ، قطعه عاصم وهو يثبت عينيه في عيني الرجل:
ـ أستاذ عبد الحميد... أنا مش عايز أضيع وقت حضرتك. عايز أعرف كل تفاصيل الشراكة اللي كانت بين والدي الله يرحمه وبين محمود الجابري... وعايز أعرف محمود الجابري مات إزاي؟
ارتجفت يد عبد الحميد قليلًا وهو يمسك فنجان القهوة، ثم وضعه أمامه دون أن يرتشف منه.
تنهد تنهيدة ثقيلة، وقال:
ـ ياااه يا بني... إنت بتفتح دفاتر قديمة أوي. دفاتر اتقفلت من سنين، واتقفلت وراها أسرار وخراب.
ظل عاصم صامتًا، ينتظر.
تابع عبد الحميد:
ـ الحكاية بدأت لما والدك ومحمود أسسوا الشركة سوا. في الأول كانوا أكتر من إخوات، وكل واحد فيهم كان واثق في التاني ثقة عمياء. الشركة بدأت تكبر بسرعة، ونجاحها كان ملفت جدًا.
توقف لحظة، ثم قال:
ـ لكن كان فيه بند خطير في عقد الشراكة.
عقد عاصم حاجبيه:
ـ بند إيه؟
ـ كان بيدي أحد الطرفين الحق في الاستحواذ على حصة الطرف التاني بالكامل لو حصلت أزمة مالية خانقة للشركة، والطرف التاني مقدرش يسدد التزاماته خلال المهلة المحددة.
نظر إليه عاصم بعدم تصديق:
ـ بس يا أستاذ عبد الحميد... محمود الجابري كان رجل أعمال، مش شخص ساذج. إزاي يوافق على بند بالشكل ده؟
اعتدل عبد الحميد في جلسته وقال:
ـ سؤالك في محله... محمود الله يرحمه مكنش مغفل.
صمت قليلًا، ثم تابع:
ـ محمود كان سوري، مش مصري، والقوانين وقتها كانت بتفرض قيود وصعوبات كبيرة على تملك الأجانب وإدارة الشركات وتراخيصها. كان محتاج شريك مصري عشان يقدر يأسس الشركة ويضمن استمرارها بشكل قانوني.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال:
ـ عشان كده البند ده اتحط في العقد كإجراء صوري، وباتفاق ودي بينهم. كان المفروض يبقى مجرد حبر على ورق، ولو حصلت أي أزمة أو مشكلة قانونية، يقدروا يستخدموه كغطاء يحمي الشركة من الإغلاق.
تجمدت ملامح عاصم.
أكمل عبد الحميد بحزن:
ـ محمود وافق وهو مطمن تمامًا. كان واثق في والدك، ومعتبر إن البند ده مجرد إجراء لحماية الشركة.
خفض عينيه للحظات، ثم تابع:
ـ لكن اللي حصل بعد كده كان مختلف تمامًا.
قال عاصم بصوت منخفض:
ـ إيه اللي حصل؟
ـ حصلت هزة مالية كبيرة في السوق، والشركة دخلت في أزمة وخسائر ضخمة. وقتها كان لازم كل شريك يضخ مبلغ كبير عشان ينقذ الشركة.
توقف عبد الحميد، ثم قال:
ـ محمود مكنش معاه السيولة المطلوبة في الوقت المحدد... ووالدك استغل البند اللي كانوا متفقين إنه مجرد إجراء صوري.
اتسعت عينا عاصم:
ـ يعني... استولى على حصة محمود؟
أومأ عبد الحميد ببطء:
ـ أيوه.
ثم قال بأسى:
ـ نقل ملكية الأسهم كلها لنفسه بشكل قانوني، ومحمود فقد كل حاجة... الشركة، فلوسه، وشغله، وكل اللي بناه في سنين.
ظل عاصم صامتًا، وكأنه عاجز عن استيعاب ما يسمعه.
ثم سأل بصوت خافت:
ـ ومحمود... عمل إيه بعد ما خسر كل حاجة؟
خفض عبد الحميد عينيه، وقال بحزن:
ـ محمود ما استحملش الصدمة يا بني...
صمت للحظات، ثم تابع:
ـ الراجل اتدمر في أيام. خسر شركته وفلوسه وكل اللي بناه، وفوق ده كله اكتشف إن الشخص اللي كان واثق فيه وخدعه هو أقرب الناس ليه.
تنهد عبد الحميد:
ـ وبعد كام يوم، حالته النفسية والصحية ساءت بشكل مفاجئ... ومات.
اتسعت عينا عاصم:
ـ مات؟
أومأ عبد الحميد بأسى:
ـ أيوه... محمود بيه مات، واللي سمعته وقتها إن مراته كمان ما استحملتش اللي حصل بعده وماتت هي كمان بفترة قصيرة.
ظل عاصم صامتًا، عاجزًا عن استيعاب ما سمعه.
أما عبد الحميد، فتنهد بحزن، ثم نهض ببطء مستندًا إلى عصاه.
ـ أنا آسف يا بني... بس دي الحقيقة اللي عشتها وشوفتها بعيني.
نظر إليه عاصم دون أن يجيب.
قال عبد الحميد بهدوء:
ـ عن إذنك يا دكتور... أنا استأذن.
أومأ عاصم بصمت.
اتجه عبد الحميد نحو الباب بخطوات بطيئة،
ثم فتح الباب وغادر.
بقي عاصم وحده في المكتب، غارقًا في صمت ثقيل.
ظل يحدق أمامه، بينما كانت كلمات عبد الحميد تتردد في رأسه من جديد...
محمود الجابري مات بعد أن خسر كل شيء.
ومراته لم تستطع الاستمرار بعده.
أما والده...
فكان السبب في كل ذلك.
بعد ثلاثة أسابيع من العملية، سَئِمَ عاصم البقاء في المنزل، وقرر النزول إلى الشركة لمتابعة العمل الذي تغيب عنه طوال الفترة الماضية.
في المقابل، كانت لينا تعيش حالة من الضيق والحيرة، ولم تعد قادرة على البقاء صامتة دون أن تعرف شيئًا عن حالته الصحية، فحسمت أمرها وقالت لنفسها بإصرار:
ـ أنا لازم أروح له وأطمن عليه.
وفي مكتب عاصم، قطع تركيزه رنين الهاتف الداخلي، فرفعت السكرتيرة السماعة وقالت:
ـ دكتور عاصم... الآنسة لينا موجودة برة وعايزة تقابل حضرتك.
توقفت أنفاسه للحظة، ثم أجاب بصوت متوتر:
ـ دخليها فورًا.
انفتح الباب، ودخلت لينا بخطوات مترددة، تبدو على ملامحها آثار القلق والإرهاق.
وما إن وقعت عيناه عليها، حتى نهض عاصم من مقعده ببطء، متحاملًا على بقايا الألم الذي لا يزال يسكن جرحه، ثم وقف أمامها.
تعلقت عيناه بعينيها طويلًا، وكأن الأسابيع الماضية كلها مرت أمامه في لحظة واحدة.
كان يعلم أن الوقت قد حان...
فإن ظل صامتًا أكثر من ذلك، ربما يخسرها إلى الأبد.
تقدم نحوها، وأمسك يديها بين كفيه، ثم قال بصوت دافئ وحاسم:
ـ لينا... أنا مش كويس، ومفيش حاجة في الدنيا هتبقى كويسة من غيرك.
ارتجفت عيناها، وظلت تنظر إليه في صمت.
أكمل عاصم:
ـ اسمعيني كويس... أنا بحبك. بحبك أكتر من أي حاجة في حياتي، ومستعد أحارب الدنيا كلها عشانك.
توقفت أنفاس لينا، بينما شد عاصم على يديها برفق.
ـ أنا مش هسيبك تضيعي مني... أنا مصدقت ألاقيكى... تتجوزيني؟!
اتسعت عينا لينا، وانهمرت دموعها بغزارة، بينما عجزت عن إخراج كلمة واحدة.
أما عاصم، فظل ممسكًا بيديها، ينتظر ردها وقلبه يخفق للمرة الأولى بهذا العنف.
ظلت لينا صامتة للحظات، والدموع تنساب على وجنتيها، عاجزة عن إخراج كلمة واحدة من شدة تأثرها.
ثم هزت رأسها ببطء موافقة.
اتسعت ابتسامة عاصم، وكأن تلك الحركة البسيطة كانت أثمن إجابة انتظرها طوال حياته.
ظل ممسكًا بيدها للحظات، ثم قال بصوت هادئ:
ـ خلاص... يبقى من النهارده أنا هبدأ أخد خطواتي رسمي.
ابتسمت لينا وسط دموعها، وقالت:
ـ وأنا مستنياك.
نظر إليها عاصم بحنان، ثم قال:
ـ روحي دلوقتي وارتاحي... وأنا هتصرف.
أومأت لينا، ثم تراجعت خطوة واستدارت نحو الباب.
وقبل أن تخرج، التفتت إليه مرة أخيرة، فوجدته لا يزال ينظر إليها بابتسامة هادئة.
بادلته ابتسامته، ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها.
ــــــــــــــــــــــــــــ
بعد فترة، وصلت لينا إلى المنزل، وما إن دخلت الصالون حتى وجدت بهاء الدين جالسًا في مكانه، ينتظرها.
رفع عينيه إليها وقال بنبرة هادئة وحازمة:
ـ كنتِ فين يا لينا؟
توقفت لينا مكانها، وارتبكت للحظة.
ـ أنا... كنت...
ظل بهاء يراقبها بصمت، ثم أعاد سؤاله:
ـ كنتِ فين؟
خفضت لينا عينيها وقالت بتلعثم:
ـ أنا... خرجت شوية.
عقد بهاء حاجبيه:
ـ خرجتي فين؟
صمتت لينا، ولم تجد ما تقوله.
ظل ينظر إليها للحظات، ثم قال ببرود:
ـ عند ابن الرشيد... مش كده؟
رفعت لينا عينيها إليه في ارتباك، ولم تستطع الإجابة.
ظل بهاء ينظر إليها بثبات، ثم قال:
ـ أنا مستني ردك يا لينا.
ترددت لينا للحظات، ثم قالت:
ـ جدو... أنا...
قاطعها بهدوء:
ـ استني.
اقترب منها، ووضع يده على كتفها، وقال بصوت هادئ:
ـ إنتِ طول عمرك بتسألي ماما وبابا ماتوا إزاي... وأنا كل مرة كنت بأجل إني أقولك الحقيقة.
نظر إلى عينيها وأضاف:
ـ بس آن الأوان تعرفي.
أخبرها بهاء بالحقيقة كاملة، وكيف كان والد عاصم السبب في كل ما حدث لوالديها، ثم ساد الصمت بينهما.
وبعد أن انتهى، ظل ينظر إليها للحظات قبل أن يقول:
ـ عرفتي ليه ببعدك عنه يا حبيبتي؟
رفعت لينا عينيها إليه وقالت بهدوء:
ـ بس عاصم ماله ومال والده؟
تجمد بهاء في مكانه.
أكملت لينا بإصرار:
ـ والده هو اللي كان السبب... مش عاصم. وأنا هتجوز عاصم، مش والده.
نزلت كلماتها على بهاء كالصاعقة، واتسعت عيناه وهو يحدق بها غير مستوعب.
ـ هي وصلت للجواز كمان؟!
هزت لينا رأسها بثبات:
ـ أيوه يا جدو... عاصم هيحدد ميعاد وييجي يتقدم لي رسمي.
ظل بهاء صامتًا، يحدق فيها بصدمة، وكأن الأمر تجاوز كل الحدود التي كان يتوقعها.
اشتد الغضب في عينيه، وقال بحسم:
ـ يستحيل يا لينا... يستحيل أحط إيدي في إيد حد من عيلة الرشيد.
اقتربت منه لينا، والدموع تلمع في عينيها:
ـ بس يا جدو، عاصم مش أبوه...
قاطعها بصرامة:
ـ مفيش بس يا لينا. الأمر انتهى.
ـ بس أنا بحبه يا جدو...
تجمد بهاء للحظة، ثم قال بغضب:
ـ وأنا مش هقدر أوافق على جوازك من ابن الراجل اللي كان السبب في موت بنتي!
تدخلت جدتها بصوت حزين:
ـ متقساش عليها كده يا بهاء... دي حفيدتك.
التفت إليها بهاء بانفعال:
ـ يعني عايزاني أوافق على اللي قتل بنتي؟!
لم تجد الجدة ما ترد به، بينما انفجرت لينا في البكاء، ثم ركضت إلى غرفتها.
جلست على سريرها، وأخرجت هاتفها بيد مرتجفة، ثم اتصلت بعاصم.
ما إن أجاب حتى جاءها صوته القلق:
ـ لينا؟ مالك؟
لم تستطع الكلام، واكتفت بالبكاء.
ـ لينا... ردي عليا، حصل إيه؟
قالت بصوت متقطع:
ـ جدو... رفض يا عاصم.
ساد الصمت للحظات، ثم قال عاصم بثبات:
ـ متقلقيش... أنا هحل كل حاجة.
ـ إزاي؟
ـ سيبيها عليا يا لينا. بعد يومين هاجي بنفسي وأتكلم مع جدك.
***
بعد يومين...
توقفت سيارة عاصم أمام قصر المصري.
ترجل منها بثبات رغم التوتر الذي يعتمل داخله، ثم دخل القصر وطلب مقابلة بهاء الدين.
بعد دقائق، كان ينتظر داخل مكتب بهاء.
انفتح الباب، ودخل بهاء بخطوات هادئة، ثم توقف أمامه.
لم يجلس أيٌّ منهما.
ظل الاثنان واقفين، تفصل بينهما خطوات قليلة، والجو مشحون بتوتر واضح.
نظر بهاء إليه ببرود:
ـ طبعًا أنت عارف أنا جاي ليه.
أجابه عاصم بثبات:
ـ وعارف كمان إن حضرتك رافض تسمعني.
ـ وطلبك مرفوض.
شد عاصم فكه محاولًا كتم غضبه:
ـ اسمعني الأول يا دكتور بهاء.
قاطعه بهاء ببرود قاطع:
ـ مش عايز أسمع... لأن مفيش حاجة هتتغير.
قال عاصم بإصرار:
ـ لازم تسمعني. أنا مش جاي أدافع عن اللي والدي عمله، ولا جاي أطلب منك تنسى اللي حصل.
صمت لحظة، ثم تابع:
ـ أنا جاي أصلح الغلط اللي والدي عمله.
ظل بهاء صامتًا، فاستطرد عاصم:
ـ وأنا مستعد أدفع أي تعويض مادي عن اللي حصل... حتى لو هاخد كل فلوسي، بس متحرمنيش من لينا.
ارتسمت على شفتي بهاء ابتسامة ساخرة:
ـ أنت فاكر الملاليم اللي تملكها دي تفرق معايا؟
اختفت ابتسامة عاصم، وقال بجدية:
ـ أنا عارف إن الفلوس مش هترجع اللي فقدته... وعارف إن وجعك مش بيتعوض بفلوس.
ثم ثبت عينيه عليه:
ـ بس أنا بحب لينا، ومستعد أعمل أي حاجة عشان أتجوزها.
اشتدت ملامح بهاء، وقال بغضب مكتوم:
ـ أنت عايز تطفّي نار حرقة قلبي على بنتي بجواز حفيدتي من ابن الراجل اللي كان السبب في موتها؟
خفض عاصم عينيه للحظة، ثم رفعهما بثبات:
ـ أنا مش والدي يا دكتور بهاء.
ظل بهاء ينظر إليه بصرامة، ثم اقترب منه خطوة وقال بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
ـ عاصم... أنا رفضت طلبك، وقراري مش قابل للنقاش. أتمنى تحترم قراري ومتقربش من لينا تاني.
ثم استدار بهدوء وقال:
ـ المقابلة انتهت.
خرج بهاء من المكتب، تاركًا عاصم وحده.
ظل عاصم واقفًا للحظات، يتابع بهاء بعينيه، ثم زفر بضيق واستدار وغادر المكتب هو الآخر.
