رواية حين يجبر العشق الفصل السابع عشر
في جناح سلطان…..
تسللت أولى خيوط الفجر عبر الستائر، لترسم خيطًا ذهبيًا فوق هدوء الغرفة.
فتح سلطان عينيه ببطء.
ظل للحظات ساكنًا، لا يتحرك، كأنه يستعيد ما جرى بالأمس.
ثم أدار رأسه نحوها...
كانت حور نائمة إلى جواره في سكونٍ تام، مستلقية على جانبها، ووجهها متجه نحوه، بينما تنسدل خصلات شعرها فوق الوسادة في فوضى محببة، وقد ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة صغيرة، كأنها ترى حلمًا جميلًا.
حدق فيها طويلًا...
طويلًا إلى الحد الذي نسي معه كل ما يدور خارج هذا الجناح.
ورغم السكينة التي غمرت ملامحها...
إلا أن قلبه لم يعرف السكينة.
مد يده ببطء شديد، وأزاح خصلةً شاردة من فوق وجنتها، ثم توقفت أنامله قبل أن تلامس بشرتها، وكأنه يخشى أن يوقظها... أو ربما يخشى أن تمتد يده إلى هذا السلام فيفسده.
تنهد بصمت.
وعاد إلى ذاكرته صوتها من الليلة الماضية...
"أوعدك يا سلطان... مفيش حاجة في الدنيا هتفرق بينا... وطالما الحقيقة هسمعها منك، يبقى مش هصدق غيرك."
أغمض عينيه للحظة.
كانت كلماتها كفيلة بأن تمنحه طمأنينةً لم يعرفها منذ سنوات...
وفي الوقت نفسه...
حمّلته مسؤولية أثقل من الجبال.
همس لنفسه بصوتٍ خافت، بالكاد سمعه:
"والوعد ده... لازم أكون قدّه."
ظل ينظر إليها مرةً أخرى، ثم ابتسم ابتسامة شاحبة.
وقال وكأنه يعاهدها، رغم أنها لا تسمعه:
"مش هسمح لحد يسرق الثقة اللي بينا... ولا حتى الماضي."
صمت قليلًا...
ثم أكمل بصوتٍ أكثر حزمًا:
"بس قبل ما أحكيلك الحقيقة... لازم أعرفها أنا الأول."
هبطت عيناه لا إراديًا نحو يدها الصغيرة، الملقاة فوق الوسادة.
تذكر كيف أمسكت بكفه بالأمس...
وكيف استطاعت بكلمات قليلة أن تهدئ غضبه، ثم تمنحه وعدًا لم يطلبه من أحدٍ قبلها.
ابتسم بحنين...
وأمسك يدها برفق بين كفيه.
مال برأسه، وطبع قبلة هادئة فوق أطراف أصابعها، تنهد بعمق، ثم أردف بصوتٍ خرج مملوءًا بالخوف لأول مرة:
"أنا أقدر أستحمل إن الدنيا كلها تقف ضدي...
لكن مقدرش أستحمل أشوف نظرة الشك في عينيكي."
ساد الصمت داخل الغرفة.
ولم تكن تسمع كلماته...
لكنها، وهي غارقة في نومها، تحركت دون وعي، واقتربت منه أكثر، حتى استقر رأسها فوق كتفه، بينما التفَّت أصابعها حول ذراعه بعفوية.
تجمد مكانه...
ثم أغمض عينيه، وقد شعر وكأنها، حتى وهي نائمة، تمنحه الإجابة التي كان يبحث عنها.
ابتسم ابتسامة صادقة هذه المرة...
ورفع عينيه إلى السقف هامسًا:
"أقسم بالله يا حور…أقسم بالله... النهارده هبدأ أمشي ورا الحقيقة لحد آخرها. يا تثبت إنها بتقول الحق... وساعتها لكل حادث حديث. يا تثبت إنها كدابة... وساعتها هتعرف يعني إيه تلعب مع سلطان العامري.
ثم تحرك بحذر، حتى لا يوقظها.
لكن قبل أن ينهض...
التفت إليها للمرة الأخيرة.
وقال بنبرة الواثق الذي اتخذ قراره:
"النهارده..الحقيقة هتبان …..
………….
في بهو دار العامرية...
كان البهو يغرق في هدوء الصباح، تتسلل إليه أشعة الشمس عبر النوافذ الواسعة، بينما انتشرت رائحة القهوة العربية في المكان.
جلست هانم فوق مقعدها المعتاد، تحتسي قهوتها في صمت، وقد بدت ملامحها جامدة، إلا أن الشرود الذي يكسو عينيها كان كافيًا ليكشف أن عقلها لم يهدأ منذ أحداث الأمس.
أما ماجدة، فكانت تجلس إلى جوارها، تراقبها بين الحين والآخر، تحاول أن تقرأ ما يدور داخل رأس تلك المرأة التي لم يعد من السهل توقعها.
وفي تلك اللحظة...
صدحت خطوات ثابتة تهبط درجات السلم.
رفعَت الاثنتان رأسيهما معًا.
كان سلطان ينزل بخطوات هادئة، مرتديًا قميصًا أسود وبنطالًا داكنًا، تبدو على وجهه ملامح الجمود لكن عينيه كانتا أكثر صلابة من أي وقت مضى.
توقف أمام والدته أولًا، وانحنى يقبل رأسها باحترام.: صباح الخير يا أمي.
أجابته بهدوء وهي تربت على كتفه:صباح النور يا ولدي.
ثم التفت إلى ماجدة بإيماءة مقتضبة: صباح الخير يا ماجدة.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.: صباح النور يا سلطان.
لم يطل الوقوف.
استدار نحو إحدى الخادمات التي كانت تمر في البهو وقال بنبرة هادئة لا تقبل التأخير: حضريلي القهوة على المكتب... وابعتي لسارة، قوليلها إني مستنيها .
أومأت الخادمة سريعًا: حاضر يا شيخ سلطان.
لم يزد حرفًا.
واستدار متجهًا إلى مكتبه، حتى اختفى خلف الباب.
ساد الصمت لثوانٍ...
لكن ما إن غاب عن الأنظار، حتى مالت ماجدة قليلًا نحو هانم، وقالت بنبرة بدت عفوية، بينما كانت عيناها تلمعان بخبث:
غريبة والله...
لم تلتفت إليها هانم.
فاكملت وهي تداعب فنجانها بطرف إصبعها : ــ البت سارة رجعت فجأة... ومن ساعة ما وصلت، وكل شوية سلطان يناديها على المكتب.
صمتت لحظة، ثم قالت وكأنها تلقي سؤالًا عابرًا: هو حضرتك تعرفي بيتكلموا في إيه؟
رفعت هانم رأسها ببطء...وثبتت عينيها عليها.
نظرة واحدة فقط...
كانت كفيلة بأن تُسقط الابتسامة عن وجه ماجدة.
وضعت هانم فنجان القهوة فوق الطاولة بهدوء، ثم قالت بصوت منخفض، لكنه خرج حادًا كحد السكين: وإنتِ مالِك؟
ارتبكت ماجدة للحظة، لكنها سرعان ما تمالكت نفسها.: ماليش... بس استغربت يعني.
قاطعتها هانم دون أن تسمح لها بإكمال حديثها : من غير ما تستغربي مالكيش فيه…
ظل الصمت يلف المكان للحظات، قبل أن تميل هانم بجسدها قليلًا إلى الأمام، وقالت وهي تحدق مباشرة في عينيها:ــ اسمعيني كويس يا ماجدة.: سلطان... خط أحمر.
لا تتدخلي في أي حاجة تخصه.
ولا تشغلي بالك هو رايح فين... ولا جاي منين... ولا بيقابل مين.
ابتسمت ماجدة ابتسامة باهتة، محاولة تخفيف حدة الموقف.: يا ساتر يا خالتي... أنا كنت بسأل عادي.
ابتسمت هانم...لكن ابتسامتها لم تصل إلى عينيها.: وأنا برد عليكي عادي برضه.
ثم اعتدلت في جلستها، وأكملت بنبرة أكثر صرامة: بلاش الحركات دي معايا.
أنا عارفاكي كويس...
وعارفة إنك عمرك ما بتسألي سؤال من غير ما يكون وراه غرض.
ساد صمت ثقيل.
ابتلعت ماجدة ريقها بصعوبة، لكنها لم تتراجع.: حضرتك فاهماني غلط.
أطلقت هانم زفرة ساخرة : لا...
أنا فهماكي صح وانتي عارفه
ثم أشارت إليها بإصبعها قائلة ببطء شديد:
خليكي في جوزك...وفي بيتك...
وسيبك من سلطان.
علشان اليوم اللي هحس فيه إنك بتلعبي لعبة تمس عيل من عيالي...
والله ما هيعجبك اللي هعمله.
انعقد فك ماجدة، لكنها أجبرت نفسها على الابتسام : ــ حاضر ولا تزعلي نفسك …
ظلت هانم تنظر إليها لثوانٍ طويلة...
ثم أمسكت بفنجانها من جديد، ترتشف منه في هدوء، وكأن الحديث انتهى.
أما ماجدة... فاكتفت بالابتسام في هدوء، ثم تناولت فنجان قهوتها ترتشف منه ببطء، بينما ظلت عيناها معلقتين بباب مكتب سلطان.
كان الصمت الذي لفها... أخطر بكثير من أي كلمة كان يمكن أن تقولها…
………….
في مكتب سلطان...
كان سلطان يجلس خلف مكتبه، عيناه معلقتان ببعض الأوراق أمامه، لكن عقله لم يكن حاضرًا معها.
منذ أن استيقظ هذا الصباح، وهو يشعر أن هناك شيئًا يضغط فوق صدره.
حقيقة سارة.. ووعده لحور...
والخوف الذي لم يعترف به لأحد.
طرق الباب بخفة، ثم دخل ياسين.
رفع سلطان عينيه إليه فورًا.: تعالي يا ياسين …
أغلق ياسين الباب خلفه، واقترب من المكتب، ثم جلس أمامه.
هتف سلطان متسائلا: شكلك بيقول ان في جدبد ،،،،
اجابه ياسين مؤكداً : ــ أيوه... بعد تحريات كتير قدرت أوصل لحاجة مهمة.
اعتدل سلطان في جلسته، وقال بتركيز: اتكلم.
تنهد ياسين قليلًا، ثم قال: أول حاجة... عيلة الدهشوري والمنصوري أقدر أقولك إنهم خارج الحسابات.
انعقد حاجبا سلطان باستغراب : متأكد؟
أومأ ياسين برأسه.: أيوه. دورت وراهم كويس... مفيش بينهم وبين العامرية أي عداوة تخليهم يعملوا حاجة زي دي.
ثم أضاف : بالعكس... الاتنين احترموا قرارك يومها لما طلبت محدش يضرب نار، والتزموا بالكلمة اللي اتقالت.
ظل سلطان صامتًا للحظات، ثم قال: يعني كل اللي اتقال وقتها عنهم كان مجرد شك من ناحيتك ؟؟
ياسين مؤكداً : بالظبط.
أخذ سلطان نفسًا عميقًا، ثم مرر يده فوق ذقنه بتفكير : أومال انت شاكك في مين بالظبط..
تغيرت ملامح ياسين قليلًا وتردد قبل أن يجيب.
لاحظ سلطان ذلك فتابع ؛ قول يا ياسين من غير خوف،،،
خفض ياسين صوته : للأسف... الشك بقى محصور بين عيلتين بس.
نظر إليه سلطان بثبات : مين؟
صمت ياسين لحظة، ثم قال: العامرية... والرفاعية.
ساد صمت ثقيل داخل المكتب.
لم يتحرك سلطان، لكن نظراته تغيرت.
قال بهدوء: يعني واحد من أهلي... أو أهل حور.
أومأ ياسين بصمت. : وده اللي مخلي الموضوع أصعب يا شيخ سلطان. لأن لو كان عدو واضح... كنا عرفنا نتعامل معاه.
ظل سلطان صامتًا، ثم قال بنبرة حاسمة:
ــ كمل شغلك يا ياسين.
رفع ياسين عينيه إليه.
فأكمل سلطان: عاوز أعرف مين عملها... ومش مهم يكون مين.
تشددت ملامحه.: اللي مد إيده وضرب النار... لازم يدفع تمنها.
أومأ ياسين.: حاضر يا شيخ سلطان…
ساد صمت قصير داخل المكتب...
ثم نظر سلطان إلى ساعته، وكأنه ينتظر شيئًا.
قال ياسين: انا هقوم اشوف شغلي محتاج مني حاجه تاني ..
رفع سلطان عينيه إليه، وقال بنبرة جادة:
أيوه... عاوز منك حاجة مهمة.
اعتدل ياسين في جلسته منتظرًا: تحت امرك
ــ هتف سلطان بثبات ؛ حور.
تغيرت ملامح ياسين قليلًا بعدم فهم : مالها مدام حور ؟؟؟
أجابه سلطان بهدوء : مفيهاش حاجة... بس عاوزك تكون عينك عليها النهارده.
ثم تابع وهو ينظر أمامه بثبات: توصلها الجامعة... تستناها لحد ما تخلص... وترجعها بنفسك لاني مش هكون موجود معاها .،،
اومأ ياسين بطاعه: حاضر.
لكنه لم يستطع منع نفسه من السؤال : هو في حاجة حصلت او حضرتك قلقان من حاجه ؟؟
ساد صمت قصير.
نظر سلطان إلي الشباك ، ثم عاد بعينيه إليه : لا...
توقف قليلًا، ثم قال بصوت منخفض: بس هكون مطمن عليها اكتر وهي معاكً.،
أومأ برأسه وقال : اطمن مدام حور في عنيا .
اكتفى سلطان بإيماءة صغيرة.
وفي تلك اللحظة...
جاء صوت طرق خفيف على الباب.
توقفت عينا سلطان عنده فورًا.
كان يعرف قبل أن يُفتح الباب من الطارق.
عاد ياسين ينظر إليه، ففهم أن وقته قد انتهى.
نهض من مكانه : عن اذنك .
خرج ياسين وأغلق الباب خلفه.
وبقي سلطان وحده...
ثواني وانفتح الباب بهدوء.
دخلت سارة بخطوات مترددة، وقد اختفت من ملامحها تلك الثقة التي كانت تحاول إظهارها بالأمس.
كان سلطان جالساً يرتب بعض الأوراق دون أن يرفع عينيه إليها.
توقفت أمامه وقالت بصوت خافت: طلبتني؟
رفع عينيه إليها للحظة وقال بجمود : أيوه.
ساد صمت قصير.
انتظرت أن يخبرها بما يريد، لكنه لم يقل شيئًا.
فعقدت حاجبيها بتوتر: في إيه يا سلطان؟
أغلق الملف الذي أمامه، ووضعه جانبًا، ثم قال بهدوء: هنروح مشوار مهم …
نظرت إليه باستغراب: مشوار ايه ده؟؟
لم يجيبها فقط التقط مفاتيحه وقال: لما نوصل هتعرفي.
ثم تحرك نحو الباب.
ظلت تنظر إليه للحظات، وكأنها تحاول فهم ما يدور في رأسه.
ثم لحقت به بصمت.
………………..
في الطريق...
كان الصمت هو سيد الموقف.
جلس سلطان خلف المقود، عيناه ثابتتان على الطريق أمامه، وملامحه جامدة لا تكشف شيئًا.
لم يتحدث ….لم يلتفت إليها ،لم يمنحها حتى فرصة لتقرأ ما يفكر به.
أما سارة...
فكانت تجلس إلى جواره، تراقبه من حين لآخر بقلق.
لم يكن هذا هو سلطان الذي تعرفه.
ذلك الرجل الذي كانت ترى في عينيه قديمًا اهتمامًا بها، لم يعد موجودًا.
الآن...كان أمامها رجل آخر.
رجل يحمل قرارًا في داخله.
قالت محاولة كسر الصمت:سلطان...
لم يرد.
نظرت إليه وتابعت : إنت واخدني علي فين ؟؟
ظل صامتًا للحظات، ثم قال دون أن ينظر إليها: قولتلك... لما نوصل هتعرفي.
ابتلعت كلماتها وصمتت فهي ادركت انها لن تخرج منه بمعلومه تريحها .
…………..
في نفس الوقت في دار العامرية...
استيقظت حور واستعدت لجامعتها ، نزلن إلى البهو تبحث عن سلطان ، سألت إحدى الخادمات: هو سلطان فين؟
أجابتها الخادمة: الشيخ خرج يا ست حور.
انعقد حاجباها قليلًا.: خرج؟
وقبل أن تسأل الخادمه مره اخري جاء صوت ماجدة من خلفها : أيوه الشيخ سلطان خرج
التفتت حور إليها
كانت ماجدة تقف، وعلى وجهها ابتسامة صغيرة لم ترتح لها حور.
اقتربت منها وقالت بنبرة تبدو بريئة: سلطان خرج مع سارة.
سكتت لحظة، تراقب تغير ملامح حور.
ثم أكملت بخبث : ده حتي اول ما نزل من جناحكم بعت لها علي طول وخدها وخرج على طول.
ظلت حور تنظر إليها بصمت.
فأضافت ماجدة تسالها بخبث وهي تنظر الي طلاء اظافرها : الا هو مقالكيش رايح معاها فين؟
ساد الصمت بينهم ….
كانت حور تعرف جيداً المغذي من وراء كلماتها الخبيثه علي الرغم من ضيقها بسبب خروج سلطان مع ساره ..
ابتسمت حور بهدوء وقالت: لا مقاليش …
ارتفعت زاوية فم ماجدة قليلًا، ظنًا منها أنها أصابت هدفها.
لكن حور أكملت:بس عارفه الفرق بيني وبينك يا ماجدة...
أن أنا مش محتاجة أعرف كل خطوة بيعملها سلطان علشان أثق فيه.
تغيرت ملامح ماجدة.
فأكملت حور بنفس الهدوء: الشيخ سلطان مش طفل محتاجة أراقبه.
ثم اقتربت خطوة وقالت: ولو هو اختار يخبي عني حاجة، فأنا واثقة إن عنده سبب.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وتابعت : لكن الغريب فعلًاإن في ناس بتفرح لما تلاقي فرصة تحط الشك بين اتنين.
نظرت إليها مباشرة واردفت بقوه : بس المشكلة إن الشك محتاج مكان يدخل منه... وأنا وسلطان قفلنا الباب ده من زمان.
تجمدت ابتسامة ماجدة علي وجهها وكانها نالت صفعه للتو من حور ….
أما حور فلم تنتظر ردها ابتسمعت بغرور
واستدارت وغادرت المكان.
خرجت حور وهي تحمل حقيبتها، لتجد ياسين واقفًا بجوار السيارة.
توقفت باستغراب تساله : خير يا ياسين؟
ابتسم لها باحترام. فتح لها باب السيارة وقال: اتفضلي يا مدام حور انا هوصل حضرتك الجامعة…
نظرت إليه بدهشة وهي تتقدم لتصعد السيارة: اشمعني؟؟
قال مبتسمًا: دي أوامر الشيخ سلطان.
…………….
في إحدى العيادات الخاصة...
توقفت سيارة سلطان أمام المبنى.
ترجل أولًا، ثم أغلق الباب خلفه دون أن ينظر إلى سارة.
اكتفت هي بالسير خلفه في صمت، بينما كانت نبضات قلبها تتسارع كلما اقتربا من باب العيادة.
كان الطبيب ينتظرهما.
صافح سلطان باحترام، ثم أشار إلى سارة : اتفضلي يا مدام.
دخلت سارة إلى غرفة الكشف، بينما بقي سلطان واقفًا في الخارج، يداه داخل جيبي بنطاله، وعيناه تنظر إلي الستار الفاصل ببنهم بجمود ….
مرت الدقائق ثقيلة حتى انفتح الباب.
خرج الطبيب، تبعه سلطان إلى مكتبه.ومن خلفه ساره .\
جلس الطبيب أمامهما، ثم فتح الملف الطبي وقال بهدوء ــ بعد الكشف والسونار...
رفع عينيه إلى سارة مبتسمًا ابتسامة مهنية : مبروك... الحمل ثابت، والحمد لله كله طبيعي.
نظر سلطان إليه، ولم ينطق.
أكمل الطبيب بمهنيه وعمر الحمل تقريبًا... تلات شهور ده حسب اخر دوره شهريه للمدام …
شعر سلطان وكأن الكلمات ارتطمت بصدره بقوة لم يظهر شيئًا على وجهه...
لكن قبضته انغلقت بعنف …
ظل صامتًا لثوانٍ، ثم سأل بصوت هادئ: دكتور لو سمحت .،،،لو واحد استخدم وسيلة منع حمل.. يعني عازل...
هل ممكن يحصل حمل؟
أجابه الطبيب ببساطة: طبعًا ممكن.
عقد سلطان حاجبيه.: إزاي؟
ابتسم الطبيب ابتسامة خفيفة وقال: لأن مفيش وسيلة منع حمل مضمونة مية في المية.
حتى مع الاستخدام الصحيح، وارد يحصل حمل بنسبة بسيطة.
ساد الصمت.
أما سارة...
فشعرت لأول مرة أن سلطان بدأ يعيد حساباته.
لكنها لم تفرح طويلًا.
إذ رفع سلطان رأسه وقال مباشرة طيب أنا عاوز أعمل تحليل DNA.
تجمدت سارة مكانها.واتسعت عيناها بصدمة : سلطان...!!
لكن سلطان لم ينظر إليها.
كان ينتظر إجابة الطبيب.
نظر الطبيب إليه للحظات، ثم قال بهدوء: هو طبعاً ينفع لكن مش دلوقتي.
عقد سلطان حاجبيه بعدم فهم ليه؟
ــ الطببب بمهنيه؛ : لأن الحمل لسه في بدايته فيه إجراءات معينة لإثبات النسب قبل الولادة، وليها توقيت مناسب، وأنا في المرحلة دي مش بنصح بيها.
ثم أردف بلهجة عملية: والأأمن للأم والجنين... إننا نستنى لحد بعد الولادة، وساعتها التحليل هيكون أسهل، وأدق، ومن غير أي مخاطرة.
ساد الصمت.
ظل سلطان ينظر أمامه دون أن يتكلم.
أما سارة...فلم تكن تنظر إلا إليه.
كانت تشعر أن كل كلمة خرجت من فمه...
طعنتها.
نهض سلطان بهدوء ثم صافح الطبيب: شكرًا يا دكتور.
ثم استدار وغادر ولحقت به سارة في صمت.
────────
داخل السيارة...
أدار سلطان المحرك وانطلقت السيارة تشق الطريق بسرعه جنونيه …
لم يتبادل معها كلمة واحدة.
ظل ينظر إلى الطريق أمامه، وملامحه جامدة، كأن ما سمعه قبل قليل لم يهزه.
لكن داخله...كان يعج بعاصفة.
أما سارة...
فلم تعد تحتمل ذلك الصمت انهمرت دموعها فجأة وقالت بصوت مختنق:إنت عملت فيا كده ليه يا سلطان؟
لم يرد.
فالتفتت إليه وهي تمسح دموعها بعنف.: إزاي تطلب قدام الدكتور تحليل DNA؟
شهقت وهي تكمل:ــ إنت متخيل شكلي كان عامل إزاي؟
انت اتهمتني قدامه وكاني واحده صايعه من الشارع …
قبض سلطان على المقود دون أن يلتفت إليها.
فازدادت نبرتها ألمًا:حتى بعد ما الدكتور أكد إني حامل...برضه مش مصدقني؟
خرج صوته باردًاخاليًا من أي انفعال: لا.
شهقت وهي تنظر إليه.
أما هو فأكمل، وعيناه لا تفارقان الطريق:
تأكيد الحمل..حاجة وإن اللي في بطنك ابني...ده حاجة تانية خالص.
تجمدت ملامحها وقالت بمرارة: يعني لسه شاكك فيا.
رد دون أن يلتفت إليها:أنا مش بشك...
أنا بدور على الحقيقة.
ارتفع صوتها وهي تبكي:الحقيقة قدامك يا سلطان...أنا حامل منك.
ضغط على المقود بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه.ثم قال ببطء، وكل كلمة خرجت كأنها حجر:يوم ما أتأكد إن اللي في بطنك ابني...هشيله بين رموش عينيا …
ولو طلع مش ابني...
سكت لحظة...ثم التفت إليها لأول مرة منذ ركبت السيارة.
وكانت نظراته قاسية إلى حدٍ ارعبها : ساعتها هتندمي علي الساعه اللي فكرتي فبها تلعبي مع سلطان العامري .
ارتجفت شفتاها وتعالت دقات قلبها تهدر في صدرها بعنف،…
أما سلطان...
فعاد ينظر إلى الطريق وعاد الصمت يسيطر على السيارة...
لكن هذه المرة...كان صمتًا يفصل بين شخصين، أحدهما ينتظر أن يُصدَّق...
والآخر لن يسمح لقلبه أن يسبق الحقيقة.
…………………….
في دار العامرية...
توقفت سيارة سلطان أمام الدار.
ترجل منها أولًا، ثم أغلق الباب خلفه دون أن يلتفت إلى سارة.
قال بصوتٍ جامد لا يحمل أي انفعال:اطلعي أوضتك وما تخرجيش منها غير بامري والي حصل عند الدكتور محدش يعرف بيه غير لما انا اقرر….
أومأت سارة برأسها في صمت، بينما اتجه هو مباشرة إلى المكتب.
كان يمشي بخطوات ثابتة، لكن داخله كان يموج بعاصفة لا تهدأ.
ومن شرفة الطابق العلوي، كانت هانم تراقب كل شيء.
لم يغب عنها وجه سلطان المتجهم...
ولا شحوب سارة، ولا الدموع التي كانت تحاول إخفاءها.
ما إن رأت سلطان يدخل الدار حتى استدارت ونزلت الي اسفل بخطوات هادئة.
اعترضت طريق سارة قبل أن تصعد إلى غرفتها.
تأملت وجهها طويلًا، ثم سألتها بهدوء: كنتوا فين؟
ترددت سارة لحظة، ثم قالت بصوت خافت: عند الدكتور.
لم يتغير وجه هانم : وقالكم ايه؟؟
تنهدت سارة، ثم أجابت بثبات : قال الحقيقه اللي انتوا مش عاوزين تصدقوها أكد الحمل...
وقال إني حامل تقريباً في تلات شهور،،،
صمتت لثواني ثم أضافت وهي تخفض عينيها: وسلطان... طلب منه يعمل تحليل DNA.
رفعت هانم رأسها فجأة : بعني ايه ؟؟
فتابعت ساره بكسره : يعني اثبات نسب لكن الدكتور قال مينفعش دلوقتي... ولازم نستنى.
صمتت لحظة، ثم قالت بمرارة:حتى بعد ما اتأكد إني حامل...لسه مش مصدق إنه ابنه.
ظلت هانم تنظر إليها دون أن تعلق.
ثم قالت بهدوء:اطلعي ارتاحي.
رفعت سارة رأسها باستغراب : يعني انتي..
قاطعتها هانم بنبرة حاسمة:قولت اطلعي.
لم تضف حرفًا آخر.استدارت واتجهت مباشرة نحو مكتب سلطان.
────────
في المكتب...
كان سلطان يقف أمام النافذة، يحدق في الحديقة بشرود.
لكن ما كان يراه أمامه...لم يكن الأشجار.
بل كلمات الطبيب التي ما زالت تتردد في رأسه.
قطع شروده صوت الباب وهو يُفتح.
دخلت هانم، ثم أغلقته خلفها :سلطان!!!
لم يلتفت قال وهو لا يزال يوليها ظهره:خير يا أمي؟
وقفت خلفه للحظات، ثم قالت بهدوء:ليه ماقولتليش إن سارة حامل؟
استدار إليها بسرعة انعقد حاجباه وقال بحدة: هي قالت لك.
هزت هانم رأسها نافيه : لا..
ثم أضافت وهي تنظر في عينيه مباشرة:أنا سمعتكم امبارح وإنتوا بتتكلموا هنا.
اشتعل الغضب في عينيه : يعني كنتِ واقفة بتتسمعي علينا؟
أجابته دون تردد:أيوه.
اقترب منها خطوة وتابع بغضب جم : وده بقى عادي عندك؟
قالت بثبات:لما أحس إن ابني في خطر داخل على كارثة...
آخر حاجة هفكر فيها ايه اللي يصح وايه اللي ما يصحش…..
زفر سلطان بضيق، ثم أدار وجهه للجهة الاخري …..
سألته مباشرة: عملتوا ايه عند الدكتور …
ارتفع ضغط دمه من شده الغضب ، فساره خالفت اوامره وحكت لوالدته كل شيء،
هتف بغضب : هي مش الهانم حكت لك ، اصل استحاله تكوني سمعتينا واحنا باره ،
اجابته هانم بثبات أيوه.
وقالت ان الدكتور اكد الحمل …
أجاب بصوتٍ مكبوت : أيوه.
ساد الصمت بينهما.
ثم قالت وهي تحدق فيه: في سؤال من امبارح قاتلني...
انت إزاي أصلًا وصلت للمرحلة دي؟
إزاي تعمل كده من غير جواز؟
ولا هو كل اللي اتربيت عليه ضاع خلاص
يا ابن صفوان ؟
رفع سلطان رأسه إليها.
وكانت نظراته تحمل شيئًا من الكبرياء المجروح قال بهدوء شديد: ابن صفوان عمره ما يغضب ربنا مهما حصل يا امي ….
صمت لحظة، ثم أكمل:يوم ما سارة طلبت مني نتجوز...
كتبت عليها بعقد عرفي عند المحامي وباتنين شهود وأمها كانت موجودة، وعارفة كل حاجة.
ثم نظر إليها مباشرة وقال بحزم:مش ابن صفوان العامري اللي يروح يعاشر ست في الحرام.
تغيرت نظرة هانم.
كانت تلك أول مرة تعرف الحقيقة كاملة.
أما سلطان، فتنهد بمرارة وقال:ويمكن دي أكبر غلطة عملتها في حياتي...
ظل الصمت يلف المكان للحظات.
ثم سألت هانم بهدوء:واللي في بطنها...
ابنك؟
ظل سلطان صامتًا.
كان الصمت هذه المرة أطول من أي إجابة.
ثم قال أخيرًا:معرفش.
انعقد حاجباها بعدم فهم : يعني ايه ما تعرفش ما هو يا ابنك يا مش ابنك …
فأكمل بصوت مثقل: مش عارف ومحدش هيعرف غير لما الحقيقة تبان واتاكد …
سألته وهي تضيق عينيها:علشان كده طلبت تعمل تحليل اثبات النسب؟؟
رفع عينيه إليها بثبات : أيوه.
سالته بقلق : ولو طلع ابنك؟
لم يتردد واجابها بحسم : هعترف بيه طبعاً .
نظرت إليه طويلًا وتابعت : وحور؟
هنا فقط لانت ملامحه وقال بصوت خرج من أعماق قلبه: حور مراتي...
وهمس داخله:و الوحيدة اللي قلبي اختارها.
صمت لحظة، ثم تابع:ولو الطفل ابني...
فده ذنبي أنا، مش ذنبه.
لكن حور...
ملهاش ذنب تدفع تمن ماضي انتهى.
اقتربت هانم منه خطوة وقالت بحسم : وجود حور او عدمه مش هيفرق في حاجه
انا شايفه ان ساره صادقه وطلعت فعلاً حامل يبقي اعلن جوازك منها فوراً علشان خاطر ابنك
رفع سلطان رأسه بثبات وتابع حاسم الموقف : اللي يهمني دلوقتي...
إني أوصل للحقيقة واتاكد فعلاً انه ابني ولو فعلاً ابني ده مش معناه اني هتجوز ساره
ضيقت هانم عينيها وسالته : يعني ايه ؟
سلطان بحسم: اللي سمعتيه حور هتفضل مراتي سواء اللي في بطن ساره ابني او لا .
ساد الصمت.
كانت هانم تنظر إليه وكأنها ترى أمامها رجلًا لم يعد ذلك الشاب الذي كانت تعرفه.
رجلًا أثقلته المسؤولية...
وأصبح يحمل فوق كتفيه أكثر مما يحتمل.
تنهدت ببطء، ثم قالت وهي تستدير نحو الباب: أنا خوفي مش من سارة ولا من حور لما تعرف انا خايفه عليك انت….
أجابها سلطان دون تردد: ما تخافيش عليا
ثم تابع محذراً : وحور...
هتعرف الحقيقة مني أنا مش من أي حد تاني.
توقفت يد هانم على مقبض الباب.
ثم قالت بصوت خافت:ربنا يستر يا ولدي...
لأن اللي جاي... مش سهل.
وخرجت وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
أما سلطان...
فعاد ينظر من النافذة.
لكن هذه المرة...
لم يكن يخشى اي شيء سوي الحظة التي يقف فيها أمام حورويخبرها بكل شيء.
……………….
في غرفة سارة...
أغلقت سارة باب غرفتها خلفها، ثم ألقت حقيبة يدها فوق الفراش.
جلست وهي تزفر بضيق، وما زالت كلمات سلطان في العيادة تدوي داخل رأسها.
أغمضت عينيها بقهر.
وفي اللحظة نفسها...اهتز هاتفها فوق الطاولة.
نظرت إلى الشاشة...فتجمدت ملامحها عندما وجدت رقم صبري.
أطبقت على الهاتف للحظات، ثم ضغطت زر الإجابة وهي تقول بفتور: عاوز إيه؟
جاءها صوته هادئًا على غير عادته، يحمل ابتسامة خبيثة:الأول... نقول مبروك.
انعقد حاجباها بعدم فهم : مبروك على إيه؟
ضحك ضحكة قصيرة خبيثه : على البيبي...
مش كنتِ لسه مع سلطان عند الدكتور؟
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قالت ببرود: اه نسيت إنك مراقبني؟
ابتسم صبري ابتسامة واسعة، وقال: شاطره ؛ بس كده بقى اتأكدت.
إنتِ فعلًا حامل من سلطان.
أغمضت سارة عينيها بضيق.
أما هو فتبدلت نبرته فجأة، وقال بحدة: ليه ماقولتيليش؟
رفعت حاجبها باستهزاء.: وأقولك ليه؟
هدر صوته بغضب ؛ علشان الاتفاق اللي بينا.
ضحكت بسخرية ؛ اتفاق إيه يا صبري؟
الاتفاق ده انتهى.
أنا دلوقتي حامل من سلطان...
وقريب أوي هتسمع إنه طلق حور...
ورجعني أنا.
وصمتت لحظة، ثم أضافت بلهجة حاسمة:
وياريت من النهارده...ما تحاولش تتصل بيا تاني.
لأن لو كررت الحركة دي...هقول كل حاجة لسلطان.
ساد صمت قصير...
ثم انطلقت من الطرف الآخر ضحكة منخفضة ضحكة باردة...جعلت جسدها يقشعر.
قال صبري بهدوء مخيف: إنتِ فاكرة إن الموضوع بالسهولة دي؟
ابتلعت ريقها دون أن ترد.
فأكمل بنفس الهدوء:أنا...أنا اللي بدأت اللعبة وأنا اللي هنهيها.
ومحدش بيمشي من نص الطريق بإرادته.
اشتدت قبضتها حول الهاتف.: أنا ماليش دعوة بيك من النهارده.
رد بابتسامة كأنها تُسمع عبر الهاتف:لأ...
ليكي يا روح امك وغصب عنك كمان.
لأن لو فكرتِ تعملي فيها شريفة...
أنا اللي ههد كل حاجة فوق دماغك.
هتفت تساله بقلق: تقصد إيه؟
قال ببطء، متعمدًا وهو يضغط علي حروف كلماته : يعني مثلاً أبعث لسلطان الصور...
اللي إنتِ فيها معايا الصور اللي بنتفق عليه فيها .،،،
واللي لو سلطان شافها مش هيفرق معاه بعدها انتي حامل في ابنه ولا لاء …
شهقت سارة برعب واعتدلت في جلستها: إنت مجنون!
ضحك بخبث : لا...أنا باخد احتياطاتي.
وده كان اتفاقنا من أول يوم.
ولو فكرتِ تلعبي من ورايا...
هخلي سلطان يشوف كل حاجة بنفسه.
ارتجفت أناملها وهي تتمسك بالهاتف.
أما هو فقال للمرة الأخيرة:اسمعي كلامي يا سارة...لأن اللي جاي...
أنا اللي هكتبه وأي سطر هتحاولي تغيريه...هيكون نهايتك.
ثم أغلق الخط.
بقيت سارة تحدق في الهاتف بين يديها.
وشعرت لأول مرة...
أنها لم تكن مساعده لصبري...
بل كانت مجرد قطعة على رقعة شطرنج...
يتحكم هو في تحريكها منذ البداية.
………………..
